إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [33 - 37]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كتب الله الموت على كل مخلوق، فجميع الخلائق مرجعها إلى الله، وذلك في يوم الوعيد، حيث يري الله الكافرين جزاء تكذيبهم، ويدخلهم النار فلا يجدون لهم ناصراً، ويبهتون بدخولها فلا يستطيعون ردها ولا يبعدون عنها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأنبياء: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ * خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنظَرُونَ [الأنبياء:33-40].

    أخبر الله سبحانه وتعالى عن آياته الكونية العظيمة حتى يتدبر فيها الخلق، فقال أولاً: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا [الأنبياء:30]، فتق الله عز وجل السماوات بأن فتق السحاب وأنزل الأمطار، وفتق الأرض فأخرج منها الأشجار، وجعلها آية للخلق، وقد بدت هذه الآية بوضوح في هذا الزمان كما ذكرنا، فقد ذكر العلماء أن السماوات والأرض كانتا شيئاً واحداً ثم فرق الله سبحانه وتعالى بينها وفصل بينها.

    ثم ذكر الله آية خلق السماوات والأرض والجبال التي جعلها في الأرض لئلا تميد بهم، وجعل السماء سقفاً محفوظاً، وهذه من آيات الله تبارك وتعالى حتى يتفكر الإنسان المخلوق الضعيف، أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ [النازعات:27] أنت أيها الإنسان الضعيف المخلوق من تراب، هل أنت أقوى أو هذه السماوات وهذه الأرض وهذه الجبال؟

    فلم تتطاول على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب ربك؟ لِمَ لا تؤمن به؟

    ثم قال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ [الأنبياء:33]، لو شاء الله عز وجل لجعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة، ولو شاء لجعل النهار سرمداً إلى يوم القيامة، فمن يعكس هذا ويأتيكم بالأمر الآخر؟ لا أحد يقدر على ذلك إلا الله سبحانه تبارك وتعالى، فخلق الله هذه الأرض وجعلها راحة للعباد، يستريحون عليها، وجعلها مهاداً وفراشاً، وجعل لهم وسائل الراحة فيها، فإن عبدوا الله عز وجل استراحت قلوبهم، وأنزل عليهم البركات من السماء والأرض كما قال: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96].

    وسبل الراحة يسرها الله عز وجل لخلقه، فالراحة القلبية هي أهم شيء، ولن يستريح قلب الإنسان أبداً وهو بعيد عن الله، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    وخلق الله عز وجل لك ما تستريح به من أرض .. من سماء .. من جبال .. من ثمار .. من أشجار .. من أنهار .. من بحار، خلق لك أشياء كثيرة، ولو أنك عبدت الله لجعل لك فيها رزقاً حسناً عظيماً، وأنزل عليك البركات من السماء ومن الأرض، فانظر إلى آيات الله وقدرته العظيمة، ومنحه الكريمة التي يعطيها لعباده، وتدبر في آيات الله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [الأنبياء:33]، وَهُوَ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:47] وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا [النبأ:9-10].

    فجعل النوم سباتاً تستغرقون فيه فتنسى الدنيا، وتنسى المشاغل، وهذا من فضل الله عز وجل، ولو أصاب الإنسان الأرق لعرف فضل الله عز وجل عليه في النوم، ولعرف قدر النوم، فمن يحرم من النوم كيف يكون حاله؟ سيذهب عقله من شدة احتياجه إلى النوم، وعدم قدرته عليه، فاحمد ربك سبحانه أنك إذا أويت إلى فراشك، ووضعت رأسك عليه، فمن نعمة الله عز وجل أن جعل النوم سباتاً.

    وقال الله: وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:47]، ولذلك كان يقوم النبي صلى الله عليه وسلم من نومه فيقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور)، فجعل الله الليل لباساً، وجعل النوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً، جعل النهار ضياءً تبحث فيه عن رزقك، وجعل الليل مظلماً حتى تستريح من عناء النهار، وحتى يستر الله سبحانه تبارك وتعالى على عباده.

    وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ [الأنبياء:33]، جعل سبحانه آيتين: آية الليل، وآية النهار، فلا الليل سابق النهار، ولا الشمس تسبق القمر وتدركه، كل في فلك يسبحون، أي: يدورون، الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلكه الذي خلقه الله عز وجل له لحكمة من الله سبحانه تبارك وتعالى.

    يقول العلماء: أول ما خلق الله عز وجل هذه الأرض، كانت تدور بطريقة معينة، تدور عكس عقرب الساعة تدور الأرض وهي في مكانها حول نفسها في محور، وتدور حول الشمس في فلك.

    قالوا: وكان الليل أربع ساعات والنهار أربع ساعات، ولم يزل دوران الأرض حول نفسها ودورانها حول الشمس يتباطأ حتى وصلت إلى ما نحن عليه: الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، يزيد الليل فينقص النهار، ويزيد النهار فينقص الليل.

    وتظل الأرض على هذا الحال حتى يأتي أمر الله عز وجل وتطلع الشمس من مغربها.

    يقولون: والقمر يدور حول الأرض بطريقة معينة وبعد معين، وفي كل سنة يبعد القمر عن الأرض (3سم)، ويظل يبعد حتى يأتي أمر الله عز وجل، حيث يدخل القمر في جاذبية الشمس فيجتمعان كما قال الله: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [القيامة:9] وحينئذ تقوم الساعة.

    ويقول هؤلاء العلماء: الأرض تدور بطريقة معينة، وتباطأت بعدما كان الدوران سريعاً أربع ساعات ليل، وأربع ساعات نهار، فوصل الأمر إلى الحال الذي نحن عليه الآن، وستظل تبطئ من دورانها إلى غاية أنها لا تقدر أن تدور من اليمين إلى الشمال عكس عقرب الساعة، وسيأتي عليها ساعة تكون في دورانها معكوسة، قالوا: وإذا انعكست تطلع الشمس من المغرب ولا تطلع من المشرق، وهذا هو الذي قاله لنا النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن علامات الساعة أن الشمس تطلع من مغربها، فهذا أمر الله سبحانه وتعالى الذي يقول لنا: تدبروا في هذا الكون، وهذا كلام الكفار الذين قالوا ذلك ويصدقون ما في كتاب رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى، وما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال الله: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء:33]، وحسب ما يريده سبحانه تكون الدورة سريعة أو بطيئة، تطلع الشمس من مشرقها أو تطلع من مغربها، فأمر الله عز وجل لابد أن يكون، فهو خالق ذلك، وهو المتحكم فيه، وهو المدبر لأمره سبحانه.

    كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء:33] الفلك هي الخشبة التي في المغزل، والقمر تابع للأرض يدور حولها، والأرض والقمر كلاهما يدوران حول الشمس، والكواكب التسعة التي في المجموعة الشمسية كلها تجري حول الشمس، وكل كوكب في فلك معين جعله الله سبحانه وتعالى له، لا هذا يخرج من فلكه ولا هذا يخرج من فلكه، كل له مدار لا يصطدم بالثاني.

    هؤلاء التسعة الكواكب التي تدور حول الشمس قال العلماء: اكتشفنا كوكباً عاشراً أيضاً، وهو يدور حول الشمس، لكن ما رأيناه، إنما الحسابات الرياضية دلت على وجود كوكب عاشر يدور حول الشمس، وهذا الكوكب الذي اكتشفوه بالعمليات الحسابية يدور في مدار بيضاوي أو حلزوني حول الشمس، ويدور في مدار لا يصطدم مع الأرض أو القمر، والمجرة كلها تتحرك في هذا الكون، والله عز وجل يدير هذا كله، ويقول لك: انظر في السماء وتعجب من خلق الله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ...)

    قال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [الأنبياء:34].

    الكفار طلبوا أن يكون الرسول المبعوث إليهم خالداً لا يموت، وكان الكفار يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم: شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور:30]، هذا شاعر سيموت في يوم من الأيام وننتهي منه ومن دعوته، فالله عز وجل يجيبهم: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ [الأنبياء:34] يعني: لو مُت الآن فسيحفظ الله دينه، ونور الله لا يطفئه أحد، فالله عز وجل متم نوره وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32]، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة:33].

    لم نجعل لبشر من قبلك الخلد، مات الرسل ورسالاتهم باقية.

    أَفَإِينْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء:34]، لو مت فهل هم سيخلدون؟! كلكم تموتون: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]، ورسالة الله عز وجل باقية، مات الرسول صلى الله عليه وسلم وحملها من بعده فهم يبلغونها حتى تقوم الساعة.

    وقراءة نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف : أَفَإِينْ مِتَّ [الأنبياء:34]، وباقي القراء وهم ابن كثير وأبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر يقرءون: أفإن مُت، والمعنى واحد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ...)

    قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:35].

    كل ما جعل الله عز وجل فيه روحاً لابد أن يذوق الموت، الإنسان والحيوان والجان، كل ما فيه أرواح خلقها الله عز وجل لابد وأن يميتها ويذيقها هذا الموت، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ[الأنبياء:35].

    وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً[الأنبياء:35].

    وَنَبْلُوكُمْ أي: نختبركم، فيبتلي الله عز وجل الإنسان بالمصائب التي يراها شروراً، ويبتليه بالكفار وهم أشرار، ويبتليه بالفجار وهم أشرار، ونبلوكم أيضاً بالخير، نمتحنكم، نفتح عليكم الدنيا، نعطيكم من المال، نعطيكم من البنين، نعطيكم من المناصب، نعطيكم من زهرة الدنيا، وهذا بلاء من الله عز وجل.

    فالإنسان حين يرى ذلك من الخير أو من الشر عليه أن يصبر لأمر الله سبحانه، وينظر في نفسه، ويحرص أن ينجح في هذا الامتحان، فلينفق المال في الحلال، ينفق على نفسه، على أهله، على ولده، ينفق على الفقراء والمساكين وأقربائه، ينفق كما أمر الله عز وجل في وجوه الإنفاق الشرعية، أما من رسب في الامتحان فإنه يتجه إلى الحرام، يريد أن ينمي ماله بالحرام، يدخل الأموال في الربا، يدخل في المبايعات الخاطئة، يدخل في الرشا، يدخل في الأشياء التي يحرمها الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً[الأنبياء:35] كله بلاء من الله عز وجل، والمؤمن ينتفع بالنصيحة، فإذا به ينجح في الامتحان، وإذا جاءه الخير رضي بفضل الله وحمد الله سبحانه، وفعل به ما يرضي ربه سبحانه، وإذا جاءته المصائب والأقدار، وجاءته الشرور يصبر لأمر الله، ولا يخرج عن قوله أبداً، ولا يعترض على أمر الله سبحانه تبارك وتعالى.

    الإنسان المؤمن يعلم قول الله سبحانه: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ[الأنبياء:23]، فإذا ابتلاك الله عز وجل بشيء لا تقول: لماذا؟ فالله لا يسأل عن شيء، ولكن تسأل الله عز وجل وتقول: (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، ولكن الله عز وجل أعلم بالخير.

    أم سلمة لما مات زوجها أبو سلمة وكان من أفاضل الناس رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكانت لا ترى أحداً أفضل منه، وما كان على بالها أبداً أن تكون زوجة للنبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام، فلما مات زوجها وبكت عليه، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (قولي: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، فالسيدة أم سلمة فكرت في عقلها: ومن خير من أبي سلمة ؟ في نظرها أنه لا يوجد أحسن منه، ولاشك أنه يوجد أفضل من أبي سلمة ، فـأبو بكر الصديق أفضل منه، وعمر بن الخطاب أفضل منه، وكذلك عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عن الجميع، والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الجميع صلوات الله وسلامه عليه، فهي فكرت وقالت: من خير من أبي سلمة ؟! ولكن قالت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، فأخلف عليها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فكان هو الخيرة لها رضي الله تبارك وتعالى عنها، وصلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

    قال الله: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً[الأنبياء:35]، على الإنسان إذا جاءته الفتنة أن ينظر في أمر نفسه، وينظر في أمر الله عز وجل، ما الذي يريده الله عز وجل منه، فيصبر على الشر، يصبر على البلاء، وإذا كانت الفتنة بالمال أو البنين أو النساء فينظر ما الذي يرضي ربه فيصنعه، وما يغضب الله فيبتعد عنه.

    قال: وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[الأنبياء:35]، هذا تهديد وتخويف من الله عز وجل، يعني: مهما أعطيناك من أمور الدنيا، فأنت راجع إلينا، فانظر بِمَ سترجع إلينا هل أنت متضجر على أمر الله سبحانه؟ هل أنت معترض على قضاء الله وقدره؟ أو أنك راضٍ بقضاء الله، صابر لأمر الله سبحانه تبارك وتعالى؟ فإذا جاءت فتنة المال والبنين فاعمل بما يرضي ربك سبحانه تبارك وتعالى.

    قال: وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[الأنبياء:35]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب : وإلينا تَرجِعون .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً ..)

    قال الله: وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ [الأنبياء:36].

    كان الكفار حين يرون النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يستهزئون به، ويسخرون منه صلوات الله وسلامه عليه، ومرة سجد عند الكعبة صلوات الله وسلامه عليه فوضع بعض السفهاء سلا بعير -كرش بعير مذبوح- فوق ظهره صلوات الله وسلامه عليه وهو ساجد، وبقوا يستهزئون بالنبي صلوات الله وسلامه عليه حتى أخرجه الله سبحانه وتعالى من بين أظهرهم، وهاجر إلى المدينة، وعز الله عز وجل الإسلام وجنده بعد ذلك.

    قال: وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا [الأنبياء:36]، (هُزُواً) هذه قراءة حفص عن عاصم فقط، هزواً من غير همز، وغيره من القراء يهمزون، وحمزة سيقرؤها كبقية القراء هزءاً في الوصل، وإذا وقف عليها قال: إلاهزاً أو إلا هزواً.

    إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء:36]، يستهزئون به، قائلين: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء:36] يعني: أهذا الذي يسفه آلهتكم، وآلهتهم سفيهة، وهم أدرى الناس بذلك، ويعرفون مدى ما هم فيه من سفاهة، وما آلهتهم عليه من حقارة، ومع ذلك يعصون النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يؤمنون بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.

    يقول: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ [الأنبياء:36] كأنهم يريدون أن يكرموا الآلهة، وكان لهم مع آلهتهم مواقف عجيبة جداً، فهم الذين صنعوا هذه الآلهة ومع ذلك يعبدونها، يصنعها المشرك من حجر ثم يقعد يعبد هذا الإله الذي صنعه، فالشيطان طمس على عقل هذا الإنسان، فلا يتفكر في الذي يصنعه، فكانوا يعبدون الأصنام بدلاً من عبادة رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى.

    لما هاجر مصعب رضي الله تبارك وتعالى عنه إلى المدينة، وكان يدعو أهل المدينة، قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وما من بيت إلا ودخله الإسلام بسبب وجود مصعب رضي الله تبارك وتعالى عنه، فكان ممن أسلم على يد مصعب بن عمير رضي الله تبارك وتعالى عنه معاذ بن عمرو بن الجموح وعمرو بن الجموح، وكان عمرو سيد بني سلمة رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكان له صنم يعبده من دون الله اسمه مناة، فمر عمرو بن الجموح على مصعب، وقال: ما هذا الذي جئتمونا به؟ فقال له مصعب : إن شئت جئناك فأسمعناك القرآن، فذهب إليه وأسمعه صدراً من سورة يوسف عليه السلام، فـعمرو بن الجموح لما سمع ذلك وكان سيداً في قومه قال: إن لنا مؤامرة في قومنا، يعني: نستشير قومنا، فدخل على صنمه مناة وقال له: يا مناة! تعلم والله ما يريد القوم غيرك، فهل عندك من نكير؟ وخلع سيفه وأعطاه، وقال له: دافع عن نفسك فهؤلاء يريدون بك شراً.

    أي عقل هذا العقل؟! التمثال هو الذي صنعه من حجر، فكيف يعبده من دون الله سبحانه تبارك وتعالى، ويقول له: خذ هذا السيف ودافع به عن نفسك!

    وخرج وترك السيف معه، فدخل ابنه معاذ بن عمرو بن الجموح وأخذ السيف من الصنم، فلما رجع وجد الصنم قد أخذ منه السيف، فعجب لذلك وقال: أين السيف الذي كان معك؟ ويحك إن العنزة لتمنع استها، ثم أوصى أهله بالصنم، وخرج لأمر من أموره، فأخذ ابنه ومجموعة من الفتيان الصنم وربطوه بكلب ميت، ورموا به مع الصنم بين القاذورات، فلما جاء عمرو بن الجموح نظر إليه وهو مرمي مع كلب ميت بين النجاسة فقال:

    والله لو كنت إلهاً لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن

    أف لمثواك إلهاً مستدن الآن فتشناك عن سوء الغبن

    يعني عرفنا الآن أنك لا تنفع أن تكون إلهاً، وجمع قومه وقال لهم: ألستم على ما أنا عليه؟ فقالوا له: نعم، أنت سيدنا، قال: فإني آمنت بما أنزل على محمد صلوات الله وسلامه عليه، فتابعه قومه فأسلموا.

    هذا الرجل العظيم كان أعرج وفي يوم أحد خرج أولاده يقاتلون، وقالوا: نحن نغني عنك، فقال: لا، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصم أولاده، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت إن قتلت أأطأ بعرجتي هذه الجنة؟ قال: نعم) فقاتل في سبيل الله حتى قتل في ذلك اليوم رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    والمقصود بيان كيف أن هؤلاء الكفار كانوا يعبدون الأصنام، وهم يعرفون أنها لا تنفع ولا تضر، وأنها لا تملك لنفسها شيئاً! فهذا هو العجب، وليس العجب مما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا معنى لتعجبهم من ذلك وقولهم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، فالكفر يطمس نور العقول، ويجعل الإنسان ينظر للشيء على خلاف منظره، ويفتن الإنسان بجهله وكفره وحماقته.

    وكان رجل من المشركين سادناً لصنم القبيلة التي هو منها وهي بنو سليم، وفي يوم من الأيام وجد ثعلبين صعدا إلى رأس الصنم وبالا عليه، فقال:

    أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب

    فكسر الصنم وقال لقومه: هذا ليس إلهاً، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن: (فسأله: ما اسمك؟ فقال: غاوي ، فقال: بل أنت راشد)، كان اسمه غاوي بن عبد العزى فغير النبي صلى الله عليه وسلم اسمه فسماه راشد بن عبد ربه رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وقد قال الله سبحانه تبارك وتعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الأنعام:10]، يعني: يا رسولنا عندما يستهزئ بك قومك، فأنت لست بدعاً من الرسل، ولكن أنت مثل الرسل الذين من قبلك، وهنا قال: وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ [الأنبياء:36] أي: بآيات رب العالمين يكفرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خلق الإنسان من عجل ..)

    قال الله تعالى: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37].

    خلق الله عز وجل الإنسان من ضعف، فهو ضعيف وفي طبيعته أوصاف من الأوصاف التي أمر أن يقاوم هذه الأوصاف التي فيه، ففي طبيعته الشح والبخل، وأمره بالإنفاق، ولو لم تكن في طبيعة الإنسان الشح لما أمر أن ينفق أصلاً، وخلق الله في قلب الإنسان شهوة حب المال، وحب النساء، وحب البنين، وأمره أن يقاوم ذلك ويهذبه، فيحب ما أمر الله عز وجل به، فيتزوج ويأتي امرأته في حلال، وحرم عليه الزنا، وحرم عليه الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فالشريعة جاءت لتهذب الإنسان.

    ومن ضمن ما فُطر عليه الإنسان العجلة، قال الله: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37] ففي طبيعة الإنسان التسرع والاندفاع، وأمر بالحلم وعدم الطيش وعدم التهور، وأمر أن يمسك نفسه، ففي مسند أبي يعلى بسند حسن من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التأني من الله والعجلة من الشيطان، وما من أحد أكثر معاذير من الله، وما من شيء أحب إلى الله من الحمد).

    وفي قصة أشج عبد القيس لما وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأصحابه عندما قدموا المدينة أسرعوا لينظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلوا من الرحال وأقبلوا على النبي صلى الله عليه وسلم مسرعين، لكن هذا الرجل تأخر قليلاً، فخلع ثياب السفر، وتنظف ولبس ثياباً نظيفة، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إليه قال: (إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة)، يعني: عندك حلم، وعندك أناة، فهذان خلقان يحبهما الله عز وجل من العبد: أن يكون حليماً متأنياً.

    قوله تعالى: خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37] المعنى: ما كان يستعجل به الكفار من قولهم: ربنا آتنا قطنا، آتنا العذاب الذي تتوعدنا به! كقولهم: إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ [الأنفال:32].

    قال الله: سَأُرِيكُمْ آيَاتِي [الأنبياء:37] اصبروا، انظروا آيات الله عز وجل في الكون، وانظروا آيات الله عز وجل التي ينزلها على من يكفر وكيف يعذبه، سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء:37].

    فعلى الإنسان ألا يتعجل، فهو مأمور بمقاومة العجلة، لكن ليس التأني في كل شيء، فأمور الخير يأمرنا الله عز وجل أن نسابق ونسارع إليها، وقد جاء في سنن أبي داود من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة)، فعلى الإنسان أن يكون حليماً متأنياً في كل شيء إلا في عمل الآخرة، فلا يؤجل عمل الآخرة، إذا جاء وقت الصلاة يقوم يصلي، إذا جاء وقت العمل يقوم يعمل، إذا جاء وقت أمر بمعروف أو نهي عن المنكر، فلا يسوف، ولذلك قال الله: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، فتسعى إلى الصلاة بمعنى تهتم بذلك وتتوجه كما أمرت، وليس المعنى أن تجري، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجري إلى الصلاة فقال: (إذا أتيتم إلى الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وأنتم تمشون، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) .

    وفي الآية الأخرى قال الله عز وجل: وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11]، فالإنسان متعجل يريد الخير سريعاً، يريد المكسب السريع، يريد الدنيا بسرعة، من العجلة الشيطان، فالإنسان الذي يريد المكسب السريع يدله الشيطان على الربا، ويدله على الرشوة، ويدله على السرقة، ويدله على أكل مال اليتيم، ويدله على أكل الحرام، ويدله على الشرور، فلا تعجل ورزقك سيأتي، ولكن سارع للخيرات كما أمرك الله عز وجل.

    نسأل الله عز وجل أن يعييننا على فعل الخيرات وترك المنكرات، وعلى حبه سبحانه تبارك وتعالى.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.