إسلام ويب

تفسير سورة الأنبياء [1 - 6]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الأنبياء سورة مكية سرد الله فيها قصص كثير من الأنبياء تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر الله في أول هذه السورة يوم القيامة محذراً الناس من أن تبغتهم الساعة وهم في غفلتهم يعمهون، كما وصف حال كفار مكة وتعنتهم وإعراضهم عن البراهين الناصعة التي أتاهم بها النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مقدمة في تفسير سورة الأنبياء وذكر فضائلها

    الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ * مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ [الأنبياء:1-6].

    سورة الأنبياء هي السورة الحادية والعشرون من كتاب الله تبارك وتعالى، وهي من السور المكية التي نزلت قديماً في مكة، ولذلك كان عبد الله بن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه يقول: الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول، وهن من تلادي.

    فـابن مسعود من المهاجرين مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان معه في مكة، فيذكر أن هذه السور من حفظه القديم لما كان في مكة.

    وطالما أنها مكية فإن فيها خصائص السور المكية، من الاهتمام بأمر ترسيخ العقيدة ونفي الشرك بالله تبارك وتعالى.

    وبما أن اسمها سورة الأنبياء فسيكون فيها ذكر عدد من أنبياء الله سبحانه وتعالى، فقد ذكر فيها ستة عشر نبياً من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، بالإضافة إلى ذكر مريم عليها السلام، فقد ذكر في هذه السورة موسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وذو النون ويونس وزكريا ويحيى، ومريم عليهم الصلاة والسلام.

    وهؤلاء الأنبياء ذكروا أيضاً في سورة الطور، فقد ذكر فيها موسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ولوط ونوح وداود وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وذو النون ويونس وزكريا ويحيى ومريم عليهم الصلاة والسلام.

    كما أنهم ذكروا في سورة الأنعام وزيد عليهم إلياس واليسع، ولم يذكر ذو الكفل في الأنعام.

    وذكر الله عز وجل هؤلاء الأنبياء للنبي صلوات الله وسلامه عليه ليبين له أنه ليس بدعاً من الرسل مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:9]، فكلهم أرسلوا إلى أقوامهم، وكلهم ابتلاهم الله عز وجل ودافعوا عن دين الله، وكلهم دعوا قومهم إلى الله وكانت مواجهة قومهم لهم بالإعراض والتكذيب فنصر الله عز وجل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين على القوم الكافرين.

    وقد ذكر الأنبياء للنبي صلى الله عليه وسلم هنا حتى يطمئن قلبه ويزداد رسوخاً ويعلم أنه ليس أول من أوذي صلوات الله وسلامه عليه، فيتسلى بذكر الأنبياء، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) صلوات الله وسلامه عليه.

    وحين ذكر يوسف على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام يقول: (رحم الله أخي يوسف! لو لبثت في السجن ما لبث ثم جاءني الداعي لأجبته إذ جاءه الرسول فقال: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يترحم على سيدنا يوسف ويذكر صبره حين كان في السجن، وحين جاءه داعي الملك ليخرجه من السجن، فقال له: ارجع إلى ربك، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم متواضعاً: إنه لو كان هو لبادر بالإجابة.

    وقد ذكر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم سائر الأنبياء في سورة الأنعام فقال: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام:83-87].

    وبعد أن ذكر له هؤلاء مجتمعين قال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، أي: اقتد بهؤلاء.

    وفي سورة الأنعام ذكر الله عز وجل نعمه على عبيده بالأنعام، والسورة أيضاً كسائر السورة المكية فيها ترسيخ أمر العقيدة وأمر الإيمان بالله سبحانه وتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات، والأمر بالبعد عن الشرك بالله، وعن تشريع ما لم ينزل الله عز وجل به من سلطان، والبعد عن عبادة غير الله والذبح لغير الله سبحانه، على ما ذكر سبحانه في هذه السور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون)

    قال تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1].

    بدأ الله هذه السورة العظيمة بقوله سبحانه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1]، وفيه التذكير باليوم الآخر كعادة السور المكية، فذكر اليوم الآخر حتى يستعد الإنسان للحساب.

    اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ [الأنبياء:1]، اقتربت القيامة، كما ذكرهم بالآخرة في مواضع من القرآن كقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، وقوله: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1]، وقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، وقوله: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [النحل:33]، وقوله: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ [الزخرف:66].

    فذكر هنا أنهم ينتظرون الساعة، وطالما أن ربنا أخبر أن الساعة آتية فلا شك أنها آتية، ومهما طال عمر الإنسان فهو لا شيء إذا ما قيس بأيام يوم القيامة، قال تعالى: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47].

    فالإنسان إذا عاش خمسين سنة يكون واحد على عشرين من يوم عند الله سبحانه وتعالى، وعلى ذلك فعمر الدنيا محدود وقليل وضئيل ويسير، فلما قال الله: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) معناه: أن أمر الله قريب جداً وإن لم تأت الساعة الكبرى فستأتي ساعتنا نحن.

    قال تعالى: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1] لأن أكثر الناس على هذه الغفلة.

    وقال: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ كعادة السور المكية في ذكر الناس، أما في السور المدنية فإنه يذكر الذين آمنوا، وذكر الناس في السور المكية بسبب أن أكثر الناس في هذا الوقت كفار، والله سبحانه وتعالى يخاطب الجميع، أما السور المدنية لما كان فيها ذكر التشريعات، وأن هذه التشريعات لن يقوم بها إلا المؤمنون فكان يخاطب الذين آمنوا، فالمؤمن هو الذي سيقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

    أما في المرحلة المكية فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كفرة، وكان المؤمنون في ذلك الوقت عددهم قليل، حتى أسلم سيدنا عمر رضي الله عنه سنة ست من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أو نحوها، فكان عدد المؤمنين ما بين أربعين إلى خمسة وأربعين من الرجال وعشر من النساء، فالخطاب لن ينزل لهؤلاء الأربعين أو الخمسين، ولكنه خطاب لجميع من يدعوهم النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فالمعنى: اقترب لجميع الناس -مؤمنهم وكافرهم- الحساب، والغالب على حال الناس الغفلة والإعراض عن ذكر الله والإعراض عن اليوم الآخر، وكثير من الناس إذا جئت تذكره بالموت، يقول: لا تذكرني بالموت فأنا أخاف من الموت، والخوف من الموت ليس كلمة يقولها الإنسان، بل حقيقة الخوف من الموت أن يعمل الإنسان ويستعد لليوم الذي يموت فيه، والذي يجيب فيه عن أسئلة الملكين في قبره.

    اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1] كان الصحابة يخافون من أن يغفلوا عن ذكر الله سبحانه وتعالى، وخاصة في الأوقات الفاضلة التي يستحب فيها ذكر الله عز وجل كذكر الله بعد الفجر، وبعد العصر -يعني: طرفي النهار- والقيام في السحر، فكانوا يحبون أن يذكروا الله عز وجل في جميع أوقاتهم وخاصة في مثل هذه الأوقات.

    روى الإمام مسلم عن أبي وائل، قال: غدونا على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يوماً بعدما صلينا الغداة، -يعني: الفجر- قال: فسلمنا بالباب فأذن لنا، قال: فمكثنا بالباب هنيهة فخرجت الجارية فقالت: ألا تدخلون؟ فدخلنا، فإذا هو جالس يسبح، فقال: ما منعكم أن تدخلوا وقد أذن لكم؟ قالوا: لا إلا أنا ظننا أن بعض أهل البيت نائم، فقال ابن مسعود رضي الله عنه: ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة، -يقصد نفسه- ثم أقبل يسبح.

    والمعنى: أن أهل بيته لم يكونوا نائمين في هذا الوقت وهو وقت الفجر؛ لأن ابن مسعود يوقظ زوجته وعياله ليصلوا الفجر ويذكروا الله عز وجل في هذا الوقت، سواء جلس هو في المسجد أو ذهب إلى بيته يذكر الله تبارك وتعالى.

    ثم أقبل يسبح، يعني: مع أن الضيوف جاءوه إلا أنه اشتغل بالتسبيح، حتى ظن أن الشمس قد طلعت فقال: يا جارية! انظري هل طلعت؟

    قالت: فنظرت فإذا هي لم تطلع، فأقبل يسبح حتى إذا ظن أن الشمس قد طلعت، قال: يا جارية! انظري هل طلعت؟ فنظرت فإذا هي قد طلعت، فقال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا. يعني: أعطانا هذا اليوم نذكره فيه، والإقالة هنا بمعنى: أن ربنا سبحانه وتعالى تكرم علينا وترك لنا هذا اليوم نعيش فيه، ونأخذ بذكره أجراً وثواباً.

    قال: الحمد لله الذي أقالنا يومنا ولم يهلكنا بذنوبنا. كأنه يقصد أن كل إنسان يستحق أن يحاسبه الله ويعذبه على ذنوبه التي يفعلها، ولكن الله سبحانه يتكرم على عباده ويرجئهم ويعطيهم الفرصة ليتوبوا إليه فيتوب عليهم سبحانه وتعالى، ويذكرونه فيذكرهم ويشكرهم سبحانه.

    قال: فقال رجل من القوم: قرأت المفصل البارحة. يعني: ما بعد وقت طلوع الشمس إلى أن يصلي ابن مسعود صلاة الضحى بدأ يكلم الضيوف، فأخبره رجل منهم أنه قرأ المفصل البارحة، يعني: في قيام الليل.

    والمفصل من أول قاف إلى آخر القرآن، أو من أول الحجرات إلى آخر القرآن، وهذا يعني أنه يقرأ أربعة أجزاء، وهذا شيء طيب.

    فلما قال ذلك قال له ابن مسعود : أهذّاً كهذ الشعر؟ إني لأحفظ القرائن التي كان يقرؤهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر من المفصل وسورتين من آل حم.

    الشاهد: أن ابن مسعود كان في هذا الوقت يذكر الله تبارك وتعالى، وأهل بيته أيضاً يذكرون الله سبحانه وتعالى في هذا الوقت، وقال لضيوفه: ظننتم بآل ابن أم عبد غفلة.

    فكانوا يخافون من الغفلة وإن كان أغلب الناس في غفلة، كما ذكر الله تبارك وتعالى وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1]، أي: معرضون عن ذكر الله تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث... أفتأتون السحر وأنتم تبصرون)

    إعراض المشركين عن القرآن حسداً

    ثم قال تعالى: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [الأنبياء:2-3].

    سمى الله القرآن النازل من عنده ذكراً؛ لأنه تذكرة للخلق، وكذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه وصفه الله عز وجل بأنه ذكر، لأنه يذكر الناس كما ذكر في سورة التغابن.

    مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ [الأنبياء:2] يعني هذا القرآن محدث في إنزاله، والقرآن كلام رب العالمين سبحانه ليس مخلوقاً، فهنا الذي حدث هو نزول القرآن من السماء إلى الأرض، وكل القرآن نزل إلى السماء الدنيا دفعة واحدة كما جاء في الأثر عن ابن عباس : أن الله عز وجل أنزل القرآن ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ونزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على حسب الحوادث.

    فهنا الإحداث في القرآن معناه: أن مجيء القرآن من عند رب العالمين بحسب الحوادث التي تجد، مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء:2] يعني: كلما جاءتهم آية من الآيات من الله عز وجل استمعوا لهذه السور وهم يلعبون، واللعب هنا بمعنى اللهو، فهم يتلهون عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ويعرضون عنه.

    فحالهم لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء:3] وأصلها: قلوبهم لاهية، يعني: قلوب هؤلاء القوم في لهو وفي انشغال عن الله عز وجل وعن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم بما فيها من وساوس وبما فيها من هم الدنيا وبما فيها من إعراض وشرك بالله رب العالمين سبحانه.

    وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [الأنبياء:3] الذي أسروا النجوى هم الذين ظلموا، يعني: الكفار.

    (وأسروا): كتموا فيما بينهم.

    (النجوى): يتناجون فيما بينهم ويكلم أحدهم الآخر سراً: هذا ساحر.. هذا كذاب.. هذا كاهن.. أتانا بما يفرق بين المرء وزوجة والمرء وأبيه، فيكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم ويسرون النجوى بظلمهم.

    فهم أسروا النجوى قائلين: هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الأنبياء:3]؟ يعني: ما هذا إلا بشر مثلكم، فكيف ينزل عليه القرآن ولا ينزل علينا، وهو مثل قولهم: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31] يعني: بدل أن ينزل عليه كان سينزل على أحد من كبار القوم كـالوليد بن المغيرة في مكة أو عروة بن مسعود في الطائف.

    فكأنهم استكثروا على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه ربه هذا القرآن غيرة وحسداً، والإنسان عندما يرى أن غيره أحسن منه يغار منه ويحسده، وديننا ينهانا عن ذلك، وربنا تبارك وتعالى يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه نعمة أنعم بها عليه، فقال له: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، يطمئنه ربه سبحانه أنهم لا يكذبونه بل هم يعرفون أنه الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم؛ لكنهم يجحدون بهذه الآيات، فأنت تحكم على ظاهر ما يقولون إذ يقولون: كذاب، لكن الله عز وجل مطلع على ما في القلوب، فهم مصدقون بقلوبهم لكن ألسنتهم جاحدة: وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].

    فأسر هؤلاء النجوى فيما بينهم حسداً للنبي صلى الله عليه وسلم على ما أتاه الله عز وجل من فضله، لأن كلاً منهم كان يتمنى أن يكون هو النبي، والعرب كانت عادتهم أن يغار بعضهم من بعض، وربنا سبحانه وتعالى يقول: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54] وكأن هذا اعتراض على الله سبحانه أن نؤتيه من فضله فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء:54] يعني: ليست هذه أول مرة ينزل الله فيها كتابه ولا أول مرة يؤتي إنساناً الحكمة من لدنه، فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء:54].

    وهنا الكفرة والظلمة يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم: هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ [الأنبياء:3] يعني: كأنهم يريدون أن يرسل إليهم ملك من الملائكة، ولو جاءهم ملك لما أطاقوا ذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى جبريل بين السماء والأرض على هيئته الحقيقة فزع صلوات الله وسلامه عليه وهرب إلى بيته وقال لزوجته: (زملوني زملوني.. دثروني دثروني).

    وجبريل ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم على حقيقته إلا مرتين، أما سوى ذلك فكان يراه على هيئة رجل من أصحابه اسمه دحية الكلبي ، فكان يأتيه في منظره وجماله وهيئته.

    ومن حكمة الله أنه ما أنزل القرآن مع ملك، وإلا لكان الإيمان جبراً وقهراً وقسراً، ولكان قال قائلهم معترضاً: كيف نطيق ما يطيق الملائكة، فجبريل هذا أخذ قرى المؤتفكات ورفعها كلها إلى السماء وقلبها وأتبعها حجارة من السماء،

    قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:8-9].

    يعني: لو جعلناه ملكاً في صورته الحقيقية لكان الإيمان جبرياً، بينما الله عز وجل يريد الإيمان الاختياري من أجل أن يحصل التكليف، ومن ثم الحساب على هذا الاختيار يوم القيامة، وإن كان علمه وقضاؤه وقدره غالباً وسابقاً أن منهم كافراً ومنهم مؤمناً، لكن شاء أن يجعل لك اختياراً وكسباً ليحاسبك على هذا الذي كسبته يوم القيامة، وأنت تستشعر كمال هذا الاختيار فتختار الحق أو الباطل.

    المقصود أن الله عز وجل لو أنزل ملكاً فإما أن ينزل الملك في صورته، وهم كانوا يخافون من العفاريت ومن الجن، حتى إنهم إذا مروا بصحراء في سفرهم قال الواحد منهم: أعوذ برب هذا الوادي، فكيف لو نزل ملك من السماء؟ لو نزل ملك لقضي الأمر ولكانوا آمنوا قهراً، وهذا لا يريده الله سبحانه وتعالى.

    أما الاحتمال الثاني فهو: أن ينزل الملك على هيئة البشر وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9]، فإذا نزل على صورة إنسان لرجعوا إلى الاعتراض الأول، وهو أن الرسول بشر.

    إعراض المشركين عن الحق بدافع المكابرة

    قال: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الأنبياء:3]:

    (الذين ظلموا) على الوصل فيها كأنها بدل من الواو في (أسروا) أي: من الذين أسروا الذين ظلموا، والفعل مضمر تقديره: يقولون، أي: الذين ظلموا يقولون: هل هذا إلا بشر مثلكم.

    وهي كقول الله عز وجل: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [الرعد:23-24] هنا الفعل مضمر تقديره: يقولون: سلام عليكم بما صبرتم.

    فيجوز أن تقرأ على الوصل كما بينا، أو على الوقف: لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى [الأنبياء:3] ونقف ثم نقرأ: الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الأنبياء:3].

    ويجوز أن نقرأ: لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الأنبياء:3] فنصل جميع الآية وهو الأفضل.

    قال: أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [الأنبياء:3] هذا من قول الكفار، فيقول بعضهم لبعض: ما دمنا قلنا على هذا القرآن: إنه سحر، فكيف تصدقون بالسحر وأنتم تبصرون؟ يعني: وأنتم تعقلون وتعرفون أنه سحر، وهذا من التلبيس؛ لأن القائل يعلم أنه ليس سحراً وليس كذباً، ولكنهم يخادعون بعضهم، وقد عرفنا كيف كان الوليد بن المغيرة وأبو جهل وغيرهم من كبار المشركين يذهبون ليتسمعوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن عند الكعبة، وعند رجوعهم يجمعهم الطريق فيتعاهدون على ألا يستمعوا إليه، ثم إذا بهم يرجعون من الليلة التالية وهكذا.

    ومن جمال هذا القرآن وحلاوته يقول عنه الوليد بن المغيرة : إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وهو الذي قال فيه ربنا سبحانه وتعالى: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا [المدثر:11-16] يعني: كان يعرف أن هذا هو الحق، ويعترف أن هذا الكلام ليس من كلام البشر، ومع ذلك يعاند النبي صلى الله عليه وسلم ويمنع الناس من الإيمان به.

    وقد حصل مثل هذا من نساء المشركين حيث كن يذهبن إلى أبي بكر الصديق ويستمعن إليه وهو يصلي ويقرأ القرآن، حتى هم المشركون أن يطردوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه من البلد.

    المقصود: أن القرآن له جمال وله حلاوة عظيمة عرفها المشركون وعرفها المؤمنون، فالمشركون عاندوا وجحدوا كلام رب العالمين سبحانه، فقالوا: إنه كذب وسحر من كلام البشر، وهم يعلمون أن الحق خلاف ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال ربي يعلم القول في السماء والأرض ...)

    قال تعالى: قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنبياء:4].

    يعني: أنتم تناجيتم فيما بينكم فأطلعني ربي على ما تقولون وفضحكم بذلك.

    (قال ربي)، وهذه قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر ويعقوب.

    ويقرؤها شعبة عن عاصم: (قل ربي يعلم)، وهذه أيضاً قراءة حفص عن عاصم وقراءة حمزة والكسائي وخلف.

    ومعنى هذا أن الله قال للنبي صلى الله عليه وسلم قل لهم: إن ربي قد فضحكم، فهو يعلم ما تسرون من أقوالكم، فقال صلى الله عليه وسلم: ربي يعلم القول في السماء والأرض، فما من قول في السماء أو في الأرض إلا وقد علمه الله سبحانه، ولا يخفى عليه شيء.. يسمع القريب والبعيد.. يسمع الخفي وما هو جلي.. يسمع حديث الإنسان مع غيره، بل ويعلم ما لا يقوله الإنسان وإنما يكنه في قلبه.

    قال سبحانه: وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنبياء:4] العليم بأمور هؤلاء وبأحوالهم تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل قالوا أضغاث أحلام...)

    بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ [الأنبياء:5].

    بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ [الأنبياء:5] وأضغاث الأحلام معناها: الأحلام التي ليس لها تأويل، فالحلم إما أن يكون رؤيا حقيقة أو أضغاث أحلام.

    والرؤيا ينزل بها ملك من الملائكة على الإنسان النائم، أما الضغث من الأحلام فهو الشيء الذي ليس له معنى ولا تفسير. قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ [الأنبياء:5] يعني: هذا الكلام الذي يقوله لكم هراء وليس له معنى كأضغاث الأحلام. وهم يعرفون كذبهم في ذلك.

    قال تعالى: (بل افتراه)، هنا يظهر تخبط المشركين، فهم أولاً قالوا: كلام محمد هو أضغاث أحلام، ثم رجعوا وقالوا: إنما هو قول افتراه، وهو شعر نظمه من عند نفسه، رغم أنهم أعرف الناس بأشعار العرب وأوزان الشعر، ويعرفون أن هذا القرآن ليس من هذا القبيل.

    قال تعالى: فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ [الأنبياء:5] يعني: إذا أرادنا أن نؤمن له بآية مثل عصا موسى أو يد موسى أو ناقة ثمود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون)

    قال تبارك وتعالى: مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ [الأنبياء:6] يعني: الأمم السابقة لما جاءتهم الآيات لم يؤمنوا فأهلكهم الله عز وجل بتكذيبهم، فهل هؤلاء سيؤمنون؟

    وقد ذهب إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه مجموعة من الكفار منهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف وأبو البختري والوليد بن المغيرة ، فطلبوا منه آيات ذكرها الله في قوله: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه [الإسراء:90-93] يعني: لو ارتقيت فلن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب مختوم من عند ربنا أنك نبي من عند رب العالمين.

    فلم يجبهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أنه إنما بعث من عند الله بهذه الرسالة، وأنه قد أبلغهم ما أرسل به إليهم؛ فإن قبلوه فهو حظهم في الدنيا والآخرة، وإن ردوه عليه صبر حتى يحكم الله بينه وبينهم.

    وقد روي أن عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم عاتكة بنت عبد المطلب، كان من أشد الناس عليه مع عمه أبي لهب ، وكان معهم فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم عنهم قال له: (يا محمد! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم)، يعني: طلبوا منك أن تأتيهم بآية من الآيات التي ذكروها فلم تجبهم، وكانوا قد طلبوا منه أن يدعو الله أن يوسع لهم الأرض بأن يزيل ما حول مكة من الجبال، وهذه كلها مطالب حقيرة تدل على قلة عقولهم، رغم أنهم يعرفون الحق الذي جاء من عند رب العالمين بشهادة ربهم عليهم: وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].

    فهذا الرجل مثلهم في جهلهم فيقول للنبي صلوات الله وسلامه عليه: (سألوك لأنفسهم أموراً فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك، فلم تفعل)، يعني: ألم يطلبوا منك أن تسأل ربك أن يجعل لك بيتاً من زخرف، فأبيت، ثم سألوك أن تعجل لهم العذاب -وهذا من جهلهم وحماقتهم- فلم تفعل ذلك.

    ثم قال له: (أما أنا فلن أؤمن بك حتى تتخذ إلى السماء سلماً ثم ترقى فيه وأنا أنظر، ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك رسول من عند رب العالمين).

    ثم قال بعد ذلك: وايم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك!

    لذلك قال الله عن هؤلاء: مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ [الأنبياء:6].

    فلو أتاهم بهذه الآيات فوسع لهم الأرض -مثلاً- لقالوا: إنما هذا من سحره، وقد طلبوا منه في ليلة من الليالي أن يشق لهم القمر، فدعا ربه صلوات الله وسلامه عليه ذلك، ثم أشار بيده إلى القمر فانشق القمر نصفين، فكان نصفه قدام الجبل ونصفه الآخر وراء الجبل.

    فلما رأوا انشقاق القمر قالوا: هذا من السحر، ثم قاموا يترقبون الواصلين إلى مكة من البوادي ليسألوهم عن رؤيتهم لانشقاق القمر، فكلما سألوا أحداً أكد لهم رؤية انشقاق القمر، ومع ذلك لم يؤمنوا.

    ولو كانت هذه الآية لجميع الناس لأهلكم الله سبحانه، لقوله تعالى لنبي إسرائيل لما أنزل عليهم مائدة من السماء: قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:115]، وكما أهلك الله ثمود لما جاءتهم الناقة فقتلوها. فكان من رحمة ربنا سبحانه أن هذه الآية كانت للبعض من الناس وليست آية عامة وإلا لأهلك الجميع.

    وأثبت ربنا سبحانه وتعالى هذه الآية في كتابه فقال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، ولعلكم سمعتم حديث الدكتور زغلول النجار في هذه المسألة، حيث قال: إنه كان يلقي محاضرة في أمريكا وأثناء ذلك قام رجل أمريكي مسلم وقال: إن قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] هي سبب إسلامي، فقد تعرفت قبل فترة على مجموعة من المسلمين فأحببت أن أتعرف على الإسلام، فأهدى إلي أحد ترجمة للمصحف، فأخذت الترجمة وأول ما فتحتها ظهرت أمامي هذه السورة: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، فتوقفت عن القراءة ولم أتقبل هذا الكلام، وبعد زمن كنت أشاهد برنامجاً تلفزيونياً فيه مقابلة مع أحد رواد الفضاء وإذا بالمذيع ينكر عليه صرف ألف مليون دولار من قبل الحكومة على مشروع من أجل وضع العلم الأمريكي فوق القمر.

    فقال رائد الفضاء: إننا صعدنا إلى القمر لأهداف علمية، ويكفينا أننا أتينا للناس بمعلومة لم يكونوا ليعرفوها ولو صرفوا أكثر من هذا المبلغ لولا الصعود إلى سطح القمر، وهذه المعلومة هي أننا وجدنا شقاً طولياً يطوق القمر كالسوار فأخذنا عينات من الشق والتقطنا الصور ثم بعثنا بها إلى علماء الجيولوجيا في الأرض، فقالوا: هذا دليل على حصول انفلاق للقمر في يوم من الأيام، ثم عاد والتحم ثانية.

    قال الرجل: فلما سمعت هذا الكلام عرفت أن هذا هو الحق ورجعت للقرآن مرة ثانية فأسلمت.

    وهذه القصة حكاها الدكتور زغلول النجار أكرمه الله في معرض كلامه عن هذه الآية.

    فالأمريكيون صرفوا ألف مليون دولار من أجل أن يثبتوا آية أثبتها الله في كتابه وجعلها معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، وصدق الله العظيم القائل: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:53].

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.