إسلام ويب

تفسير سورة سبأ [47 - 54]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: أنا لا أريد منكم جعلاً ولا عطاء على أداء رسالة الله عز وجل إليكم، ونصحي إياكم، وأمركم بعبادة الله، وإنما أطلب ثواب ذلك من عند الله العالم بجميع الأمور، وهو الذي جاء بالحق والشرع العظيم الذي به يكون زهوق الباطل واضمحلاله، وأخبر تعالى عن مآل هؤلاء المكذبين بالوحي وبالرسول، وأنه لا ينفعهم الإيمان يوم القيامة، فهذا شيء بعيد عنهم ومستحيل في حقهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ... )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [سبأ:47]

    يقول الله عز وجل لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي: الله سبحانه وتعالى شاهد يشهد على الناس؛ لأنه يعلم ما يظهرون ويعلم ما يسرون، فهو الشهيد سبحانه عليهم، قال تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الأنعام:19] فأعظم شهادة شهادة الله سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء، قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي: قل لهؤلاء الكفار: لا أطلب منكم أجراً على تبليغ رسالة الله سبحانه، وإنما أطلب من الله لا من أحد من خلقه كما قال سبحانه: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وهو الشهيد على ذلك، يشهد عما أقول وأفعل، ويشهد عما تستجيبون أو تكذبون وتفعلون، قال: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب )

    قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [سبأ:48] أي: ينزل الله سبحانه الحق من السماء، والحق هو الوحي والقرآن الذي أتانا من عند رب العالمين سبحانه، والحق خلاف الباطل.

    فالله عز وجل يأتي بالحق ينزله على النبي صلوات الله وسلامه عليه، والتعبير هنا تعبير عظيم فقد قال: (يقذف) والقذف يكون بالحجر، تقول: فلان قذاف، يعني: يمسك الحجر ويحذف بها، ويمسك الرمح ويقذف به، فإذا رمى بالشيء اليسير فهذا هو الحذف، كأن يحذف بالحصا إذا حذفها بأصابعه، أما رميه بالشيء الكبير فهذا هو القذف، كأن يقذف بالصخر، فالله سبحانه وتعالى يشبه نزول الحق من السماء بهذا الحجر الذي يقذف به المضل الباطل، فالله عز وجل ينزل هذا القرآن من السماء، يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، فالقرآن نزل ليقضي على الباطل وليس ليتلطف به؛ ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لما كادت له قريش كيداً عظيماً، وأتعبوا النبي صلى الله عليه وسلم فقام لهم صلوات الله وسلامه عليه وقال: (والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح) فهؤلاء الكفار كانوا يتطاولون عليه صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا كلما طاف بالكعبة ومر بهؤلاء الكفار شتموه وسبوه صلوات الله وسلامه عليه، ثم وقف لهم فقال: (والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح، فهم لما قال ذلك خافوا وقالوا: اذهب يا أبا القاسم ما عهدناك جهولاً) يعني: لا تقلدنا بجهلنا، فلسنا متعودين منك الجهالة؛ ولذلك قال ربنا للمؤمنين : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] فهؤلاء الكفار لا ينفع معهم اللين؛ لأنهم متكبرون، ولكن أعد لهم القوة التي يخافون منها، وإذا كنت من أهل القوة فتلطف معهم لعلهم يدخلون في دينك، وإذا ظلوا على العناد وعلى العداوة وأظهروا ذلك فقاتلهم وأخفهم بذلك.

    قوله: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ أي: ينزل الحق من السماء وحياً على النبي صلى الله عليه وسلم ليفضح الكفار ويقذف به الباطل، والقذيفة: هي الشيء الذي يرمى به، فكأن الوحي ينزل من السماء كالقذائف على الباطل وأهله فيدمغهم ويهلكهم ويمحوهم، فهو يقذف بالحق علام الغيوب سبحانه، فالذي يقذف هو الله سبحانه وتعالى، وهو علام الغيوب يعلم كل شيء سبحانه وما يستحقه هؤلاء، وأنت لا تعلم ولكن الله يعلم أنه لا يصلح معهم إلا قتالهم، لذلك أمرك بقتالهم وبالإعداد لهم، وأنزل عليك القرآن ليدمغ باطلهم وليشدخه ويزيله، ليهلك الباطل ويحق الحق بكلماته سبحانه.

    فقوله: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ أي: أن الحق قوة والذي على الحق معهم قوة، معه قوة كتاب الله سبحانه ومعونة الله سبحانه؛ لأنه على الحق.

    قوله: الْغُيُوبِ [سبأ:48] هذه قراءة الجمهور، وقراءة شعبة عن عاصم، وقراءة حمزة (علام الغِيوب)، والغيوب جمع غيب، والله عز وجل يعلم ما خفي من الأشياء وما ظهر سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد )

    قال الله تعالى: قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ [سبأ:49] أي: جاء القرآن العظيم من عند ربنا، جاء الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بالحق من عند الله سبحانه، قل يا محمد: جاء الحق الذي يعادي الباطل، والله سبحانه حق وكتابه حق ورسوله حق، ولذلك ورد في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والساعة حق، والجنة حق، والنار حق) فهنا كل هذه الأشياء أثبتها الله سبحانه فهي الحق، وكل ما يقوله الله عز وجل فهو الحق.

    قوله: قُلْ جَاءَ الْحَقُّ أي: من عند الله سبحانه وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ قال المفسرون: الباطل المقصود به في هذه الآية الشيطان، فالله عز وجل أتانا من عنده بهذا الكتاب العظيم، والشيطان يلقي في النفوس التكذيب والعناد والاستكبار والبعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، والكفر بما جاء به، وهذا الباطل الذي اتبعتموه من دون الله هو الشيطان، فهل هذا الشيطان يخلق شيئاً؟ وهل يقدر على إعادة هذا الشيء؟ مَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ أي: لا يقدر أن يبدأ خلقاً ولا يقدر على إعادة خلق؛ لأنه عاجز ولا يملك شيئاً، وإنما الله هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده سبحانه وتعالى، فخلق الإنسان من عدم من لا شيء من تراب من ماء، وأوجد هذا الإنسان ثم يميته ويفنيه سبحانه وتعالى، ثم يعيده مرة ثانية.

    أما ما يعبدون من دون الله كالشيطان والأصنام والهوى وغير ذلك من عبادة غير الله سبحانه، فهل هذه المعبودات تقدر على أن تبدأ خلقاً؟ لا تقدر، وقد بدأ الله الخلق ثم أفناه، فهل تقدر هذه الأشياء على إعادته ؟ مستحيل، لا الشيطان يقدر ولا هذه المعبودات من دون الله عز وجل تقدر؛ لأن كل هذه الأشياء من الباطل وقد قال الله: وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ... )

    قال الله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [سبأ:50].

    هم يتهمونه بأنه على الضلال صلوات الله وسلامه عليه، وأنه جاء بما لا يعرفونه، وجعل الآلهة إلهاً واحداً وقالوا: إن هذا لشيء عجاب، فالله عز وجل يأمره أن يخاطب عقولهم ويقول لهم: انظروا وتدبروا وتأملوا في هذا الذي جئتكم به هل هو باطل؟ هل فكرتم فيه حتى تعرفوا أنه حق أم باطل؟ وقد وعظهم قبل ذلك بقوله: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ:46] فهو أمرهم بالتفكر، ثم تنزل معهم وقال: فرضنا أن هذا الشيء الذي جئتكم به باطل، أليس عندكم عقول تتبينون بها الباطل من الحق؟ إن كان باطلاً كما تزعمون فضلالي على نفسي وأنا أضر نفسي بهذا الشيء، وهل إنسان عاقل يريد أن يضر نفسه أو يضلها؟ إن ضللت كما تقولون فضلالي على نفسي، وأنا أحمل هذا الذنب عند الله سبحانه، وأنا الذي أقول لكم بكتاب الله عز وجل: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] أي: لا أحد سيحمل عني ذنبي، وأنا الذي أحمل الذنب، أفأمنعكم من الذنب وأقع فيه؟ هل يعقل هذا الشيء؟

    فقوله تعالى: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ هذه هي الحقيقة، أي: إن كنت على ضلال فسأضر نفسي وسأقع في عذاب الله سبحانه، وإن كنت على هدى فبما يوحي إلي ربي، والهدى ليس من عندي، فأنا عشت معكم، ولم أقرأ كتباً لأهل الكتاب ولا سافرت خارج هذه البلدة حتى أتعلم من أناس خارجها، بل في سفراته المعدودة كانوا هم معه صلوات الله وسلامه عليه، فعلموا أنه لن يتلقى علماً من أحد من البشر، فمن أين أوتي بهذا العلم العظيم؟ يقول: وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي أي: بالوحي من الله سبحانه وتعالى قد هداني.

    وقوله: إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ أي: الله سبحانه سميع يسمع كل شيء فيحاسب عما سمعه سبحانه، فهو سميع يسمع سبحانه الأصوات ما ظهر منها وما خفي منها، يسمع كل شيء، فهو قريب منكم أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد، وإن كان هو فوق سماواته سبحانه وتعالى، ولكنه قريب من عباده يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، فالله عز وجل قبل أن يتحرك إنسان لنجدتك ينقذك وينصرك سبحانه وتعالى، وقبل أن يتحرك أقرب الموجودين إليك ليؤذيك فالله أقرب منه يمنعه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب)

    قال الله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ [سبأ:51].

    (ولو ترى) هنا الصيغة صغية تعظيم لهذا الشيء، يعني: لو ترى هذا الشيء العظيم الذي نكلمك ونحدثك عنه، وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا يعني: لو ترى إذ فزعوا حين جاءت القيامة من عند الله سبحانه، وحين جاء الموت على هؤلاء فأفزعهم الله سبحانه وتعالى، وما استطاعوا هرباً ولا فكاكاً.

    قوله: فَلا فَوْتَ أي: لا يفوتوننا ولا يهربون منا ولا يعجزوننا، فأين يذهبون من الله وهو أقرب إليهم من حبل الوريد؟ فلا يفوتون الله سبحانه؛ لأنه مستحيل أن يفلت أحد من قضاء الله وقدره، ويفلت من عقوبة الله سبحانه ومن الموت الذي ينزل، بله من حضور القيامة بين يدي الله عز وجل.

    والفزع الكثير، يكون عند الموت، فالإنسان الكافر يرى مالم يكن في حسبانه فيفزع، وإذا دخل قبره فزع وقد جاءت الملائكة تسأله: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: لا أدري ولا يعرف النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كذب به عليه الصلاة والسلام، وإذا قاموا من قبورهم في صيحة البعث والنشور يقومون مفزوعين يقولون : يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52] وإذا قاموا في الموقف العظيم وقيل: ادخلوا النار، فزعوا وطلبوا العود والتوبة.

    وقوله تعالى: فَلا فوت أي: لا يفوتوننا أبداً، وهنا يقرؤها حمزة بالمد: فَلا فَوْتَ ويتوسط في المد فيها في قراءة له، كأن هذا تأكيد النفي، فيمدها كما يمد قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2]وإن كان العادة في المد أنه يستقبل بهمزة أو بساكن، ولكن هنا لـحمزة قاعدة في ذلك وهي: أنه إذا كان يريد تأكيد النفي مد الألف فيها أو مد حرف المد فيها، فيقرأ: وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلآ فوت ، يعني: مستحيل أن يفوتوا من الله سبحانه وتعالى، و(ترى) يميلها.

    قال سبحانه: وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ أي: كل مكان في هذا الكون قريب من الله عز وجل، فالله عز وجل يأمر كوناً فيكون بأمره سبحانه، وكل أفعاله تصيب من يريد سبحانه وتعالى، ولا يفلت أحد فما هو آت من عند الله فهو قريب، وعباده لا يعجزونه ولا يهربون منه فهو أقرب إليهم من حبل وريدهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد )

    قال الله تعالىوَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [سبأ:52].

    يعني: بالقرآن، متى قالوا هذا الشيء؟ قالوه لما بعثوا يوم القيامة ورأوا العذاب، حينما قالوا: آمنا وصدقنا ربنا، فأرجعنا مرة أخرى إلى الدنيا، فإن عدنا فإنا ظالمون، فيقول الله سبحانه وتعالى: وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ أي: آمنا بالوحي وآمنا بالقرآن وآمنا بالرسول صلى الله عليه وسلم، وأنى لهم تناول الإيمان من مكان بعيد؟ الآخرة بعيدة جداً، انتهى أمر الدنيا فلا رجعة مرة ثانية، فهم يقولون حين يعاينون العذاب: آمنا يا ربنا، و(أنى) أي: كيف، ومن يأتيهم بذلك؟

    قوله: وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي عمرو وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف (التناؤش) بالهمزة فيها، والتناوش بمعنى التناول، وكأنه يضرب مثلاً لشيء نراه في الدنيا، لو أن إنساناً أدلى حبلاً من عمارة عالية جداً فوصل نصف المسافة ويوجد إنسان على الأرض يريد أن يتناول هذا الحبل فهو يقفز حتى يمسك بهذا الحبل ولا يقدر، فأين الآخرة من هذه الدنيا؟ أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ أي: كيف لهم تناول الإيمان والرجوع إلى هذه الدنيا مرة ثانية وقد بعدوا؟ مستحيل أن يعودوا إلى الدنيا مرة ثانية، ومستحيل أن يقبل منهم ذلك من مكان بعيد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وقد كفروا به من قبل ... )

    قال الله سبحانه وتعالى: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [سبأ:53] الآن في الآخرة يريدون الرجوع إلى الدنيا، ولكن لا رجوع إليها مرة ثانية، وهم حينها يطلبون الإيمان وقد أعذر الله لهم وأنزل عليهم القرآن وأرسل إليهم رسولاً، فلا يقبل منهم ذلك.

    فقوله: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي: كفروا بالله عز وجل، وكفروا بالرجوع إلى الله بالبعث والنشور.

    قوله: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ يعني: أنهم الآن صاروا في الآخرة ولا رجوع إلى الدنيا فهم يعذبون؛ لأنهم قد كفروا من قبل وهم في الدنيا، وقذفوا بالغيب، وهناك فرق بين قذف الله عز وجل كما قال: إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ [سبأ:48]، وهم يقذفون بالغيب من مكان بعيد، وهذا مثل مأخوذ من البيئة التي هم فيها ويشاهدونها، وهذا مثلما يقال: قذف بالغيب من مكان بعيد، يعني: أراد أن يرمي بحجرة، ويريد أن يصيب بها وهو بعيد جداً لا يصل إلى هذا المكان، فهؤلاء يقذفون بالغيب من مكان بعيد، فالمعنى: أنهم رموا النبي صلى الله عليه وسلم بما ليس فيه، ورموا هذا القرآن بما لا ينبغي، فقالوا عن هذا القرآن: هذا سحر من عنده، وقالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه مجنون، وكاذب وساحر وكاهن، فهذا من الرجم بالغيب، وكأنه الرمي بالظن، فهم يرجمون بالظنون وبالكلام الباطل الذي لا يفكرون فيه، فهؤلاء مثل إنسان أغمض عينيه وأخذ طوبة يريد أن يرمي بها إنساناً بعيداً عنه، فهل يصيب بها؟ لا، هذا رجم بالغيب؛ لأنه رجم وهو لا يرى الذي يريد أن يرجمه، كذلك هؤلاء، لم يتدبروا فيما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يفكروا في هذا القرآن، بل ظلوا يؤلفون من رءوسهم ويقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم: ساحر وكذاب وكاهن، فيرجمون بالغيب من بعيد، فلا يريدون أن يتقربوا من النبي صلى الله عليه وسلم ليتعلموا منه وينظروا ويتأملوا فيما جاء به من القرآن العظيم.

    قال الله سبحانه: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي: كفروا بالقرآن وكفروا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وكم قد قال لهم الله سبحانه: أفلا يعقلون؟ أفلا يتدبرون القرآن؟ فيأمرهم بالتفكر ويقول لهم: تدبروا في هذا القرآن، فلم يتدبروا ولم يتفكروا، بل أعرضوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يكتفوا بذلك بل إن هؤلاء الكفار كان إذا جاء إنسان من خارج مكة استقبلوه وقالوا له: احذر من هذا الرجل أن يسحرك، فهو الذي فرق بين الرجل وابنه، وفرق بين المرء وأهله، فهذا الذي يدخل مكة يخاف أن يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويضع في أذنيه كرسفاً إذا اقترب من النبي صلى الله عليه وسلم ويغمض عينيه، فيتقرب من النبي صلى الله عليه وسلم شخص من هؤلاء ويقول: ما أتيتك حتى أخذ عليّ هؤلاء الكفار العهود وحلفوني عشر مرات ألا آتيك، ولكن أبى الله عز وجل إلا أن يفتح قلبه فيذهب للنبي صلى الله عليه وسلم ويسمع منه هذا الحق العظيم الذي جاء به، بل هم أنفسهم عرفوا أن هذا الحق هو من عند الله سبحانه وتعالى، فقد كان الكفار يتصنتون على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن عند الكعبة بالليل حين يصلي صلوات الله وسلامه عليه، وهم الوليد بن المغيرة وأبو الجهل عمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهم من الكفار، فكان يسمعون نغمة القرآن ورصانته وبلاغته وفصاحته، وما فيه من حكم عظيمة وأحكام جميلة، وكان كل واحد منهم يختفي من الثاني، فيقفون خلف النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، وقبل أن يظهر النور والضوء ينصرفون فتجمعهم الطريق الثلاثة، فيسأل بعضهم بعضاً أين كنت؟ فيقول: كنت أسمع محمداً، فيتواعدون ويتحالفون ألا يأتوا إليه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا بهم بعد أيام يرجعون، ومع ذلك لا يؤمنون به، والقرآن عجيب ومحير ومعجز، فقد أعجزهم وأتى بهم مرة ثانية لكي يستمعوا لهذا القرآن مرة ومرتين وثلاثاً، وفي الأخير يقولون: سنفتن الناس، فيتحالفون ألا يأتوا للنبي صلى الله عليه وسلم.

    فقالوا للوليد بن المغيرة قل شيئاً في هذا القرآن، فقال: أسمع قليلاً منه ثم أقول ما فيه، فلما سمع القرآن قال لهم: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، فقالوا: أنت تقول هذا الشيء، فقال الوليد : نعم أنا الذي أقول هذا الشيء، فقام أبو جهل والثاني والثالث وقالوا: لقد سحرك محمد، وبعد ذلك قام أبو جهل الملعون بحيلة، فقام بجمع أموال من قريش وذهب بها إلى الوليد وقال: خذ هذه الأموال، فقال الوليد : لقد علمت أني أغناهم، فقال أبو جهل : أنت ما ذهبت لمحمد وسمعت منه إلا لكي يعطيك أموالاً، فخذ هذه الأموال فقد أتينا بها لك، فتأخذ الوليد النعرة والعصبية ويقوم ويقول كما يقولون: إنه ساحر، فقال الله عز وجل: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا [المدثر:11-16] فهو بعدما سمع هذه الآيات عاند.

    فهو بعدما قال: وما هو بقول البشر، قالوا له: ضحك عليك محمد وقال بأنه سيعطيك مالاً، فقال لهم: أنا سأفكر قليلاً، فذكر الله عز وجل لنا صورة هذا الإنسان وهو يفكر، وكيف أنه يريد أن يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن عرف أن هذا من عند الله وما هو بقول البشر، فقال الله عز وجل يصور الصورة التي كان بها : إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ أي: لعن، لعنه الله سبحانه في تفكيره وتقدير هذا الذي يقوله، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ [المدثر:19] يعني: كيف أعمل عقله وفكره ليقدر أشياء مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ [المدثر:20-21] أي: قعد يتلفت شمالاً ويميناً، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ [المدثر:22] كهيئة الإنسان الذي أخذه التفكير العميق فيعبث في هيئته، وبعد ذلك أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:23-26] هذا الذي يستحقه، وسقر أسفل النار والعياذ بالله في قعر جهنم وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ [المدثر:27-29] سقر تهلك من يدخلها وتفنيه؛ فهي لا تبقي ولا تذر، ولكن الله سبحانه كتب لهم أن يخلدوا ويظلوا فيها فلا تفنيهم، وإنما تعذبهم العذاب الشديد، ثم قال: لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ [المدثر:29] أي: تلوح أبشارهم وتحيلها وتذهب ألوانها الناضرة إلى ألوان سوداء فظيعة كالحة.

    هذا واحد من هؤلاء الكفار فكيف بجميعهم؟!.

    كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقرأ القرآن ويبكي، فيسمعه المشركون وخاصة نساء المشركين كن يسمعنه وهو في داره فيتقاذفن عليه كل واحدة تريد أن تسمع أبا بكر وهو يقرأ، كان يعجبهن ذلك ولعلهن يبكين لبكاء أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فتضايق المشركون من هذا الشيء، وقالوا: ستفتن نساءنا، وتجعلهن يدخلن في هذا الدين الذي أنت فيه، فيقولون: إما أن تترك هذا الذي أنت عليه، وإما ألا تجاورنا، فـأبو بكر الصديق رضي الله عنه فكر في الهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يأمره أن يبقى، ثم بعد ذلك يخرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه من مكة ويترك هؤلاء، ويدخل مرة ثانية في جوار ابن الدغنة في قصة طويلة.

    إذاً: فالقرآن عجيب، وإذا سمعه أي إنسان يحن إليه ويميل بأذنه، يريد أن يسمعه مرة ومرتين وثلاثاً من حبه لهذا القرآن العظيم، فالكفار استمعوا للقرآن وأعجبهم، ولكن منعهم الحسد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلوا في هذا الدين العظيم، والقرآن يشد الإنسان ويجذبه إليه حين يتجرد عن الهوى، فيهديه الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل في هؤلاء الكفار -الذين تمنوا يوم القيامة العودة إلى الدنيا-: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ... )

    قال الله تعالى: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [سبأ:54].

    قوله: (حيل بينهم) أي: حال بينهم حائل يستحيل أن يتجاوزوه؛ لأن الله قضى أنهم لن يعودوا مرة ثانية إلى هذه الدنيا.

    قوله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) قال: (يشتهون) ولم يقل: يريدون؛ لأن في ذلك الموطن يريدون الشهوة، وأشد أمنية الإنسان أن يشتهي شيئاً، فالواحد منهم يوم القيامة يشتهي أن يرجع إلى الدنيا؛ فيؤمن ويصدق ويصلي لله عز وجل ويوحده، لكن يقول هنا: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ .

    قوله: وَحِيلَ هنا الفعل مبني للمجهول، والجمهور على هذه القراءة وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وقراءة ابن عامر والكسائي ورويس عن يعقوب بإشمام كسر الحاء ضمة؛ لبيان أن الفعل مبني للمجهول، فالله عز وجل يحيل بينهم وبينما يشتهون، لكن الصيغة للمجهول (حيل) وأصلها حويل، أي: بينهم وبينه، وبذلك يقرؤها هؤلاء القراء: ابن عامر والكسائي ورويس عن يعقوب .

    قوله: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ أشياع جمع شيع، والشيع جمع شيعة، وشيعة الإنسان أقاربه ومن يحيطون به، وهنا ليس المقصود بها أقاربهم وإنما أشباههم وأمثالهم الذين تشبه هؤلاء بهم، فقد تشبهوا بقوم نوح بقوم عاد وبقوم ثمود، فهؤلاء أشياعهم وأشباههم في الباطل وفي الكفر، وكما فعل بالسابقين فحيل بينهم وبينما يتمنونه وما يشتهونه من إيمان ودخول في الدين، فهم لما جاءهم الموت تمنوا الرجوع، لكن لا تنفع نفس إيمانها في ذلك الوقت، أي: وقت الغرغرة، فكما حيل بينهم وبين الإيمان حيل بين هؤلاء وبينما يشتهون كما فعل بأشياعهم وأشباههم من قبل؛ لأنهم كانوا في الدنيا في شك مريب وفي شك عظيم، والريب بمعنى الشك، وكأن الكلمة فِي شَكٍّ مُرِيبٍ [سبأ:54] يعني في شك عظيم جداً مثل ما تقول: هذا شيء عجيب، أي: غاية في العجب، كذلك هذا شك غاية في الشك والإرابة والبعد عن الحق.

    1.   

    المناسبة بين أول سورة سبأ وبين آخرها

    انظر كيف بدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة العظيمة الجميلة بالحمد له سبحانه وكيف ختمها سبحانه وتعالى، فهي بدايتها بدأ بحمده سبحانه وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [سبأ:1] وكأن هؤلاء المشركين يرفضون أن يعبدوا الله حامدين شاكرين له سبحانه متوجهين إليه بأفعالهم، فالله لا يحتاج إليهم سبحانه فهو الغني وهو يحمد نفسه جل في علاه.

    فلله الحمد الذي يعلم ما يلج في الأرض، ويعلم ما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يصعد فيها سبحانه وتعالى، وهو الرحيم بعباده المؤمنين، الغفور الذي يغفر لمن تاب وأناب إليه سبحانه.

    ثم قال: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ [سبأ:3] أي: بدأ بذكر قصة هؤلاء الكفار الذين قالوا: ليس هناك ساعة ولا قيامة، فقال الله سبحانه: إنهم قد سعوا في آيتنا معاجزين يريدون إبطال هذه الآيات، وقد قال لهم الذين أوتوا العلم: إن هذا هو الحق الذي جاء من عند الله سبحانه، فإذا بهم يتهكمون على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [سبأ:7-8] وساق أفعال هؤلاء، وكيف أنهم اتبعوا الشيطان من دون الله، وكيف اتبعوا الهوى، وضرب لهم الأمثلة وذكر لهم قصة سليمان عليه الصلاة والسلام، وكيف عبد ربه هو وأبوه داود عليه السلام، كذلك الجبال والطير يعبدون الله سبحانه، والكفار يأبون إلا الكفر الذي هم فيه، وغير ذلك مما ذكره الله عز وجل في أول السورة، فختم بالجزاء: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ فهؤلاء يستحقون كل الذي فعله ربنا بهم؛ لأنهم في الدنيا لا يريدون أن يشكروا الله ولا أن يحمدوه سبحانه، ولا يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءوا يوم القيامة يقولون: أرجعنا، فأنى لهم التناوش والتناول في ذلك الموقف؟ فمستحيل أن يرجعوا إلى الدنيا ويخرجوا من النار.

    فإذاً: قد أعذر من أنذر، فالله عز جل جاءهم بالحق فرفضوا ذلك، وساق لك كيف صنعوا مع ربهم، فهم يستحقون هذا الجزاء ولم يظلمهم الله سبحانه وتعالى، إذ حال بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل؛ لأنهم كانوا في شك مريب.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ونسأل الله سبحانه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.