إسلام ويب

تفسير سورة سبأ [40 - 47]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحشر الله سبحانه وتعالى الخلق جميعاً يوم القيامة، فيتبرأ كل معبود ممن عبده، فتتبرأ الملائكة ممن عبدها، وقد كان بعض أهل الجاهلية يعبدون الجن ظناً منهم أنهم الملائكة، ويوم القيامة يدخلون جميعاً النار؛ لأنهم كذبوا برسل الله سبحانه وعبدوا غيره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة سبأ: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [سبأ:40-43].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن موقف من مواقف القيامة، قال تعالى: َيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا [سبأ:40] أي: اذكر هذا اليوم يوم يحشر الله الناس، فيبعثون من قبورهم وينشرون ثم يحشرون ويجمع بعضهم إلى بعض إلى الموقف العظيم بين يدي الله عز وجل، قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [سبأ:40] يسأل الله الله سبحانه الملائكة: هل كان هؤلاء يعبدونكم من دون الله سبحانه؟ والملائكة لم توافق على هذه العبادة أبداً، ولم تكن لترضى أن تعبد من دون الله سبحانه، وهم الذين خلقهم الله، فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولكن هذا السؤال تبكيت لهؤلاء الكفار، وتوبيخ لهم، وإقامة الحجة عليهم بإدخالهم النار والعياذ بالله.

    وكان هؤلاء الكفار في الدنيا يعبدون الجن، ويزعمون أن هؤلاء الجنة الذي يعبدونهم هم الملائكة، وأنهم بنات الله سبحانه وتعالى، فذكروا أن قبيلة من العرب من خزاعة كانوا يعبدون الجنة، ويزعمون أن الجِنة تتراءى لهم، ويزعمون أن الجن هؤلاء ملائكة، وأنهم بنات الله، حاشا لله سبحانه وتعالى، فهو قول الله عز وجل: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات:158]. والكافر لا يستحيي من ربه سبحانه وتعالى أن يفتري عليه، بل يقول ما لا يعرفه فيتكلم بالكلام العجيب، ويتعجب من الكلام الصحيح الذي لا يتعجب من مثله، فيقولون: الملائكة بنات الله، وليس عندهم أثارة من علم على ذلك، فإذا أخبروا أن الإله إله واحد لا شريك له، أحد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد قالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] فيعجبون أن يكون المعبود واحداً، والعقل إذا نظر وتفكر لم ينكر هذا المعنى أبداً، بل هو المعنى الذي لا يقبل العقل غيره، فما الاستحالة وما وجه العجب حتى يقولوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا [ص:5]؟!

    فإن الإله الواحد الذي يستحق العبادة: هو الذي يخلق، وهو الذي يرزق، وهو الذي يملك النفع والضر سبحانه وتعالى، وقد علموا أن ما يعبدون من دون الله لا يملكون لهم نفعاً ولا ضراً، لكنهم عبدوهم من دون الله، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون.

    قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا [سبأ:40] قراءة حفص عن عاصم ويعقوب أيضاً: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ [سبأ:40] أما باقي القراء فيقرءونها بنون العظمة: (ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون).

    فالله عز وجل يسأل الملائكة توبيخاً لهؤلاء المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وأنهم يعبدون الملائكة من دون الله سبحانه تبارك وتعالى كما يسأل الله المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:116]، وقد علم الله يقيناً أن المسيح لم يقل ذلك صلوات الله وسلامه عليه، ولكن ليبين لهؤلاء الكذابين الذين زعموا أن المسيح دعاهم إلى أن يعبدوه من دون الله، أنت قلت كذا؟ فيكذبهم ويقول: سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116] ما قلت لهم إلا هذه الكلمة: أن يعبدوا الله، ما قلت لهم إلا ما أمرتني أنت به أن يعبدوا الله، فهنا أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ...)

    يسأل الله الملائكة في الموقف العظيم توبيخاً لهؤلاء الذين عبدوهم، وحتى يعذبهم الله سبحانه، ويعلمون أن الله ما ظلمهم سبحانه، أأنتم قلتم لهم: اعبدونا من دون الله؟ تقول الملائكة: حاشا لله ما قلنا لهم ذلك، قال تعالى: قَالُوا سُبْحَانَكَ [سبأ:41] أي: تنزيهاً لك، وتقديساً لك، فالله سبحانه المنزه عن كل عيب وعن كل نقص سبحانه وتعالى، والمنزه أن تكون له الصاحبة أو يحتاج إلى الولد، أو يكون له الولد سبحانه، فقالوا: سبحانك أي: تنزيهاً لك، وتسبيحاً لك، نسبحك ونقدسك، وننزهك عن أي عيب ونقص، وننزهك عن أن يكون لك الولد أو لك الصاحبة.

    قال سبحانه: قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ [سبأ:41] أي: أنت الذي تتولى أمورنا من هؤلاء، توليناك وعبدناك أنت، فأنت ولينا الذي تتولى أمرنا، فالذي يتولى ربه سبحانه يتولاه الله عز وجل بمعونته وبنصره وبحمايته، فهي هداية منه سبحانه وتعالى.

    فقوله تعالى: أَنْتَ وَلِيُّنَا [سبأ:41] أي: فولاؤنا لربنا سبحانه وتعالى من دون هؤلاء، ونتبرأ إليك من هؤلاء ولا ولاية بيننا وبينهم.

    بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ [سبأ:41] أي: هؤلاء الكذابون لم يكونوا يعبدوننا، إنهم لم يرونا حتى يعبدونا، بل كانوا يعبدون الجن، هؤلاء كما ذكرنا قبيلة من قبائل خزاعة عبدوا الجن من دون الله، وزعموا أن الجن كانت تتراءى لهم فعبدوهم، وزعموا أن هؤلاء الجن ملائكة، وأنهم بنات الله؛ لذلك فإن الملائكة تكذبهم، ويقولون لله عز وجل: لم يعبدونا، وإنما عبدوا الجن من دونك، قالوا: بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:41] أي: أكثرهم بالجن مؤمنون مصدقون، والجن يكذبون عليهم وهم يصدقونهم في ذلك، والجني يفرح أن الإنسان يعبده من دون الله، فهو شيطان يكذب على الإنسان، وإذا بالإنسان يتولاه من دون الله، وكان للجن أمور مع هؤلاء الكفار في الجاهلية، إذ كان الواحد منهم يخاف ويمشي في الصحراء وحده، فإذا مشى ينادي في الصحراء من خوفه ويقول: أعوذ برب هذا الوادي، يعني: أستجير وأستغيث برب هذا الوادي، وإذا لم يقل ذلك فإن الجن تلعب به، تناديه وتزعجه وتخيفه وهو في الطريق، فكان يكفر بالله عز وجل ويقول: إنه يستغيث ويستجير برب الوادي، يعني: بالشيطان الذي في هذا الوادي، فتفرح الجن بذلك؛ لأنهم عبدوهم من دون الله فيتركونهم, وإذا لم يفعلوا ذلك تتلاعب بهم الجن.

    فقوله تعالى: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:41] يعني: مصدقون أن الجن ينفعونهم ويضرونهم من دون الله سبحانه، ومعتقدون في الجن أنهم يعلمون الغيب، ولذلك قدم لنا ربنا سبحانه قبل أن يذكر كلام هؤلاء المشركين قصة سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكيف أنه من عادة الجن إذا صادقهم البشر أنهم يتطاولون عليهم، ويظهرون أنهم أحسن منهم، وأنهم يعلمون الغيب، والبشر لا يعلمون شيئاً، فقد كان الجن في عهد سليمان عليه الصلاة والسلام يزعمون ذلك، ولذلك جعل الله عز وجل موت سليمان آية من الآيات، إذ جعله متكئاً على منسأته، وتوفاه الله وهو على هذه الهيئة، متكئاً على منسأته واستمرت الجن مسخرة لأمر سليمان سنةً كاملةً وهو على هذا الحال، حتى جاء أمر الله سبحانه؛ فإذا بدابة الأرض تأكل منسأته فسقط سليمان، فلما سقط تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14] تبينت الجن: اتضحت الجن وتبينت الجن للناس وظهر أمرهم وافتضحوا أمام الناس أنهم لا يعلمون شيئاً من الغيب، وأنهم كذابون في ادعائهم علم الغيب، فعادة من هو صادق من الجن أن يكذب الجن عليه، وقد يكون الجن جناً مؤمنين وجناً كافرين، فالجني المؤمن لا دخل بالبشر، ولا علاقة له بالبشر، ولا يتعرض لهم، لكن الجني الكافر والفاسق يتعرض للإنسان ليغويه، ويبعده عن طريق الرحمن سبحانه وتعالى، كما فعل الجن بهؤلاء الكفار الذين عبدوهم من دون الله فأضلوهم، وأوهموهم أنهم ملائكة، وأنهم بنات الله، فعبدوهم من دون الله، فالله عز وجل يحشرهم يوم القيامة، ويظهر كذب الجن الذين زعموا ذلك، والإنس الذين صدقوهم في ذلك، وقد أمرهم ربنا سبحانه ألا يصدقوهم، قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6] يحذرهم الله سبحانه، فهؤلاء رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، أي: يتعوذون ويستغيثون بالجن؛ لينفعوهم من دون الله، فزادوهم رهقاً وأتعبوهم، وزادوهم مرضاً فوق أمراضهم؛ لفعلهم ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً ...)

    قال الله تعالى: فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ:42].

    ففي يوم القيامة يحشرهم الله سبحانه، ويأمر بهم إلى النار ولا يملك بعضهم لبعض نفعاً ولا ضراً، إذ كان الجني يضحك على الإنسان في الدنيا ويقول له: سننفعك، ونعمل لك كذا، وندلك على كذا، فيوم القيامة لا يملك أحد لأحد نفعاً ولا ضراً.

    فقوله تعالى: وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا [سبأ:42] أي: ظلموا أنفسهم، وظلموا غيرهم، ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ:42] ذوقوا عذاب الهوان، عذاب نار جهنم، وكلمة النار هنا: تقرأ بالفتح النار، وتقرأ بالتقليل، وتقرأ بالإمالة، فيقللها الأزرق عن ورش ، ويميلها أبو عمرو و حمزة أيضاً، ويميلها دون الكسائي ، وكذلك ابن ذكوان يميلها، وباقي القراء يقرءونها بالفتح.

    فقوله تعالى: ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ:42] أي: كذبوا بالنار، وكذبوا بالعذاب، فذوقوا العذاب الذي كذبتم به الآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا ...)

    يقول الله سبحانه: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ [سبأ:43] كان الكفار يتعاملون مع النبي صلى الله عليه وسلم بالغيرة والحسد فإذا تكلم وقرأ عليهم آيات كتاب الله سبحانه فإن هذا جوابهم.

    قوله تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا [سبأ:43] بكسر الهاء قراءة الجمهور، وبضمها قراءة حمزة ويعقوب : (عليهُم آياتنا بينات) أي: ظاهرة جلية بينة مبصرة قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ [سبأ:43] وهذا نوع من التحريش بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكان يحرش بعضهم بعضاً عليه أنه رجل يريد أن يصدكم عما كان عليه آباؤكم، فقد كان عند العرب احترام للآباء، فكان أحدهم إذا تكلم عن أبيه يتكلم عنه بفخر واعتزاز، ولذلك ظنوا أنهم يغلبون النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك، فقد جاء رجل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: (أأنت أهدى أم عبد المطلب؟) فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: (أنت أهدى أم عبد الله أبوه؟) فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن كلام الله هو الهدى وليس الذي يقولونه.

    قال تعالى: قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ [سبأ:43] من أجل إثارة بعضهم بعضاً على النبي صلى الله عليه وسلم، فكان القائل منهم يقول: هذا يريد أن يبعدك عما كان عليه أبوك وعما كان عليه جدك، فهل يرضيك ذلك؟ فيقول له: لا، بل آباؤنا، قال تعالى: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22] لذلك الكفار كان يدخل بعضهم لبعض من هذا المدخل، وأن هذا يسب آلهتنا ويسفه آباءنا، فيقول بعضهم لبعض: مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى [سبأ:43]، ويقولون عن القرآن الكريم: هذا إفك، والإفك: حديث الكذب.

    قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ [سبأ:43] أي: عن الحق لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [سبأ:43] هذا كلامهم، إذاً: رموا النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب، فقالوا: إن الكلام الذي جاء به إفك مفترى، وهذا الذي يقوله سحر مبين، يعني: سحر واضح جداً، والذي جعلهم يقولون: إنه سحر هو قولهم: ما سمعناه يقول كذباً قط، ولكنهم عرفوا السحر وطرقه، فقالوا عنه: كاهن، ولكنهم عرفوا سجع الكهان وكلامهم فهو ليس بكاهن، فأقنع بعضهم بعضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وأنه سفه آلهتهم، وشتم آباءهم، وليس عندهم رد غير ذلك، فاجتمعوا بكفرهم على أن يكذبوا على النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما آتيناهم من كتب يدرسونها ...)

    قال الله سبحانه مجيباً ومبيناً كذبهم: وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ:44] فهم قالوا: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، فلا آثار عندهم على ذلك، ولا أدلة لهم على أنهم كانوا على حق، هل معهم كتاب من عند الله سبحانه يبين لهم هذا الذي يدعونه؟

    قال سبحانه: : وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا [سبأ:44] أي: من عندنا، لم ننزل عليهم قبل ذلك كتاباً من الكتب ويقولون: عندنا آثار من علم، فائتوا بهذه الكتب إن كنتم صادقين.

    قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ:44] أي: لم نرسل في هؤلاء العرب قبلك من نذير، كان في الماضي إبراهيم أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام في العراق، ثم رحل إلى الشام على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ثم ذهب إلى مكة فبنى هذه الكعبة ورجع إلى الشام، وكان إسماعيل في مكة على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان على الملة وعلى الدين، أما هؤلاء العرب أهل الفترة لم يكن فيهم نذير قبلك، فأنت أول من جاء إليهم.

    قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ:44] قراءة حمزة ويعقوب : (إليهُم)، مثل (عليهُم) (إليهُم) (لديهُم) وباقي القراء يقرءون: (إليهِم) (لديهِم) (عليهِم).

    قال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ:44] أي: منذر ينذرهم، ونبي ينذرهم ويخوفهم بعقوبة الله سبحانه على شركهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم ...)

    قال تعالى:

    وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [سبأ:45].

    قوله تعالى: (وكذب الذين من قبلهم ...) يعني: تكذيب هؤلاء ليس بجديد فالذين من قبلهم كذبوا وأعرضوا، قال تعالى: وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [سبأ:45] يعني: هؤلاء القوم القرشيون المغرورون، كذبوا ما جئت به من عند الله، كذلك كذب الذين من قبلهم، ولكن الذين من قبلهم كانوا أقوى منهم أبداناً، وكانوا أكثر منهم عدداً، ومكنا لهم أشياء كثيرة لم نمكن لهؤلاء مثلها، وما بلغ هؤلاء معشار -أي: عشر- ما أوتي الذين من قبلهم، فقد آتيناهم أموالاً كثيرة، وأعطيناهم جنات وعيوناً وحدائق، أما هؤلاء فهم في الصحارى ليس فيها إلا القليل من هذه الأشياء، لكن السابقين أعطيناهم فكذبوا، وكانوا أغنياء أقوياء طوالاً في الأجسام عراضاً فيها، فهؤلاء أهلكناهم، ودمرناهم، وأغرقناهم، فكيف نصنع بهؤلاء الضعفاء؟ فإنهم لم يؤتوا معشار ما آتيناهم، قالوا: معشار بمعنى: العشر، يقال: العشر والعشير، وقيل: بل معشار بمعنى: عشر العشر والمعنى: آتينا هؤلاء القليل من الدنيا، ولم نؤتهم كما آتينا الذين من قبلهم، وقد كذب الذين من قبلهم فأهلكناهم، ألا يتعظ هؤلاء بالذين من قبلهم؟!

    قال: فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [سبأ:45] إذا وقفت عليها قلت: فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [سبأ:45] هذه قراءة الجمهور، وإذا وصلها الجمهور أيضاً فيقولون: فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ [سبأ:45-46] بالكسر فيها، أما ورش عن نافع إذا وصلها قرأ: ( فكيف كان نكيرِي قل إنما أعظكم بواحدة )، ويعقوب يثبت الياء وصلاً ووقفاً: ( نكيري )، ومعناها: إنكاري على هؤلاء كيف كان؟ وكيف كانت عقوبتي لهؤلاء؟ وكيف كان توقيفي لهم؟ وكيف كان عذابي لهؤلاء؟

    إذاً: الإنكار هو العقوبة من الله سبحانه وتعالى، فقد كان إنكاره شديداً، إذ أهلكهم الله سبحانه وتعالى فلم يبق منهم أحداً، كيف صنع بقوم نوح؟ كيف صنع بعاد؟ كيف صنع بثمود؟ كيف صنع بأصحاب الأيكة وبقوم لوط؟ كيف صنع بفرعون وهامان وجنودهما؟ فالله عز وجل أنكر عليهم ما هم فيه إنكاراً عظيماً بعقوبة منه سبحانه، جعلتهم أمام الأمم التي تليهم عظة ومثلاً من الأمثال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما أعظكم بواحدة ...)

    قال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: قُلْ [سبأ:46] يعني: لهؤلاء إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ [سبأ:46] أي: كلمة واحدة أقولها لكم، موعظة أعظكم بها، خصلة واحدة أدعوكم إليها لتتعظوا، ولتأخذوا حذركم من ربكم سبحانه وتعالى، بأن تؤمنوا وأن تطيعوا، والكلمة الواحدة التي طلبها النبي صلى الله عليه وسلم هي: قولوا: لا إله إلا الله، فإن هذه الكلمة العظيمة مفتاح الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) هذه الكلمة العظيمة التي دعا النبي صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب إلى أن يقولها، (قل: لا إله إلا الله كلمة واحدة أحاج لك بها عند ربك).

    هذه الكلمة العظيمة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء: أعظكم بها أن تقولوها، هذه الكلمة إذا تأملت معناها عرفت أن هؤلاء القوم كانوا يفهمون معنى هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فهم عرب، وهذه الكلمة عربية، فعرفوا الكلمة وعرفوا ما ينبني عليها، ولذلك رفضوا هذه الكلمة.

    فقوله: (قل إنما أعظكم بواحدة)، أي: قولوا: لا إله إلا الله، معناها: لا أتوجه بعبادة لغيره إذا كان الإله إلهاً واحداً، ولكن الكفار لا يريدون أن يكون الصلة بينهم وبين الله هو النبي صلى الله عليه وسلم، فهم يرفضون ذلك، يرفضون أن يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أصغر منهم سناً، وهناك من هو أقوى منه، وأكبر منه سناً، وأكثر منه مالاً، فلماذا يخصه الله بالرسالة حسب زعمهم؟ فهم لا يقبلون منه أمراً لهذه الأسباب، وإنما الأمر لله وحده سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3] صلوات الله وسلامه عليه، إنما الوحي من ربه سبحانه.

    فقال لهم: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ [سبأ:46] أي: أذكركم وأحذركم من سوء العاقبة بخصلة واحدة فقط: أن تتفكروا في هذه الخصلة الواحدة، قوله تعالى: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى [سبأ:46]، في هذه الموعظة التي أقولها لكم، أدعوكم إلى طاعة الله عز وجل، هذه هي الخصلة الواحدة والأمر الواحد الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم اعبدوا الله وحده، وهذه دعوة كل الأنبياء والرسل من قبله، دعوا قومهم: أن اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] أي: قولوا: لا إله إلا الله لا نعبد إلا الله، والكفار كانوا يقرون بربوبية الله أنه الخالق وأنه الرازق، وأنه الذي ينفع ويضر سبحانه، لكنهم يعبدون معه غيره، ويقولون: نعبد هذه الأصنام لأنها تقربنا إلى الله، وسبب عبادتهم للأصنام كما قال تعالى: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22] لذلك الذي كان يسلم منهم بعد ذلك كان يضحك على نفسه كثيراً عندما يذكر جهله وغباءه وكيف عبد هؤلاء الأصنام! وكيف يصنع التمثال من الحجر هو ويخته بيده ويطؤه بقدمه ثم يضربه بفأسه، ثم يعبده من دون الله! وأعجب من ذلك: أنه إذا لم يلق حجراً يصنع إلهاً من التمر فيعبده من دون الله حتى إذا جاع أكله، وكانوا يفعلون ذلك في السفر، أو يأخذ الشاة ويحلبها فيأخذ الحليب ويخلطه مع رملٍ من الأرض حتى يجعلها عجينة ثم يجعلها تمثالاً ثم يجففه بالشمس ويعبده من دون الله سبحانه وتعالى، فإذا عاد من سفره ترك هذا التمثال، وعاد إلى صنمه الذي في بيته يعبده من دون الله! قال الله عنهم: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44] فعبدوا هذه الأشياء من دون الله سبحانه، فلا يعقلون ولا يفهمون.

    فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ [سبأ:46] خذوا هذه الخصلة الواحدة التي آمركم بها وتفكروا فيها، أنا دعوتكم أن تقولوا لا إله إلا الله فكذبتموني وقلتم عني: مجنون، وقلتم عني: ساحر، وقلتم: الكتاب هذا مفترى، إذاً: تفكروا في ذلك، قال: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46]، أن تقوموا لله مثنى، أي: اثنين اثنين ( وفرادى ) أي: كل واحد بنفسه حتى تصلوا إلى الأمر السليم، فالأمر المشكل لا يكون إلا كذلك، إذا أشكل الأمر على إنسان بدأ يزن الأمر في رأسه حتى يصل إلى شيء، أو أنه يأتي بإنسان عاقلٍ آخر ويجلس معه، فيكون كل واحد مرآة للآخر.

    إذاً: التفكير السليم يحتاج الإنسان فيه إلى أن يكون وحده يفكر، وبعد ذلك يجلس مع غيره ليستعين به، لم يقل: لأن المجموعات لا يصلون إلى حل أبداً حين يفكرون، ولكن يصلون إلى حل عن طريق الشورى، ولذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن تستخير الله سبحانه وتعالى ونطلب منه الخير في الأمور، وصلاة الاستخارة ركعتان، من غير الفريضة يسأل فيها العبد ربه سبحانه وتعالى، يقول: ( اللهم إن كان هذا الأمر خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كان شراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به)، فتستخير ربك وتفكر في هذا الأمر ثم تشاور مع غيرك فيه، فإذا فعلت ذلك فإن الله عز وجل يوفقك للصواب؛ لذلك فإن التفكير الجماعي لا يجدي؛ لأنهم كلهم كفرة، والكبراء يمنعون الصغار من التفكير لذلك لا يصلح التفكير في جماعة من الناس، إنما التفكير إذا أردت الاهتداء والوصول إلى الصواب أن تفكر وحدك لتكون منصفاً، ثم تشاور إنساناً آخر عاقلاً مثنى وفرادى فتصلون إلى الصواب يوماً من الأيام.

    قوله تعالى: أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46] هذه قراءة الجمهور، وقراءة رويس عن يعقوب : ( ثم تَّفكروا ما بصاحبكم من جنة ) والوقف على (ثم تتفكروا) وقف تام عليها، وقيل: بل الوقف على ما بعدها (ما بصاحبكم من جنة)، وكلاهما له معنى؛ فإذا وقفنا قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا [سبأ:46] تمت هنا، إذاً: هنا أمرهم أن يقوموا لله مثنى وفرادى، ثم يقومون مخلصين يبتغون بقيامهم أن يوصلهم الله سبحانه إلى الحق، فيتفكرون في قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم: قولوا: لا إله إلا الله، ثم تتفكروا، ثم قال لهم: مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ:46] أي: ليس بصاحبكم من جنة، هذا إذا كان على الابتداء بذلك: مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ:46] أما على الوصل فيها والوقف على (جنة) فيقول: قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ:46] هذه الجنة التي تزعمون أنها فيه، تفكروا هل فيه من جنة؟ وعلى ذلك تكون (ما) هنا موصولة بمعنى: الذي، أي: ثم تتفكروا في الذي زعمتم أن بصاحبكم جنة، وصاحبكم هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، هل فيه فعلاً جنون كما تقولون؟

    إذاً: على الأولى نفي من الله عز وجل: مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ [سبأ:46] أما على الثانية فهي وصل أي: تفكروا في الذي زعمتم ورميتموه به من جنون هل هو فعلاً كما تقولون.

    قال الله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ [سبأ:46] أي: ما هو إلا نذير لكم صلوات الله وسلامه عليه بين يدي عذاب شديد، وما هو إلا رسول، قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [آل عمران:144]، هذه وظيفته صلوات الله وسلامه عليه في هذه الدنيا، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران:144].

    قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ:46]، والمعنى: أنتم المحتاجون، فأمامكم عذاب أنتم لا ترونه، فأرسلنا إليكم هذا النبي الكريم الرسول البشير عليه الصلاة والسلام ليحذركم من هذا العذاب، وكان من الممكن ألا نرسل إليكم شيئاً، ونجازيكم ونعذبكم، ولكن الله سبحانه وتعالى رءوف بعباده، لطيف بهم حليم كريم سبحانه، يأبى أن يعذب حتى يقيم العذر والحجة على هؤلاء، فقال لهم سبحانه: (ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير) أي: منذر يخوفكم مما أمامكم من عذاب يستقبلكم عند الله سبحانه.

    قال الله سبحانه في سورة الشورى للنبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23] إذاً: هو لا يسأل أجراً أصلاً، ولكن إن سألتكم شيئاً أسألكم أن تراعوا المودة، فإن بيني وبينكم مودة، بيني وبينكم قرابة، فلا تقطعوا الأرحام، إما أن تدخلوا في الدين, وإما أن تتركوني أدعو غيركم، ولا داعي لأن تدخلوا طالما أنتم على ذلك، ولعل الله يهديكم في يوم من الأيام، ولكن راعوا المودة في القربى.

    إذاً: النبي صلى الله عليه وسلم يقول: خلوا أموالكم؛ لأنهم قالوا له: إن كنت جئت بهذا الأمر تبتغي به ما لاً جمعنا لك من أموالنا حتى تصير أغنانا، فقال لهم: لا، ما أنا طالب منكم شيئاً من المال، إنما أدعوكم إلى الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ...)

    قال الله تعالى: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ:47] أي: إن كنت طلبت منكم مالاً فخذوه، ولو أني سألتكم مالاً فهو لكم، وفي سورة الشورى قال سبحانه: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23] يعني: لا أسألكم عليه من أموالكم شيئاً، ولكن أطلب منكم أن تراعوا المودة التي بيني وبينكم، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [يونس:72].

    إذاً: قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ:47] وهذه قراءة الجمهور كما ذكرنا قبل ذلك، والقراءة الأخرى لـقالون ، وأبي جعفر ، وأبي عمرو ، والكسائي : ( فهْو لكم) وقراءة نافع وأبي جعفر ، وقراءة أبي عمرو ، وقراءة ابن عامر ، وحفص عن عاصم : ( إن أجريَ إلا على الله ) وباقي القراء يقرءونها: ( إن أجريْ إلا على الله ) منهم من يمد ومنهم من يقصر.

    والمعنى: لا أطلب الأجر إلا من الله سبحانه وتعالى، وهو على كل شيء شهيد، فهو شهيد علي فيما أطلب وفيما أقول، وشهيد عليكم سبحانه، وكلمة شهيد على صيغة مبالغة من الشاهد وهو سبحانه الذي يعلم ما يقولونه، ويشهد عليهم سبحانه وتعالى، والشهيد: الرقيب العالم الحاضر الذي يراقب أفعالكم وأقوالكم، والذي يراقبني ويراقبكم.

    فلذلك النبي صلوات الله وسلامه عليه لا يحتاج إلى أموالهم، فالله هو الرزاق الكريم الذي يرزقهم سبحانه، فيطلب منهم أن يستجيبوا، وإن لم يستجيبوا فليفكروا في أنفسهم هل في صاحبهم من جنة؟ هل صاحبهم هذا طلب منهم أشياء من دنياهم؟ إنما طلب منهم أن يعبدوا الله وحده لا شريك له.

    نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الإخلاص وكلمة التوحيد، وأن يحيينا عليها وأن يتوفانا عليها.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.