إسلام ويب

تفسير سورة سبأ [20 - 23]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله سبحانه قصة قوم سبأ، وكيف أغدق عليهم نعمه العظيمة، فجحدوا نعم الله عليهم، وصدق عليهم إبليس ظنه فأغواهم كما أغوى غيرهم من الناس، إلا المؤمنين الذين اعتصموا بالله فإنه لم يقدر على إغوائهم، وقد جعل الله إبليس فتنة للناس ليعلم المؤمن الصادق من غيره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ... وهو العلي الكبير)

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    يقول الله عز وجل في سورة سبأ عن قوم سبأ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ * قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:20-23] .

    لقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن قوم سبأ: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ [سبأ:15]، وذكرنا أنه أعطاهم جنتين من فضله سبحانه وتعالى عن يمين وشمال، وجعل لهم البساتين والأنهار والعيون، وجعل لهم من فضله سبحانه وتعالى بين كل قرية وقرية قرية أخرى، فلا يرحلون من قرية إلا وينزلون في قرية أخرى، فكان هذا فضلاً من الله سبحانه وتعالى عليهم.

    وكان الواجب عليهم أن يشكروا نعمة الله سبحانه، وقد قال لهم: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15] .

    أي: هواؤها طيب، وأرضها طيبة، وثمارها عظيمة طيبة، فلا هوام فيها مؤذية للناس، ولا شيء ينغص عليهم حياتهم، وإنما فيها أمان من الله سبحانه وتعالى لهم، قال سبحانه: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15].

    ثم قال: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [سبأ:18] ، وهذه نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى، وهي نعمة الأمن والأمان، فقد كانوا يسيرون مرتحلين من اليمن إلى بلاد الشام في أمن وأمان، يرحلون من قرية إلى قرية فلا يحتاجون إلى حمل زاد، بل ورد أن المرأة كانت تخرج إلى القرية تحمل مكتلها فوق رأسها وتسير تحت الأشجار والثمار فتتساقط الثمار في مكتلها من غزارتها فلا تخرج من البستان إلا وقد امتلئ مكتلها من غير أن تتعب نفسها في أخذ هذه الثمار!

    وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى، فاشكروا نعمة الله سبحانه فالبلدة طيبة والرب رب غفور سبحانه وتعالى.

    فلما رأوا هذه النعم العظيمة ازدادوا طغياناً، وأشراً، وبطراً، وقالوا: رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا [سبأ:19] أي: نحن نريد أن نستمتع بأسفار بعيدة، فلا نريد أسفاراً قريبة، نريد مفاوز، ونريد صحاري، ونريد طرقاً بعيدة، وقال بعضهم: ( ربُنا باعَدَ بين أسفارنا ) أي: ربنا قد باعد بين أسفارنا على وجه السخرية والاستهزاء بذلك.

    والنعمة إذا أتت للإنسان فلم يصنها استحق الحرمان، واستحق أن تضيع منه هذه النعمة، ومن فرط في النعمة، واستهزأ بها، وضيعها، وأتلفها، ضاعت منه النعمة ولم ترجع إليه مرة ثانية، فهؤلاء القوم كانوا أهل حضارة، فأهل التاريخ يقولون عن قوم سبأ: كانت لهم دولة عظيمة استمرت فترة طويلة جداً، وكانت دولة ذات حضارة عريقة، قامت في اليمن، قبل ميلاد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام بأكثر من ألف عام، وكانت دولة عظيمة قوية.

    وهنا نقول: مدينة بمعنى بلد، ولكن حين يقولون: دولة، يعني لهم حضارة، وسمعة مشهورة بين الدول التي بجوارها، ويحتاجون إليها، فكانت مثل دولة الفرس، ودولة الروم، فلما طغوا وبطروا نعم الله سبحانه، دمرهم وأهلكهم سبحانه وتعالى بأشياء عجيبة جداً، لأنه هو الذي منحهم نعمة الماء، ونعمة الهواء، والجبال العالية التي كانوا فيها، يسيل الماء بينها، وهو الذي منحهم عقولاً تفكر كيف تستغل هذه المياه لزراعة هذه الجبال العالية، ومعلوم أن المزارع التي في مستوى عال عن الأرض هي من أخصب ما يكون، وأن هواءها أفضل الهواء، فالله عز وجل أعطاهم تفكيراً يفكرون به كيف يرفعون هذا الماء إلى هذا العلو، فبنوا سد مأرب بين جبلين عظيمين، وغرسوا فوق الجبال، وزرعوا، وأنبت الله عز وجل نباتاً حسناً عظيماً، لا يوجد في أي بلد مثله، وقد امتن الله عز وجل عليهم به، فكان الواجب عليهم أن يعرفوا نعمة الله عليهم فيعبدوه، ويشكروه سبحانه، ولكنهم أبوا إلا الكفر والتكذيب، وصدق عليهم إبليس ظنه.

    وإبليس ظن في آدم أنه مخلوق ضعيف، فإن الله لما خلق آدم جعل إبليس يطوف به، فيجده مخلوقاً من طين، ويجده أجوفاً، وذلك قبل أن يخلق الله عز وجل فيه الروح، فعلم إبليس: أنه مخلوق ضعيف فقال: لئن سلطت عليه لأغوينه.

    لقد ظن ظناً في نفسه وهو لا يعلم الغيب، وعلم الله عز وجل من إبليس أن هذا تفكيره، لذلك كان تدبير الله عز وجل في كونه أن يهبطه إلى الأرض، وأن يجعله عدواً لبني آدم، وأن ينزل آدم إلى الأرض بخطيئة وقع فيها عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما هو معروف في كتاب الله سبحانه وتعالى.

    وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ:20] فقد قال لربه سبحانه: لئن سلطتني على هؤلاء، لأغوينهم، وَلَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17]، فإبليس لم يطلع على الغيب، وإنما قالها ظناً من عند نفسه، وقال لله عز وجل: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82] أي: أنا لن أترك هؤلاء، وهذا القول قاله بظنه، فلقد صدق إبليس على هؤلاء القوم وعلى غيرهم ظنه، وهذه قراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي وخلف ، أما قراءة المدنيين والمكيين والبصريين والدمشقيين فيقرءونها: ( ولقد صَدَقَ عليهم إبليس ظنه ) أي: أن ظن إبليس صدق على هؤلاء فيما ظنه أنه يغوي ذرية آدم، فسلط عليهم وأغواهم: فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ:20]، فلما قال إبليس لربه: لأغوينهم أجمعين، قال الله عز وجل: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42]، فعباد الله المؤمنون الصالحون المقربون، ليس لإبليس سلطان عليهم، بل يهديهم الله سبحانه وتعالى، ويدلهم على الخير، ويعينهم عليه، وينصرهم على عدوهم الشيطان، فيجتنبوا مكره وكيده، ويعتصموا بالله سبحانه وتعالى، فهؤلاء هم الذين ينجيهم الله سبحانه وتعالى.

    فالبعض وهم القلة من المؤمنين الذين عبدوا الله سبحانه، ولم يتبعوا الشيطان، وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ [سبأ:21] أي: إبليس حين أضل هؤلاء وأغواهم لم يكن يملك أن يحولهم من شيء إلى شيء، ولذلك حين يدخل إبليس النار مع عصاة بني آدم يختصمون ويستغيثون ويسألون من يخرجهم من النار، فيقول لهم إبليس: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ [إبراهيم:22]، أي: لا أنا سأستجيب لصراخكم وأخرجكم، ولا أنتم ستستجيبون لصراخي وتخرجوني من النار، فكلنا فيها والعياذ بالله، ثم يقول: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22] أي: لم تكن لي عليكم حجة، فالحجة لله عز وجل، الذين نزل عليكم الكتاب، وأرسل إليكم الرسل، أما أنا فليس لي أي حجة عليكم، فلم أرسل إليكم أحداً وإنما وسوست لكم فصدقتموني، واتبعتموني، فيتبرأ إبليس منهم ويتبرءون منه، كما يقول الضعفاء للكبراء: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31]، فيقول المتبعون الكبراء لهؤلاء الأتباع الأصغار: أنحن أضللناكم وأزغناكم عن هدى الله بعد إذ جاءكم؟ لا، بل أنتم كنتم مضلين: بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ [سبأ:32]، ثم إن المتبوعين يتبرءون من التابعين لهم، قال الله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ [البقرة:166-167] أي يقول: التابعون الصغار يوم القيامة حين يرون أسيادهم تبرءوا منهم: لو أنا نعود إلى الدنيا مرة ثانية من أجل أن نتبرأ منهم كما تبرءوا منا! يقول الله عز وجل: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167]، فالذي ضل في الدنيا قد عرف الحق، والله سبحانه وتعالى قد أعذر إلى خلقه، وأنذرهم وأنزل إليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل، وجعل الفطرة في قلوبهم، وجعل لهم عقولاً بحيث يعرفون بها الخطأ من الصواب، وهذه منه من الله الحكيم سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان له عليهم من سلطان ...)

    إبليس لم يأتهم بأي حجة: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ [سبأ:21]، لذلك يقول إبليس وهو في النار: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22] أي: أنتم كنتم تعبدونني من دون الله، وأنا كفرت بعبادتكم: إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:22].

    قال الله عز وجل في هذه الآية: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ [سبأ:21].

    إلا هنا للاستثناء ويسمونه: الاستثناء المنقطع، والمعنى: لكن الشيطان فعل بهم ذلك، لنعلم علم شهادة، مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ [سبأ:21].

    إذاً: إِلَّا لِنَعْلَمَ معناها: ولكن لنعلم، وهل لم يكن يعلم قبل ذلك سبحانه وتعالى؟! حاشا له سبحانه، فالله يعلم كل شيء.

    وعلم الله علمان: علم غيب: فقبل أن يوجد الخلق علم كل شيء سبحانه وتعالى، وعلم شهادة: وهو الذي يحاسب الله عز وجل العباد عليه، ومستحيل أن يختلف علم الشهادة عن علم الغيب، فعلم الغيب: هو قبل أن يوجد الإنسان، فلما أوجد الإنسان وفعل الأشياء رآها الله سبحانه، وسمعها وعلمها فسمي علم شهادة.

    فالله عز وجل لا يحاسب الإنسان على علمه الغيبي به، بل يحاسبه على علم الشهادة، لتكون الحجة لله سبحانه.

    وعلم الشهادة هو الذي يذكره الله عز وجل هنا، يقول: إِلَّا لِنَعْلَمَ [سبأ:21] أي علم شهادة: مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ [سبأ:21]، أي: من يؤمن فيعمل: مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ [سبأ:21]، والذي يشك في الآخرة كافر بعذاب الله سبحانه وتعالى، وبحسابه، والذي يشكك لا يعمل، كالمنافقين الذين قالوا: آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، قال الله سبحانه، وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [سبأ:21] أي: يحفظ عليك كل ما تفعله.

    وذكرنا قبل ذلك أن الله سبحانه إذا ذكر اسمه العليم فإنه يدل على أنه قد علم بكل شيء ظاهراً وباطناً أولاً وآخراً، وأنه قد علم ما يجهر به الإنسان وما يسره ويخفيه سبحانه وتعالى، فإذا قيد بصفة من صفاته كصفة الخبير، فإن المقصود منها علم الشيء الخفي الذي لا يظهر.

    فإذا ذكر أنه الشهيد سبحانه بمعنى العليم بالشيء المشاهد فإنه يدل على علم الله سبحانه بما هو مشاهد وما هو ظاهر.

    فإذاً: للعلم الخفي الخبير، وللعلم الظاهر الشهيد، فإذا كان يعلم ويحصي عليك، فهو الحفيظ سبحانه وتعالى، فإنه يحفظك، ويحفظ ملائكته، ويحفظ جميع خلقه، كما أنه جعل للإنسان معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، فإذا نزل القضاء والقدر من السماء، أصاب ما أراده الله ولم ينفع صاحبه بشيء، فالله يحفظ خلقه سبحانه، ويحصي عليهم أعمالهم فهو الحفيظ وهو المحصي سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قيل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ...)

    قال عز وجل: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22] أي: هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله وهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، والخطاب لجميع الكفار وخصوصاً كفار قريش الذين نزل القرآن وهم يسمعونه من النبي صلوات الله وسلامه عليه، وفيه هذه القصة، قصة سبأ، وقصة سليمان، وقصة داود، عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ليتعظوا ويتدبروا ويعتبروا بأمر هؤلاء فيكونوا مؤمنين، ولا يكونوا مع الكافرين، فلما أصروا على كفرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، قال لهم الله عز وجل: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ:22] بكسر اللام وهي قراءة عاصم وقراءة حمزة وقراءة يعقوب : وباقي القراء يقرءونها: ( قُلُ ادعوا ) بالضم.

    (لا يملكون مثقال ذرة) أي: هل يملكون مثقال ذرة أي: قدر نملة؟

    وهنا يمكن للإنسان أن يدعي ويقول: أنا أملك مالاً، وأملك كذا، وعندي بيت، وعندي كذا، فنقول له: هل تستطيع أن تحتفظ بهذا الشيء إلى أن تموت ولا أحد يأخذه؟ وهل تستطيع أن تخلد نفسك؟ لا، إذاً: فليس ملكك ملكاً حقيقياً، وإنما هو استخلاف من الله عز وجل استخلفك عليه، وستزول ويبقى الشيء ثم ينتقل إلى غيرك بعد ذلك، فلا يزعم إنسان أنه يقدر أن يخلق نملة، فلن يستطيع مهما أوتي من علم، ومهما أوتي من قوة، فلن يقدر على ذلك.

    فإذا تبجح إنسان وقال: أنا أستطيع أن أفعل، قلنا بقول الله: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:64]، فما قدروا ولا استطاعوا ولا يستطيعون أبداً على ذلك.

    وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ [سبأ:22] أي: ليس لهذه الأصنام التي تعبد من دون الله سبحانه شرك يعني جزء، تقول: فلان شريكي في هذه الأرض، أي: أنت تملك جزءاً وهو يملك جزءاً آخر، فهم لا يدعون أنهم يملكون ذلك، وإن ادعوا ذلك علمنا بالضرورة كذبهم.

    قال: وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا [سبأ:22] يعني: في السموات ولا في الأرض، يعني: ليس لهم نصيب في السموات ولا في الأرض، ولا يقدرون على تدبير أمر السموات ولا أمر الأرض، ولا يقدرون أن يأتوا بالشمس من المغرب بدلاً من أن يأتي بها الله عز وجل من المشرق، فهم لا يقدرون على شيء ولا يزعمون ذلك.

    قال سبحانه: وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ:22] أي: ليس لهم مقاسمة مع الله، ولا شرك لهم مع الله سبحانه في ذلك، وليس لله عز وجل من خلقه ظهير، والظهير: هو المظاهر والمعين، فلا يحتاج ربك إلى أحد سبحانه وتعالى يتظاهر به، أي: يتقوى به حاشا له سبحانه وتعالى، فالكل يحتاج إلى الله، والله لا يحتاج إلى أحد من خلقه سبحانه، ما له منهم من ظهير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ...)

    ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، ونفي الشفاعة، وكرر الله ذكره في كتابه: منْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه [البقرة:255]، لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [مريم:87].

    والشفاعة من الشفع، والشفع عكس الوتر، الوتر الفرد الواحد، والشفع فرد آخر يأتي بجواره، حتى ينتفع هذا بهذا، فإذاً: صار الفرد شفعاً لما انضم إليه آخر، والشفاعة فيها هذا المعنى، فالإنسان يأتي يوم القيامة وحده منفرداً إلى الله سبحانه وتعالى، ويهيئ الله من يشاء من خلقه أن يشفع لهذا الإنسان المؤمن، فيشفع رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وتشفع ملائكة الله، فيقفون بجوار هذا ويقولون لله: كان يفعل كذا وكذا، يا رب ارحمه، يا رب أخرجه من النار، وشفع الرسول للخلق، بمعنى: وقف بجوارهم، ودعا ربه سبحانه، أن ينجيهم مما هم فيه، فهذه هي الشفاعة يوم القيامة.

    يقول الله عز وجل مؤكداً على المعنى الذي في هذه الآية، وأنه لا أحد يجرؤ على الشفاعة إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، لا ملك مقرب، ولا رسول مرسل، ولا أحد من خلق الله عز وجل: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، أي: إلا أن يأذن الله، ولذلك الشفاعة العظمى لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، -نسال الله عز وجل أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه الصلاة السلام-، هي أنه يأتي تحت عرش الرحمن سبحانه، ويخر لله ساجداً، ويفتح الله عز وجل عليه من المحامد يعلمها إياه في ذلك الموقف العظيم، ويتركه ما شاء سبحانه وتعالى، إثباتاً لربوبيته سبحانه، وإلهيته، وإثباتاً لعبودية كل خلقه، فهذا رسوله وخليله وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه، يظل ساجداً حتى يأذن الله له ويقول: يا محمد ! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع.

    فإذاً: لا تكون الشفاعة إلا بعد أن يأذن رب العالمين سبحانه وتعالى.

    قال سبحانه: وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:23]، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف : ( إلا لمن أُذن له ) فإذاً: هنا أَذن وأُذن ، أذن الله سبحانه وتعالى بمعنى أعلم، وأُذن يعني جاء الإذن من عند الله سبحانه وتعلى للشافعين أن يشفعوا.

    ويوم القيامة فيه شفاعات، وهذا من رحمة رب العالمين سبحانه وتعالى، فيشفع المؤمنون بعضهم في بعض، بإذن الله سبحانه، فيخرجون من شاء الله عز وجل من النار من عصاة الموحدين.

    معنى قوله تعالى: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ...)

    يقول سبحانه: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23] أي: إذا تكلم الله سبحانه أخذت الخلق الهيبة من الله سبحانه وتعالى، حتى كأنهم يغشى عليهم أو يصعقون من الخوف من الله سبحانه وتعالى، فيفزع عن قلوبهم، قال سبحانه: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ [سبأ:23] للبناء للمجهول، وهذه قراءة الجمهور: وقراءة ابن عامر ويعقوب ، ( حتى إذا فَزَعَ ) أي: أزال الفزع عن قلوبهم، وحَتَّى إِذَا فُزِّعَ [سبأ:23] أي: أزيل الفزع عن قلوبهم.

    فهم فزعوا حين تكلم رب العزة سبحانه وخافوا منه وأخذتهم هيبته، ففزع عن قلوبهم، وكشف عنها الخوف، وأذن لهم أن يشفعوا فيمن أذن الله عز وجل له بالشفاعة، فيقول بعضهم لبعض: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ [سبأ:23] أي: فيقولون: قَالُوا الْحَقَّ [سبأ:23]، أذن لنا سبحانه وتعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23].

    وهل هذا يوم القيامة فقط فزع عن قلوبهم، أو في كل وقت؟

    الظاهر من الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا في كل وقت يحدث من ملائكة الله عز وجل الذين هم في السماء، وقد جاء عند الترمذي من حديث أبي هريرة وهو صحيح، قال: (إذا قضى الله في السماء أمراً).

    أي: إذا أراد الله شيئاً نادى سبحانه وتعالى بذلك الشيء: فيفزع جميع من في السماء لما قضاه الله سبحانه، ويظنون أن الساعة قد قامت، ويخافون من عذاب الله سبحانه وتعالى، فيصعقون، فأول من يفيق جبريل فيأمره الله سبحانه وتعالى أن افعل كذا وكذا، فينزل جبريل على الملائكة، ويفزع عن قلوبهم، أي: يصرف الفزع عن قلوبهم، فيسألون جبريل: ماذا قال ربنا؟ فيقول جبريل: قال الحق يعني: قضى ربنا بالحق، يقول أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قضى الله في السماء أمراً، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنها سلسلة على صفوان) أي: أنه من شدة فزع الملائكة من ربها سبحانه وتعالى، تضرب بأجنحتها، فيحدث صوت فضيع، مثل ضرب السلاسل على الحجر أو على الحديد.

    وذكر في هذا الحديث أن الشياطين يكون بعضها فوق بعض، تسترق خبر السماء، فإذا وصل أمر الله إلى السماء الدنيا، يشاء الله عز وجل أن تسمع بعض الشياطين ما تقول الملائكة، فتخطف الخبر من السماء، ويرسل الله عليهم شهاباً يحرق من يشاء الله سبحانه، ويشاء الله أن يصل الخبر إلى الأرض، فتلقيه الشياطين إلى الكهنة من الإنس، فإذا بالكاهن يحدث ويقول: سيحدث في يوم كذا كذا بما أخبره به الشيطان، ويزيد الشيطان على ذلك مائة كذبة، فيخبر بها الكاهن أيضاً، فيجد الناس ما ذكره الكاهن من أنه سيحصل في اليوم الفلاني كذا، فيزعمون أن الكهنة يعلمون الغيب، وهذه من الفتن والابتلاءات التي يبتلي الله عز وجل بها عباده.

    ثم يقولون: ألم يخبركم أنه سيحصل يوم كذا وكذا، وقد صدق فيه، فصدقوه، فيصدقون الكهان، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الكاهن لا يعلم شيئاً من الغيب، وأنه لا يجوز لأحد أن يصدق الكاهن قال: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول: فقد كفر بما أنزل على محمد).

    ولو أن كلام الكهنة كله كذب، ما احتاج الناس أن يقول لهم رسول الله: كلام الكهنة كذب، ولكن الله عز وجل يشاء أن يقولوا بالشيء من الصدق، ابتلاءً للعباد، هل سيتبعون النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقول أم سيتبعون الكهنة ويصدقوهم فيما يقولون؟ فلابد من هذا الابتلاء للخلق، وهو لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى.

    ولما خلق الله عز وجل الجنة والنار، أمر جبريل أن يذهب وينظر، فنظر إلى الجنة فقال: والله لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ويخلق الله عز وجل النار ويقول: اذهب فانظر، فينظر جبريل إلى النار فيقول: والله لو سمعوا بها ما دخلها أحد.

    ثم إن الله أحاط الجنة بالأشياء المكروهة التي يكرهها الإنسان، فهو يكره أن يجاهد في سبيل الله، ويكره أن يؤذى، ويكره أن يصبر على المخاطر التي حفت بها الجنة؛ لأن الأعمال التي تدخل الجنة هي الأعمال الشاقة الصعبة، ويأمر جبريل أن ينظر فيقول: والله أخشى أن لا يدخلها أحد! أي: لأنها حفت بما يكرهه الناس، ثم يقول لجبريل: اذهب وانظر إلى النار، وقد أحاطها بالشهوات، فيذهب وينظر، ويرجع إلى ربه ويقول: يا رب! أخشى أن يدخلوها كلهم.

    إن دخول الجنة ليس بالأمر السهل، فمن أراد أن يدخل الجنة فعليه أن يؤمن ويصدق ويبتلى فيصبر، فيرى الشهوات أمامه، ويتركها خوفاً من الله سبحانه وتعالى، ويرى أعمال الخير وهي شاقة صعبة عليه فيعملها، فيصوم في اليوم الحار، ويتذكر الجنة ونعيم الجنة، والموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4]، وحين تدنو الشمس من الرءوس، فهذه الشمس البعيدة عنا، التي تحرق الرءوس في الصيف، تدنو من رءوس الناس يوم القيامة، ويسيل العرق من الإنسان حتى يغطي من بعض الناس رءوسهم، لأنهم لم يبذلوه في الدنيا خوفاً من الله وطاعة لله سبحانه وتعالى.

    وفي هذا الموقف يظل الله عز وجل من شاء من خلقه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله ، شاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد -إذا خرج منها حتى يرجع إليها-، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، وإمام عادل)، فالإنسان حين يتذكر ذلك، يهون عليه أن يصوم في يوم حار؛ لأنه سيلقى ربه سبحانه وتعالى يوم القيامة، فيؤجره على ذلك، ويكون حقاً على الله أن يسقيه في يوم العطش الأكبر؛ لأنه أظمأ نفسه لله عز وجل في يوم حار، فالله سبحانه وتعالى يبتلي العبد بالأعمال الصالحة، فيجدها صعبة عليه، ولا يجد الذين يعينونه على الخير إلا قليلاً، والذين يمنعونه من الخير كثير، فهل تصبر على الخير وتعمله أم أنك تبتعد عنه وتتركه؟ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود:7].

    والنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا كيف تخاف الملائكة من أجل أن نتعظ، فالملائكة لم تعص الله سبحانه وتعالى، فإذا كان يوم القيامة وأفاقت الملائكة قالوا لله عز وجل: سبحانك، ما عبدناك حق عبادتك، فكيف بنا نحن الذين نخطئ أحياناً ونصيب أحياناً، نحن الذين نعصي الله سبحانه وتعالى، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، نسأل الله عز وجل أن يتوب علينا وأن يرحمنا، وأن يجعلنا من عباده المقربين.