إسلام ويب

تفسير سورة سبأ [10 - 12]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله عن فضله وتكرمه على بني إسرائيل حيث جعل فيهم الملك والنبوة، وقد جمعهما لنبيين من أنبيائهم، وهما: داود وسليمان عليهما السلام، وألان الحديد لداود، وعلمه صنع الدروع، وسخر له الطير والجبال يسبحن معه، وسخر لسليمان الريح والجن والإنس يعملون بين يديه بإذن الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوبي معه..)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة سبأ: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:10-12].

    ذكرنا أن هذه السورة مكية يذكر الله سبحانه وتعالى فيها الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ويتعظون، ويذكر نعمه التي ينعم بها على عباده، وقليل من عباد ربنا الشكور، فمن العباد من يشكر النعم فيستحق المزيد منها، ويستحق الجنة دار الخلود، ومنهم من يكفر بالنعم فيستحق في الدنيا الهوان والذل، وفي الآخرة العذاب الشديد.

    فهنا: ذكر الله سبحانه وتعالى داود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهما من عباد الله الصالحين، أنعم الله عليهما بالنبوة والعلم والحكمة والفهم، وأنعم عليهما بالملك أيضاً، فأعطاهما ملكاً عظيماً، وذكر الله سبحانه بعد ذلك بقليل قصة سبأ وكيف أنعم عليهم في الدنيا وأعطاهم فإذا بهم يكفرون بنعم الله سبحانه، ويتبعون الشيطان: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ [سبأ:20] فإبليس يأتي للإنسان على أن يغويه ظناً منه، وقد قال الله سبحانه: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82]، فصدق ظنه عليهم، فأغوى منهم من شاء الله عز وجل له الغواية، وثبت الله عز وجل من شاء له الهداية، فهذا داود النبي وهذا سليمان ابنه، وننظر في القصة التي ذكرها الله عز وجل هنا.

    وقد تكرر في كتاب الله سبحانه وتعالى في مواضع ذكر داود النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وسليمان أيضاً، فذكر الله سبحانه وتعالى أنه آتى داود زبوراً، قال: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [النساء:163]، وقال في سورة الإسراء: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا [الإسراء:55] وذكر داود وسليمان إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا [الأنبياء:78-79] داود وسليمان وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79] فآتى الله عز وجل كلاً من الاثنين الحكم والعلم، آتاه النبوة من فضله سبحانه.

    وقال: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:79]، فسخر الله عز وجل لـداود الجبال تؤوب معه وتسبح، وكذلك الطير كما سيذكر لنا في هذه السورة.

    كذلك قال سبحانه في سورة النمل: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل:15] فذكر أنه اختصهما بعلم لم يعطه لغيرهما في زمانهما.

    كذلك قال لنبينا صلوات الله وسلامه عليه في سورة (ص): اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ [ص:17] ذا القوة إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص:17-20] فهذا مما ذكره الله عز وجل عن داود النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    فداود نبي من أنبياء الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومن أبناء يعقوب، ويعقوب له اثنا عشر سبطاً، ومن أسباط يعقوب يهوذا بن يعقوب ولاوي بن يعقوب ، فجعل الله عز وجل في سبط لاوي من أبنائه الأنبياء من بني إسرائيل، وجعل في سبط يهوذا الملوك من بني إسرائيل، فبنو إسرائيل يقودهم اثنان: نبي يحكمهم بشرع الله سبحانه وتعالى، ويعلمهم ويربيهم ويؤدبهم، وملك يكون من أبناء يعقوب يسوسهم ويأمرهم، ويجهز جيوشهم ويقاتل معهم، فكان فيهم الأنبياء والملوك، الأنبياء من سبط، والملوك من سبط آخر من أسباط يعقوب.

    قصة تتويج داود الملك والنبوة

    يذكر الله سبحانه وتعالى أنه آتى داود فضلاً، وقد فصل شيئاً طويلاً من هذا الفضل في سورة البقرة وفي هذه السورة الكريمة، قال الله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246]، إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً فهنا: فيهم الملوك والأنبياء، النبي مختص بالشريعة يعلم ويؤدب ويربي، ويأتيه الوحي من الله عز وجل، والملك يقاتل ويسوس أمرهم، والنبي من سبط لاوي فيقولون لهذا النبي: ابعث لنا ملكاً عين لنا ملكاً من السبط الآخر الذي هو سبط يهوذا يكون ملكاً علينا.

    قوله: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246] كانوا مغلوبين مقهورين، قهرهم العمالقة الذين يعيشون في فلسطين، وهي قبيلة تسمى بذلك، فهم قهروا بني إسرائيل وأخذوا أبناءهم وأخذوا نساءهم، وأذلوهم غاية الذل، وكان هذا التحكم فيهم بسبب كفرانهم نعم الله سبحانه وتعالى عليهم، فكلما أعطاهم نعمة كفروا بهذه النعمة وتفرقوا، وحسد بعضهم بعضاً على ما آتاهم الله عز وجل من فضله، فسلط الله عز وجل عليهم غيرهم.

    فهؤلاء لما وجدوا أنفسهم صاروا أذلة في الأرض قالوا لنبي لهم اسمه (شمويل) أو (شمعون): ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا [البقرة:246] أي: أنتم كعادتكم، كلما ربنا يفرض عليكم القتال تفرون منه وتتركونه قال: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا [البقرة:246] يعني: بعد هذا الذل الذي نحن فيه هل سنترك القتال أيضاً؟! لا، بل سنقاتل في سبيل الله فابعث لنا ملكاً، قال لهم: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا [البقرة:247].

    و طالوت كان من سبط بنيامين ، وليس من سبط الذين فيهم الأنبياء، ولا من السبط الذين فيهم الملوك، وإنما كان من سبط بنيامين أخي يوسف النبي لأمه وأبيه عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فبعث لهم طالوت ملكاً فرفضوا، حيث كان طالوت دباغاً، وقيل: كان سقاء، يعني: كانت مهنته عندهم مهنة حقيرة، فكيف يكون هذا ملكاً علينا بعد أن كان دباغاً وسقاء؟! فقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ [البقرة:247] يعني: هم يطلبون ومع ذلك يتكبرون ويرفضون! أنتم مهزومون وأذلاء والآن ترفضون ما أمر الله عز وجل به نبيكم أن يعين عليكم هذا؟! قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247]، فربنا اصطفاه عليكم أنتم، فهو أفضل منكم وزاده بسطة فأعطاه علماً كثيراً، ولكن لم يعطه النبوة، وأعطاه جسماً عظيماً، فكان طويلاً عريضاً يصلح للقتال في سببل الله عز وجل، وجعل له آية: فقال تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ [البقرة:248] فإذا بهم يجدون التابوت الذي قد ضاع منهم، وفيه التوراة وبقية مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ [البقرة:248] كان قد أخذه أهل فلسطين منهم، وكانوا عباد أصنام.

    فبنو إسرائيل كانوا إذا حاربوا قدموا التابوت فنصرهم الله عز وجل ببركة ما فيه، فلما ضاع منهم التابوت كانوا مهزومين أذلاء أمام أعدائهم، فإذا بالله عز وجل يجعل البركة لهذا الإنسان الذي يتولى قيادتهم بأن يظهر التابوت ويرجع إليه مرة أخرى، والملائكة تحمله وتأتيهم بهذا التابوت، فلما رأوا التابوت عرفوا أن طالوت هو الذي يستحق أن يكون ملكاً فرضوا بذلك، وجهزهم لقتال أعدائهم، ولما خرجوا لقتال الأعداء، ومروا بنهرٍ منعهم أن يشربوا من هذا النهر وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [البقرة:249]، احذروا! لا أحد يشرب من هذا النهر، وهذا أمر من الأوامر التي يأمرهم بها، فهو ينفذ أمر النبي الذي أمره بذلك، لا أحد يشرب من هذا النهر إلا أن يغترف غرفة بيده، والغرفة: ملء الكف، يغرف بيده ويشرب، لكن أن يأخذ ماءً كثيراً من النهر فلا: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ [البقرة:249]، أكثرهم شربوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [البقرة:249]، كانوا ألوفاً مؤلفة في الجيش الذي مع طالوت ، وجاء في الصحيح عن أبي موسى الأشعري عندما ذكر عدد أهل بدر قال: (كنا نُحدث: أن عددهم كعدد جنود طالوت )، أي: كعدد المؤمنين مع طالوت ، فالذي بقي من الألوف المؤلفة مع طالوت الملك حوالى ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدة أهل بدر رضي الله تبارك وتعالى عنهم.

    فَلَمَّا جَاوَزَهُ [البقرة:249] قال هؤلاء: .. لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة:249]، جالوت هو قائد أعدائهم، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:249]، فكان هذا القتال بأمر الله عز وجل، والنصر بيد الله سبحانه، وكم كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:249] وهنا يقدر الله عز وجل أمراً من الأمور ليظهر داود النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    داود كان راعي غنم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأراد الله عز وجل أن يصطفيه ويجعله نبياً، وأن يجعله ملكاً، ويسبب الأسباب سبحانه وتعالى، فـطالوت هو القائد والملك على بني إسرائيل، وعدد بني إسرائيل ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً يقاتلون، فإذا بـجالوت ومن معه من جنود الكفار عباد الأصنام يأتون ويتواجه الفريقان، فطلب جالوت أحداً يبارزه، فخاف جميع بني إسرائيل، فقال طالوت : من يخرج إليه ليقتله وسأزوجه ابنتي ويكون شريكاً لي في الملك؟! فإذا بداود النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقول: أنا أخرج، فاستصغروه لسنه، وأيضاً كان داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قصيراً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فاستصغروه ونظروا إليه فاحتقروه، أهذا يقتله؟! قال: أنا قاتله بإذن الله، وكان يجيد الرمي بالمقلاع، والمقلاع: هو الحجر يلف على الخيط ثم يحذف، فكان يصيب بالمقلاع، وكان رميه عظيماً به، وإذا بالله عز وجل يعينه، فيخرج بمقلاعه إلى جالوت ، فيستصغره جالوت ويحتقره ويقول: ارجع فإني لا أريد أن أقتلك، قال: ولكني أريد أن أقتلك، فرماه بالمقلاع، فشجه فقتله، وفر جميع الألوف الذين كانوا مع جالوت ، وانتصر بنو إسرائيل بفضل الله سبحانه وتعالى، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.

    ثم ظهر أمر داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجعله طالوت شريكاً له في الملك، فصار ملكاً على بني إسرائيل مع طالوت ، وزوجه بابنته، وإذا بالله عز وجل يصطفيه فيجعله نبياً من أنبيائه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فصارت له النبوة والملك، وانتهى أمر طالوت ، ومالت بنو إسرائيل إلى داود النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام في قصة طويلة جداً، لكن الغرض أن الله عز وجل مكن له بذلك بعد أن كان راعي غنم، فقتل قائد جيش الكفار، فإذا ببني إسرائيل يجعلونه ملكاً عليهم، والله عز وجل يجعل له النبوة، وكان داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام من سبط يهوذا الذين فيهم الملك، فصار لهم الآن الملك، وصار له الآن أيضاً النبوة، وفضله الله سبحانه وتعالى، فهذا مختصر بدء أمر داود النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا [سبأ:10] هذا فضل عظيم من الله سبحانه وتعالى، حيث كان راعي غنم فجعله الله عز وجل نبياً وملكاً، فمنّ عليه بالفضل العظيم منه، وأنزل عليه الزبور، وكان كتاباً عظيماً يقرؤه ويتلوه، وأعطاه الله من جمال الصوت ما ذكر سبحانه أن الجبال تؤوب معه، وأن الطير تقف فوقه فتسمع لجمال صوته عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    معنى قوله تعالى: (يا جبال أوبي معه والطير ...)

    قال تعالى: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10]، فهذا من فضل الله سبحانه وتعالى عليه، وكأنه قال: نادينا الجبال: يا جبال ونادينا الطير يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10] والأوبة بمعنى: الرجعة، آب بمعنى: رجع، كأنه يقول: يا جبال رجعي معه صوته الجميل، هو يقول بصوت جميل مسبحاً ربه سبحانه، والجبال تردد معه ذلك، وهذه معجزة لهذا النبي الكريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    قوله: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ:10] ونادينا الطير كذلك أن تؤوب معه وأن ترفرف فوقه، وتقف لتستمع لمزامير داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو يترنم بالزبور، أو يترنم بما يقوله من توبة لله عز وجل، وتسبيح وذكر لله سبحانه وتعالى.

    قوله: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10] هذه إجابة لدعاء دعا داود به ربه سبحانه وتعالى، فأكرمه بأن جعل رزقه من عمل يده، كان ملكاً على بني إسرائيل فملك تحت يده أموال الناس، وتحت يده أموال المملكة، وكان غاية في العدل عليه الصلاة السلام فإذا به في يوم من الأيام يخرج بالليل متخفياً في الليل فيسأل الناس عن نفسه: كيف تجدون داود عليكم؟ كيف صنع داود بكم؟ فالناس يمدحونه ولا يعرفونه بالليل، وهو يستخفي عنهم ويسألهم عن نفسه حتى ينظر في نصح الناس له، وينظر في أمر الناس هل يحبون منه سيرته وعدله أم أنهم يبغضون منه خصلة من الخصال؟! فإذا بالله عز وجل ييسر له ملكاً أو واحداً من الرعية، يقول لـداود على نبينا وعليه الصلاة والسلام: (نعم الرجل داود لولا أنه لا يأكل من عمل يده) نعم الرجل! هو رجل جيد لكنه لا يعمل بيده، ما يتكسب بصنع اليد، فإذا بداود يرجع إلى بيته ويسأل ربه سبحانه وتعالى أن يعلمه سبحانه، فعلمه بكرمه وفضله فأعطاه الكثير قال: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10]، فداود يلين الحديد في يديه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يمسك بالحديد فيصير كالعجين في يده، فيلوي الحديد كيفما يشاء: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10] هذه معجزة من معجزات الله سبحانه وتعالى، يُري عباده أنه على كل شيء قدير، وأنه يسخر لمن يشاء من عباده ما يشاؤه سبحانه وتعالى منة من الله سبحانه وتفضلاً منه على من يشاء من خلقه، فقال سبحانه: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أن اعمل سابغات وقدر في السرد..)

    قال تعالى: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ:11] أمره الله سبحانه وتعالى أن يعمل بيده الآن فعمل، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صيام وصلاة داود النبي عليه الصلاة والسلام، يقول عليه الصلاة والسلام: (أفضل الصيام صيام داود، وأفضل الصلاة صلاة داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان لا يأكل إلا من عمل يده، ولا يفر إذا لاقى).

    فهذه خصال اجتمعت في داود النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنه كان يكثر من الصيام فيصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يقوم لله عز وجل فينام بالليل نصفه، ثم يقوم الثلث الذي يليه، ثم ينام السدس ليستريح وليقوم الفجر وهو قادر على أن يقوم بواجباته الشرعية عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وكان لا يفر إذا لاقى) كان يجاهد في سبيل الله ولا يفر أبداً، وواضح من القصة التي ذكرناها أنه هو وحده الذي تقدم لـجالوت فقتله.

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (ولا يأكل إلا من عمل يده)، ما هو عمل يده؟ علمه الله سبحانه وتعالى صنعة الدروع، قال الله له سبحانه: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ:10-11] سبغ الشيء بمعنى: غطى وأفاض، ومنه قولهم: لبست ثوباً سابغاً بمعنى: ثوباً يكفيني ويفضل عني، أي: ثوب واسع فضفاض يزيد ويسبغ هذا الإسباغ، فقال الله سبحانه أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ:11] أي: دروعاً سابغات، يلبسها المجاهد المقاتل فتحميه من ضربات السيوف، فكانوا قبل ذلك يتقون بأن يأخذ المقاتل صفيحة كاملة ويضعها أمامه وأخرى خلفه درعاً يتقي بهما، فكانتا ثقيلتين عليه، لكن الله عز وجل علم داود أن يصنع الحلق، فيصنع حلقة في حلقة في حلقة ويربط الحلق بعضها ببعض، فيصنع منها الدرع الذي يلبسه الإنسان، فيكون سابغاً عليه يقيه من ضربات عدوه، فهذه هي السابغات أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ:11]، وكان التعليم من الله عز وجل: اصنع هذا الدرع السابغ واعمل فيه كذا؟ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ:11] الإنسان عندما يقول: أقدر كذا، يعني: يعمل شيئاً على مقاس مضبوط.

    قوله: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ:11] سرد الشيء بمعنى: أنه يجعل بعضه إلى بعض، فيضع بعضه على بعض حتى يجعله ثوباً واحداً كأنه النسج، ينسج الدرع من هذه الحلقات فيجعل حلقة من حديد وحلقة أخرى، ويجعل بينهما مسماراً فيربط الحلقتين إحداهما في الأخرى، وهكذا، فيقول: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ:11] أي: اجعل الفتحة التي في الحديد على قدر المسمار الذي يدخل فيها، فليست ضيقة فيفصمها المسمار، ولا واسعة فيسقط منها المسمار، وإنما هي مضبوطة، فالله عز وجل علم داود فكان يصنع هذا الدرع العجيب الذي ما رأوا مثله قبله، ويبيعه لهم بأثمان عالية، فيأكل منها ويتصدق منها عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    فشرف الله عز وجل أنبياءه، فجعلهم يعملون بأيديهم، وشرف نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وجعل رزقه في الجهاد في سبيل الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي)، يجاهد في سبيل الله فيكون له خمس الخمس من الغنيمة وخمس الفيء صلوات الله وسلامه عليه.

    قال الله عز وجل لـداود ولآله: وَاعْمَلُوا صَالِحًا [سبأ:11] اصنع هذه الأشياء التي علمناك إياها، واعمل عملاً صالحاً تتقرب به إلى الله عز وجل: إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ:11] أبصر ما تصنعونه وأجازيكم عليه إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ:11].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ...)

    تنزل الآية كاملة: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ ، هذا سليمان بن داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، سخر الله لـداود أشياء، وسخر لسليمان غيرها، وقبل ما نذكر سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، نذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من معجزات داود النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه خفف عليه الزبور، وكان كتاباً عظيماً كبيراً، فكان داود صلوات الله وسلامه عليه يقرأ الزبور مع جمال صوته، والجبال ترجع معه، والطير تقف مشدوهة من جمال صوته، ومن كلامه الجميل، ومن مناشدته ربه سبحانه، ومن استغفاره وتسبيحه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته فتسرج) أي: أنه لا يوجد شأن لداود في ذلك، وإنما هو فضل من الله سبحانه وتعالى، فيخفف على من يشاء، فهذه معجزة، وانظر إلى حالك وأنت تقرأ سورة كم ستأخذ من الوقت؟! ربما تأخذ منك عشر دقائق أو ربع ساعة إذا كنت تتقن القراءة، وداود كان يقرأ الزبور كله متقناً له في وقت يسير، قال صلى الله عليه وسلم: (فكان يأمر بدابته فتسرج) يعني: سيأخذ منه التجهيز قدر ربع ساعة أو نصف ساعة فيكون هو قد قرأ الزبور كله في خلال هذه الفترة!

    هذا الحديث في صحيح البخاري، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته فتسرج، فكان يقرأ القرآن قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يده).

    وذكر الله عز وجل من فضله على داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن قال: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص:20] كل هذا ليشد الله سبحانه وتعالى ملك داود، فكان بنو إسرائيل مع أنبيائهم وملوكهم في غاية الروغان وعدم الاتفاق والائتلاف، فكانوا يختلفون ويحسد بعضهم بعضاً، ويكيد بعضهم لبعض، فشد الله عز وجل ملكه بما أراهم من الآيات فخافوا منه هيبة؛ لأنه الملك، وأيضاً لأنه نبي، والله ينبئُه بالغيب.

    من ذلك: ما رواه ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله تبارك وتعالى عنهما: أن رجلين تداعيا إلى داود عليه السلام في بقر، ادعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه، فأنكر المدعى عليه، يعني: رجل يدعي أن فلاناً اغتصب مني بقري، فالآخر أنكر ذلك، فأرجأ أمرهما إلى الليل، فالأمر خاف عليه، ولا يوجد شهود ولا أحد يوضح ذلك، فداود أرجأ أمرهما إلى الليل حتى يدعو ربه سبحانه أن يبين له ذلك، فلما كان الليل أوحى الله عز وجل إلى داود أن يقتل المدعي، وهذا قضاء عجيب جداً، الوحي من الله عز وجل لداود: أن هذا الذي جاء ليقول: فلان أخذ بقري اقتله، فقام داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما أصبح وقال له داود: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك أيها المدعي! يعني: هو في الظاهر مظلوم، فلماذا أمر الله عز وجل بقتله؟ قال: فإني قاتلك لا محالة فما خبرك؟ يعني: أنت ستقتل ستقتل، لكن اعترف بالصواب؛ لأن الله أوحى إليّ بذلك، قال: فما خبرك فيما ادعيته على هذا؟ قال: والله يا نبي الله! إني لمحق -يعني: فعلاً هو أخذ بقري وأنا محق- ولكني كنت قتلت أباه قبل ذلك! انظر إلى حكمة الله سبحانه وعدله! جاء الانتقام والقصاص يوماً من الأيام، وهو ليس على باله، وإنما جاء ليشتكي ويقول: أنا مظلوم، حتى يأتي له بالقصاص الأليم، أنت في يوم من الأيام قتلت أَبَا هذا الإنسان، قال: فأمر به داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقتل، فَعَظُم أمر داود في بني إسرائيل جداً، وخضعوا له خضوعاً عظيماً، ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ [ص:20]، فشد الله عز وجل ملكه أي: قوى ملكه بمثل هذه الأحكام العظيمة منه سبحانه وتعالى التي من سمعها عرف أنه نبي، وأنه يوحى إليه من عند الله عز وجل، وأن الذي أوحى إليه بذلك لا يمكن أن يتركه سبحانه وتعالى، ويتعلم منه الإنسان أن الله الحكم العدل سبحانه وتعالى، ومهما ظلم الإنسان وبغى فلن يفلت من الله سبحانه وتعالى، ولابد أن يقتص من الظالم يوماً من الأيام، ولا يحسبن الذين ظلموا أنهم يعجزون ربهم سبحانه، بل ربنا إذا أخرهم إنما يؤخرهم إلى أجل ثم يأتي القصاص منه، ويأتي حكمه وعدله.

    نسأل الله عز وجل من فضله ورحمته، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يخذل الكفار والكافرين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.