إسلام ويب

تفسير سورة سبأ [3 - 9]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • توعد الله جل وعلا أولئك الذين سلكوا سبيل العناد، وأبوا أن يسلكوا سبيل الرشاد، مع معرفتهم اليقينية بصدق رسالة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وكذبوا بالساعة متناسين أن الله أوجدهم من العدم، وأعرضوا عن آيات الله الكونية والشرعية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ...)

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة سبأ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ * وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [سبأ:3-8].

    في هذه الآيات من سورة سبأ يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى عن تكذيب المشركين بالساعة، وعن رد الله سبحانه تبارك وتعالى على هؤلاء في تكذيبهم بقيام الساعة.

    قال سبحانه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ [سبأ:3] قال بعضهم ذلك وصدقهم الباقون، وممن قال ذلك أبو سفيان قبل إسلامه وهو في مكة، وإسلامه كان متأخراً في العام الثامن من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، قبيل فتح مكة، وقد كان قبل ذلك من أشد المعادين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

    فكان أبو سفيان يقسم للكفار أن الساعة لا تقوم، فيقول لكفار مكة: واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبداً، ولا نبعث.

    فكذب الله عز وجل ما قال، وكذب الكفار في دعواهم أن الساعة لا تأتي، فقال الله عز وجل: قُلْ بَلَى [سبأ:3] هم قالوا: لا تَأْتِينَا [سبأ:3] فكان الجواب: بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ستأتي هذه الساعة، هم نفوا ذلك، فأثبت الله عز وجل بهذا اللفظ: بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ، فهم أقسوا بآلهتهم التي لا تنفع ولا تضر، وأقسم الله عز وجل بنفسه سبحانه، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم لهم بالله سبحانه تبارك وتعالى، فقال: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ:3].

    ستأتيكم ساعتكم وستقوم عليكم قيامتكم، وستأتي ساعة كل إنسان، وستأتي القيامة الكبرى بعد ذلك.

    قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ وهذا من أسماء الله سبحانه تبارك وتعالى: علام الغيوب، عالم الغيب، وهو العليم سبحانه تبارك وتعالى.

    وقوله: عَالِمِ الْغَيْبِ هذه قراءة ابن كثير وقراءة أبي عمرو وقراءة عاصم وقراءة الكسائي .

    وقرأها غيرهم من القراء بالضم: ( عالمُ ) وهم ابن عامر ونافع وأبو جعفر : ورويس .

    قرأها حمزة والكسائي : ( علام الغيب ) سبحانه تبارك وتعالى، فهو ( عالم الغيب ) و(علام الغيب) أيضاً.

    قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ فالوصف لله سبحانه العائد على هذا القسم، ( وربي عالمِ الغيب ) و( ربي علام الغيب ) وصف للمقسم به، وهو: الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وقراءة حمزة والكسائي : ( علام الغيب ) الوصف أيضاً مجرور على الأصل فيها: ( وربي ) معطوف عليه، فهو مجرور مثله.

    ( عالمُ الغيب ) قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر ورويس ورُفعت؛ لأنها خبر لمبتدأ محذوف.

    فالله سبحانه تبارك وتعالى عالم الغيب والشهادة، والله علام الغيوب، يعلم ما خفي، ويعلم كل شيء، ويعلم ما يبدو وما يخفى، وما ينويه الإنسان، بل وما لم ينوه بعد، فهو يعلم ما كان وما سيكون.

    قال تعالى: لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ [سبأ:3]. (يَعْزُبُ) بمعنى: يغيب، فلا يغيب عن علم الله سبحانه، مثقال ذرة، والذرة: هي النملة الصغيرة جداً، والتي لا يكاد الإنسان يراها، فإذا كان الله عز وجل لا يغيب عنه قدر الذرة، فكيف بما هو أكبر من ذلك؟! لا يغيب عن الله عز وجل شيء في خلقه ولا في كونه سبحانه.

    ( لا يَعْزُبُ ) هذه قراءة الجمهور، ويقرؤها الكسائي : ( لا يعزِب ) والمعنى واحد.

    لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ [سبأ:3] والمثقال: القدر أو الجزء، إذاً الجزء من هذه الذرة، يعلمه الله سبحانه تبارك وتعالى، سواء كان في السموات أو في كان في الأرض.

    قال تعالى: وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [سبأ:3] إذاً الذرة التي هي أقل الأشياء الله عز وجل يخبر أنه يوجد أصغر منها، وما كان أصغر منها فالله عز وجل يعلمه سبحانه تبارك وتعالى، وما كان أكبر من ذلك فالله عز وجل يعلمه، فهو يعلم كل شيء سبحانه.

    وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [سبأ:3] فهو عند الله سبحانه تبارك وتعالى في كتاب مكتوب، يحدث كذا في يوم كذا، ويخلق فلاناً وفلاناً، وفلان يعصي، وفلان يطيع، وفلان يستحق الجنة، وفلان يستحق النار، وكل شيء مكتوب عند الله سبحانه تبارك وتعالى في كتاب مبين، وهو اللوح المحفوظ عنده سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ...)

    قال الله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [سبأ:4]، لِيَجْزِيَ اللام تعليلية، فقد علم الله سبحانه تبارك وتعالى، وكتب عنده في لوح محفوظ؛ ليري الناس يوم القيامة أعمالهم ويجازون عليها.

    إذاً الساعة آتية ليجزي الله هؤلاء، وكتب عنده ما يفعلون، فلابد من إتيان الساعة للجزاء، وكتب الله عز وجل عنده أعمال العباد للجزاء أيضاً.

    لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [سبأ:4] والله عز وجل يذكر لنا الإيمان مقروناً بالعمل الصالح غالباً؛ حتى لا يتوهم إنسان أن يقول: آمنت، ثم يترك العمل ولا يعمل شيئاً، فالعمل الصالح من واجبات الإيمان لا بد منه، فالله عز وجل يجزي المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنة، والذين لا يعملون الصالحات يعذبهم الله سبحانه تبارك وتعالى أو يغفر لمن يشاء سبحانه، أما الكفار فمأواهم النار ولا مخرج ولا منجى لهم منها أبداً.

    لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [سبأ:4] يعني: بالجزاء العظيم، وبالأجر قال تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [سبأ:4] لهم مغفرة من الله، وفوق هذه المغفرة محو الخطايا، ومحو الذنوب، ويبدل الله سيئاتهم حسنات من فضله سبحانه، وأيضاً لهم الرزق العظيم، والرزق الكريم، فالله عز وجل من صفاته أنه كريم سبحانه تبارك وتعالى.

    يجزي عباده بكرمه جزاء يليق به، فهو الإله وهو الرب، وصفته الكرم، فالرزق منه رزق كريم، رزق لا ينقطع عن عباده في الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين ...)

    قال الله تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [سبأ:5].

    وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ وهؤلاء عكس المؤمنين، فهم أعرضوا عن ربهم سبحانه، وجحدوا دينه، وكذبوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام.

    وآيات الله سبحانه تبارك وتعالى أي: معجزات الله سبحانه، والآيات التي يريهم في الكون لا يقدر إنسان على أن يأتي بآية من هذه الآيات، قال تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:17-20] هذه آيات من آيات الله سبحانه.

    ويأتي القرآن وهو الآية العظمى من الله سبحانه تبارك وتعالى، لنريك آيات الله عز وجل أكبر الآيات: الآية الكبرى آية رب العالمين، هذا القرآن الكريم.

    فهؤلاء الكفار يسعون في آيات الله معاجزين، ومعجزين، المعاجز والمعجز: الذي يريد أن يعجز خصمه، يريد أن يعجزه ويعجّزه، فالكفار يظنون أن الله لا يقدر عليهم، ويقولون: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [المؤمنون:82].

    ويأتي أبي بن خلف الجمحي للنبي صلى الله عليه وسلم بقحف رأس ويفتته بيده ويقول: تزعم أن إلهك يبعث هذا ؟! فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم، ويدخلك النار) الله عز وجل يبعث هذا مرة ثانية ليجزيه، ويدخل هذا الكافر النار.

    فالغرض أن ربنا سبحانه يخبر عن الكفار وأنهم يسعون، يعني: يحاولون جاهدين إبطال آيات الله عز وجل، ويحاولون التشكيك في آيات الله سبحانه تبارك وتعالى، وهم بذلك معاجزين يعني: يظن الكافر أنه يعجز ربه، وأنه يفلت من الله سبحانه تبارك وتعالى.

    قال: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ [سبأ:5] ومحاولين أن يشككوا الناس في دين الله سبحانه تبارك وتعالى، ظانين أنهم يفلتون من الله سبحانه.

    ( مُعَاجِزِينَ ) هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو : ( معجزين ) يعني: في ظنهم، فيظنون أنهم يعجزون ربهم ويعجزونه، فيهربون في الأرض، ولا يقدر أن يبعثهم مرة ثانية!

    (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا) مريدين إبطالها، معجزين ومعاجزين، أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [سبأ:5] أولئك لهم عذاب من عند الله سبحانه، عذاب عظيم وعقوبة من الله سبحانه تبارك وتعالى لهؤلاء.

    مِنْ رِجْزٍ الرجز هو: أشد العذاب، فلهم عذاب من الرجز، وهذا العذاب عذاب أليم أيضاً.

    ووردت قراءتان لكلمة أليم: ( أَلِيمٌ ) و( أليمٍ )، ( أَلِيمٌ ) قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوب ، وهي وصف للعذاب، وكأنه يقول: أولئك لهم عذاب أليمٌ، فصفة العذاب أنه أليم.

    وباقي القراء يقرءونها ( أليمٍ ) وهذا يكون عند الوصل، عندما يصل القارئ الآية بالآية التالية، إما أن يرفع على قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم وقراءة يعقوب ، أو يجر على قراءة باقي القراء.

    وكأن على قراءة الجر أن الرجز أليم، إذاً هذا وصف للرجز للذي هو أشد العذاب عند الله سبحانه تبارك وتعالى، وهو مؤلم، فهي صفة للرجز أنه مؤلم، بل غاية في الألم لهؤلاء الذين يعذبون به، نسأل الله العفو والعافية.

    إذاً هؤلاء يريدون التعجيز، ويثبطون الناس عند دين الله سبحانه، ويبعدونهم عن دين الإسلام، ويعاجزون ظناً منهم أنهم يفلتون من الله سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ...)

    قال الله سبحانه: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [سبأ:6] نحن ذكرنا أن سورة سبأ سورة مكية، واختلف العلماء في آية واحدة فقط منها وهي هذه الآية، فبعض أهل العلم قالوا: هذه الآية مدنية بناء على تفسيرها، وباقي السورة مكية إلا هذه الآية.

    وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: أهل الكتاب، وعلموا أن هذا هو الحق من عند الله، فدخلوا في دين الله عز وجل، كـعبد الله بن سلام وغيرهم ممن دخلوا في دين الله سبحانه.

    فقالوا: عبد الله بن سلام وغيره من أهل الكتاب لم يكونوا في مكة، والسورة نزلت في مكة، فدل أن هذه الآية نزلت في المدينة، ولكن أكثر المفسرين على أن الذين أوتوا العلم هم: المؤمنون، والقرآن أعظم العلوم، فهم الذين أوتوه، يعني: المؤمنون الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم، فتعلموا منه وعلموا، فهؤلاء أهل العلم، فالسورة كلها مكية.

    وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [سبأ:6] أي: يرون ما نزل عليك من عند ربك سبحانه، يرون أنه هُوَ الْحَقَّ ، (أُنزل) هذا المفعول، (ويرى) بمعنى: يعلمون ويعتقدون ذلك، فيرى هنا تنصب مفعولين، فالمفعول الثاني هو الحق، و(هو) للتوكيد فيها، وفي غير القرآن يجوز (هو الحقُّ)، وهي قراءة شاذة، لكن القراءة التي في المصحف، وهي قراءة القراء كلهم: ( هو الحقَّ )، فيرون القرآن هذا حقاً من عند الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ، الصراط: طريق الإسلام الذي يقود إلى الجنة، فهو الصراط المستقيم الذي يدعو المؤمن ربه في كل صلاة، وفي كل ركعة من صلاته بقوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

    إذاً: يرى أهل العلم أن هذا القرآن حق من عند الله سبحانه، ويهدي أي: يدل على طريق الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ فهو الغالب الذي لا يمانع سبحانه تبارك وتعالى، والذي إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون، ومستحيل أن يكون على غير ما أراد الله سبحانه، فهو العزيز الغالب القاهر، الذي لا يغالب ولا يمانع أبداً، إذا أمر أمراً لا يستطيع أحد أن يمنع قضاءه سبحانه وقدره.

    الْحَمِيدِ أي: المحمود، المستحق للحمد العظيم، وهو: الثناء الجميل على الله سبحانه تبارك وتعالى بما هو أهل له.

    ( ويهدي إلى صراط ) الصاد هنا فيها قراءات، فيقرأ قنبل عن ابن كثير ، ويقرأ رويس أيضاً عن يعقوب، بإبدال الصاد سيناً (سراط)، ويقرأ باقي القراء ( صراط ) بالصاد، ما عدا خلف عن حمزة فيقرأ بإشمام الصاد زاياً، والمعنى واحد، فالصراط بمعنى: الطريق الذي يدل عليه هذا القرآن والذي يهدي إلى طريق ربنا سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ...)

    قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ:7].

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا... أي: مستهزئين بالنبي صلوات الله وسلامه عليه كعادتهم فهم يستهزؤون بالحق، وهم يعرفون أنه الحق لجهلهم ولحماقتهم وتفاهتهم ولصغر عقولهم، فهم يتكلمون عن النبي صلى الله عليه وسلم بكلام كاذب، يقول الله عز وجل: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ:7].

    هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ والعادة عندما تقول لشخص: دعني أدلك على رجل يفعل كذا وكذا، أن هذا الرجل مجهول، فلو كان الرجل معلوماً لقلت له: أدلك على فلان يفعل كذا، فكيف هذا وهم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم تماماً؟! ويعرفون أهله صلوات الله وسلامه عليه، ولا يجهلونه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك يقولون هذا الكلام، هل ندلكم على رجل؟! تعالوا نريكم رجلاً، فقالوها هنا على وجه السخرية والتحقير لأمر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكأنهم يجهلونه عليه الصلاة والسلام!

    فتعرف جهل هؤلاء وحماقتهم حين يدعو أحدهم ربهم سبحانه ويقول: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ [الأنفال:32] فتعرف أنهم الجهلة، وأنهم أغبياء، وأنهم لا يفهمون ما يقولون، وهل هناك شخص عاقل يقول هذا الشيء؟!

    وهل يوجد شخص عاقل يقول لربه: يا رب ! لو كان هذا الحق فأسقط علي حجارة من السماء، فأمتني؟! فالعاقل لا يقول هذا أبداً، العاقل يقول: يا رب ! لو كان هذا الحق من عندك فاهدني إليه، ودلني عليه، وخذ بيدي إليه، أما الذي يقول: يا رب ! لو كان هذا حقاً فأمطر علي حجارة، فهذا جاهل مغفل، لا يفهم ما يقوله.

    وهؤلاء الكفار يقولون ذلك، ويدعون على أنفسهم، ويقول قائلهم: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16]، والقط: صحيفة العذاب، يعني: هات لنا العذاب من الآن، لن ننتظر حتى يوم الحساب! في عقولهم غباء عجيب، وإذا دخلوا في الإسلام إذا بالله عز وجل يكشف عنهم ذلك، فينظرون إلى أنفسهم ويضحكون على أنفسهم.

    فقد كان الصحابة يجلسون مع النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر في المسجد، وقد أخبرهم عن فضل الجلوس بعد صلاة الفجر في المسجد حتى يصلي ركعتي الضحى، وقال لهم صلى الله عليه وسلم: (من صلى الفجر في جماعة ثم مكث في مصلاه يذكر الله حتى طلعت الشمس ثم صلى ركعتين، كتب له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة).

    فكان الصحابة يحرصون على ذلك، فيجلسون مع النبي صلى الله عليه وسلم يذكرون الله عز وجل، فإذا أشرقت الشمس، فليس وقتاً للصلاة عند شروق الشمس، فيتكلم بعضهم مع بعض، ويتحدثون عما كانوا يفعلون في الجاهلية، قال قائلهم: فكنا نتحدث بما كنا نصنع في الجاهلية، فنضحك ويسمعنا النبي صلى الله عليه وسلم، فيتبسم صلوات الله وسلامه عليه، يعني: كان يحكون الجهالات والحماقات التي كانوا عليها قبل دخولهم في دين الله سبحانه.

    أليس الله يقول لنا: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9]؟ أليس هؤلاء الذي كانوا يئدون بناتهم في الجاهلية، يسلم أحدهم ويحدث النبي صلى الله عليه وسلم بما صنع في جاهليته، وأنه أخذ ابنته وحملها وذهب بها وحفر لها حفرة في الأرض، وكان التراب يصعد على وجهه وابنته تمسح لحيته من التراب، وهو يحضر قبرها، ثم يدفنها في قبرها ويفرغ فوقها التراب! هذا في الجاهلية، ويذكر الرجل ذلك في الإسلام فيبكي على حاله، ويبكي على ما صنع في جاهليته، ولولا أن الله سبحانه تبارك وتعالى جعل الإسلام يجب ما قبله، لكان أمره عظيماً عند الله سبحانه.

    يقول الله سبحانه: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8-9] ما هو الذنب الذي فعلته هذه الفتاة التي يئدها والدها؟! وقد تكون قد كبرت فيئدها، ويدفنها وهي حية، وهذا فعل أهل الجاهلية، وفعل الكفار، فيستحقون عقوبة رب العالمين سبحانه على كفرهم وعلى تكذيبهم، وهذه عقولهم التي أضلهم الله عز وجل، فلم يعرفوا الحق، فاتبعوا الهوى، وفعلوا هذا فسخروا من النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا عنه: مجنون، وهذا شيء يقوله بعضهم لبعض، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ:7] يقول لكم: إنكم عندما تموتون وتتمزقون في الأرض وتذهب العظام، ويذهب اللحم، ويذهب الجسم كله؛ سترجعون مرة ثانية، حتى يحاسبكم ربكم، فهل هذا الشيء معقول ؟! يكذبون ويقول بعضهم لبعض على وجه السخرية والتهكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفترى على الله كذباً أم به جنة ...)

    أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ:8] هذا من قولهم الذي ينكر الله عز وجل عليهم، يقولون: هل قد افترى على الله كذباً ؟ ومن أين لكم أن تعرفوا أنه افترى على الله كذباً؟ هل حدثكم الله أنه لم يبعث رسولاً، بل أنزل كتابه، وأعجزكم هذا الكتاب، والواجب عليهم: أن ينظروا في هذا الكتاب.

    إذاً خاطب عقولهم، والرسول غايته أن ينظروا في صدقه من كذبه، هل هو صادق أو كاذب فيما يقول؟ رسولاً، هرقل عظيم الروم لما جاءه خطاب النبي صلوات الله وسلامه عليه ما الذي صنعه؟ بدأ باستخدام عقله، فأتى بـأبي سفيان مع جماعة من العرب فجعل أبا سفيان أمامهم وجعل وراءه الناس من العرب وقال: إذا كذب فأخبروني، وما المانع أن يكذب أبو سفيان؟ يقول هو بعدما أسلم ويحدث بهذا الحديث: لولا أن يؤثروا علي كذباً، فيعرفون أني كذبت كذبة لكذبت، وكان من أشد أعداء النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان يؤلب عليه العرب، ويذهب للنبي صلى الله عليه وسلم لقتاله، هذا أبو سفيان من الله عز وجل عليه في النهاية بأن أسلم بعد عداء مع النبي صلى الله عليه وسلم دام إحدى وعشرين سنة ثم أسلم في آخر سنة ثمانية من هجرة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فيسأله هرقل: هذا الرجل الذي بعث فيكم أو الذي يزعم أنه بعث فيكم هل عهدتم عليه كذباً قط ؟ هل كذب من قبل ؟ قال: لا، ثم قال: هل كان أحد آبائه ملكاً في يوم من الأيام ؟ أبو سفيان يجيب: لا، إذاً كيف هو فيكم ؟ يقول: هو من أشرفنا ومن أفضلنا نسباً، فبعدما سأله نحو عشرة أسئلة، تبين له أنه رسول فقال: لو كان يترك الكذب على الناس فهل يكذب على الله سبحانه تبارك وتعالى؟ ففي حياتكم لم تسمعوا عليه كذباً قبل ذلك، أيدعي الكذب على الناس ويكذب على الله سبحانه تبارك وتعالى؟! لا يكون هذا من النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال: لو كان في آبائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، أتى الآن لكي يطلب ملك أبيه، وقلت إن هذا الرجل من أشرفكم، وكذلك الأنبياء يبعثون في أشراف قومهم.

    في نهاية أسئلته يجمع كبراء قومه في قصره، وأغلق عليهم الباب، وقال لهم: ألا أدلكم على شيء تطلبون به خير الدنيا والآخرة ؟ فقالوا: بلى، قال: اتبعوا هذا الرجل، إنه رسول حق.

    فنخروا جميعهم نخرة واحدة، وجروا إلى الأبواب ليخرجوا، فدعاهم أن ارجعوا، وقال: إنما أردت أن أختبر صلابتكم في دينكم، فقاموا وخروا ساجدين لـهرقل، ولم يدخل في دين الله مع معرفة أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق من عند الله سبحانه تبارك وتعالى!

    وقال ذلك هرقل فدخل في قلب أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم سيظهر في يوم من الأيام، ومع ذلك ظلت المعاندة على كفره إلى سنة ثمانٍ من هجرة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وكل نبي يبعثه الله عز وجل بآية من الآيات، فكان للنبي صلى الله عليه وسلم أعظم الآيات وهي القرآن العظيم الذي تحدى الله عز وجل به العرب أساطين الفصاحة والبلاغة والشعر على أن يأتوا بكتاب مثله، فلم يستطيعوا فقال: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13] لم يستطيعوا، وقال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] وما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فلما لم يقدروا على ذلك، وكان من المفترض أن يدخلوا في دين الله؛ لأنهم قد غلبوا وعجزوا ولكنهم ظلوا على تكذيبهم واستهزائهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، حتى دخلوا بعد ذلك يوماً من الأيام في دين الله، بعدما دخل غيرهم، وتأخروا هم عن الدخول في دين الله سبحانه.

    فالقائل الذي يقول: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ:7] ألم يروا إلى أنفسهم كيف خلقهم الله سبحانه تبارك وتعالى؟! فقد كانوا نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم صاروا عظاماً ولحماً، وصاروا أجنة في بطون أمهاتهم، وخلقوا هذا الخلق الآخر، فنزلوا إلى هذه الدنيا على هذه الهيئة.

    أليس الذي بدأهم من النطفة الحقيرة القذرة، والتي يستقذرها الإنسان بقادر على أن يعيدهم مرة أخرى؟! بلى، ولكنهم يكذبون على الله، ويكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يقول الله عز وجل: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ:8] أي: أم به مس من الجن، وهم يزعمون ذلك، قال تعالى: بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [سبأ:8] لهم عذاب عند ربهم سبحانه، تراهم في ضلال بعيد، وهم تائهين متحيرين، لا يعرفون الحق ولا يهتدون إليه مع وضوحه وبيانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم ...)

    قال الله تعالى: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [سبأ:9].

    أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [سبأ:9] أفلم ينظروا في السموات، ما بين يديك أمامك وأعلاك وتنظر خلفك، وأسفلك، انظر إلى السماء وإلى الأرض، انظر إلى ما أمامك وما خلفك، تعرف قدرة الله، وما صنع سبحانه تبارك وتعالى في السموات وما خلق في الأرض.

    قال سبحانه: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [سبأ:9]، إن نشأ نفعل ذلك، وهم قد استعجلوا عذاب الله سبحانه، وقالوا: اطلب من ربك أن يسقط علينا كسفاً من السماء، اجعل ربك أو اطلب من ربك أن يجعل لك قصراً من ذهب، أو اطلب من ربك أن يجعل لنا هذا الجبل ذهباً، فطلبوا أشياء وتعنتوا، وقالوا بعد تعنتهم: ولو فعلت ذلك ما نظن أننا سنؤمن بك!

    قال تعالى يخبر عن حالهم: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ [الإسراء:90-93] حتى لو رقيت في السماء وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ [الإسراء:93] وحتى لو أتيت بهذه الأشياء لن ندخل في دينك، إذاً لماذا لا يدخلون مع معرفتهم أنه رسول رب العالمين، وكل ذلك بسبب الحسد والحقد الذي في القلوب، وقالوا: لست أغنى شخص فينا، نحن فينا أغنياء، وفينا من هو أكبر منك سناً، وفينا من كان يتعبد في الجاهلية، فلماذا لا يكون الرسول غيرك؟! فيتعنتون ويرفضون الدخول في دين الله عز وجل.

    ويقول قائلهم: كنا نحن وبنو هاشم كفرسي رهان، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، وفعلوا كذا ففعلنا، ثم يقولون: منا نبي، وأنى لنا بنبي؟ والله! لا ندخل في دينه أبداً! فيرفضون الدخول حسداً وحقداً على النبي صلى الله عليه وسلم أن اصطفاه ربه سبحانه، وجعله رسولاً له سبحانه تبارك وتعالى.

    أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب : ( أيديهُم ) وهذا على أن الأصل في الضمير الضم: هم.

    قال الله: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ [سبأ:9]، إِنْ نَشَأْ هذه نون العظمة، وهذه قراءة الجمهور، فالله عز وجل يعبر عن نفسه بالنون التي تفيد التعظيم، ويقرؤها حمزة والكسائي وخلف بالفرد وإبدال النون بياء المضارعة: (إن يشأ يخسف بهمِ الأرض أو يسقط عليهم كسْفاً من السماء).

    و (كسفاً) يقرؤها حفص فقط عن عاصم بفتح السين بمعنى: السحب الكثيفة، والأصل هنا أن معناها: الظلل من العذاب، وما يتكسف بعضه على بعض فيكون ظله عظيمة في السماء من نار تهوي على الناس، تحرقهم وتهلكهم، فالجمهور يقرءون: ( كسْفاً من السماء )، وحفص عن عاصم يقرؤها: (كسَفاً من السماء) بالجمع فيها.

    إذاً هنا: إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ [سبأ:9] والمانع من ذلك رحمة الله سبحانه، وحلم الله سبحانه، فهو الحليم الذي يحلم عن عباده لعلهم يؤمنون، وقد آمن منهم الكثيرون.

    قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [سبأ:9] فما يرونه في السماوات، وما يرونه في الأرض، وما يرونه أمامهم وخلفهم؛ فهذا كله من آيات الله سبحانه تبارك وتعالى، يفقهها ويفهمها العبد المنيب الذي يرجع إلى ربه بالتوبة، والذي يدخل في دين الله سبحانه، فيفقه ويعلم، ويعلمه الله سبحانه من فضله.

    نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.