إسلام ويب

تفسير سورة يس [69 - 83]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يدلل الله عز وجل على قدرته وملكوته وجبروته بما نشاهده مما بسط علينا من النعم والخيرات والبركات، فرزقنا وسخر لنا كل شيء من بحار وأرض وسماء وحيوانات وأنعام، وما نستفيد منها في الأكل والشرب والكساء، ومع هذا كله تجد من يعبد غير الله تعالى، وينكر البعث والجزاء، وقد رد الله عليهم وأفحمهم في الجواب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له..)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة (يس): وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ * فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [يس:69-76].

    في هذه الآيات -من آخر هذه السورة الكريمة سورة (يس)- يخبر الله سبحانه وتعالى عن نبيه صلوات الله وسلامه عليه أنه سبحانه ما علمه الشعر، وما من شيء تعلمه النبي صلى الله عليه وسلم إلا وربه الذي يعلمه إياه سبحانه.

    فعلمه من الغيب ما شاء سبحانه وتعالى، وأخفى عنه من الغيوب ما شاء، أنزل عليه الكتاب وحفظ هذا الكتاب، قال لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو يتعجل في حفظ كتاب الله سبحانه: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:16-19].

    فنهاه عن التعجل، وكان يحاول أنه أول ما ينزل عليه جبريل بالقرآن أن يقرأ مع جبريل، فعلمه الله أن من أدب التعلم أن تستمع، فإذا استمعت ووعيت ذلك حفظناك وبينا لك معانيه.

    قال له سبحانه: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ [القيامة:16-17] لك في صدرك وَقُرْآنَهُ [القيامة:17] وقراءته لك، فتقرأ هذا القرآن بعدما يقرأ جبريل وليس مع قراءة جبريل: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:17-18]، تتبع جبريل وهو يقرأ، وتعلم منه ذلك وأنت تنصت له وتستمع لما يقرؤه عليك، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:18-19] نبينه لك بعد ذلك، الله هو الذي يحفظ النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تتعب سنحفظك وسنعلمك.

    فما من شيء تعلمه إلا من فضله سبحانه، ومنعه عن أشياء لا يتعلمها صلى الله عليه وسلم، ومنها: الكتابة والقراءة، ولكن (يقرأ) بمعنى يحفظ، أما الكتابة فلم يكن يكتب، وهذه للنبي صلى الله عليه وسلم معجزة، أنه نبي أمي صلوات الله وسلامه عليه، هكذا وصفه ربه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلَ [الأعراف:157].

    فهو أمي صلوات الله وسلامه عليه، أي: لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله يحفظه ويعلمه ما يشاء، فصفة الأمية في النبي صلى الله عليه وسلم تعتبر من معجزاته، من أنه تعلم هذا العلم كله وهو لا يقرأ ولا يكتب صلوات الله وسلامه عليه.

    فهنا ربنا تبارك وتعالى يقول: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69] الشعر من علوم البشر يتعلمه الناس ويجيدونه فيتكلمون به، ويكون للبعض من الناس مدحة أنه يفهم الشعر ويجيده ويتكلم به، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له ذلك؛ لأنه لو كان يقول الشعر كما يقول الناس لصدق عليه قول المشركين حيث قالوا: هذا شاعر، وبدأ يلفق أشياء من الشعر ويغير أوزانها ويقول: هذا قرآن فلم يكن يقول الشعر صلوات الله وسلامه عليه، بل لعله إذا تكلم بأبيات من الشعر لا يهمه أن تأتي موزونة أو غير موزونة صلوات الله وسلامه عليه.

    فربنا يقول: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69] ليس النبي صلى الله عليه وسلم بمكانة من يتعلم الشعر، وقد ينبغي لغيره أن يتعلمه، فيتعلم العلماء من الشعر ويدرسونه ويقولونه ويتكلمون به، أما النبي صلى الله عليه وسلم فهو ممنوع من ذلك، قال تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69].

    وكان هذا آية من آياته صلى الله عليه وسلم، فعندما يأتي الكفار الذين يجيدون الشعر ويكلمون النبي صلى الله عليه وسلم فيقول لبعضهم: أنت الذي تقول كذا؟ فيقول البيت من الشعر ولا يحسنه النبي صلى الله عليه وسلم، فيقوم الرجل يسمع إليه يقول: صدق الله وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ [يس:69].

    فغيره صلى الله عليه وسلم يقوله ويجيده، أما هو فلا يقوله، وإن قال فيأتي بشيء من المصادفة، وانظر مثلاً في قول طرفة بن العبد قاله النبي:

    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك من لم تزود بالأخبار

    بيت مكسور، لكن انظر إلى صاحب البيت كيف قاله!

    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود

    لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ما اهتم أن يأتي به موزوناً.

    وكذلك لما قيل في رجل: إنه من أشعر الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذاك الذي يقول:

    ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها وإن لم تطيب طيباً

    لكن الشاعر ما قاله هكذا، وإنما قال:

    ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تطيب

    كذلك رجل آخر جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يمنحه ويعطيه مالاً، وجاء مع مجموعة من المؤلفة قلوبهم، منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ، فـالأقرع لما وجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه هو وفرسه كالذي أعطاه لرجل آخر قال له: أتعطيني أنا والفرس مقدار الذي أعطيته لفلان؟! فقال للنبي صلى الله عليه وسلم:

    أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع

    الرجل يقول ذلك، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم مقاله ناداه وقال: أنت الذي تقول:

    أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟

    انعكس البيت وانقلب سجعه الذي فيه، فالرجل تعجب من النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعلاً لم يتعلم الشعر صلوات الله وسلامه عليه، ولا ينبغي له.

    والنبي صلى الله عليه وسلم مكث أربعين سنة قبل الرسالة في مكة وما تعلم، قال: وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69] أي: غير ممكن، مع أن أعمامه وأجداده وأخواله يقولون الشعر وهو يسمع منهم ويشكرهم على ما يقولون كما قال العباس في النبي صلوات الله وسلامه عليه فشكره النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما هو صلى الله عليه وسلم فلا يقول الشعر، ولا ينبغي له، يعني: هو ممنوع من أن يتعلمه صلوات الله وسلامه عليه، لا من قومه ولا بوحي من الله تبارك وتعالى.

    جاء أن أبا بكر رضي الله عنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! إنما قال الشاعر:

    هريرة ودع إن تجهزت غازياً كفى الشيب والإسلام بالمرء ناهياً

    فلما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لم يجد أن يقوله، فما ينبغي له أن يتكلم بالشعر، سمع أبو بكر وعمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول ذلك، فقالا للنبي صلى الله عليه وسلم: نشهد أنك رسول الله.

    يقول الله عز وجل: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ [يس:69] أي: ليس له أن يتكلم بالشعر، فإذا جاء في كلامه شيء من الشعر فمن قبيل المصادفة أن يأتي ذلك، أما أنه يجيد قصيدة أو أبياتاً من الشعر وتكون موزونة كما قالها صاحبها فهذا نادر أن يقوله صلى الله عليه وسلم.

    وإن كان بسليقته كرجل عربي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع الشعر فكان يقول لـكعب بن زهير هيه: هات من أبياتك، فيقول له بيتاً.. وبيتاً.. وبيتاً، والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ما يقول من العرب، ولكن هو لا يتكلم بالشعر صلوات الله وسلامه عليه.

    وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ [يس:69] هذا القرآن إِلَّا ذِكْرٌ [يس:69] كتاب فيه التذكرة، وفيه ذكر للعرب وشرف لهم بأن ينزل هذا القرآن على نبيهم صلى الله عليه وسلم، وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس:69] مفصح عما تحتاجون إليه من أحكام لدينكم ودنياكم وأخراكم.

    وكما ذكرنا أن هذه آية من آياته عليه الصلاة والسلام، أما غيره فلا، لو أن أحداً قال: أنا لا أجيد الشعر، فهذه ليست مدحة له، فالإنسان يمدح بكثرة العلوم، ومن ضمن العلوم الشعر أن يتعلمه ويجيده ويقوله، وهو هبة من الله عز وجل يعطي من يشاء ما يشاء سبحانه.

    ولكن أغلب الشعراء كما قال الله عز وجل: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء:225-227] فهؤلاء هم الشعراء الممدوحون.

    ولذلك جاء عن الخليفة المأمون أنه قال لـأبي علي المنقري : بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين! أما اللحن فربما سبق لساني منه بالشيء، وأما الأمية وكسر الشعر فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقيم الشعر.

    أي: أنه احتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان كذلك، فيا ترى هل هذا كلام مقبول؟ فماذا قال له الخليفة؟ قال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك فزدتني رابعاً وهو الجهل، يا جاهل! إن ذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم فضيلة، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لنفي الظنة عنه لا لعيب في الشعر والكتابة.

    قال الله عز وجل: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس:69] القرآن: الكلام المجموع، فقول الله عز وجل: (وقرآن) يقصد به الكتاب، هذا المصحف العظيم الذي جاء من عند ربنا، لكن أصل الكلمة من القرء والقرء الجمع يعني: جمع الكلمات بعضها إلى بعض، وجمع السور بعضها إلى بعض.

    قوله: (مبين) واضح مفصح، مبين لما يريده رب العالمين من عباده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لينذر من كان حياً...)

    قال تعالى لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:70].

    أي: ينتفع بإنذار القرآن له من كان قلبه حياً وليس ميتاً ولا قاسياً، وليس قلبه في ظلمات الكفر، ولكن الإنسان الذي يستجيب هو الذي ينتفع بالبشارة والنذارة.

    (لتنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين) هذه قراءة بعض القراء منهم نافع وأبو جعفر وقراءة ابن عامر ويعقوب ، وباقي القراء: (لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين) أي: لينذر هذا القرآن وهذا الكلام العظيم من رب العالمين من كان حياً.

    (وَيَحِقَّ) أي: لتكون النتيجة والعاقبة إحقاق ما قاله الله سبحانه على الكافرين أنه أقسم: لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119] فاستحق هؤلاء أن يحق عليهم قول رب العالمين سبحانه، وهناك معنى آخر في قوله: وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس:70] أي: لتجب حجة الله سبحانه وتعالى على هؤلاء الكافرين.

    فنزل القرآن وربنا أعلم أنهم لم يستجيبوا، ولكن ليحق القول عليهم، ليروا أن هذا جاءهم بموعظة من عند الله وأنهم كذبوا، فإذا أدخلهم النار لم تكن لهم حجة على الله سبحانه.

    1.   

    تفسر قوله تعالى: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً ..)

    قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس:71].

    (أولم يروا) هذه الرؤية القلبية، أي: أولم يعتقدوا فيما يرونه من آيات الله سبحانه التي ينظرون إليها، ويعتبروا بذلك ويتفكروا؟ هلا اعتبروا بذلك؟!

    قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس:71] أي: أبدعنا وأوجدنا، وخلقنا وصنعنا هذه الأشياء التي يرونها أمامهم: أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس:71] والله سبحانه خالق كل شيء بـ(كن) فيكون ما شاءه الله سبحانه تبارك وتعالى.

    والأنعام جمع نعم، والنعم تذكر وتؤنث، تقول: هذه بهيمة الأنعام، وهذا النعم، وهذه النعم، والأنعام تطلق على ثلاثة أشياء: على الإبل والبقر والغنم، فمما خلق الله عز وجل للعباد -وأكثر من يعايشون ذلك هم العرب- الإبل والبقر والغنم، فيرون خلق الله العظيم.

    فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس:71] يملكون هذه الأشياء، وإن كان الملك الحقيقي هو لله سبحانه وتعالى، ولكن جعلهم يملكونها ويتوارثونها، يشتريها بعضهم من بعض فيملك في هذه الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وذللناها لهم فمنها ركوبهم...)

    وَذَلَّلْنَاهَا [يس:72] أي: سخرناها لهم.

    فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس:72] الرَكوب غير الرُكوب، الرُكوب الفعل نفسه، والرَكوب: الدابة التي تركبها وهي فَعول بمعنى مفعول، أي: مركوبهم، فمنها ما يرَكبونه.

    فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ [يس:72]، فيعدد عليهم النعم، هذه الأنعام لكم فيها منافع كثيرة، وذكر الله سبحانه: مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [النحل:80] لكم فيها متاع، فتلبسون من جلودها وتصنعون منها الخيام والمتاع والريش.

    قال سبحانه: وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ [يس:73] فينتفعون بما شاء الله عز وجل منها، ويشربون من ألبانها وأوداكها وشحومها.

    أَفَلا يَشْكُرُونَ [يس:73] هلا شكروا الله تبارك وتعالى على هذه النعم العظيمة التي سخرها لهم وذللها لهم؟

    هذه الأنعام أقوى من الإنسان بكثير، فالجمل العظيم، والبقرة والثور الكبير أقوى من الإنسان، ومع ذلك جعل الله عز وجل قياده بيد هذا الإنسان، يأتي الصبي الصغير فيمسك بالجمل ويمشي به، ولعله يضرب الجمل حتى يجري، فسخر هذا الشيء الضخم الكبير لهذا الطفل الصغير، والله على كل شيء قدير سبحانه، آية من آيات الله تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون)

    أَفَلا يَشْكُرُونَ [يس:73] هلا شكروا الله سبحانه على نعمه العظيمة وتدبروا في ذلك؟! لا، لم يفعلوا، بل قد اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً [يس:74] فعبدوا غير الله سبحانه.

    ولماذا عبدوا غير الله؟ لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ [يس:74] يظنون أنهم ينتصرون بهؤلاء، فهذا جهل مطبق، وغباء عجيب في هؤلاء.

    عبدوا غير الله وهم يعلمون أن الذي خلق هذه البقرة هو الله، والذي خلق لنا هذا الطعام هو الله، من تعبدون؟ قالوا: نعبد هذه الأصنام ولا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا يعبدونهم؟ قال: لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ [يس:74] فإذا حصلت بينهم حروب أتوا على شجرة يعبدونها من دون الله ويتبركون بها ويعلقون عليها أسيافهم؛ من أجل أن تأتي البركة في السيوف فيعرفوا كيف يقاتلون.

    ولذلك فإن بعض الصحابة ممن كان قريب عهد بالإسلام خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، فإذا بهم يجدون الكفار يعلقون أسيافهم بشجرة، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، أي: اتخذ لنا شجرة نعلق عليها سيوفنا ونأخذ منها البركة مثل هؤلاء.

    قال: (الله أكبر، قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)، وهل تؤخذ البركة إلا من الله تبارك وتعالى!

    فالمقصود: أن الإنسان الذي يكفر يتوجه إلى أشياء حقيرة مثله يطلب منها البركة والنصرة، فهؤلاء إذا خرجوا لقتال ذهبوا إلى أصنامهم يطلبون منها أن تنصرهم، وهم يعرفون أنهم هم الذين صنعوا هذه الأصنام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون ..)

    قال سبحانه: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ [يس:75] أين هذه الأشياء التي تنصرهم.

    وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ [يس:75] (وهم) أي: المشركون، (لهم) لأصنامهم (جند محضرون) في الدنيا وفي الآخرة.

    الكفار يعتقدون أنهم هم المدافعون عن هذه الأصنام، والحراس لها، لا أحد يقدر أن يأتي إلى جنب الصنم، فسيقتلونه دفاعاً عن أصنامهم، فكأنهم يتشرفون بعبادة هذه الأشياء الحقيرة، فجندوا أنفسهم لها يعبدونها من دون الله، ويدافعون عنها، وعجيب هذا الأمر، وهل الإله يحتاج إلى من يدافع عنه؟!

    شيء مغلوط معكوس من هؤلاء الأغبياء، فيعبدونها لعلها تنصرهم، قال سبحانه: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ [يس:75] في الدنيا هؤلاء المشركون يعتقدون أنهم جنود هذه الآلهة ينصرونها ويدافعون عنها، ويحضرون عندها للدفاع عنها.

    فإذا جاءوا يوم القيامة كانوا أيضاً محضرين لهذه الآلهة، ففي صحيح البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوم القيامة في حديث طويل جداً، وفيه أن الله عز وجل يقول للخلق: (ألا يحب من كان يعبد شيئاً أن يتبعه الآن؟ فيقولون: بلى فيمثل لمن كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت)، فعباد الشمس تمثل لهم يجرون وراءها إلى النار، وعباد القمر تمثل لهم القمر فيجرون وراءها إلى النار، وكذلك عباد الصليب من دون الله وعباد المسيح يمثل لهم شيطان على هيئته فيتبعونه إلى النار، وعباد عزيز يمثل لهم شيطان على هيئته فيتبعونه إلى النار!

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت)، يعني: الأصنام التي عبدوها من دون الله عز وجل تمثل لهم يوم القيامة، فيقال: هذه التي كنتم تعبدونها؟ يقولون: نعم هذه التي كنا نعبد، فيقال: اتبعوها، فيكونون كالجنود وراء قائدهم تهوي بهم في النار والعياذ بالله.

    فقول الله سبحانه: وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ [يس:75] أي: في الموقف يوم القيامة، ومحضرون في نار جهنم والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا يحزنك قولهم...)

    قال تعالى: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يس:76] يطمئن نبيه صلى الله عليه وسلم، أن لا تحزن على هؤلاء: فَلا يَحْزُنْكَ [يس:76] هذا من الفعل الثلاثي (حزن)، ويأتي من الفعل الرباعي (أحزن)، وقراءة نافع فيها (فلا يُحزِنك قولهم) بكسر الزاي.

    وهنا وقف لازم: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [يس:76] أي: قولهم إنك ساحر وكاذب وكاهن، فلا تحزن من أقوالهم فقد قيل هذا القول عن الأنبياء من قبلك.

    إِنَّا نَعْلَمُ [يس:76] هذا استئناف كلام جديد، مَا يُسِرُّونَ [يس:76] ما يكتمون، وَمَا يُعْلِنُونَ [يس:76] يعني: هم وإن أعلنوا لك أنك كاذب فنحن نعلم أنهم في سرهم يعتقدون أنك صادق، ولكن الغيرة والحسد دفعهم إلى هذا الشيء: إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [يس:76].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة ...)

    قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [يس:77] الإنسان جنس يشمل أي إنسان، ولكن الآية نزلت في مكة على أسباب مخصوصة، فيقال في هذا: إنه من العموم الذي يراد به الخصوص، وقد يراد به عموم الناس.

    قالوا: هو عبد الله بن أبي بن سلول وقيل: بل هو العاص بن وائل السهمي وقيل: هو أبي بن خلف الجمحي، قالوا: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم فقال: يا محمد! أترى أن الله يحيي هذا بعد ما رم؟! أي: هذه العظام البالية أتزعم أن ربك يبعثها مرة ثانية؟!

    فقال صلى الله عليه وسلم: (نعم. ويبعثك ثم يدخلك النار)، فالله سبحانه وتعالى أنزل هذه الآية في هذا السبب، وكونها نزلت في عبد الله بن أبي قول بعيد قليلاً وإن كان هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن عبد الله بن أبي كان في المدينة، وهذه الآية مكية وليست مدنية.

    الغرض أن الله قال لمن قال ذلك ولغيره: أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ [يس:77] إذا أراد جنس الإنسان يكون عاماً أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [يس:77] النطفة: الماء الذي ينطِف أو ينطُف، نطف الماء بمعنى: سال وخرج صافياً قل أو كثر، وقد تطلق النطفة أيضاً على الماء القليل، والمقصود به هنا المني.

    أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ [يس:77] من مني: فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [يس:77].

    (خصيم): مخاصم مجادل يجادل بالباطل.

    (مبين): مفصح عما يريد أن يقوله، فهو بين الخصومة والجدل، كما قال الله عز وجل عنهم: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58] قوم كثيرو الجدل، كم أتعبوا النبي صلى الله عليه وسلم بجدالهم وبباطلهم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه...)

    قال الله سبحانه: وَضَرَبَ لَنَا [يس:78] يعني: هذا الإنسان، مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78] جاء بعظمة رأس إنسان يفتها في يده ويقول: هذا شيء قد أرم فكيف يعاد؟! وَنَسِيَ خَلْقَهُ [يس:78] نسي كيف خلقناه.

    قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78].

    والرميم: البالي القديم العتيق.

    قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:79] قل لهذا الإنسان: الذي خلقها أول مرة أليس قادراً على إعادتها؟! وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:79].

    أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    كل خلقه الله عز وجل، فهو أعلم بهم، هو بدأهم ويميتهم ويعيدهم مرة ثانية، وهو على كل شيء قدير: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا [يس:79] من العدم أول مرة وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:79].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً...)

    قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا [يس:80] فجعل لهم آية، فقال: ألا تتعجبون عندما ترون الشيء ونقيضه؟! الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا [يس:80] فهذه الأشجار التي بداخلها الماء، فإنه يطلع من الجذوع إلى الساق فيروي أوراق النبات وثماره.

    فالشجرة أكثر تكوينها الماء، فهذا الشجر المكون من الماء إذا أحرق يحترق، وأعجب منه أنه هو يأتي بالنار، ولذلك عند كان العرب مثل معروف يقول: (في كل شيء نار، واستمجد المرخ والعفار). ف

    هناك شجرتان من أشجار البوادي عند العرب، يأخذ الغصن الطري من الشجرة، ثم يأخذ غصناً من الأخرى فيضع واحداً فوق الآخر، ثم يضرب هذا على هذا فتخرج له ناراً، فقالت العرب: (واستمجد المرخ والعفار) أي: أنه احتوى من النار الكثير.

    فيقول: ألا تعجبون من هذه الأشياء التي خلقها الله عز وجل؟! هذا غصن طري في يدك بداخله ماء تضرب به على الغصن الآخر فتخرج لك منه نار؟! ألا تعجب من قدرة الله سبحانه: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس:80].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ...)

    قال تعالى: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس:81].

    فهذا سؤال والجواب عنه معروف: بلى إنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير!

    أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ [يس:81] الله الخالق العظيم، بِقَادِرٍ [يس:81] هذه قراءة الجمهور، وقرأها رويس عن يعقوب (يقدر).

    الله خالق كل شيء إِنَّمَا أَمْرُهُ [يس:82] في غاية السهولة، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا [يس:82] إذا قضى أمراً أو أراد تكوين شيء، أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ [يس:82] بقول: (كن) فيكون الشيء الذي يريده الله تبارك وتعالى.

    كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] هذه قراءة الجمهور بضم آخرها (فيكونُ) فيترتب على ذلك التكوين، ويقرؤها ابن عامر والكسائي (فيكونَ) كأن فيها (أن) محذوفة، فالتقدير (فأن يكون) يعني: هذا الشيء؛ ولذلك استحسنوا لمن يقرأ بقراءة الجمهور على الضم أنه يروم آخرها أو يشم آخرها يعني: يبين أن القراءة بالضم، خلاف القراءة الأخرى التي بالفتح.

    قال تعالى: فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس:83] الملكوت: الملك العظيم.

    فسبحان الله: تنزيهاً لله تبارك وتعالى وتعظيماً وتقديساً لله الذي بيده الملكوت.

    والملكوت فعلوت صيغة مبالغة من الملك يعني: ملك عظيم، وملك الله سبحانه عظيم.

    (وإليه تُرجعون) هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب (وإليه تَرجعون) المرجع إلى الله سبحانه للجزاء والحساب، للجنة أو للنار، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.