إسلام ويب

تفسير سورة يس [55 - 68]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وصف الله الذين أدخلهم الجنة بأنهم أصحابها؛ ليدل على تمام نعيمهم وخالص ملاذهم فيها، وأخبرنا بأنه سيميز بين المؤمنين والمجرمين الذين نسوا عهد الله إليهم بألا يتبعوا الشيطان، أو لم يأخذوه على محمل الجد، فضل منهم خلق كثير سيصلون النار يوم القيامة بسبب كفرهم، وتشهد على أفعالهم جوارحهم، ويوبقون في نار جهنم التي كانوا بها يكذبون.

    1.   

    أصحاب الجنة فيها

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة يس: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ * وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ * وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:55-68].

    هذا موقف من مواقف القيامة يذكره لنا ربنا تبارك وتعالى في حسابه لخلقه يوم القيامة، فريق في الجنة وفريق في السعير.

    أهل الجنة أدخلهم الله عز وجل الجنة منهم السابقون الذين سبقوا الجميع ودخلوا الجنة بغير حساب أو بحساب يسير، فسبقوا غيرهم ودخلوا الجنة فانشغلوا بما فيها من نعيم عظيم.. من فاكهة جميلة.. من حور عين.. وغير ذلك مما ينعمون به في الجنة، انشغلوا عن حال غيرهم من أهل الموقف الذين ما زالوا في الحساب، وغيرهم الذين دخلوا في النار، فانشغلوا بالنعيم الذي هم فيه عن هذا كله.

    إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ [يس:56-56].

    نساؤهم إذا استحققن الجنة كن مع أزواجهن، وإن كن من نساء الجنة فهن أزواج مطهرات من الحور العين: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [يس:56-57].

    ينعمون فيها، يجلسون متكئين، في سرر كسرير العروس الذي تجلس فيه في الدنيا وهو مزين بالقباب.. مزين بالستور.. مزين بالثياب فيه أرائك.. فيه عرش تجلس عليه العروس ويجلس عليه معها زوجها، هنا في الجنة ينعمون بذلك، بل بأفضل من ذلك بكثير.

    لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [يس:57]، ما يطلبون، ما يسألون الله عز وجل من شيء إلا وأعطاهم بزيادة سبحانه تبارك وتعالى.

    وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:57-58].

    وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلامٌ على معنيين فيها: أي ما يدعونه خالصاً لهم، سَلامٌ أي: سالم لهم، كما ذكر الله عز وجل: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ [الزمر:29] يعني: خالصاً له، وهنا (سلام)، ما يدعونه خالص لهم في هذا اليوم لا يشركهم فيه أحد لا يوجد أحد.

    المعنى الآخر: سَلامٌ، كأنه ابتداء واستئناف، أو: هذا سلام، أو: لكم من الرب الرحيم سلام، أي: تحية مباركة من الله سبحانه تبارك وتعالى، يسلم على أهل الجنة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73]، التسيلم من الله سبحانه، والتسيلم من الملائكة، والمؤمنون يسلم بعضهم على بعض وهم في الجنة، تحيتهم يوم القيامة في الجنة سلام، تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ [إبراهيم:23].

    كذلك يقال لهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32]، سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:58]، سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73]، فيكون المعنى هنا، سلام أي: يعطيهم الله سبحانه تبارك وتعالى السلام والأمن، ويحييهم ربهم الحياة الطيبة والتحية العظيمة، سلام قولاً من ربكم سبحانه تبارك وتعالى، فيميز هذا التسليم بأنه قولاً من الله سبحانه تبارك وتعالى، سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ [يس:58] خالق مالك يملك كل شيء، رحيم بعباده سبحانه تبارك وتعالى، سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:58].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وامتازوا اليوم أيها المجرمون ... وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم)

    يقول الله تعالى: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس:59].

    قيل للمجرمين: تميزوا، تعالوا من هذه الناحية، يقال: ميزت الناس بعضهم عن بعض إذا فرقت بينهم، فيقال لهم: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس:59]، ابتعدوا عن المؤمنين، لستم معهم في الجنة، ولا لكم نور من نورهم، انحازوا إلى ذات الشمال، فيؤخذون إلى النار والعياذ بالله.

    وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ [يس:59]، أجرموا في حق دينهم.. أجرموا في حق ربهم سبحانه.. أجرموا في حق المؤمنين.. أجرموا في حق نبيهم عليه الصلاة والسلام، فقيل لهم: انحازوا إلى هاهنا، اجتمعوا إلى النار والعياذ بالله.

    ويقول لهم ربهم سبحانه: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [يس:60]، ألم أحذركم قبل ذلك من الشيطان: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6]، ها هي السعير التي حذرناكم منها، وحذرناكم من اتباع الشيطان، فأبيتم إلا متابعة الشيطان حتى أرداكم في الجحيم.

    أَلَمْ أَعْهَدْ ألم أوص؟! وصيناكم وحذرناكم من الشيطان، يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ [يس:60]، ألم نقل لكم قبل هذا: لا تعبدوا الشيطان من دون الله، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس:60]، عداوته ظاهرة بينة واضحة، قد أخبرناكم عن عداوة الشيطان، كيف فعل بآدم وأخرجه من الجنة، وكيف فعل بكم وتوعدكم بأن يجعلكم في النار، قد قلنا لكم ذلك، وقد أعذرنا إليكم فلا عذر يقبل منكم اليوم.

    وَأَنِ اعْبُدُونِي [يس:61] اعبدوا ربكم وحده لا شريك له، هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:61].

    (وأن اعْبُدُونِي) بالكسر في النون، هذه قراءة أبي عمرو ويعقوب وحمزة وعاصم.

    وباقي القراء يقرءونها بالضم، كأنهم استثقلوا أن يكون كسر بعده فتح: (وأن اعُبُدُونَي) كأنها أسهل في النطق، (وأن اعُبُدُونَي هذا صراط مستقيم).

    كذلك: (صراط) تقدمت قبل ذلك أن قنبلاً وورشاً يقرأانها بالسين: (هذا سراط مستقيم)، ويقرؤها خلف عن حمزة بإشمام الصاد زاياً فيقرأها: (هذا زراط مستقيم) والمعنى واحد، وباقي القراء بالصاد المكسورة: (هذا صراط مستقيم)، ولا يبدو على الصاد تفخيم؛ لأنها ليست مضمومة ولا مفتوحة، ولكنها مكسورة بأقل الدرجات فيها.

    فتقرأ: (هذا سراط) (هذا صراط) (هذا زراط)، والمعنى: هذا طريق، يعني: طريق الله سبحانه طريق لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ومن تابع دين الله سار إلى جنة الله سبحانه.

    وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس:61]، ما بيناه لكم ودللناكم عليه كان هو الصراط المستقيم الذي سوف يقودكم إلى الجنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً ...)

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس:62].

    (جبلاً) فيها أربع قراءات:

    قراءة نافع وأبي جعفر وعاصم : ( جِبِلًّا كثيراً) بالكسر للجيم والباء وباللام المشددة المنصوبة.

    قراءة روح عن يعقوب : (جُبُلًّا كثيراً) بضم الجيم والباء وبتشديد اللام أيضاً.

    قراءة أبي عمرو وابن عامر: (جُبْلاً كثيراً)، بالتخفيف فيها وبتسكين الباء.

    قراءة باقي القراء: ابن كثير وورش وحمزة والكسائي وخلف : (جُبُلاً كثيراً) بضم الجيم والباء وبعدم تشديد اللام.

    فتكون القراءات: (جِبِلًّا)، (جُبُلًّا)، (جُبْلاً)، (جُبُلاً).

    ومعانيها كلها راجعة إلى الجبلة الخلقة، فالجُبُل هنا أو الجِبِل معناه: الخلق الكثير.

    فقال سبحانه: وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا [يس:62]، جِبِلًّا، أمة، قالوا: الجبل يطلق على مائة ألف، ويطلق على أكثر من ذلك، والخلق ليسوا مائة ألف، فاحتاج أن يقول فيها كثيراً، أمماً كثيرة، ملايين من الخلق أضلهم الشيطان وأغواهم عن طريق الرحمن.

    وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس:62]، كل الذي أريناكم من آياتنا في هذا الكون، ومن آيات كتاب ربكم، وما رأيتم من نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما حذرناكم من الشيطان، لا يوجد عندكم عقل تعقلون وتعرفون أن هذا هو الحق من عند الله، تركتم هذا واتبعتم الشيطان من دون الله تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هذه جهنم التي كنتم توعدون ...)

    قال تعالى: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [يس:63].

    (هذه جهنم) الهاوية والعياذ بالله، جهنم النار المسعرة، وذكرنا قبل ذلك أن جهنم اسم من أسماء النار، وكأنها الدركة السفلى فيها، وهي مأخوذة من قول العرب: هذه ركية جهنام، أي: بئر بعيدة القرار، فاسمها جهنم يعني: بعدية القعر، التي يلقى الحجر من شفيرها فيصل إلى قعرها في سبعين سنة، كم عمق هذه النار، كم طولها وكم عرضها، نسأل الله العفو والعافية.

    هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [يس:63]، التي أخفناكم منها، وقلنا: وعداً علينا حقاً أن نملأ الجنة من المؤمنين، وأن نملأ النار من الغاوين.

    اصْلَوْهَا الْيَوْمَ [يس:64]، (اصلوها) يصلى الشيء بمعنى: يحترق فيه، يصلى الفرن معناه: يدخل فيه فيحترق، فيقول: عانوا حرارتها، قاسوا من لهيبها.

    اصْلَوْهَا الْيَوْمَ [يس:64] لماذا؟ هل قال: لأننا قدرنا عليكم ذلك؟ لا، بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [يس:64]، كفرتم؟ يقولون: نعم كفرنا، فإذاً ادخلوا النار جزاء بما كنتم تكفرون: اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ [يس:64].

    هذه جهنم البشعة الفظيعة التي جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال عنها: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها).

    تخيل هذا العدد الضخم! هذه جهنم خلقها الله سبحانه تبارك وتعالى، وجعلها عذاباً لمن عصاه سبحانه، هي عظيمة، وقد وعدها الله عز وجل أن يملأها ممن كفر وممن عصاه سبحانه وتعالى، ولا تشبع أبداً، كلما ألقي فيها فوج تقول: هل من مزيد، حتى يسكتها الله سبحانه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط)، حينها تسكت ولا تطلب المزيد.

    يلقى فيها الأفواج وتسألهم خزنتها: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا [الملك:8-11] بعداً وهلاكاً وتدميراً، لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:11].

    جهنم يأتي بها الملائكة يوم القيامة على هذه الهيئة، ضخمة جداً، ملائكة الله خلقهم الله سبحانه من نور، فهم قوة عظيمة جداً، ويكفي أن ملكاً من ملائكة الله سبحانه أهلك قرى المؤتفكة وحده، نزل جبريل فرفعهم بجناحه فقلبهم، قال سبحانه: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى [النجم:53-55].

    ملائكة الله أقوياء، لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، يأتون يوم القيامة بأمر الله يحملون جهنم إلى الموقف، إلى حيث يريد الله تبارك وتعالى، ولها سبعون ألف زمام، والزمام هو المكان الذي يمسك منه الشيء، تقول: الحل أن أمسكها بيدها. أما جهنم والعياذ بالله فلها سبعون ألف يد تمسك منها، كل يد من هذه الأيدي وكل زمام من أزمتها عليه سبعون ألف ملك. (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك)، كم يكون هذا العدد؟! لو ضربنا سبعين ألفاً في سبعين ألف تساوي أربعمائة وتسعين مليوناً من ملائكة الله عز وجل يحملون جهنم، يؤتى بها ليخيف الله عز وجل بها من يشاء من خلقه.

    وذكر في الحديث: (أنه يخرج عنق من النار له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، فيقول: وكلت بالجبارين، وكلت بالمتكبرين، وكلت بالمصورين)، وكل هذا العنق بأن يخطفهم من الموقف إلى نار جهنم، فيخطف، الإنسان الجبار العاصي لله سبحانه، المتجبر على خلق الله، القاسي القلب، العنيف الشرس في طباعه، يأخذ الناس بالقوة والقهر، يأخذ ما في أيديهم.

    وبكل متكبر، إنسان فيه كبر، يختال بنفسه، ويرى نفسه أفضل من غيره من الخلق، فيوكل به عنق النار، فيأخذ هذا المتكبر من الموقف، ويلقيه في النار والعياذ بالله.

    والثالث المصور، الإنسان الذي يصنع الصور، ويرسمها أو ينحت التماثيل وغير ذلك، وكل هذا العنق بهذا الذي يشبه نفسه بالخالق سبحانه وتعالى في النحت والتصوير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اليوم نختم على أفواههم...)

    قال تعالى: نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65].

    حضروا الموقف أمام رب العالمين، فلما سألهم أجابوا وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء:42]، ومن حاول أن يكتم الله حديثاً أنطق عليه أعضاءه فاعترفت عليه يوم القيامة.

    الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ [يس:65]، وجاء في صحيح مسلم من حديث أنس : (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه يوم القيامة، يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟)، انظروا العبد يوم القيامة، ما زال يجادل ربه: يا رب! ألست حرمت الظلم على نفسك، وأنت أجرت من الظلم عبادك؟ فيقول الله سبحانه: (بلى، فيقول هذا العبد الحقير: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني)، يقول: لا أريد ملائكة تشهد علي، أنا أشهد على نفسي، يظن أن ذلك ينفعه.

    قال: (فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فِيه، فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام)، شهدت عليك أعضاؤك بما عملت في الدنيا، فيقول يدعو على نفسه: (بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل) يعني: كان يدافع عن نفسه، عن أعضائه التي أوبقته وشهدت عليه، ضحك النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العبد المغرور الأحمق الذي يظن أنه يخدع رب العالمين سبحانه وتعالى يوم القيامة.

    وفي رواية أخرى لهذا الحديث: (ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك)، وهو يتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟! العبد يوم القيامة يقول لله: لا أريد أحداً يشهد علي إلا نفسي، قال: (فيختم على فِيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه)، أنت الذي قلت على نفسك، وأنت الذي اعترفت على نفسك، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه، يقول هذا الشيء من أجل أن يأخذ عذاباً فوق العذاب؛ لكفره في الدنيا وكذبه في الآخرة.

    وروى الترمذي عن معاوية بن حيدة (أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار تجاه الشام، فقال: من هاهنا تحشرون، ومن هاهنا إلى هاهنا تحشرون، ركباناً ومشاة، وتجرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام).

    يحشرون يوم القيامة، إنسان يقوم من قبره فيحشر ماشياً، إنسان يحشر راكباً يوم القيامة، إنسان يحشر على وجهه، ويجرجر على وجهه، قال النبي صلى الله عليه وسلم -والحديث حسن-: (وتجرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام)، الفدام: مصفاة من قماش توضع فوق الكوز بحيث يصفي الشراب الذي فيه، المعنى: توضع كمامة على أفواهكم فلا ينطق أحدكم. (توفون سبعين أمة، أنتم خيرهم وأكرمهم على الله، وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه وكفه)، أول ما ينطق من الإنسان ويشهد عليه فخذه وكفه.

    هنا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أول ما ينطق من الإنسان فخذه فيتحدث ماذا عمل، وينطق عليه جلده وعظامه، ويده، وفي النهاية فمه يتكلم فيدعو على نفسه بالهلاك كما ذكرنا.

    يقول الله عز وجل: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ [يس:65] تنطق الأيدي، وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يس:65]، وهذا من التفنن في القرآن العظيم، لم يقل: تكلمنا أيديهم وتكلمنا أرجلهم، ولكن ذكر أن كل عضو ينطق ويتكلم، ففصل فذكر أن الأيدي تتكلم، والأرجل تشهد، كأنه أقامها مقام الشاهد؛ لأن الإنسان غالباً ما يصنع أفعاله بيده، فكأن اليد بعيدة عن الرجل، والرجل شاهدة على اليد بما فعلته، وعلى الفم بما قاله، فذكر الفخذ وذكر الرجل؛ لأنها شاهدة عليه.

    وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ [يس:65] ضربت فلاناً، أخذت مال فلان، سفكت دم فلان، والرجل تشهد على هذا الإنسان وعلى هذه اليد بما صنعت: وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس:65]، بما اجترحوا في هذه الدنيا، بما أصابت جوارحهم فيها، تشهد هذه الأيدي وتتكلم، وتشهد الأرجل بما كانوا يكسبون.

    وَلَوْ نَشَاءُ [يس:66]، لو يشاء الله سبحانه وتعالى، لطمس على أعينهم في الدنيا، وإن فسرت بأنه في الآخرة، ولكن الأوجه أنها في الدنيا، فهذا تهديد ووعيد من الله سبحانه وتعالى.

    وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا [يس:66]، والطمس: إزالة الأثر، تقول: طمست الريح الأثر، بمعنى: أزالت الأثر، عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ [يس:66]، الصراط الطريق، وفيه من القراءات ما ذكرنا قبل ذلك، فَأَنَّى يُبْصِرُونَ [يس:66].

    والمعنى: لو شئنا لطمسنا على أعينهم وقتما كفروا ووقتما عصوا الله تبارك وتعالى، وفي المكان الذي مارسوا فيه الرذيلة، لو أردنا كنا عميناهم في هذا المكان، ثم يرجعون يتحسسون بيوتهم فلا يرون شيئاً في الطريق، فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ [يس:66] أي: طريق رجوعهم إلى بيوتهم، فلا يعرفون كيف يهتدون إلى بيوتهم، لو نشاء لعجلنا لهم العقوبة في الدنيا، وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ [يس:66].

    الجمهور يقرأها: (الصراط) بالصاد، وسيقرؤها قنبل وورش بخلف: (السراط) بالسين، وسيقرؤها حمزة بخلف خلاد لأن قبلها ألف ولام، وهنا سيدخل خلاد مع خلف فيها، ولكن بخلف يقرؤها بإشمام الصاد زاياً: (الزراط).

    فَأَنَّى [يس:66] كيف، يُبْصِرُونَ [يس:66].

    وهذه (أنى) يفتحها الجمهور: (أنَّى).

    وبخلفه الأزرق عن ورش وكذلك الدوري عن أبي عمرو ويقرأ: (فأنى) بالتقليل فيها.

    ويقرؤها الكوفيون غير عاصم بالإمالة فيها: (فأنِّى يبصرون).

    وأنى بمعنى: كيف يبصرون ويهتدون الطريق ليرجعوا إلى بيوتهم وقد أعميناهم؟!

    وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ [يس:67]، المكانة: المكان الذي يزاولون فيه معصيتهم ويمكثون فيه، لو أردنا كنا مسخناهم قردة وخنازير، وقد فعل بالبعض من عباده، ولو شاء لفعل بهؤلاء أيضاً من كفار قريش.

    وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ [يس:67] هذه قراءة الجمهور.

    وقراءة شعبة عن عاصم : (على مكاناتهم) بالجمع فيها.

    فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ [يس:67]، كنا مسخناهم قردة وخنازير، أو جعلناهم جمادات صوراً وتماثيل، فما قدروا لا مضياً للأمام ولا رجوعاً إلى الخلف، ولكننا أخرنا عنهم العذاب؛ لعل بعضهم يتوب، ويوم القيامة يجدون من عذاب الله سبحانه أهوالاً وأهوالاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون)

    قال الله سبحانه: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:68].

    وَمَنْ نُعَمِّرْهُ [يس:68]، من نعطيه عمراً يعيش حتى يجاوز الستين.. السبعين.. الثمانين.. المائة، إذا عمرناه نكسناه، والإنسان في حياته يمشي في منحنى سنه وهو صغير من الصفر، ثم يستمر في الزيادة إلى أن يعلو إلى أقصى قوته وشبابه وصحته، ومن ثم يأتي منحنى النزول بعد ذلك حتى يصل إلى الصفر، ويدخل إلى قبره.

    فالإنسان كلما ازداد عمره في طاعة الله كلما كان خيراً له، فيستغل الإنسان حياته وصحته وشبابه في أن يعبد الله سبحانه، وإذا اكتمل الشباب واكتمل للإنسان القوة فما بعد الكمال إلا النقصان، فبعدما كان يقدر على أن يصلي قائماً يصلي قاعداً، بعدما كان يصلي قاعداً يصلي وهو مضطجع، بعدما كان يعقل الصلاة يتوه فيها ولا يستطيع أن يقرأ شيئاً، وينسى الصلاة، ويقول له أولاده: صل، كبر، قل باسم الله، قل كذا.

    وَمَنْ نُعَمِّرْهُ [يس:68] يعمر عمراً طويلاً في النهاية نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ [يس:68]، يرد إلى أرذل العمر.

    وانظر إلى الفرق بين الصبي الصغير والشيخ الكبير، الصبي الصغير يحبه أهله ويعذرونه فيما يخطئ به، ولكن الشيخ الكبير يتململ منه الكل، لا أحد يطيقه، إذا أخطأ فهو غير مقبول عندهم، إذا مرض لا أحد ينظر إليه، فانظر إلى الفرق بين الصغير والكبير، فالشيخ الكبير وصل إلى مرحلة في العقل كالصبي الصغير لا يفهم.

    ولكن هذا مستحسن في الصبي ومستقبح في الكبير، وقد سماه الله عز وجل أرذل العمر.

    وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ [يس:68]، والتنكيس القلب، والكوز المنكس بمعنى: المقلوب المجخى.

    (نُنَكِّسْهُ) هذه قراءة عاصم وحمزة .

    وباقي القراء يقرءونها: (نَنْكُسُهُ)، أي: نرده ونقلبه مرة ثانية إلى مرحلة عدم العقل وعدم الفهم، والنسيان والضعف، فيصبح ضعيفاً شيخاً كبيراً ينسى كثيراً.

    أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:68]، يريدون أن يعيشوا عمراً طويلاً، ماذا يريدون من الحياة، ومن نعمره هذا حاله.

    لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله أن يرد إلى أرذل العمر، ويقول: (أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر)، فيتعوذ بالله سبحانه تبارك وتعالى من ذلك.

    وأيضاً كان يخبر أصحابه ويقول: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، طالما الإنسان في خير وعبادة لله وطال عمره كان خيراً له، والإنسان الذي هو في المعاصي يرده الله عز وجل إلى أرذل العمر فينكسه الله سبحانه ويصير عبرة للخلق.

    (أفلا يعقلون) وهذه قراءة الجمهور.

    ويقرؤها نافع وأبو جعفر وابن عامر بخلفه ويعقوب : (أفلا تعقلون)، فهما قراءتان، (أفلا يعقلون) على الغيب لهؤلاء، (أفلا تعقلون) على الخطاب للجميع، أي: (أفلا تعقلون) ما بصرناكم فتعملون لهذا اليوم.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.