إسلام ويب

تفسير سورة يس [51 - 58]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله ملكاً ووكل إليه مهمة واحدة هي النفخ في الصور مرة لصعق الأحياء وأخرى لبعث الأموات، وحينها يخرج المكذبون ويقولون: من بعثنا من مرقدنا؟ فيجابون بأن هذا مصداق وعد الله على لسان المرسلين، وحينها تنصب الموازين، ويحاسب الخلق، فيدخل أهل الجنة الجنة، فينشغلون بلذة ونعيم مقيم، وسلام من رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة يس: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:51-58].

    يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن النفخ في الصور، وقيام الساعة، والبعث من القبور، والحساب بين يدي الله سبحانه، وكيف يصير الناس فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.

    النفخ في الصور لصعق الأحياء

    قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [يس:51].

    الصور: البوق الذي يحمله إسرافيل الملك الموكل بالنفخ، فينفخ فيه بإذن الله سبحانه وتعالى؛ فيصعق من في السموات ومن في الأرض، ثم يؤمر فينفخ فيه نفخة أخرى فإذا هم قيام ينظرون.

    نفختان ذكرهما الله عز وجل في كتابه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68]، ينفخ نفخة الإماتة فيموت من في هذا الكون، ثم ينفخ نفخة أخرى لإحياء الموتى، ونفخ إسرافيل في الصور سبب، ولكن الذي يحيي ويبعث الناس ليجازيهم هو الله تبارك وتعالى.

    وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [الزمر:68] ومنذ خلق الله تبارك وتعالى إسرافيل وهو معه هذا الصور - وهو البوق الذي ينفخ فيه- ينظر إلى عرش الرحمن ينتظر متى يؤمر بالنفخ في الصور، يخاف أن ينشغل عن ذلك، فهو في نظر دائم متعلق بعرش الرحمن سبحانه حتى يأمره الله سبحانه في وقت حدده يعلمه الله ولا يعلمه غير الله سبحانه وتعالى.

    وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ [يس:51] والأجداث جمع جدث، والجدث: القبر، فإذا هم من قبورهم يخرجون وإلى ربهم ينسلون، أي: يمشون مشياً مسرعاً، ويخرجون من القبور ويقومون مسرعين متوجهين إلى مكان اجتماعهم وحشرهم وحسابهم.

    النفخ في الصور لإحياء الخلق

    قال تعالى: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52] هذا كلام الكفار حين يبعثون ويعلمون أن مصيرهم إلى النار، فيقولون: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ويجابون: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ [يس:52] ، أو يقول بعضهم لبعض: هذا الذي كنا نكذب به من قبل، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، لم يتبين لهم صدق المرسلين إلا حين جاءتهم الوفاة، حين دخلوا قبورهم، ثم بعثوا بعد ذلك من قبورهم تبين لهم في كل هذه المواطن أن الرسل كانوا على حق في حين لا ينفع ما تبينوه الآن، فقد صاروا إلى الآخرة وليسوا في الدنيا.

    قَالُوا يَا وَيْلَنَا [يس:52] يدعون بالويل، يعني: يا ويلنا احضر، والويل الهلاك، كأنهم يدعو أحدهم على نفسه بالهلاك، يقول: يا ويل احضر، يا هلاك احضر، تعالى الآن خذني.

    وهذه الكلمة فيها ما فيها من الرعب الذي يخرجون به من قبورهم.

    مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52] والقبر مرقد لصاحبه، وهو إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النيران، فهم كانوا يعذبون في قبورهم ولكن الله سبحانه حين يأمر بالنفخ في الصور النفخة الأولى فيقضي على جميع الخلق بالموت، ويقضي على أهل القبور بالرقاد، وعندما يرقدون يرفع عنهم العذاب في هذه الفترة ما بين النفخة الأولى والنفخة الثانية.

    في الصحيحين عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما بين النفختين أربعون. قيل: أربعون يوماً؟ قال: أبيت. قيل: أربعون شهراً؟ قيل: أبيت. قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت) راوي الحديث أبو هريرة رضي الله عنه لا يدري أربعون يوماً أو شهراً أو سنة، قال: (أبيت) يعني: أن أتكلم فيما ليس لي به علم، والذي أخبر هو النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: (ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة)، الإنسان يبلى تماماً في قبره إلا آخر عظمة في العمود الفقري، وهي التي يكون منها الحيوان، وهي كالبذرة للإنسان ينبت منها يوم القيامة.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل الله عز وجل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل) البقل: النبات الذي ينبت ساقه في الأرض وأوراقه عليها مثل الجرجير وغيره مما يخرج على الأرض، ينزل من السماء ماء وتنبت البقول وينبت الإنسان كما ينبت هذا النبات، ينزل من السماء ماء فيجمع الله عز وجل الإنسان من كل مكان وينبت ويخرج مرة أخرى ويركب الخلق يوم القيامة من عجب الذنب.

    وهنا يسكت حفص بخلف: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ [يس:52]، وعندما نقول: سكت فهو بغير تنفس، فهي سكتة لطيفة خفيفة، ثم يقرأ ما بعد ذلك فهو إما أن تقف أصلاً عليها ثم تبتدئ من بعدها هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52] ، أو أنك تصل الآية، فإذا وصلت فعند حفص عن عاصم أنك تسكت سكتة حتى تفصل جملة عن جملة بهذا السكت، فيكون سؤالهم: يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52] أي: من بعثنا من هذا المرقد الذي نحن فيه؟

    فيكون الجواب عليه من ملائكة الله عز وجل: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ [يس:52] يعني: هذا وعد الرحمن، ما وعدكم الرحمن سبحانه وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52]، فكأن هذا مبتدأ وما بعده خبر له على هذا السكت.

    ولو وصل على قراءة جمهور بدون سكت قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52]، وهو وجه آخر لـحفص عن عاصم في ذلك، يكون المعنى أنهم قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا [يس:52].

    ثم يجيبون على أنفسهم: هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52] يعني: وعد الله تبارك وتعالى قد تحقق الآن وصدق المرسلون الذين كنا نكذبهم.

    بعث الخلق بنفخة واحدة

    قال الله عز وجل: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس:53]، (إن) بمعنى: (ما) ما كانت إلا صيحة واحدة.

    وقراءة الجمهور: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس:53]، على أن صيحة خبر لكان فهي منصوبة.

    وقراءة أبي جعفر : إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:53] على أن كان تامة، يعني: ما حدثت إلا صيحة واحدة، وليس أكثر من ذلك؛ لبيان قدرة الرب سبحانه وتعالى، فهي صيحة واحدة ينفخ في الصور فيهلك الجميع، وصيحة واحدة فيبعث الجميع، ليس كل إنسان يحتاج لأن ينفخ له في الصور بمفرده، إن كان الرب سبحانه أماتهم فرادى، وكل إنسان جاءته الوفاة في وقته، ولكن لما قضى بالنفخ في الصور ليهلك جميع من فوق الأرض كانت نفخة واحدة، ولما أمر بإحياء الجميع ممن ماتوا قبل ذلك ومن ماتوا بهذه النفخة كانت صيحة واحدة، لبيان أن الله لا يعجزه شيء.

    إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:53] ، يحضرون أمام ربهم سبحانه، يقفون للجزاء، ليأخذ كل منهم صحيفة عمله، منهم من يأخذها باليمين، ومنهم من يأخذها باليسار من وراء ظهره، إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ [يس:53] لا أحد يفلت، لا أحد يهرب، لا أحد يذهب بعيداً ويشرد عن هؤلاء، الجميع محصورون مجموعون لله رب العالمين.

    فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:53] فلن يحضر بمزاجه، ولكن محضرون يساقون إلى محشرهم، أمر بهم ربهم فجيء بهؤلاء بين يديه سبحانه وتعالى قد حشروا وأحضروا فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:53].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ...)

    فَالْيَوْمَ يوم القيامة لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [يس:54] ، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] ، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46] سبحانه تبارك وتعالى، لا يظلم أدنى الظلم، ولو ظلم واحداً ظلماً يسيراً، وظلم الآخر ظلماً يسيراً لتجمعت المظالم.

    ويقول سبحانه: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ [فصلت:46] بصيغة المبالغة، أي: ليس ظلاماً، فربنا لا يظلم أحداً.

    يقول الله تعالى: فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:54] .

    لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا الشيء هنا نكرة في سياق نفي، وهو يفيد العموم لا تُظْلَمُ أي شيء من الأشياء قل أو كثر، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، الشر اليسير سيراه يوم القيامة وسيرى جزاءه، والخير القليل سيراه يوم القيامة ويرى ثوابه، فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:54]، لن يقول العبد: يا رب! أنت قدرت علي هذا الشيء.

    وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:54] ، هل ظلمناك؟ هل ظلمك كتبتي؟ والعبد يقول: لا يا رب لم يظلمني أحد، أنا الذي عملت هذه الأشياء جميعها، فيعترف العبد ويقر على نفسه في وقت لا ينفعه إقراره بين يدي الله عز وجل، هذا الكافر يقر على نفسه، وذاك المنافق ينفي ويقول: يا رب! لا أقبل اليوم شاهداً علي إلا من نفسي، فإذا بالله عز وجل يختم على فمه، وتتكلم أعضاؤه فتشهد عليه، فيدعو على نفسه: ألا سحقاً لكن وبعداً فعنكن كنت أجادل؟ كان يجادل ويناضل ويدافع عن نفسه، فإذا بأعضائه تشهد عليه يوم القيامة، فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [يس:54].

    نفخ في الصور نفخة الموت، فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله.

    وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق حين لا يقال على الأرض: الله الله) يرجع كل الناس إلى الكفر فلا أحد يقول: الله الله، ولا يعرف أحد ربه فتقوم الساعة على هؤلاء.

    وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً) ، هذا قول الراوي وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تبارك وتعالى عنه، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه يمكث فيكم أربعين يوماً، يوم من أيامه كشهر، ويوم كسنة، وباقي أيامه كهذه الأيام، ثم يبعث الله سبحانه عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه) .

    يخرج الدجال في الأرض ويزعم أنه إله، والله عز وجل يفتن خلقه به، فإذا به يمر على قوم فيدعوهم إليه أن يعبدوه فيرفضون، فإذا بأرضهم تصير مجدبة لا مطر ينزل، ولا نبات يخرج، وهم المؤمنون بالله، ابتلاهم الله سبحانه ليرى هل يثبتون أم أنهم يكفرون ويتبعون هذا الدجال؟

    هذا الدجال أكثر الذين يتبعونه من اليهود لعنة الله عليهم والمنافقين وغيرهم، فهؤلاء يمر عليهم فيقول: ألا تؤمنون؟ فيؤمنون به، ويستجيبون له، فإذا بالله عز وجل يفتح لهم من الخيرات ليبتليهم ويظلوا على ما هم فيه من الكفر، فيأخذهم الله سبحانه على ذلك.

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه) فينزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام في دمشق عند باب لد وينزل ويطلب المسيح الدجال ويقتله في قصة طويلة في حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم. (ثم يمكث) يعني: المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام (في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة).

    صار الناس في خير بعد نزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، (يكسر الصليب، ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام)، يقول: (ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام)، إذا نزل المسيح عيسى فقتل المسيح الدجال، ومكث في الناس سبع سنين على تقوى وطاعة وليس فيهم معصية. (ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته)، سبع سنوات والناس على خير، وفي عبادة الله سبحانه، ولما مضت هذه السنوات السبع بدأ يخرج الشر في الناس، فيرسل الله عز وجل ريحاً باردة من قبل الشام فتأخذ جميع الأبرار الأتقياء، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، (حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه) ، فيقضي الله عز وجل بأن يموت كل من هو مؤمن على الأرض.

    قال: (فيبقى شرار الناس) يعني: لا يبقى على الأرض إلا شرار الناس، (في خفة الطير وأحلام السباع) تقول: هذا إنسان خفيف يعني: متعجل متهور شرير مندفع، هذا الإنسان الذي هو في خفة الطير أول ما يجد شيئاً يندفع إليه.

    (وأحلام السباع) السبع الذي يبحث عن فريسة يغتصبها ويأكلها، كذلك هؤلاء همهم القتل والقطع والغصب، فهم في أحلام السباع وفي خفة الطير.

    (لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم حسن)، هذا من الفتنة، ليس معنى أن الإنسان أعطاه الله المال لأن الله يحبه، فالله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكن لا يعطي الآخرة إلا من يحب، فهؤلاء في أحلام السباع وفي خفة الطير في طيش، ومع ذلك يعطيهم الله سبحانه أرزاقهم، يأتي الشيطان إليهم فيأمرهم أن يعبدوا الأوثان من دون الله فيعبدونها من دون الله سبحانه، وهم مع ذلك دار عليهم رزقهم حسن عيشهم.

    (ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً) نفخ في الصور، جاءت القيامة، وأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة الموت حتى يموت من على الأرض، هؤلاء الأشرار الذين على الأرض لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، وهم فيما سمعنا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: قد عبدوا الأوثان من دون الله سبحانه، فيأتي عليهم النفخ في الصور فإذا بهم حالاً يخمدون.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً)، الليت: صفحة العنق، وأصغى بمعنى: أمال، يعني: سمع صوتاً وهو يميل رأسه وعنقه يتسمع إلى الصوت ويجيء عليه الموت فيموت وهو على هذه الحال.

    قال صلى الله عليه وسلم: (وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله)، ذكرنا من قبل الإنسان الذي يلوط أو َيليط أو يُليط حوض الإبل، بمعنى: يصلح حوض الإبل بالحجارة، لكي تشرب منه الإبل.

    قال: (فيصعق ويصعق الناس) يعني: يجهز الحوض لكي تشرب الإبل فلا تدرك الإبل أن تشرب منه.

    قال: (ثم يرسل الله -أو قال- ينزل الله مطراً كأنه الطل -أو الظل- فتنبت منه أجساد الناس) مطر شديد ينزل من السماء فينبت الله عز وجل هذه الأجساد الميتة.

    (ثم ينفخ فيه أخرى) هذه النفخة الثانية، وهما نفختان كما قال الله عز وجل: فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68] ، قاموا من قبورهم ينظرون حولهم ما الذي يراد بهم؟ إلى أين يذهبون؟ هل أتى ربنا أم لم يأت سبحانه؟

    (ثم يقال: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات:24]) .

    (هلموا) احضروا إلى ربكم، وَقِفُوهُمْ أيها الملائكة! قفوا هؤلاء بين يدي الله عز وجل إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ .

    (ثم يقال: أخرجوا بعث النار) وهذا يقوله الله عز وجل لآدم، يناديه يوم القيامة: (يا آدم! أخرج بعث النار، يقول: وما بعث النار؟ يقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) يعني: أخرج من كل ألف من الموجودين في المحشر تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد فقط الذي يكون إلى الجنة، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فذاك يوم يجعل الولدان شيباً، وذلك يوم يكشف عن ساق) .

    هذا اليوم يوم يجعل الله سبحانه وتعالى الولدان فيه شيباً، تشيب فيه رءوس الولدان من شدة ما يرون في هذا الموقف بين يدي الله عز وجل، عندما نذهب لنرى نتيجة الامتحان، ويقال: نصف المدرسة راسبون يفزع الناس من الذي سينجح إذا كان النصف راسباً؟ ما بالك بتسعمائة وتسعة وتسعين في النار، الناجح واحد وتسعمائة وتسعة وتسعون يدخلون النار والعياذ بالله، هؤلاء بعث النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون)

    يقول ربنا تبارك وتعالى: إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ [يس:55] .

    عندما يدخل أهل الجنة الجنة بعد الحساب والموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى يدخل أناساً الجنة بغير حساب، وأناساً خفف عنهم الحساب، وأخر آخرين فإذا بأهل الجنة السابقين السابقين يسبقون إليها، وصاروا في الجنة في شغل فكهون.

    وانظر إلى تعبير القرآن العظيم: أَصْحَابَ الْجَنَّةِ كأنهم ملكوها، هذه الجنة جنتكم، هذه التي أعددناها لكم.

    فِي شُغُلٍ هذه فيها قراءتان: قراءة ابن عامر والكوفيين وأبي جعفر ويعقوب : فِي شُغُلٍ بضمتين.

    وباقي القراء نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : فِي شُغْلٍ [يس:55].

    فَاكِهُونَ أي: منعمون، تقرأ فَاكِهُونَ وتقرأ فَكهُونَ ، مثلما يقال: تامر ولابن، يعني: عنده تمر وعنده لبن، كذلك هذا فاكه يعني: عنده فاكهة عظيمة، ففاكهون يسرون ويضحكون في سعادة هؤلاء أهل الجنة، وكذلك فكهون ، يعني: نفوسهم طيبة منعمة بالجنة.

    فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ، قد شغلوا بما في الجنة من نعيم، شغل الدنيا يتعب فيه الإنسان ويرجع يريد أن ينام ويستريح، فالجنة ليس فيها نوم ولا تعب ولا انشغال بمعاص، بل في شغل مما يسر أهل الجنة، ويجعلهم مشغولين عن غيرهم، ينشغلون عن أهل النار، فلا ينظرون إليهم، حتى وإن كان من أهلهم من دخل النار واستحقها والعياذ بالله، إلا أن يأذن الله عز وجل في الشفاعة فتكون لمن دخل النار من عصاة الموحدين، فيخرجونهم من النار بفضل ربنا سبحانه وتعالى يشفع فيهم من يشاء.

    لكن أهل الجنة فيما هم فيه من نعيم مقيم مشغولون بفاكهة الجنة، بطعام الجنة، بالحور العين، بالسماع، قد منعوا في الدنيا من سماع الموسيقى والألحان، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) ، أقوام يستحلونها، فقد حرمها عليهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا في صحيح البخاري من حديث أبي مالك الأشعري.

    قال: (فإذا جاءوا يوم القيامة دخلوا الجنة فاستمتعوا بأحلى الأصوات وأحلى النغمات) ، فهم في شغل بما ينعمون فيه في الجنة من نعيم مقيم، انشغلوا عن غيرهم ممن دخلوا النار، فيشغلهم الله تبارك وتعالى بالحور العين، يشغلهم بفاكهة الجنة، وبما أحبوا واشتهوا من أشياء، قد صانوا أنفسهم في الدنيا عن معاصي الله فصارت لهم الجنة بما فيها من نعيم من عند الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هم وأزواجهم في ظلال ...)

    قال تعالى: هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ [يس:56]:

    كل إنسان مع زوجاته في الجنة، له من الحور العين ما شاء الله تبارك وتعالى، كذلك زوجته التي كانت معه في الدنيا تكون من أجمل ما يكون في الجنة، فها هو وزوجه إذا دخلت معه الجنة كانوا منعمين.

    فِي ظِلالٍ [يس:56]، جمع ظل، هذه قراءة الجمهور.

    وقراءة حمزة والكسائي وخلف : فِي ظلل [يس:56] جمع ظلة، والظلة: الشيء الذي يجعل فوق رأس الإنسان، والجنة ليس فيها شمس تحرق أهلها، ولكن فيها نعيم الزينة فيزين لأهل الجنة مثلما تجد في الأفراح يعمل للعروسة شيء فوق رأسها، ليس لأنه يوجد مطر، وإنما زينة للعرس، وزينة أهل الجنة أعظم من ذلك بكثير، شبهوا بالعروس في الدنيا؛ لأن العروس في الدنيا تتزين لزوجها، فهؤلاء في الجنة زينت لهم الجنة على ما نسمع هنا.

    يقول سبحانه: عَلَى الأَرَائِكِ [يس:56]، الأرائك: جمع أريكة، وهو: الكرسي الكبير المتسع، أو العرش الذي يجلس عليه الملك، أو السرر في الحجال، يقول المفسرون: الأرائك: السرر في الحجال، والحجال: جمع حجلة، والحجلة: البيت الذي يصنع من قماش للعروس لتجلس فيه، مثلما يقولون الآن بألفاظهم: الكوشة، وهي قبة معمول لها زينة من فوقها ومن تحتها وفيها كرسي تجلس عليه العروس، فأهل الجنة في هذه الحجال.

    عَلَى الأَرَائِكِ [يس:56] بيوت عظيمة جميلة مزينة لأهلها.

    مُتَّكِئُونَ هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر : متكون .

    يتكئ الإنسان أي: يجلس مسنداً ظهره ويده.

    في الدنيا لا يجلس المؤمن متكئاً وهو يأكل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لا أجلس متكئاً) الإنسان المرفه يجلس متكئاً على اليمين أو الشمال يأكل، أما الجائع فهو مقبل على الطعام حامد لله سبحانه، شاكر له، جالس جلسة المتخشع، لكن الإنسان البطر الذي عنده الأكل كثير يجلس هذه الجلسة، وهو في الدنيا ممنوع منها، ولكن في الجنة اجلس كما شئت، اتكئ كما شئت، فالآن وقت الجزاء ووقت الثواب ووقت السرور والفرح فاجلس كما شئت.

    لَهُمْ فِيهَا [يس:57] وهم في هذه الجلسة في هذه الخميلة الجميلة متكئون لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ [يس:57] فاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، ليس محتاجاً إلى قطع الثمار من الأشجار ولكن يطلب ما يشاء وهو يأتيه، وإذا قطع الثمار من أشجار الجنة نبت مكانه غيره، فثمار الشجرة لا تنتهي، نعيم مقيم لا مقطوع ولا ممنوع، كل مما شئت في الجنة، شيء عظيم وفضل كريم من الله تبارك وتعالى، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل فضله ورحمته.

    لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ [يس:57] ، ما يدعي الإنسان، بمعنى: ما يطلب، ما يسأل، ما يتمنى وما يشتهي، لهم كل ما يدعون، فيطلبون الشيء مهما عظم، فيعطيهم الله ما شاء من فضله ومن رحمته سبحانه وتعالى.

    سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [يس:58] .

    أعظم ما يكون لهم في الجنة أن يسلم عليهم الرب سبحانه وتعالى، الرب الرحيم، أليس قال لنا: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128] ؟ وقال: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]؟

    النبي صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رءوف رحيم، والله كان بالمؤمنين رحيماً يرحمهم سبحانه في الجنة ويعطيهم من فضله ومن رحمته ما يشاءون، وانظر هذا الحديث الذي رواه مسلم عن صهيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل) هذا أعظم ما يؤتاه أهل الجنة، لذة النظر إلى وجه الرب تبارك وتعالى، قال: (وتلا النبي صلى الله عليه وسلم: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]) يعطيهم ربهم الحسنى، ويزيد على ذلك أن ينظروا إلى وجهه سبحانه وتعالى.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم ومعهم، وأن يرينا وجهه الكريم سبحانه في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، ونسأله أن يزيننا بزينة الإيمان، ويجعلنا هداة مهتدين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.