إسلام ويب

تفسير سورة يس [43 - 50]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من نعم الله تعالى على خلقه أن جعل لهم فيما سبق ما يعينهم في أسفارهم وحمل رحالهم، ثم وفقهم بأن صنعوا ما يركبون عليه في البحر والجو، وكل هذا متاع زائل في الدنيا ولو شاء الله ما أوجده لهم، أو أوجده وأغرقهم وأماتهم بسببه، ولكنها رحمة الله بعباده، ورغم ما أعطاهم من نعم إلا أنهم يمنعون أموالهم عن الفقراء، وينسون أن الذي يعطي ويمنع هو الله، بل ويطالبون بالساعة، ولا يعلمون أنها صيحة واحدة تأخذ جميع الأحياء فلا ينصرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة يس: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ * إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:41-50].

    في هذه الآيات من سورة يس يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن آياته العظيمة التي يراها الناس في الدنيا ولا يؤمن بها إلا المؤمنون المتقون، ومن تلك الآيات: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس:41]، ذكرنا أن الذرية تطلق على الآباء والأبناء والرجال والنساء، وإن كان الغالب في قوله الذرية أنها تطلق على الأبناء، وفي هذه الآية المقصود بهم ذرية آدم ممن ذرأ الله عز وجل وبث ونشر من نفس آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    (في الفلك المشحون)، يعني: أيام نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حملنا من ذرية آدم من آباء هؤلاء في سفينة نوح، والفلك هو السفينة.

    وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس:42] الله سبحانه خلق العباد وما يفعلون، وعلم نوحاً كيف يأخذ الأشجار ويقطعها ويصنع منها سفينة عظيمة تحمل هذا الكم من المخلوقات التي كانت في عهده عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    قوله: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس:42] فيها الإشارة إلى أن الله عز وجل يوفق الإنسان لصنع أشياء ليست على باله، فكانوا في الماضي يركبون الإبل والسفن، وخلق لهم من مثل هذه السفن ما يركبون من سيارات وطائرات وصواريخ ومركبات فضائية وأشياء يركبونها في البر والبحر والجو، فخلق الله عز وجل من مثل ذلك ما يركبه الإنسان في كل زمان ومكان.

    روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (سيكون في أمتي رجال يركبون على السرج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت ورائكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمكم نساء الأمم قبلكم).

    هذا الحديث العجيب عن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو حديث صحيح- فيه إشارة إلى ما ذكرنا من أن الله عز وجل يوفق الخلق لصنع أشياء ليست على بالهم، فخلق لهم الله سبحانه ما شاء من الإبل والخيل والبغال والحمير ويخلق ما لا تعلمون، لو ذكر لهم في الماضي أنه سيخلق لكم طائرات ما عرفوها، فالله عز وجل لا يكلمهم عن أشياء لا يقدرون أن يفكروا فيها، ولكن قال يخلق لهم من مثله ما يركبون، كما أنه أعانكم فصنعتم هذه السفن التي تركبونها في البحر، كذلك يخلق ما لا تعلمون سبحانه، ويخلق لكم من مثله ما تركبون.

    قوله صلى الله عليه وسلم: (سيكون في أمتي رجال يركبون على السرج كأشباه الرحال) الرحل: شيء يوضع على الجمل ليوضع عليه كرسي فوق الجمل يركب عليه الإنسان، فيكون ذلك في زمن من الأزمان يظهر فيه العري مثل زماننا هذا وليس أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فما كان هناك عري ولا متبرجات ولا كاسيات عاريات، وفي هذا الزمن ظهر ما يركب الناس من سيارات وقطارات، وفي هذا الحديث تحقق ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فما يركبونه كأشباه الرحال، يعني: ما يجلس عليه كأشباه هذا الرحل الذي تضعه فوق الجمل، فكأنه يشير للسيارات فهي مسرجة.

    هؤلاء ينزلون على أبواب المساجد للصلاة ويرى نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، تخيل جنازة جاءت إلى المسجد فينزل البعض للصلاة على الجنازة، والأغلب في السيارات يشاهدون النساء اللاتي في السيارات وهن متبرجات، يقول النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه المرأة المتبرجة: (نساءهم كاسيات عاريات)، يعني: لابسات وكأنهن غير لابسات، مثل اللبس الذي يصف ما تحته، والثياب اللصيقة بجسدها وتحسر عن شعرها وتعري بدنها، قال صلى الله عليه وسلم: (على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف) يعني: شعرها فوق رأسها عالٍ، وكما يصنع عند الكوافير فيجعل رأسها مثل القبة التي تشبه سنام الجمل.

    (العنوهن فإنهن ملعونات)، لعنهن النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بلعنهن.

    (لو كانت أمة من الأمم) يعني: لو أن الله عز وجل سيجعل أمة أخرى، وهذا ما لا يكون فإن آخر أمة من الأمم هي أمة الإسلام وعليها تقوم الساعة، لكن لو وجدت أمة أخرى بعدنا لجعل الله عز وجل هؤلاء خادمات عند الأمم الآتية كما جعل نساء بني إسرائيل خادمات عند الأمم التي تليها بسبب تبطرهن على نعمة الله سبحانه، وكفرهن بالله سبحانه وتعالى، قال: (لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمكم نساء الأمم قبلكم).

    هذا الحديث العجيب الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يبين فيه أشياء من معجزاته صلى الله عليه وسلم، يخبر بالشيء فيكون، أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيركب الناس على أشياء كأمثال الرحال ولكن ما هي رحال، فصنعوا السيارات وركبوا القطارات، قال الله سبحانه: وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس:42].

    وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ [يس:43]، لو أردنا ولكن لأجل رحمة الله لم يصنع بهم ذلك.

    قال: إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا [يس:44] ليس أبدياً، ولكن إِلَى حِينٍ نمتعهم إلى حين حتى يأتي عليهم أجلهم فينظرون كيف نصنع بهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم...)

    قال الله عن هؤلاء الكفار: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [يس:45].

    عندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الكفار وكذلك يقول الدعاة للكفار: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ : من وقائع حدثت في الأمم السابقة قبلنا من المثلات، وما نزل من هلاك على هؤلاء القوم من عذاب من عند الله سبحانه.

    فقوله: (ما بين أيديكم): ما تقدم وسبقكم في الأمم السابقة كيف أهلكنا قوم نوح وعاد وثمود أصحاب الأيكة وقوم فرعون ولوط، أرأيتم ما الذي تقدم؟ هذا ما بين أيديكم من السابقين قبلكم.

    (وما خلفكم) أي: ما وراءكم من غيب لا يعلمه إلا الله سبحانه بعد ما تموتون وينكشف أمامكم الحجاب، وترون عذاب الله سبحانه وتعالى، فإذا قيل للكفار: اتقوا النقم التي نزلت في السابقين، واحذروا من غضب الله عز وجل وما أعده للكافرين، واجعلوا بينكم وبين غضب الله وقاية من الإيمان والعمل الصالح لعل الله عز وجل يرحمكم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [يس:45] كان جواب هؤلاء أنهم لا يؤمنون.

    وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [يس:46] فكأن الجواب إذا قيل لهم ذلك: أعرضوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأعرضوا عمن يدعونهم إلى الله سبحانه، وإذا رأوا الآيات البينات لم يزدهم ذلك إلا استكباراً ونفوراً وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ قرآنية تتلى عليهم، أو آية حسية من آيات الله سبحانه مرئية إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ .

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا [يس:47] إذا قيل للكافر: أنفق لله سبحانه فقد أعطاك مالاً، فلم لا تعط المساكين والفقراء؟ إذا قيل لهم: أنفقوا مما رزقكم الله، قال هؤلاء الكفار للذين آمنوا: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47]، أنحن نطعم هؤلاء؟! إذا أراد ربنا أن يؤكلهم أكلهم، ونحن لماذا نرزقهم وأنتم تقولون: ربكم هو الرزاق سبحانه وتعالى، فلو أراد أن يتركهم تركهم، فكأنهم يحتجون بالقدر، الكلام صحيح والمراد به باطل، مثلما قال الكفار: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [النحل:35] فاحتجوا بالقدر على الله سبحانه وتعالى، ونقول: صحيح لو شاء الله لهداكم أجمعين، ولكن هل أمركم الله عز وجل أن تحتجوا بقضائه وقدره، أم أمركم بما تقدرون عليه من عمل؟

    أنت تنفق مالك في هذا المجال وفي هذا المجال، لم لم تقل: لو شاء الله ما أنفقت، أو لو شاء الله كان فعل كذا؟ أنت تجوع، فتنفق مالك لكي تأكل، فلماذا لا تحتج بالقدر في هذا الشيء وتقول: لو شاء الله لأطعمني؟ هل منهم من يقول هذا الشيء؟ لا.

    يحتجون بالقدر فيما يريدون ويتركون الاحتجاج فيما لا يريدون، فهم كذابون يتكلمون على الله بما لا يعرفون.

    القضاء والقدر أمرنا أن نؤمن به، وكلفنا الله عز وجل بالعمل وبالأخذ بالأسباب، فتعلم أن الله على كل شيء قدير .. يقدر الأرزاق لعباده، يرزق من يشاء، ويجعل أسباباً للرزق: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15] ، لم لا تجلس في بيتك وتمطر عليك السماء ذهباً وفضة؟ ولكن تخرج لتبحث عن الرزق، فإذا وجدت الرزق فهو قضاء الله وقدره سبحانه وتعالى، فلا تحتج بالقدر على كفر تدعيه وتقول به، فهؤلاء الكفار يقولون لو شاء الله لأطعم هؤلاء الذين نحن نطعمهم، يقولون ذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن يأمرهم بذلك.

    ولماذا يأمرهم صلى الله عليه وسلم أن يطعموا هؤلاء؟ هو يأمرهم ابتداء بالإيمان، فيقولون: وإذا آمنا ستقول لنا: أخرجوا من أموالكم نفقات، افعلوا كذا وكذا، أتأمرنا بهذا كله؟ تريد أن تأخذ أموالنا لتطعم الفقراء؟ فكأنهم رفضوا الإيمان حتى لا يتحكم فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم: صلوا، صوموا، زكوا، افعلوا المعروف، وهم لا يريدون أن يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

    قالوا: أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47] كما قالوا قبل ذلك: سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا [الأنعام:148] كذلك قال سبحانه: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]، فالمنافقون قالوا: نشهد أنك رسول الله، والله يشهد بكذبهم في هذا الشيء، فيتكلمون بالكلام الكذب، ويشهدون الله سبحانه على ذلك، ويحتجون بأشياء على ربهم سبحانه وتعالى، ويكذبهم ربهم سبحانه فيما يقولون، يقول: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ [المنافقون:1]؛ لأنهم قالوا: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7]، وقال الله سبحانه: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [المنافقون:7]، الله الغني عنكم وعن أموالكم، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15-17].

    ولكن حين يأمر الأغنياء أن ينفقوا على الفقراء ليس لكون الله سبحانه لا يريد أن يرزقهم، ولكن لتنتفع أنت بما تنفق على الفقير، فتؤجر من الله الغني العظيم سبحانه، ويعطيك الأجر ويزيدك من رزقه، والمال مال الله سبحانه، فإذا كان معك مال وجبت فيه الزكاة، فالمال مالك باستثناء الجزء الذي هو الزكاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأدائها، فإذا ملك الإنسان عشرين ديناراً من الذهب يجب عليه فيها الزكاة ربع عشرها، فيلزمه أن يخرج هذه الزكاة، وإذا كان يملك مائتي درهم من الفضة يلزمه أن يخرج ربع عشرها، إذاً أنت لا تملك هذا الجزء بل هو مال الله سبحانه، وأنت تملك باقي المال، وهذا يلزمك أن تخرجه إلى أصحابه.

    فالله يرزقك هذا من ماله، أعطاك أنت الألف وأمرك أن تخرج لهذا الإنسان الفقير خمسة وعشرين، فجعل لك أنت سلطة أن تعطي لفلان أو لفلان، أما أن تحتج، وتقول: لو شاء الله لأعطاهم، فقل أيضاً: ولو شاء الله لمنعني ولأعطى هؤلاء، فخف من الله سبحانه وتعالى، وتعامل معه فأعط خلق الله كما أمرك الله سبحانه وتعالى.

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يس:47].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون)

    قال تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:48] يعني: أنت تأمرنا بتقوى الله، لماذا؟ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16]، هم يدعون ربهم أن عجل يوم القيامة، ويسألون مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:48].

    فيجيبهم ربهم سبحانه وتعالى: مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً [يس:49] هم يظنون أن يوم القيامة شيء صعب، ولا يعلمون أنه صيحة واحدة بنفخ في الصور يهلك بها جميع هؤلاء، فلا يقدرون على الرجوع إلى أهلهم، ولا يقدرون على حياتهم بعد ذلك إلا أن يحييهم الله للبعث والنشور.

    مَا يَنظُرُونَ إِلَّا بمعنى: ما ينتظرون إلا صيحة واحدة وهي النفخ في الصور حين يأمر الله عز وجل إسرافيل أن ينفخ في الصور، فينفخ نفختين، نفخة الإماتة ثم نفخة البعث من القبور.

    مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ [يس:49] تأخذهم هذه الصحية وتهلك كل من فوق هذه الدنيا.

    وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس:49] هذه الكلمة (يخصمون) أصلها يختصمون، يعني: يختصمون في أمر الدين والدنيا ويكذب بعضهم بعضاً، ويخاصم بعضهم بعضاً، وهم في وسط هذا الشغل جاءت الصيحة فأخمدت الجميع فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس:50] لا يقدر أن يوصي بعضهم بعضاً بالمال والأولاد.

    تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ [يس:49] فيها ست قراءات، وكل القراءات راجعة إلى معنى الاختصام: أسهل قراءة فيها قراءة حمزة (وهم يخصمون) أي: يجادل بعضهم بعضاً ويختصم بعضهم مع بعض.

    والقراءة التي عندنا في المصحف يَخِصِّمُونَ هذه قرأها ابن عامر بخلف هشام ويقرؤها عاصم بخلف شعبة .

    ويقرؤها غيرهم كـالكسائي ويعقوب وخلف وَهُمْ يَخِصِّمُونَ .

    ويقرأ قالون وأبو جعفر (وهم يَخْصِّمُونْ) الخاء ساكنة والصاد مشددة، وأصلها يختصمون، وهذه قراءة لـ قالون، وله فيها ثلاثة قراءات.

    وقراءة قالون الثانية وقراءة ورش وابن كثير وأبو عمرو بخلف فيه: (وهم يَخَصِّمُون) وهذه قريبة من يَخْتَصِمُون.

    ويقرأ قالون قراءة ثالثة وأبو عمرو أيضاً بخلفه بالاختلاس.

    وقراءة شعبة عن عاصم فيها إتباع الكسرة للكسرة فالقراءة: (يِخِصِّمُون) وهذه لغة فيها.

    وقراءة حمزة (يَخْصِمُون) وهي أسهل هذه القراءات.

    كل القراءات مرجعها إلى الاختصام، هذا الاختصام والانشغال بالدنيا يوضحه لنا ما رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة)، وهذا حدث بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية رضي الله تعالى عنه، بين أهل العراق وبين أهل الشام، حيث حصلت مقتلة عظيمة واقتتال كبير، ولعله يحدث بعد ذلك قرب قيام الساعة.

    قال: (وحتى يبعث دجالون ثلاثون كلهم يزعم أنه رسول الله)، ثلاثون كذاباً يظهرون للناس قبل قيام الساعة كل واحد منهم يزعم أنه رسول من عند رب العالمين سبحانه وتعالى.

    (وحتى يقبض العلم) يضيع العلم بقبض العلماء، فإذا بالناس جهلاء يستفتي بعضهم بعضاً فيفتون بجهل.

    (وتكثر الزلازل) كانوا فيما قبل يقولون: إن البلاد العربية بعيدة عن حزام الزلازل، أما الآن فقد دخلنا في حزام الزلازل.

    قال: (ويتقارب الزمان) يعني: لا تبقى بركة في الزمان، الوقت كله يجري، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، اقرأ في كتب التواريخ كيف كان الوقت عند السابقين، ستجد فعلاً أن وقتنا قصير، مثلاً: الإمام النووي رحمه الله ما بين الصبح إلى الظهر يحضر اثني عشر درساً، ويموت الإمام النووي عن ست وأربعين سنة ويترك كتباً كثيرة منها المجموع هذا الكتاب الضخم في فقه الشافعي ، وكتاب روضة الطالبين، وهو كتاب ضخم من كتب الفقه، وكتاب تهذيب الأسماء واللغات، ورياض الصالحين، وكان ينصح ألا يؤلف أحداً قبل سن الأربعين، يا ترى هل ألف هذه الكتب رحمة الله عليه هكذا؟

    عندما ننظر في حفظ هؤلاء للأحاديث مثل الإمام أحمد فقد كان يحفظ الحديث من عشر طرق ومن عشرين طريقاً ويعتبر كل واحد منهم حديثاً، ويقول: أحفظ ألف ألف حديث. أي: مليون حديث. كان الوقت بالنسبة لهم طويلاً، وهو هو نفس الزمان، ولكن اليوم كان يصنع فيه أشياء لا نقدر أن نصنعها نحن الآن لتقارب الزمان ولقلة البركة، اليوم يجري والشهر والعمر كله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    قال: (وتظهر الفتن) وما أكثر الفتن الموجودة في عصرنا، وما يأتي بعد ذلك أكثر، نسأل الله العفو والعافية.

    (ويكثر الهرج) والهرج القتل كما جاء في حديث آخر، يقتل الناس بعضهم بعضاً، ولا يدري القاتل فيما قتل، ولا القتيل فيما قتل، وتكثر شراسة الأخلاق، وزماننا كثر فيه ذلك بسبب ما فيه من فتن عظيمة وبعد عن الله سبحانه وتعالى، وتقليد للغرب الكافر، يخترعون للناس الألعاب على الكمبيوتر والأفلام الجنسية، أو أفلام سب وقتل ونصب وفضائح ويقلد الناس ما يرونه فيها ويقتل بعضهم بعضاً، ثم يندم بعد ذلك ولا ينفعه ندم.

    (ويكثر فيكم المال) سيجيء زمان يكثر فيه المال، فيفيض المال حتى يبحث رب المال عمن يقبل صدقته فلا يجد، كأنه يقول: أدرك نفسك وتصدق قبل أن يأتي زمان تبحث فيه عمن تعطيه الصدقة فلا تجد، لعل الرجل يتصدق ولعله يتصدق الرجل بالمائة دينار فلا يجد من يأخذ منه.

    (وحتى يتطاول الناس في البنيان) العمائر الشاهقة العالية وقد حدث ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه وتطاول الناس في البنيان.

    (وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه) يمر الرجل بقبر الرجل يقول: ياليتني مكانه، من كثرة مصائب الدنيا والابتلاءات يتمنى الموت، ونجد نحن من ينتحر من الفتن ومما صنع في الناس ومما يصنع ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    قال: (وحتى تطلع الشمس من مغربها) فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، هذه العلامة الكبرى للساعة، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.

    الشاهد: قال صلى الله عليه وسلم: (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه) ذهب ليشتري قماشاً فيخرج إلى السوق ويتبايع هو والتاجر، وتقوم الساعة على هذه الصورة، فلا يطوي هذا الثوب ولا يستلم هذا المال.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه) حلب الرجل ناقته وأخذ اللبن لكي يشربه، وقبل أن يشرب هذا اللبن تقوم.

    (ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه) الحوض الذي يسقي فيه الغنم والإبل أحضر له الطوب وملأه ماء وأتى بالإبل لتشرب، فتقوم الساعة قبل ذلك.

    (ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها) تقوم الساعة والناس في انشغال، وتأتي الساعة عليهم وهم في انشغال عن الآخرة والعمل الصالح.

    ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث الانشغال بالدنيا والفتن والتكذيب بآيات الله سبحانه، ثم تأتي الساعة عليه فلا يقدر على أن يوصي أحداً بخير ولا بماله ولا بتقوى الله، بل يأتي عليه الموت قبل ذلك، وهذا أشد ما يكون على الإنسان أن يؤخذ بغتة، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح قال: (موت الفجأة أخذة أسف) يعني: الإنسان الذي يمرض قبل وفاته هذه من علامات حسن الخاتمة؛ لأن الله يكفر عنه السيئات بهذا المرض، بينما من يكون فيه غرور وبعد عن الله يخاصم فلاناً ويشتم فلاناً ويؤذي فلاناً ثم يأتيه الموت فجأة، كمن يشرب الحشيش والمخدرات، يموت فجأة فهذه أخذة أسف، أخذة غضبان، وإذا غضب الله على إنسان جعل وفاته وهو في لهوه ولعبه، وجاءه الموت فجأة فلا يقدر على التوبة، أو يقول لا إله إلا الله.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين.