إسلام ويب

تفسير سورة يس [36 - 44]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله عز وجل أن من آياته العظيمة الباهرة في هذا الكون اختلاف الليل والنهار، وحركة الشمس والقمر، والشمس آية النهار والقمر آية الليل، ومن آياته أيضاً أنه هدى الإنسان أن يصنع السفن الضخمة العملاقة التي تسير على سطح البحار والمحيطات، والطائرات والمركبات الفضائية التي تخترق الجو، والسيارات والقطارات التي تقطع المسافات البعيدة الشاسعة، وهذا كله بفضل الله ورحمته، ولو شاء لحطم ذلك كله.

    1.   

    عظم آيتي الليل والنهار

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة يس:

    وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ * إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [يس:45-44] .

    يعدد الله سبحانه وتعالى لنا نعمه على عباده في هذه الآيات وما قبلها، ومما ذكره قبل ذلك أن قال: وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ [يس:33]، آية وعبرة وعظة للخلق ومعجزة تدل على قدرة الخالق تبارك وتعالى، أرض ميتة ينزل الله عز وجل عليها المطر فيحيي هذه الأرض بعد موتها، ويخلق فيها ما يشاء سبحانه وتعالى من بساتين وحقول، وأصناف الزروع وثمار الحبوب، يخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير، فيذكر ذلك ثم يقول: أَفَلا يَشْكُرُونَ [يس:35] أي: هلا شكروا الله سبحانه على نعمه التي خلقها وسخرها لهم وصنعوا منها بعقولهم وبقوتهم التي أعطاهم الله سبحانه ما يشاءون.

    قال سبحانه: لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ، ليأكلوا من الثمار التي خلقها الله سبحانه ومما يصنعونه هم بأيديهم، وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ هذا المعنى الآخر: أنها لم تعمل أيديهم هذه الأشياء، فلا أنزلت أيديهم المطر من السماء، ولا خلقت العيون في الأرض، ولا أخرجت الحبوب منها والثمار، ولكن الله الذي خلق ذلك، أفلا يشكرون الله ويعبدونه وحده لا شريك له.

    قال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ [يس:36]، كما قال: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49] خلق من الأنعام زوجين الذكر والأنثى، ومن الحشرات كذلك، ومن الدواب كذلك، ومن الإنس كذلك، وقال لنا هنا: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ، فأخرج لنا الأنواع والأصناف كلها مما تنبت الأرض، وَمِنْ أَنفُسِهِمْ ومن أنفس الخلق خلق الزوجين الذكر والأنثى، وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ يخلق ما يشاء، هذه من آياته العظيمة.

    ومن آياته أيضاً: الليل والنهار، قال سبحانه: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس:37].

    وهذا التعبير الدقيق في كتاب الله سبحانه وتعالى يرينا هذه الآية العظيمة، وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ كأن هذا ينسلخ من ذاك، فيبدو للناس الليل ويظهر للناس النهار على ما يريهم الله سبحانه تبارك وتعالى.

    يقول أهل العلم: إن الليل يحيط بالأرض من كل مكان، والنهار جزء بسيط إذا قورن بالليل الذي يحيط بالكرة الأرضية من كل مكان، والجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض، فحينما تنعكس أشعة الشمس على هذا الهواء المحيط بالأرض في الجزء المواجه للشمس إذا بهذا الجزء مضيء، والأرض تدور، فإذا دارت فكأنه ينسلخ عنها هذا الجزء من النهار ويصير ليلاً في المكان الذي دارت إليه، وهكذا لا تزال تدور ويتعاقب فيكم الليل والنهار بمثل ذلك، وهذا لا يكون إلا والأرض على هيئة الدوران، يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر:5]، فالكرة الأرضية كالكرة تدور، وفي أثناء دورانها يتعاقب عليها الليل والنهار، وينسلخ النهار من الليل على ما يريد الله سبحانه وتعالى.

    وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس:37]، الكون كله ليل، وجزء من الكون وهو الهواء الذي فوق الأرض يظهر فيه النهار، ثم ينسلخ بدوران الأرض كما ينسلخ الجلد من فوق الضحية التي تذبحها، قال الله سبحانه: فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ [يس:37] فالجزء الذي كان مضيئاً من الأرض دار فانسلخ منه نهاره فهم مظلمون الآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها ... وكل في فلك يسبحون)

    مستقر الشمس في مدارها

    قال الله سبحانه: وَالشَّمْسُ هذه آية من آيات الله سبحانه، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38].

    الأرض تدور، والقمر يدور حول الأرض في مدار، وهذه بعض الأشياء في كون الله العظيم الواسع الفسيح، كل شيء يجري في مداره، ويجري لمستقر له، الشموس والأقمار والنجوم والكواكب والمجرات كل شيء يجري ويدور حتى يأتي الأجل المحتوم وينتهي حينما يشاء الله سبحانه، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38] وكأن لها نهاية، تجري وهي تحت عرش الرحمن تبارك وتعالى، تطلع على الناس بإذن الله سبحانه، وتغرب على الناس بإذن الله سبحانه، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38]، قال: مستقرها تحت العرش).

    كرسي الله عز وجل فوق سماواته، وعرشه فوق ذلك، وإذا قورن كل ما في السماء وكل ما في الأرض بالعرش فهي كسبعة دراهم في ترس، فعرش الله عز وجل هو المحيط بهذا كله، فالشمس مهما جرت فهي تحت عرش الله سبحانه وتعالى.

    والعرش إذا قورن بالكرسي فهو كالحلقة في فلاة، والله فوق عرشه سبحانه أحاط بكل شيء، فالشمس مهما جرت والكواكب والنجوم مهما دارت فهي تحت عرش الرحمن سبحانه مسخرة بأمر الله تبارك وتعالى أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج:18]، كل هؤلاء قد سخرهم الله سبحانه فأطاعوا ربهم، وسجدوا لله عز وجل طوعاً، وسجد كثير من الناس طوعاً، وكثير حق عليهم العذاب لما أبو أن يعبدوا الله سبحانه وتعالى.

    فهنا الشمس تطيع الله، وقد سخرها في الفلك، تشرق من مكان وتغرب من مكان، تخرج على الناس ولها مدار تجري فيه.

    وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38]، إذاً: سيأتي عليها يوم وتستقر، وذلك هو يوم القيامة، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر سوف يكوران، كما روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الشمس والقمر مكوران يوم القيامة، وهذا قول الله سبحانه: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:1-3])، الآيات.

    تكوير الشمس في النار

    إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1] أي: لف بعضها ببعض وألقيت في النار، روى الطيالسي وأبو نعيم من حديث أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار).

    وهل معنى كونهما في النار أن الله سبحانه يعذبهما؟

    لا، لقد أطاعت الشمس ربها سبحانه، والقمر أطاع ربه، والآيات تذكر ذلك: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [الحج:18].

    يسجد لله سبحانه وتعالى كل من في السماوات ومن شاء الله عز وجل من أهل الأرض وكذلك الشمس والقمر، ولكن كأن الشمس أداة تعذيب لأهل النار في النار، كما أن النار فيها ملائكة: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] موكلون بتعذيب أهل النار، فهؤلاء الملائكة لا يعذبون بالنار ولكن يعذبون أهل النار.

    والشمس والقمر يجعلهم الله عز وجل أمام من عبدهما من دون الله سبحانه، فعباد الشمس الذين كانوا يسجدون للشمس ويعبدونها من دون الله، وعباد القمر الذين كانوا يعبدون القمر إذا كان يوم القيامة جمعوا معهما ومن كان يعبد شيئاً من دون الله، ثم يأمرهم الله أن من كان يعبد شيئاً يتبعه، فالشمس تمثل لعبادها فيتبعونها فتجري بهم إلى النار فيدخلون وراءها إلى النار، والقمر كذلك، فكأن الشمس والقمر يأخذان من عبدهما إلى نار جهنم، فيصيران أداة لتعذيب أهل النار والعياذ بالله، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    ولذلك جاء أن الحسن البصري سأل أبا سلمة فقال: وما ذنبهما؟ فقال أبو سلمة منكراً على الحسن: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: ما ذنبهما؟

    يعني: الأصل أنك تذعن لما جاء به وتطيع لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تجادل مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكأن الحسن فهم أنهما يعذبان في النار، ولم يقل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن قال: (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار)، يعني: على هيئة ثورين معقورين في النار، كأنه يعذب أهل النار بالنظر إليهما: هذا الذي كنتم تعبدونه من دون الله صار ثوراً عقيراً في النار، فهما أداة لتعذيب أهل النار، فالشمس بإحراقها تحرقهم، والقمر كان محرقاً مشتعلاً يوماً من الأيام، فكأن الله سبحانه يعيده إلى ما كان عليه لتعذيب أهل النار، والعياذ بالله.

    طلوع الشمس من مغربها

    في الحديث أن (الشمس والقمر يكوران يوم القيامة) ، وفي الآية الكريمة: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38]، أي: إلى أن يأتي وقت قرارها يوم القيامة حيث تشرق من مشرقها وتغرب من مغربها، فإذا جاءت العلامة الكبرى للقيامة إذا بالله يحبسها عند مغربها ولا يأذن لها في الخروج.

    ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تستأذن ربها كل يوم عند المشرق وعند المغرب، فإذا كان يوم القيامة فإذا بالشمس تستأذن الله سبحانه فلا يأذن لها ويقال لها: اطلعي من حيث غربت، وهذه آية من آيات الله سبحانه، وهو علامة كبرى ليوم القيامة، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً.

    وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها)، أصبحي، يعني: اطلعي في الصباح من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون متى ذلكم؟ ذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً) .

    إذاً: الشمس تسجد تحت عرش الرحمن سبحانه في كل مطلع وكل مغرب، وطلوع الشمس في البلد الذي في المشرق يكون قبل طلوعها في البلد التي في المغرب، كأن الشمس في كل مطلع على بلد من البلدان ساجدة لله سبحانه مطيعة لأمر الله، حتى يأتي يوم القيامة، فإذا بالله سبحانه يأمرها أن ترجع وأن تطلع من حيث غربت، فتطلع الشمس من مغربها.

    ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38]، أي: طلوع الشمس من مشرقها وغروبها من مغربها آية من الآيات العظيمة، يعرف ذلك من يدرس علوم الفلك، فيرى كيف تجري الشمس، وكيف تدور هذه الأرض، وكيف تجري الكواكب والنجوم.. كل في فلك في السماء لا يصطدم مع الآخر، ولا شيء يمنعها إلا قدرة الله سبحانه وتعالى، وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40].

    قال سبحانه عن ذلك الكون العظيم وما خلقه الله تبارك وتعالى فيه ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38]، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ [الرعد:8]، قدر للشمس أن تجري بحسب ما يشاء سبحانه في مدارها، ومستحيل أن تخرج عن هذا المدار، كذلك القمر يجري في مداره الذي قدره الله سبحانه، كل شيء له قدر وقضاء عند الله سبحانه حتى يأتي يوم القيامة، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38].

    منازل الشمس والقمر

    قال تعالى: لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40].

    إذاً: هذا القمر قدر له الله سبحانه ثمانية وعشرين منزلة ينزل في كل ليلة في منزلة معين لا يخطئه، فالشمس تجري في مستقر لها في جريانها ونزولها، والله عز وجل قدر أشياء لا تخطئ.

    قال عز وجل: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39]، كما أن الشمس تجري إلى مستقرها كذلك القمر قدر الله عز وجل له منازل، أي: جعل له منازل ينزل فيها حتى عاد كالعرجون القديم.

    وقراءة الجمهور: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ [يس:39] كأنه منصوب على الاشتغال؛ لأن الفعل نفسه: قدرنا القمر منازل، هذه جملة من فعل وفاعل ومفعولين، والتقدير هنا: أنزلناه، (والقمر)، مفعول منصوب، والفعل الذي بعده شغل بمفعوله، ولذلك يسمى هذا بالمفعول على الاشتغال؛ لأن فعله نصب ضميره.

    وقرأها نافع وأبو جعفر وأبو عمرو وروح عن يعقوب: (والقمرُ قدرناه منازل)، كأنه قال: آية لهم الشمس وآية لهم القمر.

    فالقمر آية من آيات الله سبحانه، والشمس آية من آيات الله سبحانه تبارك وتعالى، فقدر للشمس ما تجري فيه من مدار في فلك معلوم حتى يأتي وقت استقرارها، وكذلك القمر قدر له الرب تبارك وتعالى منازل كل ليلة ينزل في منزلة معينة.

    حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ [يس:39].

    العرجون: هو عذق النخلة الأحمر الذي فيه البلح، والعرجون لو تتركه فترة حتى ييبس يزداد انحناؤه ويصفر لونه، وكذلك القمر يصير كالعرجون القديم قبل أن يستتر في آخر الشهر، فهو في نصف الشهر يكون مكتملاً، ثم يتناقص شيئاً فشيئاً حتى يصير كالعرجون القديم.

    لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس:40].

    في الماضي لم يكونوا يعرفوا مدار أحدهما فهم يرونها في الفضاء فقط، لكن علماء الفلك الآن حددوا المدار الذي تبتدئ منه الشمس، ومستحيل أن يتقابل مدار الشمس مع مدار القمر في يوم من الأيام من أجل أن تدرك هذا القمر أو تلمسه.

    (ولا الليل سابق النهار) ولكن الليل في مكان والنهار في مكان آخر، يتواليان على الكرة الأرضية، لا الليل سيجري فيدفع النهار ويسبقه، ولا النهار يسبق مع الليل، ولكن كل في فلك يسبحون.

    وكل هذه الأجرام التي خلقها الله سبحانه في فلك سباحة، وهذا التعبير أعظم وأجمل من أن يقول: يجرون؛ لأن فيها معنى الجري والدروان فقط، والسباحة تدل على أن ما فوقه وتحته فراغ، كالإنسان عندما يدخل في الماء لا يعوقه شيء لا من فوق ولا من تحت، كذلك هذه الشمس وهذا القمر والأجرام كلها تسبح في هذا الفضاء، والإنسان لا يدري كيف تسبح إلا بقدرة الله تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون)

    قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس:41].

    آية من الآيات العظيمة: أنا حملنا ذريتهم، وكلمة ذرية مأخوذة من الذر، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وبرأ ومن ما يخرج منها) فهنا ذكر، (ذرأ) أي: بث ونشر وخلق.

    والذرية هنا بمعنى المخلوقين، فالذرية تطلق على الأبناء والآباء والرجال والنساء، فمن ذلك ما ذكره الله سبحانه تبارك وتعالى هنا في كتابه: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ [يس:41] فالذرية هنا هم الآباء الأولون في عهد نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذين خلقناهم وذرأناهم آية لهم، ولو نظروا لعرفوا أننا حملنا آبائهم الأولين الذين كانوا مع نوح في الفلك الذي ما كانوا يعرفون كيف يصنع حتى صنعه نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فكان قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الله سبحانه يمرون بنوح ويسألونه: ما هذا؟ يقول: فلك، فيقولون: وما تفعل بها؟ قال: تحمل على الماء، قالوا: أي ماء ونحن في صحراء؟ فكانوا يستهزئون به، قال: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود:38-39] فصنع هذا الفلك، ولم يكن نوح نجاراً متخصصاً في صنع السفن، وإنما فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [المؤمنون:27]، فأوحى الله العظيم سبحانه وتعالى إلى نوح أن يصنع هذا الفلك، فعلمه كيف يصنعه، وكان الكفار يمرون ولا يتخيلون كيف يحمل نوح وحده هذا الفلك إلى البحر، وما علموا أن البحر سيأتيهم، فكانوا يسخرون ويستهزئون، فإذا بالله يأمر السماء أن تفتح ماءها على الأرض، وأن تخرج الأرض ماءها، وانطبق ماء السماء على ماء الأرض، وأغرق الله الأرض ومن عليها، ونجى نوحاً ومن معه في فلك يحمل فيها من كل ما خلق الله سبحانه وتعالى زوجين اثنين ذكراً وأنثى، ولم يعش فوق الأرض إلا من كان في هذه السفينة.

    فآية من آيات الله عز وجل أنه جعلكم ذرية هؤلاء، فتذكروا نعمة الله عز وجل على آبائكم أن أنجاهم فكنتم أنتم أولادهم وأرسلنا إليكم من يدعوكم إلى الله لتؤمنوا، فاحذروا أن يصنع بكم مثل ما صنع بقوم نوح.

    ومن إطلاق الذرية على النساء ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رأى في غزوة من الغزوات امرأة قتلها جنود خالد رضي الله عنه، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالد قال للرجل: إلحق بـخالد وقال له: (لا تقتل ذرية ولا عسيفاً)، والذرية هنا بمعنى امرأة، فكلمة الذرية تطلق في اللغة على هذا كله، وإن كانت أكثر ما تطلق على الأولاد.

    فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [يس:41] الفلك: السفينة، والفلك تطلق على المذكر والمؤنث، فتقول: هذه الفلك، وهذا الفلك، والفلك تطلق على المفرد وعلى الجمع، فهي كلمة مفردها فلك وجمعها أيضاً فلك.

    وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ [يس:41] هذه قراءة الجمهور: ذريتهم.

    وقرأها نافع وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب : ذرياتهم.

    (المشحون) الممتلئ، سفينة نوح كانت ممتلئة من الإنس والطير وممن شاء الله عز وجل، قال: احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود:40]، تخيل أن كل المخلوقات مثل الأسد والنمر والفهد... كل هذه الأصناف التي لا تقدر أن تحصي عددها حمل نوح من كل شيء زوجين وجعلهم معه في السفينة، وأنجى الله عز وجل هؤلاء، وأغرق من على الأرض.

    وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس:42] آية من آيات الله سبحانه أنه علم نوحاً كيف يصنع هذا الفلك الذي يسع هذا العدد الضخم، والإنسان عندما يتخيل أن رجلاً واحداً يصنع سفينة بهذا الحجم الذي يحمل هذه المخلوقات يقول: هذا شيء بعيد، لكنه توفيق الله والإعانة من الله سبحانه وتعالى.

    وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس:42] أي لهؤلاء الناس، (من مثله): من مثل هذه السفينة يحملون فيها، وكذلك ما يركبون من مثل ذلك.

    وتخيل مثل ذلك مما خلق الله عز وجل لهؤلاء ووفقهم أن يصنعوه من سيارة وطيارة وسفينة وعابرات للمحيطات، أي: من مثل الذي علمناه لنوح علمنا هؤلاء وذريتهم أن يصنعوا أشياء فيصنعون من مثله ما يركبون، فالفلك تسبح في البحر، ويصنعون أشياء تسبح في الجو، والله على كل شيء قدير، وهو الذي علمهم ذلك وخلق لهم من مثله ما يركبون، فله الفضل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، فهو الذي أعطى للإنسان عقلاً يفكر، ففكر في هذا الشيء وأوجد له الأشياء التي صنع منها ما يركبه في البر والبحر والجو.

    وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ [يس:43] نحن أركبناهم هذه السفينة، وعلمناهم كيف يصنعون الفلك، فلما صنعوا الفلك اغتروا وعبدوا غير الله تبارك وتعالى، وإن نشأ نغرق هؤلاء فلا يوجد لهم من يغيثهم إذا أغرقناهم.

    والصريخ: المغيث والمنقذ، فلا يوجد من ينقذ هؤلاء إذا أردنا أن نهلكهم ونغرقهم وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ [يس:43]، والإنسان إذا تطاول على الرب سبحانه أرسل إليه من يقصمه.

    فالله وحده على كل شيء قدير، والإنسان عاجز لا يقدر، كم صنع الإنسان من سفينة وأراد الله إغراقها فحطمها، ونذكر سفينة تيتانك التي صنعها أصحابها وسموها بالسفينة التي لا تقهر، وإذا بها أول ما نزلت وركبها أغنياء العالم إذا بالله يقصمها، وتقف السفينة وتنكسر نصفين في المحيط ويغرق الجميع.

    هذا غرور الإنسان الذي يوحي له ويوهمه أنه يقدر على ما لا يقدر عليه أحد، صعدت مركبة إلى القمر ثم المركبة الثانية، وبعد ذلك قالوا: سنعمل على القمر مستعمرة، ومواصلات بين الأرض والقمر، وسنعمل وسنعمل، ثم تصعد مركبة فضائية فتحترق، ثم يعيدوا الكرة وتحترق وتنزل إلى الأرض.

    الإنسان عندما يغتر ويظن أن بقدرته أن يصنع ويعمل إذا بالله عز وجل يريه آياته ويحطمه ويهلكه ويضيع له هذه الأشياء التي يصنعها، فإذا وصلوا إذا بالله يرينا آيات عظيمة من آياته سبحانه وتعالى التي يذكرها لنا في كتابه.

    رواد الفضاء الأمريكان عندما تكلموا عن الصعود للفضاء، وقال لهم الناس: هذه الأموال الضخمة التي تصرفونها على القمر اصرفوها على الفقراء، قالوا: نحن طلعنا القمر واكتشفنا منه معلومات تساوي ما أنفقناه حتى نصل إليه.

    فقيل لهم: ما أهم حاجة وصلتم إليها؟

    قالوا: وصلنا لحاجة عجيبة جداً، اكتشفنا أن هذا القمر انشق يوماً من الأيام.

    وقد قال الله عز وجل ذلك في كتابه من ألف وأربعمائة عام، قال: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً فأرنا آية. فواعدهم ليلة، وأراهم انشقاق القمر إلى فلقتين، فإذا بهم يرون نصف القمر أمام الجبل والنصف الآخر وراء الجبل، قالوا: سحرتنا، فقال بعضهم لبعض: إن كان سحرنا فلن يسحر غيرنا، فلننتظر إذا جاء ركب ونسألهم، وانتظروا أياماً وجاء ركب وسألوهم: الليلة الفلانية هل أحد منكم رأى القمر؟ قالوا: نعم.

    وما رأيتم؟

    قالوا: رأيناه انشق ثم رجع كما كان.

    هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصدق هؤلاء الكفار، والمؤمنون على استحياء قالوا: انشق القمر مثلما قال ربنا، والبعض منهم قال: بل هو سينشق يوم القيامة اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] يعني: سينشق القمر يوم القيامة حتى لا يقال لهم: لقد قلتم ما لم نره، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك، وجاء الحديث الصحيح بذلك، وجاء رواد الفضاء ليقولوا: هذا القمر انشق.

    من أين عرفتم؟

    قالوا: رأينا في صور القمر هذا المكان، عرفنا أنه انفلق في يوم من الأيام، ورجع مرة ثانية لمكانه، لكن واضح أثر الشق في القمر كله، هؤلاء يصدقون ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت:53]، هذه آية من آيات الرب سبحانه وتعالى.

    ويقول: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ [يس:43].

    لا صريخ: لا منقذ ولا مغيث لهم.

    ولا هم ينقذون: لا ينقذهم أحد إلا رحمته، فلا أحد يجيرهم ولا يرد عليهم ولا ينقذهم.

    إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ [يس:44] من رحمة رب العالمين أن شاء سبحانه أن يترك هؤلاء ولا يستأصلهم، يعني: لأجل رحمة من الله سبحانه تركنا هؤلاء، فلم أستأصلهم بعذاب وأخرناهم إلى يوم القيامة لعله يخرج من أصلابهم من يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً، ومتعناهم إلى حين حتى يأتي الأجل، ثم عذاب رب العالمين أو رحمته سبحانه.

    نسأل الله من فضله ورحمته إنه لا يملكها إلا هو.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.