إسلام ويب

تفسير سورة يس [7 - 11]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان العبد إلا به، وسورة يس إحدى السور التي تبين أن الله قدر كل شيء، والله غيب، وقضاؤه وقدره غيب لا يطلع أحد عليه إلا من شاء الله من خلقه، وللإنسان مشيئة واختيار، ومشيئة الله محيطة به، فعلم الله محيط وسابق لمشيئة الإنسان وأفعاله واختياره.

    1.   

    أول رسول إلى العرب من عهد إسماعيل هو محمد صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة يس: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:6-12].

    سورة يس من السور المكية التي تتميز بالخصائص المكية، فهي تركز على أمر العقيدة، وتوحيد الله سبحانه، وضرب الأمثلة للناس، وذكر الأمم السابقة كيف كذبوا، وكيف أهلكهم الله سبحانه وتعالى، وعلى صفات الله سبحانه، وأسمائه الحسنى.

    كذلك إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رسول إلى الخلق، وأن الذين من قبله كذبوا فليس بجديد أن يكذبه الناس، أو أن يعرضوا عنه صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يس:3-4]، أي على نفس الطريق الذي كان عليه الرسل قبل ذلك، وهو صراط الله القويم.

    وهذا القرآن نزل من عند رب العالمين سبحانه، قال تعالى: تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ [يس:5-6]، والإنذار: التخويف بالتهديد من عقوبة الله سبحانه وتعالى.

    وقوله تعالى: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ [يس:6]، يعني: لم يكن لآبائهم السابقين رسول من قبلك، وهم الآباء الأقدمون من أيام إبراهيم وإسماعيل على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، فهم لم يأتهم رسول، لكن عندهم بقية من آثار دين إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    ولكن هؤلاء غافلون عن ما نزل من عند رب العالمين سبحانه، وإن كانوا عرفوا أن المسيح أرسل وكذبه قومه، وأن موسى أرسل وكذبه قومه، ولكن كان كل نبي يرسل إلى قومه خاصة، ونبينا صلوات الله وسلامه عليه من خصائصه: أنه فضل على الأنبياء؛ لأنه أرسل إلى الخلق عامة صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد حق القول على أكثرهم...)

    قال الله سبحانه: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ [يس:7]، يعني: على أكثر هؤلاء الكفار حقت كلمة العذاب؛ لأنهم لا يؤمنون، ولا يدخلون في دين الله عز وجل فيستحقون العقوبة.

    والله سبحانه خلق العباد منهم كافر ومنهم مؤمن، قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2]، العباد مخلوقون وقد علم الله عز وجل أن فريقاً منهم إلى الجنة، وفريقاً منهم إلى السعير.

    والله كتب عنده مقادير كل شيء، قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، وأعطى العباد في هذه الدنيا عقولاً يفكرون بها، فعقل الإنسان يميز بين الجيد والرديء، وبين الطيب والخبيث، وبين الكفر والإيمان.

    والإنسان يكتسب الشيء، ويكتسب الحسنة والسيئة، ولكن في النهاية: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:29]، فالله عز وجل يقدر ما يشاء، وبعلمه وبحكمته سبحانه وبقدرته يكون كل شيء على ما يريده سبحانه وتعالى.

    فأخبر سبحانه أن هؤلاء سيكون الأغلبية منهم كفاراً يستحقون عقوبته وهذا قضاء الله وقدره سبحانه، ولا حجة لهذا الإنسان إن دخل النار؛ لأنه حينما يكتسب المعصية يستشعر في نفسه أنه قادر على الفعل، وقادر على الترك، فهو يملك القدرة والاختيار، لكنه لا يشاء شيئاً إلا وقد شاءه الله سبحانه وتعالى.

    ولذلك القضاء والقدر سر الله في خلقه، وقد أمرنا أن نؤمن به، ولم يطلب منا مناقشته وفهم كل شيء فيه؛ لأنها من أمور الإيمان، ومن أمور الغيب التي رتبها الله سبحانه وتعالى.

    فلابد أن تؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يحدث شيء في خلقه إلا بعلمه وحكمه وحكمته سبحانه وتعالى.

    إذاً: أمر القضاء والقدر أصل من أصول الإيمان، فالإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره).

    إذاً: القدر غيب، ولا يطلع الله سبحانه وتعالى أحداً على قدره، إلا أن يكون ملكاً من الملائكة اختصه الله عز وجل بشيء، أو يكون نبياً أو رسولاً، كما أعلم الخضر عن أشياء كما في سورة الكهف، لكن أن يعلم الإنسان علم القدر، ويحيط بما أراد الله سبحانه وتعالى فليس للإنسان ذلك.

    وقال الله عز وجل: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير:29].

    إذاً: لك مشيئة، ولن تغلب مشيئتك مشيئة الله سبحانه وتعالى، فمشيئة الله محيطة بكل شيء سبحانه، وهو الذي شاء أن يكون لك مشيئة، وأن يكون لك إرادة، وجعل لك اختياراً، وبين لك أن هذا خير وهذا شر، فابتعد عن الشر، وخذ الخير.

    إن الله سبحانه وتعالى هو الذي أعلمك ذلك، وعلم الله علماً سابقاً أنك ستترك هذا وتأخذ هذا، وكتب عنده أنك تكون من أهل النار أو من أهل الجنة، ولكن لم يطلعك على هذا الشيء، إنما أمرك أن تعمل وتختار ما شئت، وسيحاسبك سبحانه على اختيارك؛ ولذلك يوم القيامة يقول الله سبحانه لأهل النار: ادخلوا النار جزاء بما كنتم تعملون، ولا يقول: أنا قدرت ذلك، أو علمت أنكم ستكونون من أصحاب النار فادخلوها.

    ولذلك عندما يتحاج الضعفاء مع المستكبرين وهم بين يدي رب العالمين، يقول الضعفاء: هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ [الأعراف:38]، ولا يقولون: يا رب أنت كتبت علينا الضلال.

    فيقول الله سبحانه وتعالى: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38]، وما الذي جعلكم تتبعونهم؟ ألم يكن عندكم عقول تفكرون بها؟ ألم يكن بين يديكم كتاب رب العالمين؟ وكان عندكم رسل رب العالمين يدعونكم إلى الله؟

    إذاً: أمر القضاء والقدر سر من أسرار الله سبحانه، أمرنا أن نؤمن به، وأمرنا أن نؤمن أنه خالق كل شيء، خلق العباد وأفعالهم، وأنه له مشيئة عامة يحيط بكل شيء، وجعل لعباده مشيئة يختارون بها، وعلم الله عز وجل من عباده من يستحق النار وهو مخلوق لها، ومن يستحق الجنة فهو من أهلها، وأمرنا بالإيمان بذلك.

    إذاً: الله عز وجل كتب عنده أن هؤلاء في النار، فلن يهتدوا أبداً، وما كتبه الله لن يبدل، يدخلون النار بأعمالهم، وباكتسابهم، وقد علم الله وشاء ذلك سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:7]، أي: مكتوبون عند الله من أهل الشقاوة وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

    إذاً: الكتاب الذي عند الله سبحانه لم يطلعنا الله عليه، بل جعل ذلك غيباً عنده، وقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، ولما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لم يناقشهم النبي صلى الله عليه وسلم في القضاء والقدر؛ لأنه ليس محل مناقشة، إنما القضاء والقدر محل إيمان قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، فالله غيب، والجنة غيب، والنار غيب، والساعة غيب، والقضاء والقدر غيب.

    فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نؤمن بذلك، فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، فليس المطلوب منكم المناقشة في أمر القضاء والقدر، إنما المطلوب أن تؤمنوا به، فالإنسان يقول: قدر الله وما شاء فعل، ثم يعمل، ويجد نفسه مختاراً للشيء الذي يريده، ولا أحد يجبره على أن يمد يده على شيء فيأخذه أو يجبره أن يتركه؛ لأنه في كامل قدرته يستشعر أنه قادر على هذا الشيء.

    وهنا يكون التكليف، وهنا يسألك الله عز وجل لماذا أخذت؟ ولماذا تركت؟ لأنك قادر على العمل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً...)

    سبب نزول قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً...)

    قال الله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8] جاء في سبب نزول هذه الآية أن أبا جهل بن هشام ورجلين من بني مخزوم تواصوا فيما بينهم أنهم إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ويسجد عند الكعبة أن يأخذ أحدهم حجراً ويرضخ به رأسه صلى الله عليه وسلم.

    فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي إذا بـأبي جهل لعنة الله عليه يأخذ حجراً ويجري إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبر بقسمه، فلما وصل فزع ورجع خاشعاً ذليلاً لعنة الله عليه وعلى أمثاله، إذ غلت يده إلى عنقه بالحجر الذي معه ورجع فزعاً إلى قومه.

    فقال الوليد بن المغيرة : أنا أرضخ رأسه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر، فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم ير أصحابه، فلما نادوه رآهم وقال: والله ما رأيته، ولقد سمعت صوته.

    فإذا بالثالث يقول: والله لأشدخن رأسه، فلما انطلق وأخذ الحجر فإذا به يرجع القهقرى، ونكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشياً عليه، فقيل له: ما شأنك؟ قال: شأني عظيم، رأيت الرجل فلما دنوت منه فإذا بفحل يخطر بذنبه، ما رأيت فحلاً قط أعظم منه حال بيني وبينه، فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني.

    فنزلت هذه الآية تبين شيئاً مما يصنعه الله عز وجل بهم في الدنيا، وما يصنعه بهم في الآخرة أشد وأعظم من ذلك، قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8]، أي: أرادوا رمي النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر فقيدت أيديهم إلى رقابهم ولم يقدروا على ذلك.

    وهذه من معجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكم أراد الكفار أن يستهينوا ويستهزئوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله سبحانه وتعالى يثبته ويزعزعهم فيخافون، فهذا أبو جهل لعنة الله عليه يأخذ شيئاً من رجل ولا يعطيه الثمن، فأراد الكفار أن يستهينوا ويستهزئوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رجل منهم: اذهب إلى محمد فإنه سيأتي لك بحقك من أبي جهل.

    ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة هو ومن معه من المؤمنين كانوا في حالة ضعف، فكيف سيأتي لهذا الرجل بحقه من فرعون هذه الأمة؟ ومع هذا يذهب الرجل إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويطرق عليه بابه ويطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ له حقه من أبي جهل.

    ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع المظلوم لينصره صلوات الله وسلامه عليه، حتى ولو كان مستضعفاً في مكة والكفار ينظرون، فخرجوا وراء النبي صلى الله عليه وسلم يتغامزون، ويضحكون، ووصل النبي صلى الله عليه وسلم بالرجل إلى بيت أبي جهل وطرق بابه، فخرج أبو جهل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعط الرجل حقه، فإذا به يرعب من النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: نعم يا أبا القاسم، ويرجع خاشعاً ذليلاً، ويأتي بالمال ويدفع للرجل حقه.

    أرادوا أن يسخروا من النبي صلى الله عليه وسلم فيرد الله كيدهم في نحورهم!

    فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا أبا الحكم ويحك! ما الذي صنعت؟ قال: والله لقد رأيت فحلاً من الإبل أمامي فاغراً فاه، ولو لم أقل له: نعم لأكلني.

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]، وقال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، فهؤلاء الكفار يرون تأييد الله سبحانه وتعالى لنبيه بالمعجزات، ومع ذلك لم يؤمن منهم إلا القليل، قال تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:7].

    معنى جعل الأغلال في أعناق الكفار

    قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8].

    إن من جمال القرآن في تعبيراته وبلاغته، احتماله للمعاني الكثيرة التي تكون كلها صحيحة، فيكون الاختلاف اختلاف تنوع، فالله سبحانه يقول: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا [يس:8]، إما أن يكون يوم القيامة وهم يحاسبون، أو وهم في النار، أو وهم في الدنيا جعل في أعناقهم ذلك دليلاً على المنع والحجز عن شيء أرادوه، فكل هذه المعاني صحيحة.

    والقيد: الرباط الذي يوثق به الإنسان، سواء كان من حديد أو من غيره، توضع في رجله سلسلة يقيد بها في الأرض.

    والغل: السلسلة التي تجمع يدي الإنسان إلى عنقه، فتكون اليدان مربوطتين إلى العنق في سلسلة، والرأس مرفوع إلى فوق، والذل عليه فنظره أسفل، فهو مقمح ذليل لا يقدر أن يحرك رأسه، قال تعالى: فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8]؛ بسبب هذا الوضع الذي يكونون عليه يوم القيامة.

    قال تعالى: إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:26-72]، هذا حالهم يوم القيامة.

    ولذلك إذا رأى الإنسان في منامه الغل فإن ذلك يعني شيئاً سيئاً، وإذا رأى القيد في منامه كان شيئاً حسناً، فالقيد ثبات على الدين.

    فقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ [يس:8]، يعني: أيديهم مغلولة تحت أذقانهم، مربوطة بسلاسل في أعناقهم.

    وقوله: فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8]، أي: أن الوضع ضيق عليه، فلا يقدر أن يوطئ رأسه فيستريح؛ لأن رأسه مرفوعاً، وعينيه ذليلتان تنظران إلى أسفل.

    فالإقماح: رفع الرأس وغض البصر، ورفع الرأس هنا ليس من عزته؛ لأنه مجبر على ذلك.

    والمعنى الآخر لقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8]، أن هذا تمثيل، لما جعلهم الله عز وجل في الدنيا كمثل هؤلاء الذين رءوسهم مرفوعة، وأبصارهم خاشعة ذليلة، لا يقدرون على النظر، ولا يقدرون على شيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلنا من بين أيديهم سداً...)

    قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9].

    في الآخرة أعماهم الله عز وجل في النار، قال تعالى: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه:102]، أي: سود الوجوه زرق العيون، كأقبح ما يكون الإنسان على هيئة، يحشرون في النار وقد غلت أيديهم إلى أعناقهم، وقد كلحت وجوههم، وتقلصت شفاههم إلى أعينهم وإلى صدورهم من نار الجحيم والعياذ بالله، وجعل الله عز وجل سداً أمامهم وسداً خلفهم، فهم عمي لا يرون شيئاً.

    وكذلك صنع بهؤلاء الكفار في الدنيا، لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبصروه، وتكرر ذلك حين خرج مهاجراً إلى المدينة، ومر على الكفار وقد جمعوا له أربعين رجلاً، كل منهم شاب قوي من قبيلة يحمل سيفاً، فأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بضربة رجل واحد.

    وخرج النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله سبحانه وتعالى، وأخذ تراباً من الأرض وألقاه على رءوس الجميع فأعماهم الله فلم يروا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمر من أمامهم حتى خرج صلوات الله وسلامه عليه.

    وكذلك في يوم حنين، قال تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة:25]، وإذا بالمسلمين يفرون من الكفار، ولم يبق سوى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه سبعون من آل بيته وأصحابه، وينزل النبي صلى الله عليه وسلم للكفار ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، يقول ذلك في موطن يفر منه الأبطال.

    ففي الحديث: (ثم يأخذ من الأرض تراباً ويلقيه عليهم ويقول: شاهت الوجوه)، فأعمى الله عز وجل الكفار، ولم يرجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدأ هؤلاء السبعون في أسر الكفار، فر تسعة آلاف وتسعمائة وثلاثون ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وممن فر ألفان من مسلمة الفتح، ولم يبق إلا سبعون مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يواجه هوازن وغطفان وعددهم عشرة آلاف، يواجههم بسبعين وتراب من الأرض يأخذه ويلقيه على وجوههم، وهو يقول: (شاهت الوجوه) فيعميهم الله سبحانه، ويأسرهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، ولا يرجع المسلمون حتى تكون الدائرة على هؤلاء الكفار.

    فالله عز وجل جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشاهم فلم يبصروا، فنصر نبيه صلوات الله وسلامه عليه في مواطن كما سمعنا.

    أما يوم القيامة فالله عز وجل يحشرهم عمياً في النار والعياذ بالله، قال تعالى: قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:125-126].

    وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا [يس:9]، في رواية لهذا الأثر: أن أبا جهل ومعه عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأمية بن خلف كانوا يرصدون النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه السورة ومعه تراب، وقرأ الآية: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، فأطرقوا جميعاً حتى مر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقدروا له على شيء.

    وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا [يس:9]، هذه قراءة حفص عن عاصم.

    وقراءة حمزة ، والكسائي ، وخلف ، وباقي القراء: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)، والمعنى واحد يقال: هذا سَد، وهذا سُد، كأنه يسد المكان بين الاثنين.

    وقوله تعالى: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، أي: ما يغشى الإنسان، وهو شيء يجعل غشاوة على بصره فلا يرى، والغشى قريب من ذلك، مأخوذ من العشاوة على العين، والغشاوة بالغين: لا يبصر أو لا يرى، والأعشى هو الذي لا يبصر في وقت دون وقت آخر.

    1.   

    قوله تعالى: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون )

    وقوله تعالى: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ [يس:10].

    أي: على هؤلاء الكفار.

    وقوله تعالى: أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:10].

    أي: سواء أنك أنذرتهم أم لم تنذرهم قد علم الله عز وجل ما في قلوبهم، وعلم الله سبحانه وتعالى أنه خلقهم للعذاب، فاستحقوا عذاب رب العالمين سبحانه، فلم يؤمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، ومن هؤلاء أبو جهل، وأبو لهب عم النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وهؤلاء الكفار علموا ذلك، ومن أعجب ما يكون علم الكافر وكيده للنبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لو فكر في شيء وعلمه لكانت النتيجة: (لا يُؤْمِنُونَ).

    وقد قال الله سبحانه عن أبي لهب : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ [المسد:1-3]، إذاً: أبو لهب سيموت كافراً؛ لأنه سيصلى ناراً ذات لهب، فهذا أبو لهب كم كاد للنبي صلى الله عليه وسلم، وكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله لم يقلها.

    لذلك قال الله سبحانه: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:10]، إذاً: رءوس الكفار هؤلاء لن يؤمنوا كما قال الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب..)

    قال تعالى: إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس:11].

    أي: أن الذي ينتفع بالموعظة هو ذلك الإنسان المتواضع للرب سبحانه وتعالى، والذي يقبل كلام رب العالمين، ويعمر قلبه بما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وقوله تعالى: (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ)، الذكر: ما ذكرته به، وما نزل من عند الله سبحانه.

    وقوله: (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ)، أي: المؤمن يخاف من ربه، والتعبير القرآني تعبير قوي، فمن المعتاد أن يقال: ويخشى الله شديد العقاب سبحانه وتعالى.

    لكن الله قال: (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ)؛ لأنهم مؤمنون، فالله لا يقنطهم من رحمته، أي: أنتم تخافون من الرحمن فلكم عند الرحمن الرحمة العظيمة الواسعة.

    وقوله تعالى: (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) أي: فبشر هؤلاء بالمغفرة من الله سبحانه وتعالى، وبشرهم بالأجر الكريم وهو الجنة العالية الغالية، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها.

    1.   

    ما يستفاد من قول الله سبحانه: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم...) في قضية الإيمان بالقدر

    إذاً: قوله سبحانه: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:10]، من مقاصده: أن الله عز وجل قضى عنده أن هؤلاء: (لا يُؤْمِنُونَ)، ولا يتغير قضاء الله وقدره، فلابد أن نؤمن بقضاء الله وقدره، فهو علم أن هذا الإنسان يستحق العذاب فجعله من أهل عذابه، وأن هذا الإنسان يستحق الرحمة فجعله من أهل رحمته سبحانه.

    وبعض الناس دخلوا في أمر القدر بعقولهم فإذا بهم ينكرون القدر، والبعض الآخر ألزموا أنفسهم به، فسمي هؤلاء الذين ينكرون القدر بالقدرية، وسمي هؤلاء بالجبرية، يقولون: نحن مجبرون، وإذا كنا مجبرين مسيرين فلماذا يعذبنا الله؟ وقال أحد شعرائهم:

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء

    إن هؤلاء لم يفهموا قضاء الله وقدره على ما أراد الله أن يعلمه عباده.

    قلنا: إن القضاء والقدر من أمور الغيب، فلابد أن تؤمن بالقضاء والقدر، وتؤمن بأن الله عز وجل له المشيئة النافذة في كل شيء، وتؤمن أن الله أعطاك مشيئة بها تختار، وأنزل الكتاب، وأرسل الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فتكليفك حين عرفت من القرآن، وعرفت من السنة، وكذلك أعطاك الله العقل الذي تفكر به، وأعطاك الإرادة لتختار وتكتسب.

    فعليك أن تقول: إن الله سبحانه جعل لي اختياراً، ولا أشاء شيئاً لم يشأه الله سبحانه، وما أشاؤه قد علمه الله عز وجل قبل ذلك وشاءه، وكل ما يكون في كون الله قد أراده وشاءه سبحانه، ولا شيء في كونه يكون عنوة وقهراً عليه، حاشا له سبحانه وتعالى.

    إذاً: شعورك هذا محل اختيارك، ومحل كسبك، ومحل تكليفك، وجزاؤك عند الله سبحانه، فلا تقول: إن الله سبحانه هو الذي قدر علي هذا الذنب؛ لأنك عندما تفعل الذنب تستشعر أنك تختاره وتفعل هذا الشيء، فيحاسبك الله على ما اخترته.

    والقدرية ينفون القدر ويقولون: لا مشيئة لله، المشيئة مشيئتنا نحن، ونحن نخلق أفعالنا ونفعل هذه الأشياء، ومن هؤلاء رجل يقال له: غيلان القدري ، سمع به عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فأرسل إليه وأتى به، وقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم في القدر!

    وعمر بن عبد العزيز هو أحد العلماء، ويقول عنه ابن شهاب الزهري : ما استصغرت نفسي عند أحد من العلماء إلا عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.

    فلما أتي عمر بهذا الإنسان وقال له: بلغني أنك تتكلم في القدر، يعني: تنفي القدر، فقال: يكذبون علي يا أمير المؤمنين، ثم سكت قليلاً، لكن صاحب البدعة لا يريد إلا أن يظهر بدعته، فقال: يا أمير المؤمنين! أرأيت قول الله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:2-3]، قال: أي: دللناه على الطريق، فالله دلنا فقط، لكن الإنسان يكون إما شاكراً وإما كفوراً، يقول ذلك إشارة منه أن الإنسان هو الذي يفعل الشيء، وأن الله لا دخل له بهذا الشيء.

    فلما قال ذلك قال له عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: اقرأ يا غيلان فيها، فقرأ حتى انتهى إلى قول الله عز وجل، فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [الإنسان:29].

    وفي هذا إثبات مشيئة للعبد، ثم قال: اقرأ يا غيلان فقرأ وقال: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، فلما قرأها قال: والله يا أمير المؤمنين ما شعرت أن هذا في كتاب الله قط.

    فأهل البدع يطمس الله عز وجل على عقولهم، وعلى أبصارهم، فيرى صاحب البدعة الشيء الذي يسول له عقله وتفكيره وبدعته فقط، ولا يرى غيره، فهو أعمى عن حجة الغير، لا يرى إلا ما يقول، فهو لما وصل لآخر السورة، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، عرف أنه كاذب فيما يدعيه، فقال: ما علمت بذلك إلا الآن، كأنه ما قرأها قبل ذلك.

    فقال له: يا غيلان ، اقرأ أول سورة يس، فقرأ حتى بلغ قول الله عز وجل: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:10]، فقال غيلان : والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قبل اليوم.

    ثم قال: اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب، يعني: تائب عن القول بعدم القدر.

    فقال عمر : اللهم إن كان صادقاً فتب عليه وثبته، وإن كان كاذباً فسلط عليه ما لا يرحمه، واجعله آية للمؤمنين.

    وغيلان كذب على عمر بن عبد العزيز في قوله إني تائب، فإنه لم يتب، ولكن لما غلبه عمر في الحجة ولم يستطع أن يتكلم أخبر بأنه تائب.

    وتمر الأيام ويكون الخليفة هشام بن عبد الملك ، وغيلان ما زال على بدعته، فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه وصلبه، قال ابن عون : لقد رأيت غيلان مصلوباً على باب دمشق، فقلت: ما شأنك يا غيلان؟ قال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه.

    فهذا الإنسان ابتدع ونفى قضاء الله وقدره سبحانه وتعالى، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الطبراني وهو حديث حسنه الشيخ الألباني وفيه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم).

    فالذين يكذبون بالقدر جعلهم مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يؤمنون بالنور والظلام، بأن النور خالق وفاعل، والظلام خالق وفاعل، فينسبون كل خير إلى النور، ويقولون: النور هو الذي خلق الخير، وينسبون كل شر إلى الظلمة، ويقولون الظلمة هي التي خلقت هذا الشر.

    فكذلك القدرية ينسبون الأفعال إلى أنفسهم يقولون: نحن الذين نكسبها، ونحن الذين نعملها، والله ليس له دخل في شيء، ولا يعلم هذا الشيء، وليس له تقدير في ذلك.

    والله عز وجل يقول لعباده: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30]، فالله خالق كل شيء سبحانه وتعالى.

    وكل شيء في هذا الكون خلقه الله عز وجل، خلق المؤمن وهو خير، وخلق الكافر وهو شر، ولكن كل خلق له فيه حكمة، فبحكمته أوجد المؤمن، وأوجد الكافر وأوجد الخير، وأوجد غيره.

    فالله على كل شيء قدير، وهنا في هذه الآية يقول الله سبحانه: إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس:11]، أي: اتبع هذا القرآن الحكيم، واتبع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقال تعالى: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [يس:11]، وهذا الذي ينفعه عمله أنه يخاف الله، والله غيب.

    أما الذي يخاف الله حين يرى الله فهذا لا ينفعه إيمانه؛ لأنه انتهى دار التكليف وهي الدنيا، فالإنسان المؤمن الذي خشي الرحمن بالغيب، وعمل صالحاً، واتبع الذكر، بشره ربه سبحانه بالمغفرة والأجر الكريم.

    نسأل الله عز وجل عز وجل مغفرته وأجره الكريم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.