إسلام ويب

تفسير سورة السجدة [12 - 14]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله سبحانه عن المجرمين الذين كانوا يستكبرون في الدنيا، ويسخرون من المؤمنين، بأنهم يوم القيامة سينكسون رءوسهم في خزي وذل وحقارة بين يدي ربهم سبحانه على ما فرطوا وقصروا، وأنهم سيطلبون العودة إلى الدنيا، لكن هيهات! فلن يمكنوا من ذلك أبداً، ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً، ولكن حكمته اقتضت أن يخير عباده بين طريق الخير وطريق الشر، فمن اختار الأولى فله الجنة، ومن اختار الثانية فله النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة السجدة: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [السجدة:12-14].

    في هذه الآيات من سورة السجدة يحذرنا الله عز وجل من عقوبة الظلم والإجرام والكفر بالله سبحانه، فإن الإنسان الظالم في حق الله سبحانه وفي حق الخلق تراه يوم القيامة قد نكس رأسه من شدة ما هو فيه من الغم، والذل، والحزن، والخزي، والخجل، والحياء بين يدي الله سبحانه وتعالى على ما فرط فيه وقصر.

    ترى الكافر في الدنيا يرفع رأسه شامخاً متعالياً معجباً بنفسه مستكبراً على الخلق، فإذا قام يوم القيامة بين يدي الله سبحانه طأطأ رأسه ووقف ذليلاً.. حقيراً.. مخزياً، فلو قد رأيت هذا الموقف لعلمت كيف نجازي هؤلاء على ما فعلوا، ولعلمت أننا لم ننس ما فعل هؤلاء وإنما نؤخرهم لهذا اليوم وهو يوم القيامة حتى يعلم الجميع أن هؤلاء يستحقون عقوبة رب العالمين سبحانه، وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران:178]، ولهم عند الله يوم القيامة العذاب المهين والعذاب العظيم.

    قال: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183]، فيملي الله سبحانه وتعالى للظلمة ويتركهم وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة:15]، فيستكبرون في الدنيا ويعلون فيها، فإذا جاءوا يوم القيامة كانوا أحقر من الذر، وأحقر من النمل، ولا يزنون عند الله سبحانه وتعالى شيئاً.

    قال الله: لَوْ تَرَى [السجدة:12]، أي: لو رأيت المجرمين وقد نكسوا رءوسهم عند ربهم يوم القيامة لعلمت كيف نجازيهم وهم يقولون لربهم رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة:12]، يعني: قد استيقنا الآن فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا [السجدة:12]، لقد طلبوا أن يعودوا إلى الدنيا وهم في مواقف القيامة في غاية الخزي والذل والندم فيقولون: ربنا أرجعنا! يتحايلون.. ويطلبون من الله سبحانه.. ويستغيثون به وبالملائكة وبالمؤمنين، ولا مغيث لهم، يصرخون في نار جهنم ويدعون، فيقول بعضهم لبعض: لقد صبر المؤمنون فنالوا فاصبروا لعلنا ننال من الله عز وجل رحمة، فيصبرون في النار فيطول صبرهم، ويجزعون فيقولون: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21]، فينادون مالك خازن النار، وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] أي: ليريحنا مما نحن فيه بالموت فيقول لهم مالك خازن النار: قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] أي أنتم قاعدون في هذه النار فلا موت يريحكم ولن تخرجوا منها أبداً، ويستغيثون بربهم رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37]، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، فلا يزالون يسألون ويطلبون ويستغيثون حتى يرد عليهم رداً يفزعهم يقول لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، وكلمة: اخسأ تقال للكلب إذا زجر، فقيل لهم ذلك لأنهم كلاب أهل النار والعياذ بالله قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108].

    لماذا؟ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [المؤمنون:109-110]، فقد سخروا من المؤمنين في الدنيا، وتعجبوا من إيمانهم، فجازاهم الله عز وجل هذا الجزاء يوم القيامة على ما سخروا، وعلى ما تهكموا، وعلى ما ضحكوا بملء أفواههم في الدنيا ساخرين من المؤمنين.

    أما المؤمنون فيقول عنه: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:111]، ثم قال لهؤلاء: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112]، كم مكثتم في الدنيا؟ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113]، العمر الذي عمره أحدهم في الدنيا يقول عنه يوم القيامة: لم يكن إلا يوماً أو بعض يوم فإذا كان يوماً أو بعض يوم فلم لم تعمل في هذا الشيء اليسير عملاً ينجيك من النار وتحصل بذلك الجزاء الأبدي عند الله عز وجل في جنة الخلد؟ لم لا تعمل في فترة حياتك القليلة ما ينفعك كثيراً؟ فإذا ضيعت فلا تلومن إلا نفسك.

    وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة:12]، أي: لو رأيت المجرمين وقد نكسوا رءوسهم عند ربهم يوم القيامة لعلمت كيف نجازيهم وهم يقولون لربهم رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة:12]، يعني: قد استيقنا الآن فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا [السجدة:12]، لقد طلبوا أن يعودوا إلى الدنيا وهم في مواقف القيامة في غاية الخزي والذل والندم فيقولون ربنا أرجعنا يتحايلون.. ويطلبون من الله سبحانه.. ويستغيثون به.. وبالملائكة وبالمؤمنين، ولا مغيث لهم يصرخون في نار جهنم ويدعون، فيقول بعضهم لبعض: لقد صبر المؤمنون فنالوا فاصبروا لعلنا ننال من الله عز وجل رحمة فيصبرون في النار فيطول صبرهم، يجزعون فيقولون: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21] فينادون مالك وهو خازن النار، وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، أي: ليريحنا مما نحن فيه بالموت فيقول لهم مالك خازن النار: قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77]، أي أنتم قاعدون في هذه النار فلا موت يريحكم ولن تخرجوا منها أبداً، ويستغيثون بربهم رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37]، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، عنهم فلا يزالون يسألون ويطلبون ويستغيثون حتى يرد عليهم رداً يفزعهم يقول لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، وكلمة: اخسأ تقال للكلب إذا زجر، فقيل لهم وذلك لأنهم كلاب أهل النار والعياذ بالله قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108].

    لماذا؟ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [المؤمنون:109-110]، فقد سخروا من المؤمنين في الدنيا، وتعجبوا من إيمانهم فجازاهم الله عز وجل هذا الجزاء يوم القيامة على ما سخروا، وعلى ما تهكموا، وعلى ما ضحكوا بملء أفواههم في الدنيا ساخرين من المؤمنين.

    أما المؤمنون فيقول عنه: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:111]، ثم قال لهؤلاء: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112]، كم مكثتم في الدنيا؟ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113]، العمر الذي عمره أحدهم في الدنيا يقول عنه يوم القيامة، لم يكن إلا يوماً أو بعض يوم فإذا كان يوماً أو بعض يوم فلم لم تعمل في هذا الشيء اليسير عملاً ينجيك من النار وتحصل بذلك الجزاء الأبدي عند الله عز وجل في جنة الخلد؟ لم لا تعمل في فترة حياتك القليلة ما ينفعك كثيراً؟ فإذا ضيعت فلا تلومن إلا نفسك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ...)

    قال سبحانه: وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:13] أي: لو أردنا ذلك لجعلنا الجميع مؤمنين ولخلقناهم كالملائكة لا يعصون الله سبحانه، ولكن شاء الله سبحانه أن يخلق خلقاً من خلقه يختبرهم في الدنيا، لهم عقول وقلوب وأسماع وأبصار وأفئدة، ويجعل الله عز وجل أمامهم طريقين: طريق الخير وطريق الشر، وقد علم قبل أن يخلقهم من يستحق أن يكون في الجنة ومن يستحق أن يكون في النار، فإن علمه شامل ومحيط بكل شيء، فلو شاء الله لخلقهم كالملائكة، ولكن شاء أن يختبر صنفاً من عباده وهم الإنس والجن فخلقهم ثم هداهم بأن أرشدهم، قال سبحانه: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ[البلد:10] أي: طريق الخير وطريق الشر، ثم هم يكتسبون في هذه الدنيا قال: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ[البقرة:286].

    فنفس المخلوق تكتسب إما الخير وإما الشر، وعلى هذا الكسب الذي يكتسبه المخلوق يحاسبه الله عز وجل ويجزيه يوم القيامة، فهو يفعل الفعل وهو يشعر أنه قادر على فعله أو تركه، وكل إنسان مطيع يشعر بالقدرة على الفعل والترك، وكل إنسان عاص يشعر بالقدرة على الفعل والترك، فأنت حين تذهب إلى الصلاة تشعر أنك مريد لهذه الصلاة، وأنك ذاهب بإرادتك، ولا تشعر أنك مجبور أو أن هناك أحداً يجرجرك من البيت إلى المسجد وإن كنت أتيت بمشيئة الله عز وجل، وأمر المشيئة إلى الله سبحانه وتعالى، فأنت مطلوب منك أن تفعل بإرادتك وأن تختار، وعلى هذا الاختيار يحاسبك الله عز وجل يوم القيامة.

    فأهل الجنة يرسلهم إلى جنته بفضله وبرحمته جزاء بما كانوا يعملون، وأهل النار يدخلهم النار بعدله جزاء بما كانوا يعملون، إذاً: هؤلاء عملوا فاستحقوا رحمة الله عز وجل، فزادهم من فضله الثواب العظيم، والأجر الكبير منه سبحانه، وهؤلاء استحقوا العقوبة بجنس أعمالهم، وعصيانهم لله سبحانه، ولو شاء الله لآتى كل نفس هداها، ولأرشد كل نفس ففعلت الخير وكانت من أهل الخير، ولكن تركهم سبحانه وتعالى لينالوا ما يستحقون.

    قال: وَلَوْ شِئْنَا[السجدة:13]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها الأصبهاني عن ورش وأبو عمرو وبخلفه حمزة -إذا وقف عليها- وأبو جعفر (ولو شينا لآتينا كل نفس هداها) أي: لأعطينا كل نفس ما تسترشد به وتستدل وتستيقن به فتستحق رحمة رب العالمين سبحانه، ولكن حق القول من الله عز وجل أن يختبر هؤلاء في الدنيا، وأن يجعل لهم اختياراً فيختارون بإرادتهم هذا الطريق أو ذاك الطريق، بعد أن يبين الله سبحانه وتعالى لهم، ولن يخرجوا عن مشيئته سبحانه، قال: لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ[هود:119]، فالله خلق الجنة ووعدها أن يملأها، وخلق النار ووعدها أن يملأها، فحق القول من الله عز وجل أن يملأ هذه وتلك لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ، وكلمة جهنم: تعني النار المشتعلة.. الحمراء.. المتلهبة، ولذلك تطلق هذه الكلمة على الشيء المشتعل.. المتقد، أو العين الشديدة الغضب التي تتقد من شدة غضبها، ولذلك يطلق على عين الأسد جهنم؛ لأن فيها اتقاداً حين ينقض على فريسته، حيث تحمر عيناه من الغضب، فكأن النار كهذا والعياذ بالله أي: شديدة وغاضبة على أهلها ومستعرة ومشتعلة.

    قال: لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ[هود:119] فمن الجن من سيدخلون النار، ومن الإنس من سيدخلون النار، لقد حق القول من الله سبحانه بذلك ووعده الحق سبحانه وتعالى ووعيده ينفذه فيمن يشاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا...)

    قال سبحانه: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [السجدة:14] أي: يقال لهؤلاء المجرمين الذين عصوا الله وكفروا به سبحانه واستهزءوا بالمؤمنين فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ، أي: هؤلاء نسوا الله سبحانه فأنساهم أنفسهم فجعلهم في نار جهنم.

    من معاني النسيان

    والنسيان يطلق على معان منها:

    أولاً: عدم التذكر، وإذا لم يتذكر الإنسان شيئاً فهو معذور، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

    ثانياً: التغافل عن الشيء، فالإنسان الذي يعرف الكتاب، ويعرف السنة لكنه تارك لهما ومتغافل عنهما وهذا من النسيان المتعمد، وهو بمعنى: الترك، ومنه قول الله عز وجل في آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه:115]، فقد عهد الله عز وجل إلى آدم فترك العهد، قال الله: وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [البقرة:35].

    ولو فرضنا أن آدم نسي فقد ذكره الشيطان بقوله: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [الأعراف:20]، فالشيطان ذكر آدم أن الله نهاه عن الشجرة، لكنه أتاه من باب آخر وهو سبب النهي فقال له: لو أكلت منها ستكون خالداً، فإذا بآدم ينسى عهد الله سبحانه وتعالى فكان فيه شيء من التعمد؛ لأن الشيطان ذكره أن الله نهاه عن أكل الشجرة لكن أتى له من باب آخر وهو أنه إذا أكل منها سيكون خالداً، فإذا بآدم يأكل مما نهى الله عز وجل عنه فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه:115] أي: على العهد الذي أخذ عليه من الله سبحانه وتعالى.

    فكأن النسيان الذي يجازى عليه الإنسان هو ما فيه تعمد للإتيان بالمعصية وتغافل عن عقوبة الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه لا ينسى شيئاً، ولكن للمشاكلة اللفظية، والمقصود: عاملناكم معاملة المنسيين أي: تركتم طاعتنا فتركناكم واستحققتم العقوبة بذلك إِنَّا نَسِينَاكُمْ أي: أدخلناكم النار وتركناكم فيها كالمنسيين، ينادون الله سبحانه وتعالى وهو يسمعهم ويراهم لكن لا يجيبهم فإذا أجابهم أجابهم بقوله: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108].

    إذاً الله سبحانه لا ينسى أحداً، وإنما يعاملهم وهم في النار معاملة المنسيين فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [السجدة:14]، أي: تغافلتم عن هذا اليوم فتركتم العمل فاستحققتم أن تعاملوا معاملة المنسيين وأن تتركوا في النار ولا يؤبه لدعائكم.

    وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ [السجدة:14] الخلود إما خلود في الجنة، وإما خلود في النار، والخلود هو أن يمكث فيها أبد الآبدين إلى ما لا نهاية، وأهل الجنة خالدون في الجنة لا يخرجون منها أبداً، ولا تفنى، وأهل النار خالدون فيها لا يخرجون منها، فقد أصحبوا أهلها وأصحابها والعياذ بالله، قال: وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [السجدة:14].

    إذاً: العذاب لن يخفف عن أهل النار المشركين، أما الموحدون من المسلمين الذين يدخلون النار بسبب ذنوبهم فهم يمكثون فيها ما شاء الله سبحانه، ولكن ينفعهم توحيدهم يوماً من الدهر، وهم إنما استحقوا دخول النار والخلود فيها بسبب بعض الذنوب والكبائر كالذي يقتل نفسه أو يقتل غيره أو يقتل ولده فهذا خالد في نار جهنم.

    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في قاتل نفسه قوله: (من شرب سماً فتحساه فسمه في يده في نار جهنم يتحساه خالداً مخلداً فيها أبداً)، فهذا الذي انتحر وقتل نفسه دخل النار خالداً مخلداً فيها أبداً، هذا إذا كان من الموحدين ولم يمت على الكفر بالله سبحانه، ولم يشرك بالله سبحانه وتعالى، ولكن خلود هذا دون خلود الكافر، فالكافر خلوده لا ينتهي، وهذا خلوده بمعنى: طول العذاب في النار أمداً طويلاً وأبداً عظيماً، وبعد ذلك تدركه رحمة رب العالمين يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه.

    وقد قال الله في الذي يقتل نفساً مؤمنة وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، وإن قتله لكونه مؤمناً فهو كافر مستحق للخلود في النار؛ لأنه قتل المسلم لكونه مسلماً، أما إذا قتله لدنيا فهذا خالد في النار إلى ما شاء الله من أمد بعيد، ثم بعد ذلك تدركه رحمة رب العالمين، لقوله: لا إله إلا الله، فتنفعه يوماً من الدهر أصابه قبل ذلك ما أصابه، ففرق بين خلود أهل الكفر والشرك، وبين خلود أهل التوحيد.

    نسأل الله عز وجل أن يتوفانا مسلمين، وأن يجعلنا من الموحدين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.