إسلام ويب

تفسير سورة فاطر [38 - 45]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر سبحانه أنه يعلم غيب السماوات والأرض، ومن باب الأولى أن يعلم ما يشاهد فيها، وأنه يعلم ذات القلوب المخفية وما يدور داخلها، كما يخبر سبحانه أنه جعل الناس خلائف في الأرض، أي: يخلف بعضهم بعضاً، يموت هذا فيجيء هذا، وأن من كفر به سبحانه فإن كفره سيعود عليه بالوبال يوم القيامة، وأن الكافر إذا ارتكب أعمالاً خبيثة زادته عند الله بغضاً، ومن الله بعداً، وأوردته جهنم، ثم يخاطب الله سبحانه الكفار بأن يروه المخلوقات التي خلقتها آلهتهم التي يعبدونها، وهيهات أن يفعلوا!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله عالم غيب السموات والأرض ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    يقول الله سبحانه وتعالى في سورة فاطر: إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا * قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا * وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا * وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر:38-45].

    يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات من آخر سورة فاطر بأنه سبحانه علام الغيوب فهو عالم غيب السماوات والأرض وهو عليم بذات الصدور سبحانه.

    إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [فاطر:38]، فإذا علم ما غاب فمن باب أولى أن يعلم ما حضر وما شوهد فهو يعلم كل غائب في السماوات والأرض، وكل شيء اختفى في ظلمات الأرض سواء كانت حبة في رطب أو في يابس فإنه يعلمها ويعلم مصيرها، فهو يعلم ما في السماوات وما فوقهن، وما في الأرض وما تحتها وما بين ذلك.

    عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الرعد:9]، أي: ما غاب وما شوهد إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [فاطر:38]، أي: بخفايا النفوس وبما أخفوه في قلوبهم، وذات الصدر الخفية في صدر الإنسان يعلمها، فهو يعلم ما في داخلها مما أخفاه العبد من نية: خير أو غير ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ...)

    هو الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا [فاطر:39]، أي: خلفاً بعد خلف يخلف بعضكم بعضاً، فالله سبحانه جعل العباد خلفاء في الأرض، وخلائف فيها، يخلف بعضهم بعضاً، هذا يذهب وقد سلف ومضى، وذاك يخلفه ويجيء ويكون حاضراً، ثم يمضي عليه زمن فيزول كما زال غيره ويخلفه غيره، فالناس خلفاء في الأرض يخلف بعضهم بعضاً، والناس خلائف في الأرض، أي: خلفاً بعد خلف يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن.

    وكلمة الخلف تطلق على التالي للمتقدم، إذاً: إذا تقدم إنسان فنقول عنه مضى وسلف، والذي يأتي من بعده نقول له: هذا الخلف لهؤلاء السلف، والناس يخلف بعضهم بعضاً فهم خلفاء في الأرض، وليسوا خلفاء الله في الأرض، فليس الإنسان خليفة لله في الأرض، وإنما الإنسان يخلف غيره من الناس إذا ذهب إنسان جاء إنسان غيره، أما الله فهو حي لا يموت سبحانه، فهو يدبر أمر السماوات والأرض ويحكم فيهن سبحانه بحكمه.

    وقد جاء عن أبي بكر الصديق أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم قال له البعض: يا خليفة الله! قال أبو بكر رضي الله عنه: لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فالناس يخلف بعضهم بعضاً ولا يخلفون الله في أرضه سبحانه، فالله يحكم في أرضه.. وفي سماواته ويشرع ما يشاء سبحانه، ولكن الإنسان خليفة في الأرض أي: يخلف بعد أن يمضي غيره، فيأتي هذا الإنسان خلفاً لسلف.

    فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [فاطر:39]، أي: من كفر فعليه وزر كفره وإثم كفره، فهو يحمل فوق كاهله هذا الكفر الذي جاء به في الدنيا يوم القيامة، وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا [فاطر:39]، إن الله قد غضب عليه لكفره، فإذا عمل من أعمال الكفر شيئاً ازداد بها مقتاً عند الله، والمقت: هو أشد البغض فتقول: فلان أبغض فلاناً، وفلان مقت فلاناً، فالبغض هو الكراهية، أما المقت فهو أشد الكراهية، فهؤلاء يزدادون بمكرهم وخداعهم وكيدهم للمؤمنين من الله بعداً، ويزدادون عند الله مقتاً، فيمقتهم سبحانه ويغضب عليهم ويبغضهم ويكرههم هم وأفعالهم.

    قال الله سبحانه: وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا [فاطر:39]، أي: مكروا بالمؤمنين كلما زاد عذابهم عند الله، فازدادوا خسراناً وهواناً عنده سبحانه، ولا يحيق مكرهم السيئ إلا بهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله ...)

    قال سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا [فاطر:40]، يخاطب الله سبحانه هؤلاء الكافرين المشركين الذين عبدوا غير الله سبحانه وكادوا للمؤمنين وأرادوا خداعهم وعمل الحيل لإهلاكهم وإن كانوا هم الذين يهلكون بكفرهم وبحيلهم وبمكرهم بالمؤمنين فإن الله يهلكهم يوماً من الأيام.

    يقول لهؤلاء: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [فاطر:40]، وشركاءكم منصوبة على المفعولية للفعل رأى ومعناه: أخبروني عن شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [فاطر:40].

    وفيها قراءات: قراءة الجمهور قُلْ أَرَأَيْتُمْ [فاطر:40]، ويقرؤها نافع وأبو جعفر بالتسهيل، وذكرنا أن الأجود عند العرب كما يقول الخليل : أنهم إذا التقت همزتان يخففون إحداهما، ومن هذا الباب وقع التسهيل هنا، وكما ذكرنا أنه وجد التسهيل في قراءة حفص عند قوله: (أأعجمي وعربي) وهو من هذا الباب أيضاً؛ فإنه إذا التقت همزتان فإن العرب تحذف الثانية منهما أو تقلبها ألفاً كأن يقول: أعجمي أو آعجمي وعربي على قراءات فيها.

    وكذلك هنا قُلْ أَرَأَيْتُمْ [فاطر:40]، هذه قراءة نافع وأبو جعفر ويقرؤها الكسائي (قل أريتم) وإذا قرأ الأزرق وورش قُلْ اَرَأَيْتُمْ [فاطر:40]، فإنه ينقل الهمزة الأولى على طريقته، وأيضاً هناك قراءة أخرى للأزرق يمد مداً طويلاً (قل ارآيتم شركاءكم) فيمدها وينقل الهمزة.

    قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [فاطر:40]، أي: أخبروني عن هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله وطلبتم منهم ما لا يطلب إلا من الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ [فاطر:40]، إذاً: أَرَأَيْتُمْ [فاطر:40]، الأولى معناها: أخبروني عن هؤلاء، وأَرُونِي [فاطر:40]، أي: اجعلوني أنظر وأبصر إلى هذا الشيء الذي خلقته هذه الآلهة من دون الله؟ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ [فاطر:40]، أي هل لهم شراكة في السماوات مع الله سبحانه أخبروني عن ذلك؟

    وقد قال إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في محاجته ومناظرته للنمرود كلمة عظيمة أبهته بها حين قال لقومه: إنه الرب الذي يستحق العبادة من دون الله، قال الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ [البقرة:258] يعني: لكونه قد أوتي الملك إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [البقرة:258]، قال النمرود: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258]، أي: وأنا أيضاً أحيي وأميت أحكم على اثنين بالإعدام ومن ثم أعفو عن واحد وأقتل الثاني إذاً: أحييت هذا الإنسان، وأمت هذا الإنسان، وهذا كلام لا يقبله إنسان عاقل.

    لذلك إبراهيم أضرب عن هذا الكلام الفارغ الذي يقوله هذا الإنسان، وقال له شيئاً آخر لا يقدر أن يجادل فيه فقال: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258].

    فالله عز وجل لا شريك له سبحانه لا في الأرض ولا في السماء أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ [فاطر:40]، أم بمعنى: بل (ءآتيناهم) أي: أعطيناهم كتاباً من عندنا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ [فاطر:40]، أي: فهم على ثقة من هذا الشيء، وعلى بصيرة فيما يقولون ويفعلون ويعبدون الأصنام والأحجار، فهل هم على بينة من هذا الذي يقولونه ويزعمونه؟ وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم وحمزة وخلف عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ [فاطر:40]، بالإفراد وباقي القراء يقرءون (فهم على بينات منه) بالجمع.

    وإذا وقف ابن كثير وأبو عمرو عليها فإنهما يقفان بالهاء (فهم على بينه) وباقي من يقرؤها بالإفراد يقف بالتاء (فهم على بينة) ولذلك تجدها مكتوبة في المصحف بالتاء في آخرها.

    بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا [فاطر:40]، أي: اضرب عن هذا الذي يقولون، فإن هؤلاء في غرور فهم يعد بعضهم بعضاً خداعاً وتمويهاً وغروراً زائلاً لا يدوم أبداً، فيقول بعضهم لبعض لا يوجد جنة ولا نار مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24]، فهم في غرور، والغرور: هو الشيء الزائل، فكلامهم كلام فارغ لا قيمة له.

    وهذا الأحمق الذي يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:30] أي: النار: فقال: أنا أدفع عشرة من هؤلاء وعليكم الباقي، فهذا المغرور الأحمق أين قوته التي يستطيع بها دفع ملك واحد حتى يقول: أدفع عشرة، وقد كان يلقب بأبي الأشدين ويقول: سأقف على باب النار أسده بكتفي حتى لا يدخل أحد النار، إنه يظن أن النار زنزانة كزنازين الدنيا سيضع يديه عليها فيمنع الناس من الدخول فيها ولم يدر أنها عذاب رب العالمين سبحانه وتعالى.

    فإنه سيؤتى بهذه النار لها سبعون ألف زمام، والزمام: هو المكان الذي يمسك به، على كل زمام سبعون ألف ملك من ملائكة الله عز وجل، فيأتون بها إلى حيث يشاء الله سبحانه وتعالى، (ويخرج عنق من النار)، ويقول: وكلت بالجبارين، وكلت بالمتكبرين، وكلت بالمصورين فيخطف هؤلاء من الموقف إلى نار الجحيم والعياذ بالله، وكذلك أبو جهل ذكرنا أنه كان يقول: إن محمداً -صلوات الله وسلامه عليه- يخوفنا بالزقوم، وهل تخرج شجرة في النار؟ فيسخر من شجرة الزقوم، والله سبحانه تبارك وتعالى يقول: بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا [فاطر:40].

    وهكذا هم أهل الظلم في غرور وفي باطل وخيبة وفي خسران.. يمني بعضهم بعضاً، ويضحك بعضهم على بعض حتى تأتي الطامة الكبرى على الجميع فلا يقدرون على الهرب، ولذلك يقول الله عن المستكبرين هؤلاء وهم في النار: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ [يونس:54]، أي: خافوا من الضعفاء الذين خدعوهم في الدنيا أن يسمعوهم وهم يقولون: يا رب ندمنا، فيقولون لهم: لماذا أغريتمونا في الدنيا؟ فأسروا الندامة عن أتباعهم وقالوا بينهم وبين ربهم يا رب ندمنا فلم تنفعهم توبة، ولم ينفعهم ندم، وقد ضيعوا أعمارهم في كفر وغرور.

    وقد كان رجل من هؤلاء الكفار إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، ثم يقوم يأتي هذا الرجل ويجلس في مكان النبي صلى الله عليه وسلم، ويحكي عن الأسكندر، وعن كسرى وقيصر، وعن الروم والفرس ثم يقول: أينا أحسن حديثاً أنا أم هو؟ يظن أنه بهذه الخيبة أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم، وكلهم كانوا يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق وإن كانوا لا يتبعونه حسداً للنبي صلى الله عليه وسلم، واغتراراً بالدنيا، ويعرفون أن هذا الرجل كذاب يقول كلاماً فارغاً، ويحكي حكايات وقصصاً لا غير، فهم يعتقدون أن ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم حق، ولكنهم يجحدون، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].

    إِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [الأنعام:33]، إن الله عز وجل يطمئن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ويخبره أنهم لا يعتقدون أنه كذاب، وأن مرادهم من قولهم كذاب شيء فظيع وهو جحد آيات الله سبحانه، وجحد الشيء هو الإقرار به في النفس مع جحده باللسان فيقره في نفسه، وينكره بلسانه، مثاله: أن يأخذ إنسان من آخر متاعاً أو نحوه، ثم يقول ما أخذت منك فالجاحد مستيقن في نفسه أنه كذاب ويعلم أنه أخذ الشيء ثم هو ينكر بلسانه، كذلك الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، فهم مستيقنون بها في أنفسهم ولكن الذي يظهر على ألسنتهم هو الإنكار.

    فقد قال بعض الظلمة لبعض سنغلب محمداً صلى الله عليه وسلم ونوثقه أو سننفيه خارج البلد أو نقتله، يعد بعضهم بعضاً بأشياء هي غرور في حقيقتها فلم يقدروا على شيء من ذلك، وقد قال له ربه سبحانه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله يمسك السماوات والأرض ..)

    قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً [فاطر:41]، هذه آية من آيات الله سبحانه وتعالى، وما أعظم آيات الله سبحانه فعلى المؤمن أن ينظر في هذه الآيات وأن يتدبر إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر:41]، أما الصنم الذي يعبده هؤلاء فهل يمسك السماوات؟ أو يمسك الأرض؟ وهل يصنع شيئاً؟

    إذاً: الصنم لا يتصرف في هذا الكون لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، فهم يزعمون أن الأصنام آلهة وها هي تزول وتتكسر وتذهب ومع ذلك تظل الدنيا باقية على ما هي عليه، لم يتغير مجيء الشمس من مشرقها يوماً لأجل أنه كسر صنم، فكيف تعبدونها من دون الله وهي لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها شيئاً؟ فالله سبحانه هو الذي يمسك السماوات وعرفنا كيف يدبر الله سبحانه أمر هذا الكون فالشمس تطلع كل يوم من مشرقها، وتغرب من مغربها، والقمر يأتي في موعده ومن مكانه، ينير في أيام ويستتر في أيام، ويمحق في أيام، والله يقضي ما يشاء خلال العام سبحانه وتعالى.

    وحين نتأمل مجرات الكون من الذي يمسكها؟ ومن الذي يأتي بها ويذهبها؟ ومن الذي يخلق هذه الأشياء العظيمة التي ينبهر الإنسان حين يتفكر فيها؟ إنه الله سبحانه فقد ثبت كل شيء في مكانه وفي مداره، فهو يجري ويدور وهو في موضعه الذي قضاه الله سبحانه وتعالى له، لا يخرج عنه إلى مكان آخر، فلو تخيلنا أن الشمس خرجت عن مدارها، أو القمر خرج عن مداره ما الذي يحدث؟ ما الذي يحدث لنا ونحن على هذه الأرض العجيبة التي جعلها الله عز وجل مهيئة بسكنى أهلها بهذه الأبعاد السماوية؟ فلو كانت الشمس قريبة من الأرض لاحترقت هذه الأرض جميعها، ولو أن القمر قرب أكثر مما هو عليه من الأرض لزاد المد والجزر ولغرقت هذه الدنيا.

    فالإنسان يتخيل هذا النظام الدقيق فالقمر يدور حول الأرض في مدار ثابت، ثم يجعله الله ينزل في منازل حولها، ويجعل الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38]، في مكان وبعد ثابت بينها وبين الأرض، لا يختل نظام دوران الأرض، ولا جري الشمس عن مكانه منذ خلقها الله سبحانه إلى أن يشاء الله عز وجل، وشروق الشمس من مغربها من العلامات الكبرى لقيام الساعة، والله يمسك هذا كله ولو كان غير الله سبحانه يفعل شيئاً ومات هذا الغير؛ لانتهى هذا الشيء وزال وزالت السماوات والأرض ولكن الله وحده هو الذي يمسك هذا كله وغيره لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً.

    وَلَئِنْ زَالَتَا [فاطر:41]، يعني: السماوات والأرض هل أحد يستطيع أن يثبتها؟ وانظر إلى آيات الله سبحانه حين يذكر القيامة إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:1-9]، وقال سبحانه: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:1-4].

    هذا النظام الكوني حين يبعثره الله سبحانه وتعالى، ويقضي عليه بالاضمحلال والزوال هل يقدر أحد أن يثبته على غير ما أراد الله؟ لا أحد يقدر على ذلك، وَلَئِنْ زَالَتَا [فاطر:41]، بأمر الله سبحانه وتعالى وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ [التكوير:11]، أي: تكشط كما يكشط الذي يكون فوق الإناء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:37]، أي: صارت حمراء كالدهان فتكشط وتزول هذه السماء العظيمة وتتناثر الكواكب والنجوم، ويسقطها الله إلى حيث يشاء سبحانه وتعالى.

    ومعنى قوله إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1]، أي: لف بعضها ببعض ثم تجعل في النار زيادة في عذاب أهلها وكل من عبد الشمس فأنه يتبعها إلى النار، وكذلك القمر يخسف به يوم القيامة، والنجوم تتكور وتنكدر ويذهب بعباد هذه الكواكب إلى النار والعياذ بالله.

    إِنْ أَمْسَكَهُمَا [فاطر:41]، يعني: لا يمسكهما أحد بعد الله سبحانه وتعالى إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [فاطر:41]، الحليم: هو الذي لا يعاجل بالعقوبة مع القدرة عليها، والله عز وجل متصف بصفة الحلم، وصفة الحلم قريبة من صفة الصبر والصبر هو الانتظار والإمهال وعدم التعجل تقول فلان حليم يعني: لا يستخفه شيء أي: لا يستفزه ويجعله يندفع ويتهور هذا في الناس، والله سبحانه وتعالى رب الناس وهو حليم صبور سبحانه وتعالى.

    إذاً: فصفة الحلم والصبر لله تدلان على رحمة رب العالمين.. وعلى أنه يتأنى على العبد ولا يتعجل عليه بعقوبته، ولكن هناك فرق بين الحليم والصبور: فالحليم قد تأمر عقوبته أما الصبور فهو الذي لا تأمن عقوبته وهو سبحانه الذي قضى أن رحمتي سبقت غضبي، فرحمة الله عز وجل تغلب غضبه وتسبقه.

    فهو يحلم عن عباده إذا وقعوا في المعاصي فلا يبادرهم بالعقوبة ولكن يصبر عليهم سبحانه وتعالى لعلهم يتوبون، ولذلك جاء في الحديث، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الملكان: ملك عن يمينك، وملك عن شمالك، الذي عن يمينك يكتب عليك حسناتك والذي عن شمالك يكتب عليك سيئاتك، فجعل الله عز وجل الذي عن يمينك حاكم على الذي عن يسارك، فإذا بدر من الإنسان معصية أمره الذي عن اليمين اصبر عليه لعله يتوب، فيرفع عنه قيل ست ساعات لعله يتوب فإذا لم يتب كتب عليه الذي فعله والله أعلم.

    فالغرض أن الله سبحانه يحب من عبده أن يتوب، فإذا بادر بالتوبة ورجع إلى الله عز وجل تاب الله عز وجل عليه، وقد يبدل سيئاته حسنات، ولكن العبد الذي يصر على معصية الله سبحانه، هو الذي يستحق عقوبة رب العالمين سبحانه، غَفُورًا [فاطر:42] أي: يمحو الذنوب ويسترها، ويعطي للعبد الأجر يوم القيامة إن تاب إليه، وإن شاء الله سبحانه وتعالى تاب عليه بغير توبة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم ..)

    قال الله عز وجل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً [فاطر:42]، أي: وأقسم هؤلاء الكفار قبل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم، واجتهدوا في الأيمان المغلظة، وجهد في يمينه إذا بالغ في القسم لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ [فاطر:42]، فهؤلاء الكفار قبل مجيء النبي صلوات الله وسلامه عليه لما رأوا حال أهل الكتاب، وكيف كذبوا رسلهم وغيروا وبدلوا في دينهم، ورأوا منهم أشياء إذا بهم يقولون: لو كان فينا نحن العرب نبي من الأنبياء، فنحن أول من نؤمن به، ولن نتركه أبداً، ولن نكذب كما كذب هؤلاء، وأقسموا على ذلك وكان عندهم من أهل الكتاب بعض الأخبار فإن اليهود كانوا في المدينة بعضهم مع الأوس وبعضهم مع الخزرج، وكانوا مستذلين، لا يعيشون إلا تحت حماية الأوس أو تحميهم الخزرج، فكانوا إذا غلبوا وقهروا واستذلوا يقولون: قد أظلكم زمن فيه نبي والله لنؤمنن به ولنقاتلنكم معه، وانتشرت مقالتهم، وعرف الكفار أن في هذا الزمان سيخرج نبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فالبعض من الكفار كان يحلم أن يكون هو هذا النبي، فبدأ بعضهم مثل أبو عامر الفاسق الذي كان يلقب في الجاهلية الراهب بدأ يتعبد فترة طويلة يريد أن تنزل عليه الرسالة، ويكون هو الرسول، فلما لم تنزل عليه إذا به يكفر أشد الكفر! إذاً ما كانت عبادة الله لتهب لأحد النبوة فالله أعلم بخلقه والعابد الحقيقي هو: الذي يرضى بقضاء الله سبحانه وتعالى نزلت الرسالة عليه أو نزلت على غيره، لا فرق عنده، وطالما أن الله يرضى عنه إذاً يتابع، لكن الله عز وجل أعلم الخلق أن فلاناً هذا الذي يصلي ويصوم في باطنه الشر، وأنه شرير، وأنه لن يزداد بهذا الدين إلا خبثاً على خبث، ويأتي أمر الله عز وجل وتجد هذا الإنسان بمجرد أن يبتلى يخرج عن دينه، ويخرج عن طوره، ويترك هذا الدين، كما فعل هذا الرجل الفاسق الذي لقبه النبي صلى الله عليه وسلم بـأبي عامر الفاسق بعدما كان يلقب بالراهب من كثرة عبادته في الجاهلية فقد انقلب إلى النقيض في الإسلام حين وجد الرسالة لم تنزل عليه.

    وبعض أهل الجاهلية سمعوا أن رسولاً سيخرج اسمه محمد، فبدأ البعض يسمي ابنه محمداً لعله يكون هو الرسول والأمر ليس بالكسب وإنما هو هبة من الله سبحانه وتعالى، فالرسالة هبة من الله يهبها من يشاء من خلقه، فهؤلاء الكفار كانوا ينتظرون متى يأتي هذا النبي، فلما جاء النبي صلوات الله وسلامه عليه وقد كانوا يقولون: أنهم سيكونون أهدى من اليهود، ومن النصارى الذين لم يتابعوا رسلهم عليهم الصلاة والسلام.

    قال الله عز وجل: فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا [فاطر:42]، أي: لما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم ازدادوا بعداً عن دين الله سبحانه وتعالى، وما زادتهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعداً عن الله ونفوراً ونفر بمعنى: فر فكأنهم اشمأزوا من ذلك، وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ [الزمر:45].

    قال تعالى: اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً [فاطر:43]، أي: يطعنون في النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويؤذونه ويؤذون المؤمنين ويستكبرون على دين رب العالمين وَمَكْرَ السَّيِّئِ [فاطر:43]، أي: ويمكرون المكر السيئ إذاً: زادهم نفوراً واستكباراً ومكراً سيئاً فهم يمكرون السوء بعباد الله المؤمنين، والمضاف هنا محذوف، والأصل مكر العمل السيئ فحلت الصفة محل الموصوف فقام النعت مقام المضاف هنا، قال وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، وقراءة الجمهور وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، هذا في الوصل وفي الوقف وَمَكْرَ السَّيِّئِ [فاطر:43]، لكن حمزة إذا وصلها يسكنها ويقول (ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيَّئُ إلا بأهله) تخفيفاً وهذا التخفيف لأجل توالي الكسرات مع الياءات فكأنه خفف بالتسكين.

    والمكر بمعنى: الخديعة والكيد والحيلة، فهم يمكرون فيعملون أعمالاً رديئة.. وخبيثة وحيلاً يحتالون بها على المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم، فمكروا المكر السيئ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43].

    وهذا وعد من الله سبحانه وإخبار منه أن المكر السيئ يحيق بأهله ويَحِيقُ [فاطر:43]، بمعنى: يحيط وحاق به بمعنى: أحاط به على وجه الإهلاك، فيكون المعنى: نزل به هذا المكر الذي مكره والجزاء من جنس العمل، فقد مكرتم مكراً سيئاً حتى تخدعوا المؤمنين فتوقعوهم فيما تريدون من حيل ومكر فالله عز وجل يجعلكم أنتم الذين تقعون في ذلك ويحيق بكم مكركم ونزل بكم ما مكرتموه بالمؤمنين، ولذلك يقول الله سبحانه: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، ويقول: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ [الفتح:10]، ويقول: إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [يونس:23]، فالإنسان الذي يخدع تحيق به خديعته، والإنسان الذي ينكث في عهده ويغدر يتسبب في إصابة نفسه وهلاكه، كذلك الإنسان الذي يبغي فيظلم عقوبته على نفسه في النهاية وهذا في كتاب الله سبحانه وتعالى.

    ولذلك جاء أن بعض الصالحين قال: لا تمكر ولا تعن ماكراً جاء عن الزهري ورفع للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح مرفوعاً، ولكنها كلمة حكيمة، لا تمكر ولا تعن ماكراً فإن الله عز وجل يقول: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، فلا تخدع أحداً لأن خداعك سيعود عليك، فإن الله عز وجل يقول: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر:43]، ولا تبغ ولا تعن باغياً ولا تظلم ولا تعن إنساناً ظالماً فإن الله تعالى يقول: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ [الفتح:10]، ويقول: إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [يونس:23].

    فمن ظلم رجعت عليه العقوبة بسبب ظلمه، وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غشنا فليس منا) (والمكر والخديعة في النار) فالذي يغش المؤمنين ليس من المؤمنين وليس على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على طريقة أهل الإسلام، بل هو مقتد بالكفار، (والمكر والخديعة في النار) فالذي يمكر ويدبر الحيل والمكايد من أجل أن يوقع الناس فيها خداعه يحيق به، ويستحق بسببه أن يكون في النار، فاحذر أن تمكر بالمؤمنين يقول الله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ [فاطر:43]، بمعنى: عادة الله في الأولين، والعادة عنهم أنهم يكذبون، والعادة من الله عز وجل فيهم أنه ينتقم منهم ويهلكهم فَهَلْ يَنْظُرُونَ [فاطر:43]، أي: هل ينتظرون إلا عقوبات الأولين إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ [فاطر:43].

    والجمهور إذا وقفوا على كلمة سُنَّةَ [فاطر:43]، يقفون بالتاء وهي مذكورة في المصحف بالتاء المفتوحة، وإذا وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب .

    يقفون بالهاء سنة في الثلاثة المواضع فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [فاطر:43]، أي: أفعاله بالسابقين أنهم يكيدون بالمؤمنين والله يكيد لهم فيهلكهم هذه عادة مطردة في كل زمان، لا تبديل لها ولا تحويل.

    فمن يستطيع إذا أنزل الله عقوبة على أحد أن يبدلها إلى رحمة مثلاً لا أحد يقدر على ذلك، وكذلك إذا أنزل الله العقوبة على فلان فمن يستطيع أن يحولها إلى آخر لا أحد يقدر على تبديل ما فعله الله، ولا على تحويله من مكانه إلى مكان آخر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض ..)

    قال سبحانه: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:44]. أي: هلا ساروا في الأرض فنظروا كيف فعلنا بالذين من قبلهم، وهم يعرفون ذلك تماماً فهم يمرون بحجر ثمود في ذهابهم إلى الشام ويقولون هنا حجر ثمود، هنا أهلك الله عز وجل ثمود قوم صالح، ويمرون ذاهبين إلى اليمن بديار عاد فيقولون: هنا كان عاد في هذا المكان ويقولون: هنا الفراعنة أهلكهم الله وأغرقهم هذه آثارهم، فهم يعرفون ما الذي صنع الله عز وجل بهم وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فاطر:44].

    وأجسام العباد تقل حتى تصير إلى ما نحن عليه، وكانوا قبل ذلك أعظم أجساداً، وأقوى أبداناً، أعطاهم الله سبحانه وتعالى من القوة ما شاء، وقال عن هؤلاء وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ [سبأ:45]، أي: ما بلغتم عشر الذي أتيناه أولئك من قوة وصحة ومن عدد ومال في جيوشهم وفي أنفسهم.

    قال سبحانه: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:44]، أي: لا شيء يعجز الله، تقول أمسكت فلاناً، أو أردت أن أمسك فلاناً فأعجزني فلم أقدر عليه، لكن لا شيء يفلت من الله سبحانه، ولا شيء يهرب من عقوبته، ولا شيء يعجزه سبحانه، لا في السماوات ولا في الأرض، فهو العليم بكل شيء، وهو القدير على كل شيء سبحانه، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ [النحل:61]، وهذه تكررت في القرآن كثيراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ..)

    يقول الله: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً [فاطر:45]، أي: بما اجترحوا من سيئات فلو أن الإنسان إذا أخطأ خطأً صغيراً عاجله الله بالعقوبة وإذا أخطأ خطأ كبيراً عاجله الله بالعقوبة لهلك. كل من فوق الأرض؛ لأن كل بني آدم خطاء، ولكن الله برحمته يصبر ويعفو ويحلم سبحانه وتعالى، قال: مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45]، والدابة كل ما يدب فوق الأرض من إنسان أو حيوان أو حشرة، فكأن الإنسان إذا أذنب تأتي العقوبة فتهلك الجميع.

    فالطوفان في عهد نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لم يغرق الكفرة فقط، بل أغرق كل من فوق الأرض من حيوان وغيره، فكأن العقوبة التي تأتي على الإنسان تعم من فوق الأرض فهو سبحانه يتكرم ولا يؤاخذ العباد بكل ما اكتسبوا وإلا لأهلك جميع من فوق الأرض، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [النحل:61]، أي: يؤخر كل إنسان إلى أجله ووفاته فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ [الأعراف:34]، أي: جاء أجل كل إنسان فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا [فاطر:45]، أي: بصير بالذي يخفيه.. والذي يبديه.. وبالذي صنعه فوق هذه الأرض فيجازيه الله سبحانه وتعالى عليه.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.