إسلام ويب

تفسير سورة فاطر [32 - 37]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحمد المؤمنون ربهم في الدنيا على ما أنعم عليهم من نعمة الهداية إلى صراطه المستقيم، وكذلك يوم القيامة حين يدخلهم ربهم الجنة فإنهم يحمدونه ويشكرونه على تفضله عليهم بدخول الجنة، وما رأوا من إكرامه لهم وإفضاله عليهم، فقد أحلهم دار المقامة من فضله ومنته ورحمته، بخلاف الكفار فإن مصيرهم إلى نار جهنم لا يحكم عليهم فيها بالموت فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها.

    1.   

    اصطفاء الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة فاطر: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:32-37].

    ذكرنا في الحديث السابق أن الله سبحانه وتعالى يمتن على هذه الأمة الإسلامية بنعمة الاصطفاء والاجتباء والاختيار، قال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]، وقال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، فهذه الأمة خير الأمم وأفضل الأمم، وهي الأمة الوسط أهل العدالة الذين يشهدون على الأمم السابقة قبلهم، أورثهم الله عز وجل الكتاب، أي: أعطاهم الأحكام الشرعية في هذا القرآن العظيم، قال تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ أي: أعطينا الميراث لهذه الأمة، فكأن الكتب السماوية هي الإرث الذي يتركه الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فإن استحق أتباعهم أن يأخذوا هذا الكتاب كان معهم حتى ينتهي أمرهم، وإن تركوا دين ربهم، فإن الله عز وجل يخلف غيرهم ويرسل رسولاً من عنده سبحانه وتعالى، وينزل عليهم شريعة من الشرائع، ويخلف هؤلاء الأمم من كانوا قبلهم، فالله تعالى جعلهم خلائف في الأرض، حتى جاءت أمتنا الأمة المصطفاة، وأنزل الله عليهم هذا القرآن فأورثهم أحكام كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وأعطاهم علم هذه الأحكام من شريعة وعقائد وغير ذلك، مما في كتاب الله عز وجل وفي هدي النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    الاصطفاء: هو مشتق من الصفوة، وهو الخلوص، فهي الأمة التي استخلصها الله عز وجل من الأمم، وجعلها الوارثة لعلم النبوة ولهذا الكتاب العظيم ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أقسام المسلمين ومراتبهم وأصنافهم

    لقد قسم الله تعالى المسلمين من هذه الأمة أقساماً ثلاثة فقال: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32]، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس، والذين أرسل إليهم جميعهم أمته عليه الصلاة والسلام، منهم أمة الدعوة، وهم الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فمنهم من أسلم ومنهم من كفر، ممن حضر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم من بعدهم إلى قيام الساعة، أما الذين استجابوا له فدخلوا حباً في دين الله عز وجل بإرادتهم فهؤلاء أمة الإجابة.

    وأمة الإجابة هم المسلمون، خرج عنهم المنافقون، والكافرون، فأمة الإجابة هم من قالوا: لا إله إلا الله مستيقنين بذلك.

    وهم من الأقسام الثلاثة الذين ذكر الله عز وجل في هذه الآية: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32]، فالظالم لنفسه: هو الذي فرط في حق نفسه وفي حق دينه، فارتكب من المعاصي ما شاء الله سبحانه وتعالى، وترك بعض الواجبات التي فرضها الله سبحانه وتعالى عليه، فزادت سيئاته على حسناته، فكان ظالماً لنفسه فاستحق العقوبة، ولكن ينفعه قول لا إله إلا الله يوماً من الدهر، أصابه قبل ذلك ما أصابه.

    الصنف الثاني: وهم المقتصدون الذين استوت حسناتهم مع سيئاتهم، وهم الذين فعلوا الواجبات وتركوا المحرمات، وقد يحصل منهم التفريط في الأخذ بشيء من المكروهات، وترك شيء من المستحبات، ولكن حالهم على الاستقامة، قصروا في النوافل، ولكن غالب أحوالهم المحافظة على الفرائض، فعلى ذلك كانوا مقتصدين، فاستوى عملهم الحسن مع ما وقعوا فيه من أخطاء، فالله يتجاوز ويعفو سبحانه وتعالى عنهم.

    الصنف الثالث: هم السابقون إلى الخيرات، (ومنهم سابق بالخيرات) فهؤلاء ما وجدوا وسيلة لفعل الخير إلا واستبقوا إليها، إلا وسنوا للناس السنة الحسنة فيها، فكانوا السابقين بالخيرات، قال الله سبحانه: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:10-14].

    فهؤلاء كانوا في قرون الخيرية الأولى التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) قوله: (خير القرون قرني) وهم من أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فهؤلاء خير القرون، وخير الناس.

    قوله: (ثم الذين يلونهم) أي: الذين لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما جاءوا من بعده وشاهدوا أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، هؤلاء فيهم الخيرية بعد الصحابة.

    قوله: (ثم الذين يلونهم)، وهم تابعو التابعين، وهؤلاء فيهم الخير أيضاً.

    وقوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ [الواقعة:10-13] أي: ثلة ممن كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في عصور الخيرية، والثلة: جماعة كبيرة من الناس نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم ومعهم.

    قوله: وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:14] أي: من القرون المتأخرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، (لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه)، فلا يتوقع أن يأتي عهد كعهد الصحابة، إلا أن يشاء الله عز وجل حين ينزل المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولكن الغالب في الناس أنه لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه وأشد منه في الشر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتأتي الفتن يرقق بعضها بعضاً، فتأتي فتنة في زمن من الأزمان، ثم تأتي فتنة بعد ذلك تليها، فإذا بالناس الذين يشهدون هذا الشيء الجديد يرققون ما تقدم، ويقولون: إن الذي فات ليس بشيء وهذا أصعب وأشد، ثم تأتي على الناس فتنة بعدها فترقق السابقة وهكذا، كلما يبتلى الناس بشيء من الفتن إذا بهم ينظرون فيها فيقولون: إن هذه أشد وأفحش مما تقدم من الفتن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فالسابقون كانوا في القرون السابقة هم الأكثرية، ولكن في القرون المتأخرة هم الأقلون، كما قال الله سبحانه: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:13-14] فما جزاؤهم عند ربهم سبحانه؟ قال: عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ [الواقعة:15] أي: الأرائك التي يجلسون عليها، تقول: هذا سرير الملك، يعني: العرش الذي يجلس عليه الملك، فهؤلاء ملوك في الجنة، فهم على سرر في الجنة منعمين مرفهين، وهذه السرر مصنوعة من ذهب موضونة، وهم يأكلون ويشربون في جنات الخلود، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

    1.   

    تكرم الله وتفضله على المؤمنين بدخول الجنة والتنعم فيها

    لقد ذكر الله عز وجل عن هؤلاء المؤمنين في هذه السور العظيمة أنه سبحانه تكرم عليهم بفضله الكبير، قال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا [فاطر:33]، على قراءة (يُدخلونها) وهي قراءة أبي عمرو، أي: أن الله يدخلهم هذه الجنات العظيمة، وقراءة الجمهور جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر:33] ففي هذه الجنة يلبسون ما كان قد حرمه الله عز وجل عليهم في الدنيا، من حرير وذهب، فينعمون به في الجنة، قال سبحانه: يُحَلَّوْنَ فِيهَا أي: فلهم الحلية في الجنة، مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ لا تنظر إلى ما في الدنيا من أساور فإنها لا تقارن بما في الجنة، فأساورهم في الجنة من ذهب ولؤلؤ.

    وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ أي: يلبسون الثياب من الحرير وكما ذكرنا قبل ذلك أن شجرة في الجنة تخرج ثياب أهل الجنة، وهي شجرة طوبى، كما صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ..)

    قال الله تعالى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34] هذه السورة بدأها الله عز وجل بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [فاطر:1] وهنا يذكر حال أهل الجنة وأنهم يحمدون الله سبحانه، ويقولون: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ، والمؤمنون في الدنيا حمدوا ربهم سبحانه، وفي الجنة يحمدون الله على ما صاروا إليه.

    الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ أي: الحزن الذي كان في الدنيا؛ لأن الدنيا دار الآفات ودار المحن ودار الفتن والبلاء والمصائب.

    فالإنسان في الدنيا بين خوف وحزن، خائف من المستقبل، وحزين على الماضي، سواءً كان غنياً أو فقيراً فهو على هذا الحال، فالغني يجمع المال وينظر في أمره ويخاف أن يضيع منه، فهو بين الحزن والخوف، كذلك الإنسان الفقير، حزين على حاله أن الناس معهم مال وليس معه مال، وخائف أن يزداد فقره هذا حال الإنسان في الدنيا بين خوف وحزن، ولكن في الآخرة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإنهم عند ربهم سبحانه وتعالى، فهم يثنون الثناء الجميل على الله بما هو أهله، ويقولون: الحمد لله الذي أنعم علينا بأن أذهب عنا الحزن، إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34]، إن ربنا سبحانه غفور غفر لنا ذنوبنا، شكور يشكر ما قدمناه من عمل ولو كان شيئاً يسيراً، فجازانا على القليل وعلى الكثير بفضله وكرمه سبحانه وتعالى.

    وقد بين لنا سبحانه في سورة الفرقان صفات عباد الرحمن، فقال: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63] وذكر تعالى ما أنعم عليهم فقال: أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:75-76].

    في هذه الآيات أخبر الله عز وجل عن عباد الرحمن أنهم يجزون الغرفة أي: أعالي الجنات، وعباد الرحمن هم الذين يتوبون إلى الله سبحانه من الذنوب، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا [الفرقان:71]، فهؤلاء الذين تابوا إلى الله قال فيهم: فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:70]، فإذا بأهل الجنة حين يدخلونها ينظرون إلى أن الله قد أكرمهم وأعطاهم ثواباً عظيماً لم يخطر على بالهم، حتى إنه حين يحاسبهم سبحانه يدني منه المؤمن بكرمه، ويضع عليه كنفه وستره يوم القيامة، ثم يقرره: عملت كذا يوم كذا، وعملت كذا يوم كذا، يقرره بذنوبه، قد ستره الله سبحانه وتعالى ولم يفضحه سبحانه وتعالى، يقول: (قد سترناها عليك في الدنيا واليوم نغفرها لك، ويأمر الملائكة أن يأتوه بصحيفة سيئاته لينظر فيها، ويقول: واروا عنه كبار سيئاته فيريه أشياء من صغائره التي وقع فيها، والعبد في شدة الخوف أن يرى ما هو أكبر من ذلك) فالله بكرمه يخفي عنه ذلك، فإذا قرره يقول له: (اليوم نبدلها حسنات) أي: هذا الذي رأيته أمامك في هذه الصحيفة سنبدله حسنات ونعطيك مكان كل واحدة تبت منها حسنة عندنا، فإذا بالعبد يفرح بذلك ويتبجح، ويقول لله: (هناك أشياء لا أراها هنا) يعني: من ذنوب قد أخفاها الله عز وجل عنه حتى لا يحرجه ولا يضيق عليه بكرمه وبفضله سبحانه وتعالى يوم القيامة.

    ويوم القيامة يقتص الله لعباده بعضهم من بعض، حتى يؤتى بإنسان مؤمن وقد أخذ من حسناته حتى لم يبق له إلا حسنة واحدة، فإذا به يخاف أن تضيع هذه الحسنة، والله بكرمه سبحانه ينميها له ويضاعفها له ويدخله بها الجنة سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي أحلنا دار المقامة من فضلة ...)

    قال الله تعالى: الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر:35] أحلنا أي: أنزلنا وأدخلنا، دار المقامة أي: الدار التي فيها الإقامة الدائمة وهي الجنة.

    فالله سبحانه بمنه وكرمه أنزلنا فيها وجعلنا أهلها وجعلها دارنا ننزل فيها ولا نظعن عنها، ولا نخرج منها أبداً، مِنْ فَضْلِهِ أي: تكرماً منه سبحانه وليس باستحقاقنا؛ لأن أعمالنا لا تساوي أن ندخل هذا المكان العظيم، ولكن بفضل الله أنزلنا فيه، لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ أي: لا يمسنا فيها تعب، وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ اللغوب هو الإعياء، فالإنسان إذا عمل عملاً يمسه النصب والتعب، وتكل أعضاؤه، فهو مع العمل بلغ به الجهد أقصاه حتى إنه صار كالمريض، فأهل الجنة لا يمسهم فيها تعب يسير ولا تعب شديد؛ لأنه لا تعب ولا إعياء في الجنة، فأهل الجنة يمرحون ويلعبون ويأكلون ويشربون، وهم في نعيم مقيم في جنات إقامة دائمة جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا .

    فإذاً: أهل الجنة كانوا في الدنيا في دار عمل وفي دار عناء وتعب؛ لأن الدنيا دار التكليف، فالله عز وجل يكلف عباده ويلزمهم بأشياء فيها مشقة عليهم، فهو ألزمهم أن يصلوا وأن يصوموا وأن يجاهدوا في سبيل الله، فهذه تكاليف شرعية فيها شيء من المشقة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فهو سبحانه لم يكلفنا مالا نطيق، لا، ولكن يكلفنا أقل مما نطيق، فقد كلفنا سبحانه وتعالى بخمس صلوات في اليوم والليلة، ونحن نطيق أكثر من ذلك، بدليل أننا نصلي نوافل، وكان ربنا سبحانه قد فرض على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج خمسين صلاة، ومن فضل الله سبحانه وكرمه أن جعل موسى يراجع النبي صلوات الله وسلامه عليه، حتى خفف الله عن عباده وجعلها خمس صلوات، وقال: (أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، هن خمس صلوات)، فإذا نظرنا في الخمسين صلاة متى نصلي هذه الخمسين، وكيف نقدر عليها، يقول سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فلم يكلفنا إلا ما نطيق سبحانه وتعالى، فكلفنا أقل مما نطيق فقد كلفنا خمس صلوات في اليوم والليلة.

    ومن فضله سبحانه أن أمرنا على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) رحمة من الله سبحانه وتعالى.

    كذلك الصيام أول ما فرضه الله على النبي صلى الله عليه وسلم، كان يبدأ من العشاء ويظل المرء صائماً الليل كله والنهار كله إلى أن تغرب الشمس، فجعل في هذا الصيام مشقة؛ ليرينا سبحانه أنه لو شاء لأعنتنا، ولكن الله بالمؤمنين رءوف رحيم سبحانه وتعالى، وهو لطيف بعباده، فجعل ذلك فترة وجيزة ثم خفف سبحانه وجعل الصيام على الهيئة التي عليها الآن، نصوم من الفجر حتى غروب الشمس ونطعم الليل كله حتى الفجر، فضلاً وكرماً من الله سبحانه وتعالى.

    لذلك أهل الجنة يذكرون ما كانوا عليه في الدنيا، فيقولون: عبدنا ربنا بفضله؛ فهو الذي دلنا على عبادته، وهو الذي أعاننا على عبادته، وهو الذي يسر لنا ذكره وشكره وحسن عبادته، فالفضل منه أولاً وآخراً، ذلك هو الفضل الكبير.

    كذلك أهل الجنة يأكلون ويشربون ما شاءوا، أما الإنسان في الدنيا فإنه إذا أكل وزاد عن حده انقلب إلى ضده، ولم يقدر على الطعام، وتعب وذهب إلى المستشفى من التخمة التي يصاب بها.

    كذلك الإنسان يأكل في الدنيا ويخرج ذلك غائطاً وبولاً، أما في الجنة فلا شيء من ذلك، لا قذارة فيها، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولا بول ولا غائط ولا جشاء ولا حيض ولا نفاس؛ لأن الجنة دار طهرها الله سبحانه وطهر أهلها، فهم يأكلون ما يشاءون، فيخرج هذا منهم عرقاً يسيل من أبدانهم له رائحة المسك، لا يحتاج إلى وضع مسك.

    وأهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، يرزقهم الله سبحانه التسبيح ويستمتعون بالتسبيح.

    في الدنيا الإنسان المؤمن الذي يعرف ربه يستمتع بالتسبيح، يقول: سبحان الله، ويستشعر هذه الكلمة العظيمة، سبحانك ما أعظمك يا رب العالمين، فكأنه يتذوق حلاوة هذه الكلمة بلسانه، ويقول: لا إله إلا الله، فيستمتع بلسانه بذكر الله سبحانه، ويطمئن قلبه بذكر الله سبحانه، فإذا دخل المؤمنون الجنة فهم في غاية الاستمتاع بذلك، فهم يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس في الدنيا، وهم في جنة الخلود في نعيم يتذكرون الدنيا، وهم على سرر متقابلين قال تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:25-28] أي: أهل الجنة يتحدثون وهم على الأسرة ملوكاً في الجنة يحدث بعضهم بعضاً: يقولون: تذكرون يوم أن كنا في الدنيا نعمل كذا وكذا، وكنا خائفين من ربنا سبحانه وتعالى، وعملنا الأعمال الصالحة بفضل ربنا علينا، ويتذكرون كيف كان الكفار يريدون إغواءهم في الدنيا، فأحد أهل الجنة يتذكر أنه عندما كان في هذه الدنيا كان له صاحب يريد أن يغويه، فقال: إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ [الصافات:51-52]، وكان هذا المؤمن شريكاً لرجل من الكفار، فالكافر كان يأخذ ماله ويبني به القصور ويشتري البساتين ويعمل به أشياء كثيرة للدنيا، والمؤمن كان يأخذ ماله فيطعم ويشرب ببعضه، ويتصدق ببعضه، فإذا بشريكه الكافر يسخر منه، ويقول له: لماذا تتصدق بالمال؟ أمن أجل أننا مبعوثون يوم القيامة، يقول: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:53] أي: سنبعث ونجازى يوم القيامة، فإذا بالله عز وجل يقول للمؤمنين: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات:54] أي: انظروا ماذا حصل له؟ فاطلع هذا المؤمن فرأى هذا الكافر في سواء الجحيم، قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات:56] أي: كنت ستهلكني في الدنيا إن اتبعتك، وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:57] معك في هذا العذاب، أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصافات:58-60] فيقول الله تعالى: لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61] أي: اعملوا من الآن في الدنيا لمثل هذا الجزاء العظيم ولمثل هذا اليوم الكريم الذي يُكرَم فيه المؤمنون، أما الكفرة فيهينهم الله سبحانه وتعالى، ويدخلهم ناره، ويقول ربنا سبحانه: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ [الصافات:62] أي: أهذا الذي هم فيه خير وإلا شجرة الزقوم التي هي في جهنم؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ..)

    قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36]، لما ذكر لنا حال أهل الجنة ونعيمهم المقيم -نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته وأن يجيرنا من ناره- ذكر أهل الكفر، وأنهم حين يدخلون النار يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبداً، وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ ونار الآخرة لا يطيقها إنسان أبداً، ونار الدنيا التي لا نطيقها يقول عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة) فأقصى ما يكون من نار الدنيا وأشد ما يكون من لهيب الدنيا، إنما هو جزء من أجزاء نار الآخرة، فكيف تكون نار الآخرة، نسأل الله العفو والعافية.

    وجهنم من أسماء النار، وكأنها مشتقة من الشيء البعيد القعر، يقولون: بئر جهنام بمعنى بئر بعيدة القعر، فنار جهنم هي النار البعيد القعر، يلقى بالحجر في النار فيهوي فيها سبعين خريفاً حتى يصل إلى قعر النار والعياذ بالله، فكأن جهنم أس النار وأصل النار وأساس النار، والدركة السفلى من النار التي فوقها الدركات الأخرى.

    فالجنة درجات عالية، والنار دركات هاوية، فأهوى ما فيها وأسقط ما فيها وأسفل ما فيها جهنم والعياذ بالله.

    وجهنم في أصلها شجرة الزقوم، إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:43-49]، هذا يقال للكافر كـأبي جهل وأتباعه، الذين كانوا يسخرون من النبي صلوات الله وسلامه عليه حين يذكرهم بالنار، وبهذه الشجرة التي في النار، فيقول أبو جهل : شجرة زقوم يخوفنا منها، وهل تنبت شجرة في النار؟ ما الزقوم؟ تعالوا نتزقم، فيأتي لهم بالتمر فيقول: إنما الزقوم تمر يخلط بالزبد تعالوا نتزقم. يسخر من عذاب الله سبحانه وتعالى، وكان يقول لما يقول له النبي صلى الله عليه وسلم: إن أمثالك مصيرهم النار، يقول: أنا أدخل النار، أنا عزيز في قومي، تخوفني وأنا عزيز في قومي، وأنا أكرم على قومي من أن يتركوني، هذا الجاهل الذي لقبه النبي صلى الله عليه وسلم وكناه بـأبي جهل لعنة الله عليه، وقال عنه: (هذا فرعون هذه الأمة)، هذا المجرم، قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ [الدخان:43-44]، أي: لـأبي جهل هذا وأمثاله، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [الدخان:45]، المهل دردي الزيت، والدردي: هو ما يتبقى في الإناء من الزيت المغلي، وطعمه قبيح جداً لا يستساغ، فهذا هو المهل الذي يكون في بطونهم.

    والمهل أيضاً: هو صديد أهل النار والعياذ بالله.

    وقال سبحانه: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الدخان:47] وعتل الشيء، أي: أخذه أخذاً عنيفاً فحمله وألقاه في النار.

    ثم قال تعالى: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان:48-49] أي: كنت في الدنيا تقول: أنا عزيز، ذق أيها العزيز، وكنت تقول: أنا كريم، فذق أيها الكريم، وهذا هو الهوان وهذا هو الذل الذي كنت تستهزئ به.

    وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [فاطر:36] أي: نار الدنيا إذا أحرقت إنساناً قضى الله عز وجل عليه ومات، أما نار الآخرة فليس فيها موت، وهذا أفظع ما يكون على أهل النار، فالله سبحانه وتعالى ييئسهم من الموت: (لما يدخل أهل النار من الكفار النار، ويدخل أهل الجنة الجنة، يؤتى بالموت بين الجنة والنار على هيئة كبش أملح، والله يخلق ما يشاء سبحانه، فينادى: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، وينادى: يا أهل النار، فينظرون ويظنون أنهم سيخرجون من النار، فيقال للجميع: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. إنه الموت، فيأمر الله عز وجل بذبحه بين الجنة والنار، فيذبح الموت، ويقال لأهل الجنة: خلود بلا موت، ويقال لأهل النار: خلود بلا موت، فأهل الجنة يزدادون نعيماً وفرحاً بما أعطاهم الله، وأهل النار يزدادون غماً وبؤساً وشقاءً بأنه لا موت) كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا [النساء:56] أي: في نار جهنم كلما نضجت واستوت جلودهم وتفحمت من النار يبدلهم جلوداً أخرى غيرها، لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:56]، سبحانه وتعالى.

    قال: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا أي: لا يموتون في النار، وإنما يعطي الله عز وجل لهم القدرة على الحياة فيها، يحيون ويتألمون ويقاسون من حرها ولا يموتون أبداً، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا [فاطر:36] أي: لا يخفف عنهم شيء من عذاب النار، كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر:36] عبر بنون العظمة للدلالة على عظمة الله سبحانه وتعالى، أي: كذلك نجزي من كفر بنا، وابتعد عن ديننا، وعصى رسولنا صلوات وسلامه عليه.

    وقراءة أبي عمرو : كَذَلِكَ يجْزِي كُلَّ كَفُورٍ أي: كذلك الجزاء في نار جهنم خالدين فيها، وكل إنسان كفر بالله سبحانه وتعالى وجحد ربه سبحانه، وجحد نعم الله، وأشرك بالله، يجزى هذا الجزاء، فالكفار يدخلون النار ويعذبون عذاباً شديداً فيها، وقد أعذر الله سبحانه وتعالى إليهم، وينادون وهم في النار مالكاً خازن النار، قالوا: يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، ما هو جوابه؟ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] أي: إنكم مقيمون في النار ولن تخرجوا منها أبداً، قالوا: تعالوا: نصبر مثلما صبر أهل الدنيا في الدنيا على الدنيا فنالوا النعيم، نصبر قليلاً في النار، فصبروا فطال صبرهم، ثم جزعوا فقال بعضهم لبعض: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21]، قالوا: تعالوا: ننادي ربنا، فإنه كان رحيماً بنا في الدنيا، ولعله يرحمنا الآن، فنادوا ربهم، قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا [المؤمنون:106] أي: ربنا كنا أشقياء في الدنيا، وغلب علينا القدر، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107] أي: كنا في الدنيا قوماً ضالين ظالمين، قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108] وكلمة اخسأ تقال للكلب، يعني: إذا أردت أن تطرد الكلب إلى مكان بعيد فتقول: اخسأ، فيقال لأهل النار من الكفار ذلك: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:108-111].

    أي: فاز أهل الجنة ونجاهم الله سبحانه وتعالى، وضاع أهل النار وخسروا بسبب ما كانوا يصنعون في الدنيا، وهذه الدنيا لا تساوي شيئاً، قال سبحانه: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112] أي: يقال ذلك للجميع، فما جوابهم؟ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113] أي: اسأل الذين يعدون.

    فأهل النار لا عذر لهم مقبول ولا هم يعتبون وهم في النار، وإنما يرون العذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهم يصطرخون فيها ..)

    يقول الله سبحانه: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37] أي: وهم يصرخون، والإنسان إذا كان في مكان ويريد من أحد أن ينقذه يصرخ ويعلي صوته، فإذا بالغ في الصراخ فهو يصطرخ.

    فالإنسان الصارخ: هو الذي يرفع صوته مستغيثاً، والصريخ المغيث الذي يغيثه، فَلا صَرِيخَ لَهُمْ [يس:43] أي: لا أحد يغيثهم وهم في النار، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا قائلين: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أي: من الأعمال الطالحة، أخرجنا نعمل أعمالاً صالحة، فيقول لهم: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ألم تعيشوا في الدنيا، وأعطيناكم أعماراً؟ عشتم في الدنيا ثلاثين سنة، وأربعين سنة، وستين سنة، ومائة سنة، هل انتفعتم بهذه الحياة وبهذا العمر الذي عمرتموه؟ أولم نعمركم عمراً علمتم فيه الحق من الباطل، وخبرتم فيه نبيكم صلوات الله وسلامه عليه وعرفتم صدقه؟ أولم نعمركم عمراً يتذكر فيه وفي مثله من تذكر؟ فقد تذكر هؤلاء المؤمنون فدخلوا الجنة؛ لأنهم تذكروا واستحقوا جنة الخلود، وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ أي: الإنذار من عند الله سبحانه، والنذير هو كتاب ربنا القرآن العظيم، والرسول صلوات الله وسلامه عليه، والقرآن رأوا فيه عبر وعظات في هذه الدنيا، فيما حل بالأمم السابقة من نكبات، وما أحل الله عز وجل بهم من نقمات.

    فجاءكم النذير ينذركم: احذروا أن تكونوا مثل قوم نوح أو قوم عاد أو قوم ثمود أو أصحاب الأيكة، أو قوم تبع أو غير ذلك ممن أهلكهم الله، ألم يأتكم نذير من عند الله سبحانه، ينذركم ويخوفكم من ذلك؟ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فلم تنتفعوا؟ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ أي: لا أحد ينصر الظالمين يوم يحكم الله عز وجل بالعدل بين العباد فيدخل من يشاء جنته برحمته، ويدخل من يشاء النار بعدله وحكمته.

    نسأل الله سبحانه أن يغفر لنا وأن يتوب علينا، وأن يدخلنا الجنة وأن ينجينا من النار بفضله ورحمته وهو أرحم الراحمين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.