إسلام ويب

تفسير سورة فاطر [29 - 33]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به ويعملون بما فيه، من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى ليلاً ونهاراً سراً وعلانية، وما ذلك إلا لقوة توكلهم على ربهم، فهم يتاجرون مع ربهم تجارة لن تبور ولن تخسر أبداً، فما أعظم المتاجرة مع رب العالمين الذي يضاعف الربح لمن تاجر معه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة فاطر: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ * وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر:29-33].

    يخبر الله سبحانه وتعالى عن عباده الذين اصطفاهم وهداهم ووفقهم لطاعته، كيف يدخلهم جنته، ويعطيهم الأجر العظيم يوم القيامة، قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ [فاطر:29]، إيمان هؤلاء في قلوبهم يدفعهم إلى هذا العمل العظيم، العمل الصالح، فهم يتلون كتاب الله فينتفعون بتلاوته، ويؤجرون على ذلك، ويعملون به، فيقرءون القرآن، ويعملون بأحكامه، ويتعظون بمواعظه، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله.

    ثم قال: وَأَقَامُوا الصَّلاةَ [فاطر:29]، وقد أخبرنا سبحانه: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، قال: (وأقاموا الصلاة)، ولم يقل: وصلوا، ولكن أقاموا الصلاة، وإقامة الصلاة أن تقيمها مستوفاة الأركان والشروط، وتأتي بها خالصة لله سبحانه وتعالى، هذه إقامة الصلاة.

    قال سبحانه: وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً [فاطر:29] جاء التأكيد على أن الرزق بيد الله سبحانه وتعالى، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58]، فهؤلاء أنفقوا؛ لأنهم علموا أن المال مال الله، وأن الرزق من عند الله يرزق من يشاء سبحانه وتعالى.

    فهم يأخذون بالأسباب والله يرزقهم، وهم ينفقون من فضل الله ومن رزق الله سبحانه، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ، هذه النفقة التي ينفقونها سراً وعلانية، كأنهم ينفقون في كل أحوالهم، حين يحتاج المحتاج ويمد يده إليهم فلا يمنعونه، بل يعطونه مما رزقهم الله، ويخفون الإنفاق قدر المستطاع، ويظهرون إن لم يقدروا على الإخفاء، فينفقون مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً، وأحياناً يكون الإظهار خيراً كإظهار زكاة المال حين يعطيها الإنسان خاصة في الزروع والثمار والمواشي ظاهرة أمام الفقراء، فإذا جاء الفقراء لا يخبئ عنهم هذه، ويقول: أنا أعطي في السر، ولكن يعطي من حضره من الفقراء من هذا المال، فيقتدي به غيره، فيعلم الفقراء أن فلاناً قد جدد حصاده في هذه الأيام، فيذهبون إليه فيأخذون من ماله الظاهر، ويعطي حتى لا يتهم بأنه مانع للزكاة، فيعطي ما أمر الله سبحانه، وأصحاب بهيمة الأنعام كذلك أموالهم أموال ظاهرة، فينفقون الزكاة التي أمر الله عز وجل ظاهراً، حتى يعرف الفقراء وقت دفعه لهذه الزكاة فيحضرون ليأخذوا منه، وإذا أراد أن يذبح أضحيته ويوزعها على الناس فليظهر ذلك؛ حتى يعرف الفقراء فيأتون ليأخذوا نصيبهم ورزق الله سبحانه وتعالى لهم، فهذه أشياء ظاهرة في الشريعة، فيظهر ما أظهرته هذه الشريعة في الأمر بالإنفاق من ذلك، فإذا كانت صدقة التطوع أخفى ذلك؛ لأنه يريد أن يعطي وأن يؤجر أعظم الأجر عند الله سبحانه.

    فالأصل أنه يخفي النفقة، وقد علمنا من الحديث الذي في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -وذكر من هؤلاء السبعة-: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه)، أخفى وأسر هذا الإعطاء، فهو أعطى للفقير بحيث لا يدري أحد ما الذي أعطاه، فأخفى صدقته احتساب ورجاء أجر الله سبحانه وتعالى، تعلم ذلك من كتاب الله سبحانه الذين ينفقون أموالهم سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29].

    فأنفق في السر وأنفق في العلانية، ومهما قدر على أن يسر نفقته أسرها وأعطى للفقير محافظة على شعوره، وأيضاً محافظة على ثوابه؛ لئلا يضيعه بالسمعة والرياء.

    النفقة في السر حسنة، والنفقة في العلانية حسنة، ولكن صدقة السر أعظم من صدقة العلانية، إلا أن تكون زكاة ظاهرة كما ذكرنا، فقد استحب أهل العلم أن يظهر المرء زكاة الحبوب والثمار وبهيمة الأنعام؛ لأنها أموال ظاهرة، فلو أخفى ذلك فالفقراء قد لا يعرفون أن فلاناً هذا يخرج زكاة ماله في هذا العام، ولا يذهب إليه أحد، ولعله هو لا يعرف كل أصحاب الحاجات، فيكون من أهل الحاجات من لم يعرف ميقات زكاة هذا فلم يأت إليه، وأعطى لغيره وهذا أولى.

    فلذلك استحبوا أن يحدد اليوم الذي يخرج فيه زكاة حبوبه وثماره؛ حتى يأتي الفقراء فيأخذوا نصيبهم ورزقهم من ذلك، أما المال المخفي المستتر الذي لا يتطلع عليه الناس فإنه يسر نفقته ويسر صدقته، يبتغي أن يظله الله عز وجل بظله يوم لا ظل إلا ظله.

    إذاً: النفقة في العلانية حسنة، والنفقة في السر أحسن منها، قال تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة:271]، أي: نعم الشيء أن تبدي الصدقات، وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ [البقرة:271]، أي: خير لكم، يعني: أفضل وأخير لكم أن تخرجوا هذه الصدقة في السر.

    والصدقة في السر تطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى، فأنت حين تعطي الصدقة للفقير في السر من غير أن تفضح هذا الفقير، فالله سبحانه وتعالى إن كان به غضب عليك فهذه النفقة تطفئ غضب الرب سبحانه وتعالى.

    التجارة مع الله ليس فيها خسارة أبداً

    قال سبحانه: يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ [فاطر:29]، لماذا أنفقوا؟ من أجل رجاء الثواب من الله سبحانه وتعالى، فهؤلاء يرجون تجارة مع الله سبحانه، وأي تجارة أعظم من هذه التجارة، وتجارة الإنسان في الدنيا قد يربح في الدرهم نصف درهم أو ربعه وقد يربح في الدرهم درهماً، أما التجارة مع الله فأقل ما يكون فيها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف مضاعفة لا يعلمها إلا الله سبحانه، فهؤلاء يرجون التجارة التي هي مع الله التي لا تبور، فهم لا يخافون كساد تجارتهم؛ لأنها تجارة مع الرب سبحانه وتعالى.

    هم يرجون هذه التجارة التي حكم الله سبحانه أنها لا تضيع ولا تهلك ولا تكسد ولا تفسد ولا تخسر؛ لأنها تجارة مع الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ..)

    قال الله تعالى: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:30]، يؤكد الله سبحانه وتعالى ذلك وأنه سيعطيهم الأجر الوافي: لِيُوَفِّيَهُمْ وهناك فرق بين أعطى ووفى، أعطى الأجر تماماً ولعله نقص، أما وفى فقد يعطيك أجرك الذي تستحقه ويزيدك عليه أيضاً فوق ذلك، فيقول: أخذت منه مالي وافياً ما نقص منه شيء.

    فالله عز وجل يوفي هؤلاء ليس مثل الذي أعطوا، وإنما يوفي أضعافاً مضاعفة من فضله سبحانه، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر:30]، هذا الجزاء من الله سبحانه، فهؤلاء يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ؛ لِيُوَفِّيَهُمْ وليعطيهم.

    فقوله: (ليوفيهم) هنا لام السببية يعني أنهم أعطوا لذلك، أي: يرجون من الله الفضل، ويرجون منه أن يوفيهم أجورهم، فهم أنفقوا ليوفوا هذه الأجور، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر:30].

    وهذا وعد من الله سبحانه في كتابه أنه يعطي الحسنة بعشر أمثالها، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160]، فهم صدقوا وعد الله سبحانه فأنفقوا ليعطيهم الله عز وجل ويوفيهم هذا الوعد الذي ذكره في كتابه سبحانه، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، فيعطي الله عز وجل على الإحسان إحساناً وزيادة النظر إلى وجهه سبحانه وتعالى في جنة الخلود، وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:30]، غفور سبحانه.

    ورد في القرآن هذا اللفظ (غفور)، وغَافِرِ الذَّنْبِ [غافر:3] و(غفار) فهو الغفار سبحانه، وهو الغفور، وهو غافر الذنب، والغفر يأتي بمعنى التغطية والستر.

    والله يغفر أي يمحو الذنب ويستره، ويغطيه ولا يبديه، فلا يفضح صاحبه الذي يتوب إليه سبحانه وتعالى، وهو يغفر الذنوب جميعاً، شَكُورٌ [فاطر:30] أي: يشكر لعباده إحسانهم، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا [الإسراء:7]، فإحسان المرء لنفسه، فإذا أحسن فالله عز وجل يوفيه الجزاء على إحسانه، ويشكر له عمله.

    وعلمنا كيف أن رجلاً كان في فلاة فوجد بئر ماء فنزل وشرب منها، ثم خرج فوجد كلباً يلهث من شدة العطش، فإذا به يملأ حذاءه من هذا الماء ويسقي الكلب، فيشكر الله له ذلك ويغفر له ويدخله الجنة بذلك.

    وامرأة بغي تفعل مثل ما فعل هذا الرجل تسقي كلباً أصابه العطش الشديد فشكر الله عز وجل لها فغفر لها، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، من أحسن فالله يحسن إليه، ويعامله بفعله وبمعاملته، فالله غفور شكور.

    إذاً: فهؤلاء المؤمنون يتلون كتاب الله، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله سراً وعلانية؛ حتى يوفيهم الله سبحانه وتعالى أعمالهم.

    فالله وعد في كتابه وأكد أنه يعطيهم أجورهم وزيادة منه وفضل منه سبحانه وتعالى؛ لأنه غفور شكور، يغفر الذنب، ويشكر الإحسان من العبد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه ..)

    قال الله تعالى: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ [فاطر:31].

    قوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كأنه عطف هذه الجملة على الجملة السابقة، وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ [فاطر:31] أي: هذا القرآن العظيم وحي من الله سبحانه وهو الحق، وليس كلامك أنت، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [فاطر:31] أي: أنه صدق الكتب السابقة، صدق صحف إبراهيم: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى:18-19]، وصدق كتاب موسى التوراة، وكتاب عيسى الإنجيل، وصدق المرسلين السابقين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يعني: ما تقدم وسبق وسلف قبل ذلك، إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ .

    وذكرنا قبل ذلك أن الله عليم سبحانه، وخبير بمعنى عليم، فإذا جاءت مفردة فتكون بمعنى العلم، أي يعلم ما خفي من الأمور، فالله عز وجل عليم وهو علام الغيوب سبحانه وتعالى، كما أنه شهيد خبير.

    فالعلم أن يحيط بهذا كله، والخبرة: هي العلم بالشيء الدقيق الخفي، أي: الذي يخفيه صاحبه ويسره في نيته وفي قلبه، فهو خبير بما في القلوب سبحانه، وهو شهيد على ما يظهره العباد.

    فكأن الشهادة علم ما هو ظاهر، والخبرة علم ما هو خفي باطن، والعلم يحيط بهذا كله، فالله عليم خبير شهيد سبحانه، إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ أي: يبصر كل ما يصنعه العباد، ما أبدوه وما أخفوه فالله يرى هذا كله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ..)

    قال الله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32].

    أي: الكتب السماوية يورثها سبحانه لمن اصطفى من عباده، فينزل الله على رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام كتاباً، ويصطفي من يشاء من خلقه ليكونوا حواريين لهذا النبي أو الرسول عليه الصلاة والسلام، فاصطفاهم، وأورثهم هذا الكتاب فصاروا أهله المستحقين له.

    وتوارثوا علمه وأحكامه، حتى جاء أقوام بعدوا عن الله سبحانه فحرفوا دينهم، فإذا بهم يتركون أحكام الله عز وجل ويعملون بغيرها، ويجعلون كتاب ربهم وراءهم ظهرياً، فلا يستحقون أن ينزل عليهم من السماء شيئاً، فيصطفي الله عز وجل من خلقه ما يشاء، وينزل كتاباً من السماء، وكان الأمر على ذلك حتى اصطفى من الخلق نبينا صلوات الله وسلامه عليه، واصطفى له أصحابه، واصطفى هذه الأمة أمة الإسلام، وأنزل هذا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، وجعله إرث هذه الأمة واختصها بأن تدعوا إلى هذا القرآن، فصارت الأمة المهتدية، والأمة الوسط التي تدعوا إلى كتاب الله عز وجل، فكان معهم ميراث الأنبياء السابقين، وهو: أحكام كتاب الله سبحانه، وشريعة الله التي يدعون إليها إلى أن تقوم الساعة، ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا ، فجعل هذه الأمة هي الأمة المصطفاة، وقربها إليه، قال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، فهي الأمة التي اجتباها الله سبحانه، قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]، لماذا؟ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] أي: تقيمون شرع الله سبحانه.

    حقيقة الأصناف الثلاثة الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات

    قال سبحانه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فمن هؤلاء؟ قال: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32] ذكر المفسرون في هذا التفصيل كلاماً كثيراً جداً فيمن هو الظالم لنفسه؟ ومن هو المقتصد؟ ومن هو السابق بالخيرات؟ فقالوا: الظالم لنفسه هو الكافر أو المنافق أو غير ذلك.

    ولكن الظاهر من الآية والحديث أن الثلاثة الأصناف كلهم من أهل الإسلام، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ روى الإمام الترمذي ، والإمام أحمد أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32] فقال صلى الله عليه وسلم: كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة)، هذا حديث عظيم صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه البشارة بأن الإنسان الظالم لنفسه من هذه الأمة المؤمن بالله سبحانه، ولكن غلبت ذنوبه على حسناته، فاستحق أن يعذب، فهذا إما أن يغفر الله عز وجل له، وإما أن يعذبه الله بهذه الذنوب التي غلبت حسناته، وإن دخل النار فعذب في النار، فالله يمن عليه ويشفع فيه من شاء من خلقه ويرحمه ويخرجه من النار ويدخله الجنة، وأما المنافق والكافر وغيرهما فهؤلاء مستحيل أن يدخلوا الجنة لأن الله تعالى يقول: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:145-146] فإذا تابوا صاروا مع المؤمنين، ولم يكونوا منافقين، أما المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام ففي الدرك الأسفل من النار.

    وقال تعالى عن الكفار: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فإذاً: الكفار في النار، والمنافقون في النار، لكن من ذكر الله عز وجل هنا بقوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ، فهؤلاء ممن اصطفاهم الله سبحانه، وممن اختارهم الله وقربهم وهم أمة الإسلام، فمن هذه الأمة الظالم لنفسه، وهو من غلبت ذنوبه حسناته، فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ والمقتصد هو من استوت حسناته وسيئاته، أو هو من أتى بالفرائض ولم يأت بالنوافل، أو من أتى بما افترضه الله عز وجل عليه ووقع في الذنوب التي حرمها الله سبحانه وتعالى على خلقه، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ قال تعالى عن السابق: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10-11]، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم.

    فالسابق بالخيرات لا يجد باباً من أبواب الخير والإحسان إلا واستبق إليه ينفق في سبيل الله سبحانه، ولذلك كان الخيران من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما يستبقان إلى الخير، عمر كان يتمنى أن يسبق أبا بكر يوماً من الأيام، وفي يوم من الأيام أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فإذا بـعمر يذهب إلى بيته ويأتي بنصف ماله ويقول: اليوم أسبق أبا بكر ، فيأتي للنبي صلى الله عليه وسلم فيجد أبا بكر قد تصدق بماله كله، فيقول: لا أسبقك أبداً.

    عظيم فضل الله تعالى على عباده بالمسابقة إلى الطاعات والتوبة من السيئات

    إن المسابقة إلى الله عز وجل وإلى طريق الله سبحانه أمر مرغوب فيه شرعاً، فمنهم هؤلاء السابقون بالخيرات بِإِذْنِ اللَّهِ، وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى، يمن على من يشاء من خلقه، يعطيه الرزق ويمن عليه بالهدى، ويعطيه سماحة النفس ويمنعه شحها، فينفق في سبيل الله، ويخلف الله عز وجل عليه، ويعطيه الأجر من عنده، وكذلك إذا تاب الله عز وجل على عبد من عبيده فالتوبة من الله سبحانه، تاب عليه فألهمه أن يتوب، فتاب العبد فقبل منه.

    فانظر إلى فضل الله وكرمه سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:118]، هم عصوا الله سبحانه وعصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أمرهم أن يخرجوا معه صلوات الله وسلامه عليه في غزوة تبوك، فإذا بهؤلاء الثلاثة يتخلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية ، هؤلاء الثلاثة لما تخلفوا ظنوا أن الأمر واسع ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكتب من الذي خرج ومن الذي لم يخرج؛ لأن الجيش عدده كبير فتخلف هؤلاء، فعصوا الله سبحانه، وعصوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ورجع من الغزو، جاء المنافقون يعتذرون للنبي صلى الله عليه وسلم وكل منهم يبدي عذره، والنبي صلى الله عليه وسلم يقبل بالظاهر ويدع السرائر لله سبحانه وتعالى.

    وجاء هؤلاء الثلاثة: كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع وكل منهم يقول: (يا رسول الله لم يكن لي عذر، فقال: أما هذا فقد صدق)، إذاً: فهذا الذي صدق، من الذي ألهمه أن يصدق مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ أليس هو الله سبحانه وتعالى الذي يلهم عباده أن يصدقوا وأن يتوبوا؟ هؤلاء الثلاثة صدقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأخرهم، قال عن كعب : (أما هذا فقد صدق)، فأرجأه لأمر الله سبحانه وحكمه.

    فهجره النبي صلى الله عليه وسلم، وهجره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم خمسين يوماً وليلة حتى جاءت التوبة من عند الله سبحانه وتعالى.

    فهؤلاء الثلاثة ألهمهم الله التوبة فتابوا، فصدقوا في توبتهم، فإذا به يتوب عليهم سبحانه وتعالى، ويعبر في كتابه بهذا التعبير العظيم الجميل يقول: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118]، لم يقل: الذين تخلفوا مع أنهم تخلفوا حقيقة، ولكن الله عز وجل لا يعير بالذنب كرماً منه سبحانه وتعالى، ولكن قال: (خلفوا) فالنبي صلى الله عليه وسلم خلفهم وأرجأهم لحكم الله سبحانه، حتى يقضي فيهم الله سبحانه وتعالى، حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ [التوبة:118]، الإنسان مع إخوانه يحبهم ويحبونه ويودهم ويودونه، لكن حين يهجره جميع إخوانه يصعب الأمر على نفسه، وتضيق عليه الدنيا، طالما أنه مؤمن فهو يحب صحبة المؤمنين.

    أما الفاسق والكافر فإنه يستبدل بالمؤمنين الفجار والكفار والفسقة، لكن هؤلاء إيمانهم صادق، لذلك جلس كل منهم في بيته ينتظر أمر الله على ما فرطوا في دينهم، وما فرطوا في أمر الله سبحانه، فتابوا توبة نصوحاً، فإذا بالله عز وجل يقبل منهم ذلك؛ لأن في قلوبهم حب الله وحب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وانظر إلى كعب بن مالك وقد ذهب يبحث عن ابن عمه أبي قتادة حتى وجده في حائط له داخل بستان، قال: فتسورت البستان، كأن الرجل من شدة ما هو فيه من غم لم ير باب البستان فتسور البستان من فوق السور، ودخل إليه ثم قال: السلام عليكم فلم يرد عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم منعهم من الكلام مع هؤلاء الثلاثة، فقال: ألا تعلم أني أحب الله ورسوله، فلم يرد عليه، فأقسم عليه قال: الله أعلم، ولم يزد على ذلك.

    فكأن الدنيا قد أظلمت في عينيه فرجع إلى بيته وهو يتوسل إلى ربه ويتوب إليه سبحانه، حتى أنزل الله سبحانه وتعالى التوبة على هؤلاء، فتاب عليهم وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليهم يبشرهم بتوبة الله عز وجل عليهم، فقرأ عليهم قول الله سبحانه: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة:118] أي: ليس لهم ملجأ من الله سبحانه يفرون منه إلا إليه ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ [التوبة:118]، فالله سبحانه ألهمهم أن يتوبوا إليه، ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة:118] أي: ليظهروا توبتهم إلى الله عز وجل فيقبل منهم، إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:118]، سبحانه وتعالى.

    فالله صاحب الفضل على عباده، يلهمهم الإحسان ثم يحسن إليهم، ويجازيهم على ذلك سبحانه وتعالى، قال: وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32]، أي: إن فعلك الخير ليس من عند نفسك، ولكن بتوفيق الله سبحانه، وانظر إلى قول شعيب النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، فهو يدعو الله أن يوفقه إلى رضوانه سبحانه.

    وكذلك كل إنسان لا يوفقه إلا الله سبحانه وتعالى، فاعرف الفضل لصاحبه، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32] أي: الفضل من الله عز وجل أن منَّ على هذه الأمة بأن أورثهم هذا القرآن العظيم وجعلهم من أهله، وجعلهم يعملون به، والفضل من الله أن يتوب عليهم وأن يدخلهم جنته، والفضل عليهم أن جعل منهم السابقين، والسابقون هم أعلى ما يكون عند رب العالمين سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ..)

    قال الله تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ [فاطر:33].

    هذا فضل الله سبحانه وتعالى، أدخلهم جناته: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وقراءة الكل جَنَّاتُ بضمها، وإن كان في غير القرآن يجوز أن تكون مفعولاً مقدماً على الاشتغال تكون: (جناتِ عدن) لكن في القرآن ليس فيها إلا قراءة واحدة فقط: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا أي: يدخلهم الله سبحانه وتعالى هذه الجنة.

    يقول : ادخلوا الجنة جزاءً بما كنتم تعملون، فيدخلون الجنةَ، وقراءة الجمهور: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا [فاطر:33]، وقراءة أبي عمرو : جَنَّاتُ عَدْنٍ يُدْخَلُونَهَا ، أي: يدخلهم الله سبحانه وتعالى هذه الجنات.

    والجنة بمعنى البستان، والجنات عند الله سبحانه بساتين عظيمة جداً لأصحابها أهل الجنة، درجات بعضها فوق بعض، وعدن بمعنى إقامة دائمة، ومنها المعدن، لكونه مقيماً في داخل الأرض باستمرار: الذهب، والفضة، والحديد، وغير ذلك من معادن الأرض.

    قال: جَنَّاتُ عَدْنٍ أي: جنات إقامة دائمة لا يخرجون منها أبداً، ثم قال: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ، لقد حرم الله على الرجال الذهب في الدنيا فلم يلبسوه فاستحقوا أن يلبسوه في الجنة، وكذلك حرم على رجالهم الحرير في الدنيا فلم يلبسوه فلبسوه في الجنة.

    فقوله: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ، والذهب يسمى في الدنيا ذهباً وفي الجنة ذهباً، ولكن هناك فرق بين ذهب الدنيا وذهب الجنة، هذا ذهب يذهب، وذاك ذهب معدن باق عند الله سبحانه وتعالى.

    هذا المعدن العظيم الذي ذكره لنا تبنى منه القصور في الجنة لأهل الجنة في الجنات، لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام، في هذه القصور غرف يرى ظاهرها من باطنها، ويرى باطنها من ظاهرها، هذه الغرف مبنية من ذهب ومن فضة، ذهبها لم يغط ما بداخلها؛ لأنه غير ذهب الدنيا.

    ثم قال: وَلُؤْلُؤًا ، أي: يلبسهم، ويحليهم الله سبحانه وتعالى اللؤلؤ، وهذه تقرأ بالنصب، وتقرأ بالجر، وتقرأ مهموزة وغير مهموزة، َلُؤْلُؤًا [فاطر:33]، فيقرؤها نافع ، وأبو جعفر ، وعاصم (لؤلؤاً) بالنصب فيها، على الخلاف في الهمزة التي فيها.

    فيكون المعنى: ويحلون لؤلؤاً على أنها مفعول لهذا الفعل (يحلون) وباقي القراء يقرءونها: وَلُؤْلُؤٍ بالكسر يعني: يحلون من ذهب وَلُؤْلُؤٍ ونافع ، وحفص عن عاصم يقرأان: وَلُؤْلُؤًا ، بالهمز وبالنصب فيها، أما شعبة عن عاصم وأبو جعفر أيضاً فيقرأانها: وَلُوْْلُؤًا ، بالنصب فيها، وبعدم الهمزة الأولى، يعني: بنقل الهمزة الأولى.

    أما باقي القراء فيقرءونها بالكسر كما ذكرنا: وَلُؤْلُؤٍ ولكن أبا عمرو يحذف أيضاً الهمزة الأولى فيقرأ: وَلُوْلُؤٍ ، وإذا وقف عليها هشام فإنه يقرؤها: وَلُؤْلُو ، وإذا وقف عليها حمزة فإنه يقرؤها: (وَلُوْلُوْ).

    فقوله: يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ فالإنسان في الجنة يلبس الحرير ويحلى من أساور من ذهب، ويلبس اللؤلؤ، وينادى على أهل الجنة: (يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً).

    فأهل الجنة في نعيم مقيم، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38]، كذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر واقرءوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]).

    قوله تعالى: وَلِبَاسُهُمْ أي: ثيابهم، فِيهَا حَرِيرٌ من يصنع لهم ثياب في الجنة؟ لا توجد مصانع في الجنة تصنع، ولكن هناك شجرة تنبت في الجنة تخرج منها ثياب أهل الجنة.

    فالله عز وجل يعطيهم ما لم يتخيلوا أبداً من فضله سبحانه وتعالى، ويعطيهم ما هو فوق ذلك، حيث ينادي على أهل الجنة: (يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا، فيقول: أفلا أعطيكم خيراً من ذلك؟ يقولون: وما خير من ذلك؟ فيقول: اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبداً) فأعظم ما أعطاهم الله سبحانه أن رضي عنهم سبحانه وتعالى، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم، وأن يرضى عنا، وأن يجعلنا من عباده المصطفين الأخيار، أهل الإحسان الأبرار.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.