إسلام ويب

تفسير سورة فاطر الآية [9]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرياح جند من جنود الله تعالى، وقد جعل الله تعالى منها رياح رحمة ورزق وحياة للناس، ورياح عذاب وهدم ودمار، وقد جعل الله الرياح سبباً في نزول الأمطار، حيث إنها ترفع المياه المتبخرة وتسير السحاب إلى أماكن بعيدة؛ ليستفيد منها العباد والبلاد.

    1.   

    تصرف الله تعالى بالرياح

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبد ه ورسوله, اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة فاطر: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ [فاطر:9].

    في هذه الآيات من سورة فاطر يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى بعظيم قدرته وبديع فعله في الرياح التي يخلقها ويسيرها كما يشاء، ويرسلها ويقبضها كما يشاء سبحانه وتعالى، فقال هنا عن إرسالها: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فالله يرسلها، وهو الذي يمسكها ويقبضها كما يقول سبحانه إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ [الشورى:33] فهي بيد الله سبحانه، إن شاء أرسلها نسيماً خفيفاً طيباً، أو ريحاً عاصفة شديدة، أو ريحاً قاصفة مغرقة، والله يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى، فهو يخبرنا في هذه الآية عن آية من آياته في هذه الرياح العجيبة التي يسخرها سبحانه وتعالى، والتي هي جند من جنده سبحانه، تأتي العباد برزق الله سبحانه وتعالى, وتتحرك كما يشاء الله، فتأتي من المشرق والمغرب والشمال والجنوب كما يشاء الله عز وجل، وتأتي بالروح والرحمة من الله، وتأتي برزق الله سبحانه وتعالى, فالرياح تثير السحاب، ثم تنزل من السحاب أمطاراً، فينزل منها البرد، وينزل منها ما يشاء الله سبحانه وتعالى, وقد يجعلها تأتي على مكان من جميع الأماكن، فتأتي الرياح في منطقة من المناطق فتحرك الأمواج من مكان إلى مكان، وقد تحركها في مكانها فتصير دوامة في المكان نفسه، والله يفعل ما يشاء سبحانه فهذه الرياح جند لله سبحانه يسخرها كما يشاء.

    1.   

    الجمال الفني في القرآن

    قوله تعالى: (الرياح) هي قراءة الجمهور وقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف الريح، وفي القرآن كله غالباً تأتي كلمة الرياح والريح وفيهما نفس القراءات، فقراءة للبعض الرياح، وقراءة للبعض الآخر الريح، ولذلك ما ذكره الثعالبي من أن الرياح لم تأت في القرآن إلا بمعنى الرحمة والرزق والعكس في الريح، فكذا هنا قال الله سبحانه: ((الله الذي أرسل الريح)) على قراءة، وقراءة أخرى الرياح، فالراجح أن الريح والرياح واحد, فالريح مفرد، والرياح جمع، فالله يرسل الرياح بالرحمة منه والرزق، وكذلك يرسل الريح بالرحمة منه والرزق، وقد يعكس ذلك سبحانه ويرسلها بالعذاب على من يشاء من خلقه, كما قال تعالى: (( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ )) فنلاحظ هنا أنه أخبر بفعل ماضٍ فقال: (( اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ ))، ثم يجعلك تستحضر الحال فيعبر بالمضارع، فلم يقل بعدها فأثارت سحابة، حيث كان الأصل أن يعبر بالماضي إذ بدأ به، ولكن عبر بالمضارع؛ لاستحضار الحال وكأنك الآن مستحضر لهذه الصورة وتراها وهي تثير هذا السحاب، وهذا من التفنن القرآني، وهو أسلوب عربي معروف, فالقرآن عظيم، وفيه أساليب العرب الجميلة في البلاغة، فيأتي القرآن بهذه الأساليب التي يفهما العرب ويعرفون دقتها وجمالها، فيأتي أحياناً بصيغة الخطاب للمتكلم، وبعد ذلك يقلب الخطاب للغائب، فهنا يذكر الله سبحانه وتعالى أنه أرسل على صيغة الماضي، ثم بعدها يعبر بصيغة المضارع، فيقول العلماء: وهذا التعبير معروف عند العرب، ومن ذلك قول أحدهم وهو شاعر من الشعراء واسمه تأبط شراً حيث يصف نفسه بالشجاعة فيقول:

    بأني قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة صحصحان.

    فأضربها بلا دهش فخرت صريعاً لليدين وللجران.

    فيقول: إنه لقي الغول، والغول عفاريت، فهو يحدث عن شجاعته، وأنها وصلت إلى درجة عظيمة بالغة حيث أنه قابل الغول لوحده في الصحراء، وكان العرب يمرون في الصحراء فتتغول الغيلان والجن، وتستهزء وتلعب بهم، فيخافون ويرتعبون ثم يشركون بالله سبحانه فيقول أحدهم: أعوذ برب هذا الوادي، يعني: استعيذ بسيد الجن في هذا الوادي، فتفرح الجن؛ لأن العرب أشركوا بالله سبحانه وعبدوهم وتعوذوا بهم من دون الله سبحانه فتتركهم يمرون، فهذا يقول: أنا قابلت الجن وحدي في الصحراء، فقال: بأني قد لقيت الغول تهوي, أي: آتية تجري نحوي , بسهب في الصحيفة صحصحان، وسهب هو الفلاة، يعني: في صحراء واسعة منبسطة مثل الكتاب الواسع، صحصحان أي: أرض مستوية واسعة، فأضربها بلا دهش فخرت. فانتقل من بأني قد لقيت في الماضي إلى فأضربها بالمضارع، فكأنه يقول: استحضر الحال، وانظر إلي وأنا اضربها الآن ضربة شديدة، فيقول: فأضربها بلا دهش، أي: بلا خوف، فخرت صريعة لليدين وللجراني، يعني: لليدين وللفم أو للرقبة، بمعنى: سقطت على الأرض، فهذا من الأساليب البديعة عندهم أن يعبر بالماضي ثم يعبر بالمضارع, أو يعبر بضمير الغائب وبعد ذلك يعبر بضمير المتكلم أو ضمير المخاطب، وهنا ربنا سبحانه تبارك وتعالى يقول: (( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ)) أي: أثارت السحاب وحركته، يقال: أثرت أرنباً من مكان، أي: أفزعته وحركته وجعلته يجري، فكذلك الريح تحرك السحاب من مكان إلى مكان.

    1.   

    أنواع الرياح

    الريح: من روح الله ورحمته سبحانه، وقد تكون من عذاب الله سبحانه وتعالى، فيرسل الريح بالرحمة على قوم، ويرسلها بالعذاب على قوم، وقد رأى قوم سحاباً في السماء أثارتها الرياح فقالوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الأحقاف:24] ومن هذه الآية أخذوا أن كلمة الريح تأتي بالعذاب، ولكن هنا قال الله عز وجل: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ على قراءة الجمهور، وعلى قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف الريح، فهي هي الريح، إما برحمة من الله، وإما بعذاب من الله عز وجل، والرياح والريح واحد.

    وقوله تعالى: (فسقناه): رجع إلى لفظ الماضي مرة ثانية وهذا من التفنن في الخطاب، فكأنك تنظر إلى عظمة الله سبحانه بالتدبر في آياته ومخلوقاته في هذا الكون، فانظر إلى هذه الريح التي أرسلها الله، فأنت لم تر إرسال الريح ولكن ترى السحاب وهي تجتمع في السماء سحابة مع سحابة، ثم تساق السحاب بواسطة الرياح، فعندما ترى السحاب تخمن نزول المطر، فكأنه يحضر لك الحال أمامك.

    قوله تعالى: فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ قرأها بَلَدٍ مَيِّتٍ المدنيان نافع ، وأبو جعفر ، وحفص عن عاصم ، وحمزة والكسائي ، وخلف ، وباقي القراء يقرأون إِلَى بَلَدٍ مَيْتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ [فاطر:9] والمعنى: جاءت الحياة إلى هذه الأرض الميتة من عند الله سبحانه وتعالى، وأراد أن يريكم حاجتكم إليه سبحانه، فكل إنسان محتاج إلى ربه سبحانه، ومحتاج إلى هذه الرياح ومحتاج إلى المطر، ومحتاج إلى الماء، ومحتاج إلى الثمار والحبوب، ومحتاج إلى هذه الأرض، ومحتاج إلى رحمة الله سبحانه.

    1.   

    كيفية تكوين السحاب ونزول المطر

    يقول الله تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ [فاطر:9] فالرياح تسببت في تكوين هذه السحاب، إذ تحرك الأمواج في البحر، لأن الماء لا يتحرك لوحده، ولكن الله يرسل الرياح فتحرك أمواجاً ظاهرة فوق الماء، وأمواجاً باطنة داخل الماء، فيتحرك الماء من مكان إلى مكان برحمة رب العالمين سبحانه, ولو بقي في مكانه لتعفن، ولكن شدة الريح تدفع هذه المياه إلى أن تتحرك وتفيض، ثم تأتي الشمس على هذه الأرض فتسخن ما على الأرض من ماء فيتبخر، ثم ترفعه الرياح إلى السماء، فالله سبحانه جعل لهذا الكون مقادير عجيبة، وآيات دقيقة من فضله سبحانه تبارك وتعالى، وتخيل حرارة هذه الشمس لو ظلت مسلطة على الماء كلما ارتفع إلى السماء حيث تشتد هذه الحرارة بالقرب من الشمس، لكانت المياه التي على الأرض قد تبخرت ولم ترجع مرة أخرى, فالله من فضله سبحانه تبارك وتعالى جعل حول هذه الأرض من خارجها في الغلاف الجوي أماكن باردة جداً، فكلما صعدت المياه قلت الحرارة ولم تزد رغم قربها أكثر من الشمس، وهذا صنع الله سبحانه تبارك وتعالى, فإذا بالمياه ترتفع مع الرياح إلى ارتفاع حوالي ستة عشر كيلو، أو من ثمانية إلى ستة عشر كيلو متر فوق سطح الأرض وهي المنطقة التي تتكون السحاب فيها أو فوقها بيسير، فالأرض أخرجت ماءها والشمس بخرته إلى هذا المكان، ثم يرسل الله الرياح فتحرك السحاب من مكان إلى مكان، فالرياح حركت الأمواج والمياه من مكان إلى مكان، والشمس سخنت فبخرت، ثم يرتفع الماء فتحركه الرياح إلى أعلى فتتكون السحاب هناك, ولو لم يكن هناك رياح وتبخر هذا الماء لبقى في السحاب، ولنزل في مكانه، فالمياه التي تبخرت من البحر ستنزل فوق البحر مرة ثانية، والتي تبخرت من النهر ستنزل فوق النهر، والتي من الأرض اليابسة مني عيونها وأنهارها ستنزل فوقها مرة ثانية، ولن ينتفع الناس بهذا الماء كثيرا إلا المكان الذي تبخر منه، ولكن الله الذي جعل لكل شيء قدراً شاء سبحانه أن هذه السحاب لا تقف في مكانها، ولكن يرسلها الله سبحانه فتتحرك من مكان إلى مكان.

    1.   

    مصارف الأمطار

    هناك إحصائية يقول فيها العلماء: إن ماء الأرض يتبخر منه سنوياً ثلاثمائة وثمانون ألف كيلو متر مكعب من المياه، وأغلب هذه المياه تخرج من المحيطات والأنهار والبحار وهي حوالي ثلاثمائة وعشرون ألف كيلو، أما ستون ألف كيلو متر فيخرج من سطح اليابسة من العيون والأنهار التي فوقها, ثم يتحرك السحاب إلى مكان آخر بحسب ما يشاء الله سبحانه, فيأمر المطر أن ينزل في مكان ويمنعه أن ينزل في مكان آخر، وهذا بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره.

    وقد اكتشف العلماء بأنه يصعد من البحار والمحيطات ثلاثمائة وثمانون ألف كيلو، والذي ينزل على البحار والمحيطات مائتان وأربعة وثمانون ألف كيلو، والباقي يتوجه إلى اليابسة وينزل فيها، فتنبت الحقول والبساتين كما يشاء الله سبحانه وتعالى، فنلاحظ أن الذي صعد من سطح اليابسة ستون ألف كيلو، والذي ينزل على اليابسة ستة وتسعون ألف كيلو، فالذي ينزل على الأرض من الماء أكثر مما يتبخر منها، فالقدر الذي يرتفع يحركه الله عز وجل كما يشاء لينبت للعباد الحبوب والثمار وما يشاء سبحانه، وينزل عليهم الأمطار يستقون منها ويسقون دوابهم منها والله يفعل ما يشاء.

    1.   

    بعض آيات الله في الأمطار

    من آيات الله سبحانه في هذه المياه أنه يبخر مياه المحيط الذي هو شديد الملوحة، ومياه البحر الذي هو أقل منه ملوحة، ومياه النهر الذي ليس فيه ملوحة، فإذا نزل الكل على هذه الأرض نزل ماءً عذباً فراتاً مباركاً من السماء, وهذه هي عملية تبخير الماء وإرجاعه بالتكثيف، والآن يحاول البشر أن يعملوا هذه العملية؛ لكي يحلو مياه البحر، فيأخذون في تكثيف المياه بأن يبخروها، ثم يستقبلوها على شيء. ويكثفوها فتنزل مرة أخرى وطعمها حلو، ولكن عندما تشرب مياه محلاة من محطات تحلية وماء المطر تجد الفرق بين صنع الله سبحانه تبارك وتعالى وصنع البشر, فالمياه المحلاة ليس لها طعم، أما مياه المطر فهي طاهرة طيبة مباركة نزلت من السماء، وكان إذا نزل المطر يخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليه حتى يأتي على وجهه ورأسه وذراعية صلوات الله وسلامه عليه، ويقول: (إنه قريب عهد بربه), وهذا لماء الذي خرج من الأرض واحتاج العباد إليه يصرفه الله كما يشاء، فقد جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : (أن رجلاً كان يمشي في فلاة فسمع صوتاً في سحابة يقول: اسق حديقة فلان فتعجب الرجل ونظر إلى السحابة فلم ير أحداً ولكن سمع الاسم فتتبع السحابة، فتجمعت السحابة في مكان في السماء، وسارت السحابة ثم أمطرت مطراً على حديقة لإنسان،فيعجب الرجل لذلك وينادي على صاحب الحديقة يقول: ما اسمك يا عبد الله! فقال: أنا فلان بالاسم الذي سمعه في السحاب، فقال: لم تسألني عن اسمي؟) أي: لماذا تسألني هذا السؤال؟ فيقول: (أخبرني ما الذي تصنعه في حديقتك؟ فقال: لم السؤال؟ فقال له: إني سمعت صوتاً في السحابة الذي هذا ماءها يقول: اسق حديقة فلان باسمك، فقال: أما إذ أخبرتني بذلك فإني إذا زرعت) أي: إذا حصدت هذا الذي زرعته (فإني آكل ثلثه وأتصدق بثلثه وأرد فيها ثلثها، قال: فهذا الذي بلغ بك ما سمعت في السحاب) هذا الرجل كان إذا أثمرت مزرعته تصدق بثلثها، ويأكل من تعبه وحصاده الثلث، ويرد فيها الثلث الآخر، فلما جعل هذا الشيء لله عز وجل لم يحرمه الله سبحانه، وجعل الله السحابة تأتي إليه وحده لتنزل بالماء على أرضه وحديقته اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا [الروم:48] فهذه الآية العظيمة التي تخبرنا عن رحمة الله سبحانه، وأنه يرسل السحاب وينزل المطر ويفعل ما يشاء في خلقه سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    التدليل على البعث والنشور بإحياء الأرض بعد موتها

    قال تعالى: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ [فاطر:9] فيرى الناس كيف يحي الله الأرض بعد موتها، وكيف يحي الله الشيء الميت أمامهم، فالمزارع يزرع الشعير ويرمي ببذور القمح ثم ينتظر المطر؛ إذ ليس عنده نهر موجود، ولا مياه تأتي إليه، بل ينتظر المطر ينزل من السماء، فإذا بالله ينزل المطر، وإذا بالأرض الصحراء تهتز وتربي ويخرج فيها الزرع العظيم بفضل الله سبحانه، فترى أمامك الشيء الميت صار حياً بعد ذلك بفضل الله وبرحمته، وكذلك في كل مكان يرى الناس هذه الآية التي يقول لهم الله سبحانه فيها: فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [فاطر:9] ويقول الله عز وجل: كَذَلِكَ النُّشُورُ [فاطر:9] أي: هذا الشيء العظيم الذي رأيتموه من أحياء الله عز وجل الأرض بعد موتها كذلك سيحييكم وينشركم يوم القيامة، والأرواح والأجساد التي قد بليت وفنيت، فإن الله عز وجل ينشرها ويجعلها تحيا مرة ثانية، والنشر بمعنى: الرفع والإقامة، فالله عز وجل يرفع هذه الجثث البالية الميتة ويرد فيها أرواحها فيحييها مرة ثانية؛ ليجازي العباد ويحاسبهم يوم القيامة سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    لجوء الكافرين إلى الله في الضراء وتكبرهم وعنادهم في السراء

    يقول تعالى: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [يونس:22-23] وانظر إلى الأسلوب القرآني العظيم الجميل بقوله: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) فأسلوب الخطاب (إذا كنتم) يدل على المخاطب، ثم يقول: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ) فيدل على الغائب، فهذا من التفنن، حيث انتقل من الكلام للمخاطب إلى الكلام عن الغائب قال: (وَفَرِحُوا بِهَا) أي: اغتروا بذلك، ونسوا الله سبحانه وتعالى حتى جاءتهم ريح عاصف، فالريح يرسلها الله عز وجل ريحاً طيبة، أو يرسلها ريحاً عاصفة، فلما أمنوا واغتروا جاءتهم الريح العاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وهذا تعبير عجيب جداً، وتعبير حقيقي؛ لم يكن أحد يعرفه، ومن رأى هذا الشيء لم يرجع لكي يخبر به بل هلك ومات، فأخبر الله أنهم جاءتهم ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان، فتأتي ريح من هنا وريح من هنا حتى تصير دوامة من وصل إليها غرق لزاماً ولا يرجع من هذا المكان أحد، يقول تعالى: وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس:22]، والصحابة لم يذهب أحد منهم إلى مثل هذا المكان، بل كانوا يخافون من البحر، ولذلك عمر رضي الله عنه لما كان يبعث البعوث والجيوش كان يقول لقائد الجيش: لا تجعل بيني وبينكم بحراً، بمعنى: اجعل بيني وبينكم يابسة حتى أستطيع على مدكم بالجيوش، فما كانوا يعرفون الخوض في البحار والوصول إلى هذه الأماكن في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه إلا الشيء اليسير القليل، والذي يصل إلى مثل هذه اللجة ويغرق فيها لن يرجع ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا المكان كان الموج فيه يأتي من كل مكان، لكن العلم الحديث هو الذي اكتشف أن منطقة الدوامات هي منطقة وجود رياح عاصفة تأتي من كل مكان، وهذا هو الذي أخبر به ربنا سبحانه تبارك وتعالى منذ ألف وأربعمائة سنة على لسان النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ لم يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم الدوامات، ولم يركب البحر صلى الله عليه وسلم حتى يخبر عن منطقة كهذه، لكن الذي صنعها هو الله سبحانه، وهو الذي أخبر عنها في كتابه سبحانه وتعالى، فالإنسان حين يجد نفسه موشكاً على الغرق يدعو ربه لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، فينجي الله من يشاء من خلقه سبحانه وتعالى، ويهلك من يشاء من خلقه سبحانه، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق، وبغي الإنسان إنما هو على نفسه، قال تعالى: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ [يونس:23] أي: تمتعوا متاع الحياة الدنيا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [يونس:23] فربنا سبحانه أخبرنا عن إرسال الريح التي يسوق بها السحاب فينزل المطر من السماء لننتفع به، فالله الكريم سبحانه جعل لعباده الرزق كما قال تعالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22] وقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96] بركات من السماء بنزول المطر، ويأتي البرق وتأتي الرحمة من الله سبحانه، فالبرق الذي يراه الإنسان ويخاف منه فيه خير عظيم جداً، إذ تحصل شرارة كهربائية في السماء باتحاد النيتروجين مع الأكسجين وتتكون أسمده نيتروجينية تنزل في الأرض مع المطر فتخصب الأرض فينبت الزرع من الأرض بسماد جيد من عند رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96] فلو اتقى الناس ربهم سبحانه وتعالى لجاء الخير من كل مكان عليهم، ولفتح عليهم الرزق العظيم الواسع، وانظر لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في حدود الله عز وجل حيث يقول: (حد واحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً) فإقامة الحدود التي نص عليها كتاب ربنا سبحانه كقطع يد السارق مثلاً تفيد الناس، إذ كل من رأى ذلك خاف أن تقطع يده وخاف من السرقة، فإذا طبقوا ذلك فسينتشر بين الناس الأمن والأمان، ولو طبق حد الله سبحانه وتعالى في الإنسان الزاني المحصن فرجم، وفي الزاني الغير المحصن بزواج فجلد، وفي القاذف فجلد، لصان الناس أعراض بعضهم البعض، ولما وقع أحد في عرض أخيه؛ لأنه يخاف من الجلد، فقد لا يخاف من التحذيرات التي في القرآن، لكن يخاف من أن يرجم؛ إذا وقع في الزنا والعياذ بالله, فالله عز وجل جعل الحدود رادعة للناس أن يقعوا في ظلم أو أن يقعوا في فاحشة من الفواحش التي حرمها الله سبحانه وتعالى، فإذا أقيم حد من حدود الله سبحانه في الأرض فهو خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً, ولو أقيم حد الحراب كما قال الله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33] لوجدت الذين يفزعون الناس ويقطعون الطرق عليهم يرتدعون من جرمهم خوفاً من الحد.

    فالله عز وجل يخيف هؤلاء بحده سبحانه، فمثل هذا الإنسان الذي يقطع الطريق على الناس بالسيف، ويقطع الطريق على الناس بالتخويف والتهديد، ويأخذ أموالهم ويقتلهم، فالله عز وجل جعل الحكم عليه أن يقتل أو يصلب أو تقطع يداه ورجلاه من خلاف أو ينفى من الأرض، فهذا جزاؤه في هذه الحياة الدنيا، فإذا رأى الناس قاطع الطريق الذي كان يقطع على الناس الطريق، ويخيف الناس ويفزعهم، ويأخذ أموالهم ويقتلهم، قد قتل وصلب أمامهم فإنهم سيخافون من ذلك، وإذا رأوا فلاناً الذي أخذ أموال الناس كرهاً قطعت يده ورجله فإن الشخص سيخاف أن يفعل به مثل هذا الشيء، فيأمن الناس في بلادهم، وينزل الله البركات من السماء، ويخرج البركات من الأرض، ففعلاً حد واحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً.

    1.   

    تكييف الجو عن طريق الماء والأشجار

    المياه نعمة من الله سبحانه وتعالى يشربها الإنسان ويتطهر بها، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48] أي: لنطهركم به، وليثبت الله عز وجل به أقدام المؤمنين، وليحيي به الأرض بعد موتها. فالله جعل من هذا الماء كل شيء حي، وجعل لك الماء لتغتسل به وأنزله من السماء لتشعر بالبرد، إذ لولم ينزل هذا الماء من السماء لوجدت الحر الشديد، ووجدت العطش الشديد، ولكن الله سبحانه تبارك برحمته يخزن لك هذا الماء في المياه الجوفية في باطن الأرض، وتخرج على الناس العيون والأنهار فيشربون منها، وانظر إلى رحمته سبحانه في تلطيف الجو الذي أنت فيه عن طريق الأشجار، حيث أن هذه الأشجار تأخذ المياه من الأرض، ثم يأتي حر الشمس فيجعل الماء يتبخر من الأشجار، وهو ما يسمى بعملية النتح، ويقول أهل العلم: إن شجرة واحدة قد تنتح في اليوم العادي ما يقارب من خمسمائة لتر من الماء، فربنا قد جعل لك تكييفاً في الأرض من الأشجار التي حولك عن طريق عملية النتح، حيث يخرج الماء من مسام في أوراق الشجر والنبات، ويجعل الله عز وجل هذا الماء بقدر، ولذلك لما نقارن بين النباتات الموجودة في البلدان والنباتات الموجودة في الصحراء نجد أن عدد المسام في الأوراق والنباتات الموجودة في البلد غير الموجودة في الصحراء، فالتي داخل البلد يكون عدد المسام فيها كبير ويخرج منها مياه أكثر من التي في الصحراء، إذ تخرج التي في الصحراء كمية أقل؛ لكي تعيش فترة أطول في مكانها التي هي فيه، فهذا الماء يصرفه الله عز وجل كيف يشاء في خلقه، ويجعل منه سبحانه وتعالى الروح والرحمة.

    1.   

    جواز تشبيه الأمر المحسوس المشاهد بالأمر الغيبي لأجل التفهيم والتقريب

    قال تعالى: (( وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ )) وجاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني من حديث أبي رزين العقيلي قال: (قلت يا رسول الله! كيف يحيي الله الموتى) فأتاه الجواب من النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (قال: أما مررت بوادي أهلك ممحل ثم مررت به يهتز خضرا) أي: ألم تنظر وأنت تمر بالوادي إلى أن الأرض ممحلة ليس فيها نبات، وبعد فترة أنزل الله عز وجل عليها المطر فرأيتها تهتز خضراً أي: أخرج النبات، فقال الرجل: (نعم يا رسول الله!) قال صلى الله عليه وسلم (فكذلك يحيي الله الموتى) فهذه آية من آيات الله سبحانه حيث يحيي الله عز وجل الموتى أمامك، فهذه البذور التي تراها ميتة ترميها على الأرض فينزل عليها المطر من السماء، ويأتي أمر الله فينبت منها نخل عظيم جداً صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، فعجيب أمر الله سبحانه وتعالى في خلقه، فأنت ترى هذه النواه وهذه النواه وهذه النواه تسقى كلها بماءٍ واحد، ثم يخرج من هذه النواه شجرة صنوان وغير صنوان، أصلها واحد ثم تتفرع جزءين فترى هنا رأس نخلة، وهنا رأس نخلة أخرى، والماء الذي سقى هذه وهذه ماء واحد. فالله هو الذي خلق من الماء كل شيء حي، ويريكم آياته في خلقه لعلكم تشكرون.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على شكره وذكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم, وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.