إسلام ويب

تفسير سورة فاطر [2 - 8]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله سبحانه عباده المؤمنين بفضله عليهم، وأنه هو القادر الوحيد على أن ينزل على عباده من رحماته، وأنه لا يستطيع أي مخلوق كان أن يمسك رحمة الله إذا أرسلها سبحانه، ثم يخاطب سبحانه خليله عليه الصلاة والسلام بكلمات هي ألطف ما تكون ليبين له أن عمله مقتصر في الدعوة، وأن الهداية خاصة برب العزة والجلال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم ... وهو العزيز الحكيم)

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين:

    قال الله عز وجل في سورة فاطر: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ * الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:2-8].

    يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات عن رحمته العظيمة التي يفتحها لمن يشاء من خلقه، ولا يقدر أحد على ردها أو على إمساكها، فقال: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ [فاطر:2]، فمن ذا الذي يمسك رحمة الله إن فتحها لأحد من خلقه؟! وكذلك إن أمسك سبحانه تبارك وتعالى عن الخلق شيئاً وحجزه ومنعه، من الذي يستطيع أن يرسله بعد الله سبحانه؟! لا إله إلا هو سبحانه، فهو العزيز الحكيم، والغالب القاهر الذي إذا قضى شيئاً لا يقدر أحد أن يمنعه، وهو الحكيم، يقدر ما يشاء وقت ما يشاء سبحانه.

    ثم يقول الله سبحانه للناس جميعهم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [فاطر:3].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ [فاطر:3]، ففي الخطاب المكي دائماً ينادي: يا أيها الناس! فالقليل من أهل مكة هم المؤمنون، والكثير منهم مشركون، فيجمع بندائه جميع الناس، بخلاف الخطاب المدني أن فالعادة في الخطاب المدني يقول: يا أيها الذين آمنوا؛ لأن الأكثر في المدينة هم المؤمنون.

    اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ [فاطر:3]، أي: اذكر ولا تنسى هذه النعمة ولا تسكت عنها، ولا تكتمها، وقل للخلق: قد أنعم الله عز وجل علينا بنعم عظيمة.

    ولفظ: نعمة جنس، ولذلك لم يجمعها، فلم يقل: نعمات، فإذا جاء الجنس دخل فيه الواحد والاثنان والجمع والقليل والكثير.

    فإذا قال: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ [فاطر:3]، أي: جميع النعم العظيمة من الله عز وجل التي أنعم بها على خلقه، فكل نعمة أنعم الله عز وجل بها على أحد من خلقه داخلة تحت هذه اللفظة، فاذكروا كيف أعطاكم السمع والبصر والفؤاد، وكيف أعطاكم اليد والرجل وأعطاكم العقل والعمل، والرزق، وخلق لكم السماوات، والأرضين والجبال، وأرسل الرياح، فاذكروا هذه النعم تعرفوا من الذي خلقها ومن الذي أنعم بها عليكم، فهو جدير أن تعبدوه وأن تشكروه وحده لا شريك له.

    (ونعمة)، كتبت في أكثر المصاحف بالتاء، فإذا وقفت عليها فتقف بالتاء، والجمهور على ذلك.

    ولكن ابن كثير وكذلك أبا عمرو ويعقوب البصريين، والكسائي يقرءونها بالهاء فيقولون: (اذكروا نعمة).

    هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3] ، غَيْرُ [فاطر:3]، بالضم وهذه قراءة الجمهور، أما قراءة أبي جعفر وحمزة والكسائي وخلف : (هل من خالق غيِرِ الله يرزقكم من السماء والأرض)، بالكسر على أنها وصف لما قبلها، والأصل في خالق، أنه مرفوع.

    هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [فاطر:3]، والجواب: لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو سأل هؤلاء الكفار من الذي خلقكم؟ يقولون: الله، ولو لم ينطقوا هذا، فقد شهد الله عليهم أنهم يقرون بذلك في قلوبهم ويقرون أن الله وحده هو الذي يخلق، وأنه وحده هو الذي يرزق وأنه وحده الذي ينعم سبحانه تبارك وتعالى.

    هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [فاطر:3]، أي: هل يوجد أحد آخر غير الله يرزقكم من السماء فيفتح عليكم البركات من السماء وينزل عليكم من السماء ماء فيسقيكم ويطعمكم ويرزقكم ويخرج لكم الثمرات من الأرض فيطعمكم؟

    والجوب: لا خالق غير الله سبحانه وتعالى، فالمشركون يعرفون هذا الجواب؛ لأنهم لم يشركوا في ربوبيته سبحانه، فلا أحد من المشركين يقول: إن الرب اثنان ولكنهم يقرون بتوحيد الربوبية وأن الرب واحد، فقد جاء عمران بن حصين عندما كان كافراً، إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (كم تعبد اليوم يا حصين ؟! قال: سبعة، واحد في السماء وستة في الأرض، فقال: من الذي ترجوه لنفعك وضرك؟ قال: الذي في السماء)، فهو الذي يرجوه لنفعه وضره وهو الذي يخلق ويرزق ويعطي ويحيي ويميت وينفع ويضر، ويعبدون هذه الآلهة، بسبب: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فالشيطان زين لهم هذا الكلام الذي لا قيمة له، ولا معنى له، وقالوا: نحن أحقر من أن نعبد الله مباشرة، يقولون هذا كذباً وبهتاناً وزوراً، فيفترون على الله الكذب، ويعبدون غير الله سبحانه وتعالى، فيقول الله عز وجل مجيباً: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [البقرة:163] يعني لا يستحق العبادة إلا هو، فلا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3]، الإفك بمعنى: الصرف: فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3] أي: فكيف تصرفون عن توحيده سبحانه، و(أنى يؤفكون) من الإفك وهو الافتراء وكيف يفترون عليه سبحانه تبارك وتعالى فيصرفهم كذبهم عن الله سبحانه تبارك وتعالى؟ فإذاً كيف صرفوا عن توحيد الله سبحانه، هل هؤلاء لهم عقول، وهل هم ينظرون ويتفكرون ويعقلون؟

    إنهم لا يعقلون، فلو كانوا يعقلون لعبدوا الله وحده لا شريك له، فانظر وتعجب كيف صرفوا عن توحيد الله وقد عرفوا أنه هو الرب وحده، فعبدوا غير الله تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ...)

    قوله تعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [فاطر:4]، أي: إذا دعوتهم إلى ربك فكذبوك فليس هذا بالشيء الجديد: فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [فاطر:4]، كقوم قوم نوح من قبل فقد كذبوا نبيهم نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقال تعالى: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:123-124].

    وقال تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:141-142].

    وقال تعالى: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176]، أي: فلست أول نبي يكذب، ولكن كذب قبلك أنبياء ورسل عليهم الصلاة والسلام.

    وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [فاطر:4]، أي: الأمور كلها راجعة إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، ليجازي العباد على ما صنعوا، والذي يرجعها هو الله سبحانه وتعالى، وفي الآية قراءتان: قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم جميعهم يقرءون: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [فاطر:4] وباقي القراء يقرءون : ( وإلى الله تَرجِعُ الأمور).

    فكل أمر يحدث راجع إلى الله ليسأل صاحبه، لم فعلت هذا؟ ليجازي بذلك كل عامل بما عمل.

    فأي قول يقال وأي فعل يفعل، وكل تدبير يكون فهو إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، وكل شيء راجع إليه فإلى الله تصير الأمور، أي مصيرها إليه، والجزاء عليه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق ...)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [فاطر:5]، كرر النداء مرة ثانية.

    إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [فاطر:5]، وقد وعد الله سبحانه بالثواب على الإيمان والطاعة، ووعد بالعقوبة على الكفر والمعصية، ووعدكم بأنكم ترجعون إلى الله سبحانه، فوعده حق ولا يخلف الميعاد، وأمره آت حتى وإن نظرنا أنه بعيد، فلا شيء بعيد على الله سبحانه وتعالى فكل شيء قريب، ولذلك يقول: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1]، أي: سيأتي ولكونه يقيناً فهو في حكم أنه قد أتى، فالجنة آتية والنار آتية، والجزاء آت والعقوبة آتية، والله عز وجل حسابه آت، والموت آت لا مفر منه. فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [فاطر:5]، أي: لا تغتروا بهذه الدنيا فإن الدنيا تغر الإنسان وإذا تزخرفت له وتزينت له نسي نفسه، ونسي ربه سبحانه، ونسي دينه، وطمع فيها وكأنه سيعيش فيها ويخلد فيها أبداً، والإنسان نهم بطبيعته يريد المزيد، فكلما أعطي من الدنيا طلب الأكثر، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى له ثانياً، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب).

    وهذه كانت آية في كتاب الله عز وجل فنسخت تلاوتها، وبقي حكمها، وهنا يقول لنا النبي صلى الله عليه وسلم، إن ابن آدم طماع فلو أعطاه الله عز وجل وادياً من ذهب، لتمنى وادياً ثانياً، ولو أعطاه الثاني لتمنى ثالثاً، وهو لا يدري ماذا سيعمل به؛ لأنه لا يفكر كيف يصنع في هذا الشيء، فيطلب ما لا يقدر عليه، ويطلب ما لا ينتفع به، ويطلب الكثير وهو موقن أنه سيموت، وأنه سيترك الذي جمعه، ولكنه طمع الإنسان ولو طمعت فيما عند الله سبحانه لكان خيراً لك وأبقى عند الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (اثنان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا) فطالب العلم لا يشبع من طلب العلم، كلما ازداد علماً، ازداد علماً بجهله، ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: كلما زدت علماً زادني ذلك علماً بجهلي، هذا يقول ذلك، وهو من هو؟! فالإنسان كلما ازداد علماً عرف أن فوقه من هو أعلم منه، وأنه تعلم من أهل العلم الذين كانوا أعلم منه بذلك، فيتواضع بطلب العلم؛ لأنه يزداد تواضعاً، فكلما فتحت له أبواب العلم فتح عليه أن يعرف قدر نفسه، وأن علام الغيوب هو الله سبحانه، قال تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، فيتواضع العبد لله سبحانه، ويزداد تواضعاً، قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    وكذلك في أمر الدنيا، فإذا فتحت الدنيا على أحد صار نهماً جشعاً، يطلب الدنيا، ولا يستكفي بما عنده، ولا يقنع بالشيء القليل الذي كان يأخذه بل يطلب الكثير حتى يشيب ولا يزال قلبه شاباً على حب الدنيا، فيصير الإنسان شيخاً كبيراً هرماً عجوزاً، وهو يطلب الدنيا، إلا من رحم الله تبارك وتعالى، (يشيب الشيخ وقلبه شاب على حب الدنيا) ، كما جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [فاطر:5].

    أي: لا تغتروا بالدنيا وزخرفها وزينتها، ولا تغتروا بما يزينه لكم الشيطان من شهوات ومن شبهات، فحذرنا من الدنيا وغرور الدنيا.

    فالدنيا إما أن تكون لإنسان داراً يستمتع فيها بطاعة الله كما قال بعض الحكماء: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وجنة الدنيا هي جنة الطاعة، وجنة حب الله سبحانه، فالإنسان المؤمن يطيع الله ويرضى عن الله، فيرضيه الله تبارك وتعالى.

    الْغَرُورُ [فاطر:5]، جاء في القرآن بالضم: ( الغُرُور)، وجاء في القرآن بالفتح: الْغَرُورُ [فاطر:5]، فالغَرور هو صاحب الغُرور، أي: الشيطان، والغُرور: الباطل والزخارف التي في الدنيا، فإذاً لا تغتروا بما يقوله لكم الشيطان ويخدعكم به، والغرور هنا هو الشيطان لعنة الله عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً ...)

    قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6]، أي: احذروا أن يغركم بالله سبحانه تبارك وتعالى وأن يزين لكم الباطل، قال تعالى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121]، فالشياطين يوحون إلى أشياعهم، وأوليائهم، ويوسوسون إليهم حتى يجادلوا المؤمنين بإيقاع الشبهات في قلوبهم، ويلبسون عليهم ليلبسوا عليهم دينهم، فأولياء الشيطان يسول ويزين لهم القول الباطل، قال تعالى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:137]، ولكنه ترك للشيطان أن يوسوس حتى يجازيه ويجازي أتباعه وأشياعه يوم القيامة.

    فحذر المؤمنين وقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6]، فالشيطان يوسوس للإنسان، ويدفع أولياءه ليجادلوا المؤمنين، ولا يملك أكثر من الجدل وأكثر من الوسوسة في القلوب، ولكن الله أنزل الكتاب وأرسل رسوله صلوات الله وسلامه عليه، ووهب الناس القلوب والعقول حتى يفهموا عن الله سبحانه، فأعذر إليهم وحذرهم، وقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ [فاطر:6].

    وبين لنا أنه لما خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في الجنة كان الشيطان سبب خروجه من الجنة، وأنه وسوس إليه وإلى زوجه حواء حتى أكلا من الشجرة: فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:121-122].

    فالشيطان سبب بلاء الإنسان، وسبب خروج آدم من الجنة، فهو عدو لأبيك آدم أفلا يكون عدواً لك؟! وهو الذي قال لربه سبحانه: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82]، وقال: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17]، فتوعد ابن آدم بأنه سيصنع به ذلك، وقال لربه سبحانه: أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ [الإسراء:62]، لَأَحْتَنِكَنَّ [الإسراء:62]، يعني سأزين للذرية وأحتال لها الحيل، حتى أخرجهم عن الدين وأضلهم وأدخلهم النار والعياذ بالله، فهو يريد أن يأخذ ذرية آدم معه إلى النار، أو من استطاع أن يأخذه منهم معه إلى النار.

    فلذلك قال لربه سبحانه تبارك وتعالى: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:16]، وكأنه يقول: لن يتجاوزه إنسان إلا وفتنته وأغويته.

    قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6]، أي: عادوا الشيطان ولا تصادقوه، ولا تسمعوا لوسوسته، وتزيينه، إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر:6]، فالشيطان يدعو أتباعه وأشياعه ليكونوا معه في أصحاب السعير، يقول الفضيل بن عياض رحمه الله ينادى على الإنسان الذي يكذب ويفتري ويترك ربه ويتبع الشيطان: يا كذاب يا مفتري! اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر.

    وكل إنسان من أهل المعاصي يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقول: الشيطان الذي عمل لي كذا.. والشيطان هو الذي وسوس، ولكن أنت الذي اخترت، وأنت الذي اكتسبت، والله عز وجل يحاسبك على كسبك أنت: لم أطعت الشيطان، وقد حذرك الله سبحانه وقال: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6]؟

    يقول ابن السماك: يا عجباً لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه! وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته!

    فالعجب ممن عرف الله سبحانه الذي أحسن إليه ومن عليه وأعطاه من كل النعم، وإذا به يعصي ربه سبحانه، ويطيع الشيطان الذي قد عرف عداوته، وعرف كيف عادى آدم، وبني آدم، وكيف جعل ابن آدم يقتل أخاه بغير ذنب وجرم، وكيف جعل الناس يكذبون رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فإذا بالإنسان يستمع للشيطان ويتبعه ويترك ربه سبحانه تبارك وتعالى.

    السعير أي: النار، والنار أسماؤها كثيرة، وأوصاف هذه الأسماء عجيبة تدل على منظرها القبيح، وهناك فرق بين نار الدنيا ونار الآخرة، فنار الآخرة نار سوداء مظلمة والعياذ بالله، ونار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة، فالله تبارك وتعالى خففها لينتفع بها البشر، وإلا لأحرقت كل شيء، أما نار الآخرة فوقودها الناس والحجارة، ونحن ما رأينا ناراً في الدنيا توقدها الحجارة، وهذا يدل على أن حرها قد بلغ أقصى ما يكون من درجات الحرارة، ومن أسماء النار جهنم، وهي مأخوذة من الجهومة، وفيها معنى الغضب ومعنى العبوس ومعنى الظلمة.

    ومن أسمائها: السعير، وهي مأخوذة من الاستعارة، فهي نار مستعرة كالمجنونة، تقول: فلان مسعور، وفلان به سعار، أي: به جنون، أصابه داء الكلب فصار كالمجنون، فهي نار مستعرة عظيمة، تفور وتجذب من جاء إليها، أو من وكلت به، وهي مضطرمة أشد اضطرام، مشتعلة أعظم الاشتعال والاستعار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين كفروا لهم عذاب شديد...)

    قال الله سبحانه: الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [فاطر:7]، الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [فاطر:7]، أي: الذين كفروا فتابعوا الشيطان وقد حذرهم الله سبحانه، فكفروا بالله، وأنكروا نعم الله سبحانه، وجحدوا ربهم سبحانه، وأشركوا معه غيره فعبدوا غير الله، وجعلوا آلهة مع الله سبحانه، فلهم عذاب شديد.

    وإذا قال الله عذاباً شديداً، فمهما تخيلت فلن يصل بك خيالك لشدة هذا العذاب، قال سبحانه: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة:8-9]، ومعنى أمه: ما يؤمه ويقصده، فيؤم ويقصد ويدخل إلى الهاوية التي تهوي به في نار جهنم والعياذ بالله، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ [القارعة:10]، لم تر أنت هذه الهاوية من قبل، نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:11]، أي: مشتعلة مستعرة قد بلغت أقصى درجات الحرارة والعياذ بالله.

    وهؤلاء هم الذين يأتون يوم القيامة ويذكرهم ربهم قائلاً: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:106-107].

    وحالهم في النار أنهم عابسوا الوجوه: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس:40-42]، وقد كلحت وجوههم: وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:104]، أي: كلحتهم النار وشوتهم والعياذ بالله، فإذا نظر الإنسان إلى صورة إنسان قد احترقت فتجد أن شفته العلوية تقلصت إلى أعلى، وشفته السفلى إلى أسفل وبدت أسنانه، ولعل هذا يموت في الدنيا فيستريح مما هو فيه، لكن أما أهل النار فلا يستريحون.

    أما المؤمنون، فبرحمة الله العظيمة الواسعة يدخلهم جنته، وهم فيها ينعمون، قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [فاطر:7].

    وَالَّذِينَ آمَنُوا [فاطر:7]، وليس المقصود بالإيمان الإيمان بالقول فقط، ولكن المؤمن من آمن بالقول وعمل الأعمال الصالحة فأتى بأركان الإسلام، وأتى بما فرضه الله عز وجل عليه، فلا بد من العمل، ولا يغتر الشخص بقوله: أنا مسلم ويترك العمل.

    وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [فاطر:7]، فآمن بقلبه وظهر أثر إيمان القلب على اللسان بذكر الله عز وجل، وعلى الجوارح بأعمال الطاعة لله سبحانه تبارك وتعالى، والخوف من الله سبحانه، والرغبة والرجاء في الله سبحانه، وحب الله وأولياء الله، وبغض أعداء الله من الكفرة والمشركين والمنافقين. قال تعالى: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ [فاطر:7]، أي: يغفر الذنوب ويمحوها تبارك وتعالى، ويسترها ويكفرها، وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [هود:11]، وأعظم الأجر جنة الخلود، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله ...)

    قال تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8]، ذكر الله السؤال ولم يذكر الجواب؛ لأن الجواب معروف، وهو أن من زين له سوء عمله، مصيبته عظيمة عند الله سبحانه، قال الله سبحانه: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف:103]، أي: هل تعرف من أخسر الناس عملاً؟ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:104]، أي: أنهم يظنون أنهم محسنون، وأقسى ما يكون على الإنسان إذا ظن بنفسه أنه يعمل شيئاً جيداً، وهو لا قيمة له، فإذا جاء يوم القيامة كان أشد ما يكون عليه أن ينظر إلى أعماله التي كان يعملها وهي تطير أمامه، قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

    الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [الكهف:104]، فقد كان الكفار يطعمون ويسقون الحجيج، ويكرمون من يأتي إلى بيت الله، ولكن اعتقادهم باطل وقلوبهم خربة، فهم يعبدون غير الله سبحانه، وإذا قدموا يوم القيامة وجدوا كل هذا ذهب هباءً منثوراً، ولا يستحقون عليه شيئاً؛ لأنك لكي تستحق الأجر لا بد وأن تأتي بأصل من أصول الإيمان بالله سبحانه تبارك وتعالى.

    قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [الكهف:105]، فلا وزن لهم يوم القيامة عند الله سبحانه ولا قيمة لأعمالهم الصالحة التي عملوها، وهم على الكفر.

    إذاً: فمن زين لهم الأعمال الباطلة فعملوها وظنوها حسنة، لا تحزن عليهم.

    قال الله سبحانه: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ [فاطر:8].

    أي: الهدى بيد الله، والضلال بيده سبحانه تبارك وتعالى، يهدي من يشاء، ويخذل من يشاء.

    وإذا خذل إنساناً فثق أن هذا عدل من الله سبحانه، وأنه لا يستحق إلا ذلك، ومن هداه الله فقد تفضل عليه سبحانه، فهو يتفضل على عبده بأن يهديه، وأن يعينه على طاعته سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر:8]. فالكل يرجع إلى مشيئة الله وإلى حكمته وإلى عدله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8]، أي: احذر أن تقتل نفسك على هؤلاء كما قال في الآية الأخرى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6]، فهل تقتل نفسك من شدة الحزن على هؤلاء لكونهم لا يؤمنون؟ إنهم لا يستحقون ذلك.

    فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8] ، وقراءة أبي جعفر : ( فلا تُذهِب نفسك عليهم حسرات )، ولا تضيع نفسك حسرة على هؤلاء.

    إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8] ، إن الله عليم بصنع هؤلاء وبما يفعلونه، ويجازيهم عليه يوم القيامة سبحانه وتعالى.

    فالنبي صلوات الله وسلامه عليه كان أرحم الناس بخلق الله سبحانه، وكان يحب أن يدخل الجميع في دين الله، وكان يدعو إلى الله سبحانه بثقته بربه سبحانه، فإذا أجابوه بالأجوبة السخيفة السفيهة يحزن صلوات الله وسلامه عليه، ويشتد حزنه.

    حتى كاد يموت من شدة الحزن فأخبره ربه أن الأمر ليس كذلك؛ فإن الهدى بيد الله، والضلال بيده سبحانه، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وما على الرسول إلا البلاغ، وعليك أن تأخذ بالأسباب ودع النتيجة لله سبحانه، فهي ليست إليك.

    وكرر الله سبحانه تبارك وتعالى ذلك في كتابه مخاطباً نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه، كقوله سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة:272]، أي: لن نحاسبك على عدم هداية هؤلاء وإنما سيحاسبهم الله عز وجل على أفعالهم، وأنت تحاسب على أنك بلغت رسالة ربك سبحانه تبارك وتعالى.

    وقال سبحانه: وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:176]، أي: لا تحزن على الذين يسارعون في الكفر فهم لن يضروا ربهم، وإنما يضرون أنفسهم، وقال له سبحانه فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6].

    وفي كل ذلك يخبر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بما مضمونه: لا تحزن على عدم إيمان الكفار، وادعهم إلى دين الله سبحانه، واغضب لله سبحانه، ولكن لا تصل بك الحسرة إلى أن تقتل نفسك من شدة الحزن على هؤلاء، فهم لا يستحقون ذلك، وفيه التنبيه على أن الإنسان الذي يدعو إلى الله يدعو بقلبه، ويحرص على أن يدخل الناس في دين الله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك مما طلعت عليه الشمس).

    وإذا فرضنا أن المدعو لم يستجب للذي دعاه، فليس المعنى أن الدعوة ضاعت؛ لأنه لم يستجب، ولكن ادع هذا وادع غيره وهكذا، وثق أن الهدى بيد الله، إن شاء هداه، وإن شاء تركه على ضلاله فأرداه: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8] .

    نسأل الله من فضله ومن رحمته، إنه لا يملكها إلا هو.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.