إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [198 - 227]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله تعالى في آخر سورة الشعراء أن الكفار لا يؤمنون بهذا القرآن العظيم، ولا بما فيه من الوعد والوعيد، وذكر الله تعالى أن هذا القرآن الكريم تنزيل من رب العالمين وليس من تنزيل الشياطين، فإن الله قد منعهم من استراق السمع عند نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر أن الشياطين تتنزل على أوليائهم من الكهان والشعراء الذين هم في كل واحد يهيمون، وأمر الله تعالى في هذه الآيات نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين، وأن يخفض جناحه لأتباعه المؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين... ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في آخر سورة الشعراء:

    وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ * وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء:198-211].

    في هذه الآيات من آخر هذه السورة يخبرنا ربنا سبحانه عن هذا القرآن العظيم أنه بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]، ولو أن الله سبحانه نزل هذا القرآن على رجل أعجمي لكذب العرب، ولقالوا: أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت:44] أي: أقرآن عربي على لسان إنسان أعجمي؟!!

    قال تعالى: وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت:44]، فهم معترضون على كلام رب العالمين في جعل قرآن أعجمياً ينزل على رجل عربي، فالله سبحانه جعل القرآن العظيم بلغة العرب، قال تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف:2]، وقال تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195].

    وقال سبحانه هنا: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ * كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ [الشعراء:198-200].

    يعني: كذلك التكذيب أو الكفر بالقرآن العظيم الذي وقع فيه هؤلاء المشركون سلكناه في قلوب المجرمين.

    معنى قوله تعالى: (لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم)

    قال تعالى: لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ [الشعراء:201] أي: لا يؤمنون إلا مجبرون حين يرون العذاب أمامهم، ولا ينفعهم إيمانهم في ذلك الحين.

    قال تعالى: فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الشعراء:202]، فإذا جاءهم العذاب من عند رب العالمين فإنه يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.

    قال تعالى: فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ [الشعراء:203] أي: يطلبون الانتظار من الله قليلاً حتى يؤمنوا ويدخلوا في هذا الدين؟ وكذلك سلك الله عز وجل التكذيب في قلوب هؤلاء كما كان من قبل في قلوب سابقيهم فلم يؤمنوا، كقوم نوح وعاد وثمود ولوط وأصحاب الأيكة وقوم إبراهيم حتى رأوا أمامهم عذاب رب العالمين سبحانه، فإذا جاء العذاب بغتة فلا ينفعهم إيمانهم إن أرادوا أن يدخلوا في هذا الدين؛ لأن الإيمان ينفع من آمن بالغيب، وصدق به من غير أن يرى ملائكة الله وعذاب الله سبحانه.

    قال تعالى: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الشعراء:204] أي: أفبعذاب رب العالمين يستعجلون؟! وهل عرفوا مدى عذاب رب العالمين؟! وهل عرفوا قوة الله سبحانه تبارك وتعالى وبطشه وأخذه للظالمين؟!

    قال سبحانه: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]، فلو عرفوا قدر الله سبحانه وقوته وجبروته وملكوته لاستجابوا، ولما استعجلوا العذاب، ولما قالوا: رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16].

    قال سبحانه: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ [الشعراء:205]، يقول الله للنبي صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن هذا الأمر، فلو أننا متعناهم سنين، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ [الشعراء:206] وفي النهاية يأتيهم أجلهم وهو موتهم، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:207]، وهذه عبرة لهؤلاء وعبرة لكل إنسان، فالإنسان الذي يطلب المتعة في الدنيا ولا يفرق أهي من حلال أو من حرام، فربنا يقول لهذا الذي يطلب من نعيم الدنيا: لو متعناه سنين فسيأتيه موته في النهاية، فإذا لم يأت الموت هذه السنة، فسيأتي في السنة القادمة، وإذا لم يأت اليوم فسيأتي غداً، فإذا جاء الموت هل يغني عنك هذا الذي تمتعت به، وهذا الذي كسبته من حرام وأكلته؟!

    فالإنسان يتفكر ويعتبر بمصير هؤلاء السابقين، واحذر الحرام واحذر التسويف، فمهما سوفت ففي النهاية سيأتي الموت.

    وقد يأتي الموت للإنسان وهو على غير توبة، فيرجع إلى ربه فيحاسبه حساباً شديداً، فليتب الإنسان من الآن إلى الله عز وجل، وليحذر الانكباب على الدنيا، وليحذر طلب الدنيا المحرمة؛ حيث إنها تغطي عليه، وتعمي عينيه، وفي النهاية يأتي الموت كما جاء للسابقين عليه.

    معنى قوله تعالى (ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون)

    ومعنى قوله تعالى: مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [الشعراء:207] أي: لم يغن عنهم لا القصور ولا الحصون ولا الأتباع، ولا يغني عنهم شيء أمام عذاب رب العالمين سبحانه.

    وقوله تعالى: (أفرأيت) هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء.

    ويقرأها ورش بالمد فيقول: (أفرآيت إن متعناهم سنين).

    ويقرأها الكسائي : (أفريت إن متعناهم سنين)

    فهذه أربعة قراءات لهذه الكلمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون)

    يقول سبحانه: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ [الشعراء:208] يعني: ما من قرية أهلكناها إلا وقد أزلنا أعذارهم: بأن أرسلنا إليها رسلاً، وبأن أنذرناهم وحذرناهم، فأصروا على طغيانهم، وبعدهم عن ربهم، فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر.

    معنى القرية وأصل هذه الكلمة

    والقرية: هي المدينة، وأصلها من القري: وهو الاجتماع؛ لأن الناس يجتمعون فيها جموعاً كثيرة، فسميت (قرية) لذلك، فالقرية تطلق على المدينة وهي البلدة العظيمة، ورسل الله دائماً يكونون من أهل القرى، ولا يكونون من الريف ولا من البدو، قال الله سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف:109]، فالرسل دائماً من القرى، وليسوا من الأرياف ولا من البدو، والسبب في كونهم من القرى أن أهل القرى -يعني: المدن- أرق طباعاً، لأن كثرة الناس تؤدي إلى احتكاك إنسان بإنسان آخر فيتولد عندهم أخلاقيات وذوقيات معينة، وأما أهل البدو فقليل، وكل إنسان يكون في حاله، فالبداوة تعطيهم جفاء وغلظة.

    فالأنبياء لم تكن طبيعتهم الجفاء ولا الغلظة، فهم من أهل القرى الذين يختلطون بالناس ويعيشون مع الناس، فيألفون ويُألفون؛ فالله عز وجل يمرنهم ثم بعد ذلك يرسلهم إلى قومهم حتى يدعوهم إلى رب العالمين سبحانه.

    وقوله تعالى: إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ [الشعراء:208] أرسلنا فيهم رسولاً ينذرهم ويخوفهم، فربنا قد أعذر للقوم وأزال عذرهم، وليس لهم عند الله عذر ولا حجة، قال تعالى: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذكرى وما كنا ظالمين)

    يقول سبحانه: ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:209].

    يعني: إرسالنا وإخبارنا ذكرى للأقوام وتذكرة لكم، وذكرى هنا في موضع نصب، أي: ذكرناكم ذكرى.

    وقوله تعالى: وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ [الشعراء:209] كقوله تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49] أي: فيستحيل أن يظلم الله سبحانه.

    تعريف الظلم

    والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو: أخْذ حق الغير، وكيف يظلم الله سبحانه وكل شيء ملك له سبحانه؟ فالله الخالق وكل ما سواه مخلوق، فكل شيء عبد له سبحانه، ويملكه وما ملك.

    إذاً: فالإنسان مخلوق لرب العالمين، والله عز وجل يصرف الأمور بحكمته وبقدرته وبعلمه سبحانه وربحمته، فعلى ذلك كيف يظلم؟ قال تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما تنزلت به الشياطين)

    قال الله تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء:210].

    فهؤلاء الكفار الذين يتهمون النبي صلى الله عليه وسلم أن له رئياً من الجن، أي: له صاحب، مثلما كان يقال للشعراء وأن كل شاعر له جني يلقنه ما يقوله من شعر، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم له جني يأتيه، وقالوا له صلى الله عليه وسلم: إذا كنت قد جئتنا بهذا الشيء تريد أن تكون ملكاً ملكناك علينا، يعني: اترك الذي أتيت به، وكن ملكاً ويكفي.

    وإذا كان بك طب جمعنا لك الأطباء وجمعنا أموالنا وعالجناك، أي: إن كان ما بك رئي من الجن ذهبنا بك فطببناك.

    وإذا كنت تحتاج مال جمعنا أموالنا وأعطيناك، فقال عليه الصلاة والسلام: كل هذا لا أريده؛ لأنه رسول رب العالمين سبحانه.

    وقوله تعالى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ [الشعراء:210] كما يزعم هؤلاء البشر أن شيطانه يأتيه بهذا القرآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما ينبغي لهم وما يستطيعون)

    يقول سبحانه: وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ [الشعراء:211] أي: يستحيل أن الشيطان يتكلم بهذا القرآن العظيم؛ فالقرآن يحرق الشياطين، فكيف يتكلم الشيطان بهذا القرآن؟!

    ولو كان لهم أن يتكلمون به فإنهم لا يقدرون أبداً أن يتكلموا به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنهم عن السمع لمعزولون)

    قال الله تعالى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:212]، لقد عزل الله الشياطين عن استراق السمع من السماء، وكانت الشياطين يرتقي بعضهم فوق بعض إلى السماء حتى يسترقوا السمع، وهذا ابتلاء من الله عز وجل، فإذا أراد الله شيئاً سبب أسبابه وقدر مقاديره، فشاء أن ينزل الخبر من السماء إلى أهل الأرض.

    وكان الكهان في الجاهلية كثيرون، وهذه فتنة يفتن الله عز وجل بها خلقه، وكانوا يصادقون ويصاحبون الجان، فكل كاهن له من الجن من يأتيه بخبر من الأخبار، والجان والشياطين يرقى بعضهم بعضاً إلى السماء، وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بالكفين واحدة فوق الأخرى، أي: بعضهم فوق بعض، فكل جان يركب على الآخر حتى يصعدوا إلى السماء، ثم يسترقوا السمع، والله عز وجل يشاء أن الملائكة تتكلم بخبر السماء، فملك من الملائكة يكلم ملكاً آخر بأنه سيحدث كذا، وأمرنا بكذا، فهذه الكلمة يسمعها هذا الشيطان أو الجني الذي في السماء، ويلقيها إلى من تحته، وهكذا إلى أن تصل إلى الكاهن.

    فإذا شاء الله ألا تنزل هذه الكلمة إلى الأرض أرسل عليهم شهاباً يحرق جميعهم، أو يحرق من سمع ذلك، فلا ينزل هذا الخبر إلى الأرض، وإذا شاء أن يفتن عباده فينزل خبر السماء إلى الأرض تركهم، فينزل الخبر، وقد يحرق هذا الشيطان الذي سمعه وغيره لا يحرقه، وينزل الخبر إلى الأرض، فيأتي الجني إلى صاحبه الكاهن فيقر في أذنه هذا الشيء كما تقر الدجاجة، أي: مثلما تقرقر الدجاجة، ويزيد مع الخبر مائة كذبة، ويأتي هذا الكاهن يخبر الناس أنه سوف يحصل كذا، فيحصل هذا الشيء الذي أخبر به الكاهن ويفتتن الناس، فإذا بالناس يصدقون الكهان ويعتقدون فيهم.

    ولو أن أخبار الكهان كلها كاذبة فسيقول الرسول صلى الله عليه وسلم أن أخبار الكهان كاذبة، فكانوا سيقولون له: نحن نعلم هذا، ولا نصدقهم لأنهم كاذبون، ولكن لا بد وأن يكون من أخبار الكهان ما فيه صدق، وبعد ذلك يأتي التشريع بعدم تصديق الكهان لا في صدق ولا في كذب، فيبتلي الله عز وجل العباد هل يصدقون الله سبحانه ويستجيبون لما يقول، أو يكذبون ويستجيبون للكهان وللشياطين؟

    فهذه فتنة أراد الله سبحانه أن يختبر عباده بها، فالشياطين يقول الله سبحانه فيهم: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:212]، فهم يكذبون عليكم، فإنهم قد يسمعون خبراً واحداً فيزيدون فيه كذبات كثيرة.

    ومعنى قوله تعالى: لَمَعْزُولُونَ [الشعراء:212] أي: عن أخبار السماء، فقد عزلهم الله ومنعهم من ذلك إلا بشيء يريد فتنة الخلق به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا تدع مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذبين)

    قال سبحانه: فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ [الشعراء:213]، وحاشا له صلى الله عليه وسلم أن يدعو غير الله سبحانه، وهذا من باب: إياكِ أعني واسمعي يا جارة، ويقال للنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو خليل رب العالمين، وأقرب الخلق إلى ربه سبحانه: إياك أن تعبد غير الله، قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66]، وإذا قيل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى، وكل إنسان يخاف على نفسه، وربنا يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب وهو عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فيخاطبه ربه بأن يحذر من الشرك، فغيره أولى بهذا الخطاب فمن أشرك فهو من الخاسرين، فلذلك يتقي الإنسان ربه ويخاف من الوقوع في الشرك بهذا التحذير وأمثاله.

    فمن دعا مع الله إلهاً آخر، فالنتيجة أن يكون من المعذبين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين)

    قال الله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالإنذار، وأول من ينذر هم أهله القريبون منه، وبعد ذلك يتوسع إلى غيرهم.

    إنذار النبي لقومه من عذاب الله

    لما نزلت هذه الآية قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً على قومه يدعوهم وينذرهم، وفي الحديث الصحيح عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما نزلت هذه الآية وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فاجتمعوا، فعم وخص) وقريش هي قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم، فناداهم ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنذر الجميع وخصص البعض منهم، فقال: (يا بني كعب بن لؤي ! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم ! أنقذوا أنفسكم من النار! يا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار! يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبلها ببلالها) يعني: في الدنيا، فسأصل هذه الرحم، فتكون هناك نداوة بيني وبينكم، ولا يوجد بُعد ولا جفاء بيني وبينكم، وأما في الآخرة فلا أملك لكم من الله شيئاً.

    فالداعية أولى من يعظهم هم الأقربون منه، فيعظ نفسه وأهله وهم: زوجه وأولاده وأبيه وأمه ثم جيرانه ثم أصدقائه، فالأقربون أولى بالمعروف، فيبدأ بهؤلاء كما أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينذر عشيرته الأقربين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)

    قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215]، حتى يستجيب الناس لمن يدعوهم إلى الله عز وجل لا بد من أن يتواضع الداعي إلى الله سبحانه، قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125]، فالدعوة بالحكمة أن تكون مع الناس في غاية الهدوء، فادعهم إلى الله ولا تنفرهم، قال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    والموعظة نوعان: موعظة شديدة وموعظة حسنة، فادع الناس الموعظة الحسنة؛ لعلهم يستجيبون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون)

    قال الله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء:216]، فإذا رفضوا أن يستجيبوا لك فتبرأ من أعمالهم كالشرك بالله سبحانه، أو ترك التوحيد وعصيان الله سبحانه.

    ومعنى قوله تعالى: بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء:216] أي: متبرئ من أعمالكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتوكل على العزيز الرحيم)

    قال الله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [الشعراء:217]، هذان الاسمان تكررا في هذه السورة كثيراً وهما: العزيز الرحيم، مع أن الغالب أن الرحيم يأتي مع الغفور، والعزيز يأتي مع الحكيم، قال الله تعالى: وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:158]، وقال تعالى: عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:11]، وقال تعالى: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:6]، وأما في هذه السورة فقال: الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [الشعراء:217]؛ لأن في هذه الآيات يخبر الله عز وجل عن الفريقين المؤمنين والكفار، فالكفار يأخذهم ويرينا فيهم عزته وقدرته سبحانه، فأرانا كيف صنع بقوم نوح ومن بعدهم، وأما المؤمنون فيرحمهم سبحانه.

    أخذ بها الكفار وأدخلهم النار، ورحمته كانت في المؤمنين، فقد رحمهم وأدخلهم جنته ونصرهم في الدنيا، ويوم القيامة يجعلهم من أهل رحمته، فهو العزيز الرحيم.

    فكما خذل الكفار من قبل وهزمهم فكذلك هؤلاء الكفار فإنه سيخذلهم ويهزمهم سبحانه، وكما رحم المؤمنين السابقين فكذلك سيرحم هؤلاء المؤمنين اللاحقين.

    ويأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وخفض الجناح هو اللين، وهو نفس المعنى الذي يقوله الله عز وجل للإنسان تجاه أبيه وأمه: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24]، والجناح هنا بمعنى الجانب، وكأن الإنسان فيه جانب شدة وجانب لين، فيقول: اخفض جانبك اللين للوالدين وللمؤمنين وتواضع لهم، فإذا عصوك فقد قال تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [الشعراء:216-217].

    القراءات في قوله تعالى (وتوكل)

    وقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ [الشعراء:217] فيها قراءتان: قراءة الجمهور: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [الشعراء:217].

    وقراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر : (فتوكل على العزيز الرحيم).

    معنى حسبي الله ونعم الوكيل

    والتوكل أن تكل أمرك إلى الله خالقك ومدبر أمرك، ثقة به سبحانه، وتقول: حسبي الله ونعم الوكيل، ومعنى حسبي الله أي: الله كافيني، وهو نعم الوكيل، أي: نعم من أَكِل إليه عملي.

    والإنسان في الدنيا قد يوكل إنساناً يقوم له بشيء لا يقدر عليه، فيقول له: يا فلان! اعمل لي كذا، فيقول: أنا لا أستطيع أن أعمله، وفلان يستطيع أن يعمل لك هذا الأمر، فهذا في الدنيا، فوكيل الإنسان ونائبه يقوم مقامه، ويكون أميناً على أعماله.

    فالوكالة مبناها على النيابة والأمانة، أي: أمينك ونائبك في العمل، فتوكله أن يقوم بالعمل مكانك، فهو وكيلك ونائب عنك في بعض الأمور دون بعض، وأما الله عز وجل فهو وكيلك في جميع أمورك، فتتوكل عليه سبحانه، وتثق به، وترجع الأمر كله إليه؛ ثقة أنه يدبر الأمر كله، وأنت إذا عجزت عن الشيء ولم تقدر عليه فقل: حسبي الله ونعم الوكيل، أي: الله كافيني، ويدبر لي أمري كله، وينجيني وينصرني وهو معي، فالله يدبر أمرك وينصرك، ويقف معك، فهو وكيلك سبحانه، فتكل أمرك كله إلى الله، وهذا معنى قولك: لا حول ولا قوة إلا بالله،

    أي: لا حيلة لا تحول ولا قوة لأحد على شيء إلا بمعونة ربه سبحانه، فهو مدبر الكون كله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي يراك حين تقوم)

    قال الله تعالى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ [الشعراء:218]، فلا تغيب عنه، فهو يرعاك ويحرسك ويكلؤك سبحانه، ويراك في كل أحوالك: حين تقوم لله عز وجل مصلياً بالليل أو بالنهار، وحين تقوم داعياً إلى الله، قال تعالى: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19]، ولما تدعو الإنس فيكيدون لك فإن ربك سبحانه يكيد بهم لك، فلا يقدرون على شيء، فالله وكيلك وهو يحرسك، وقد قال لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، فقد عصمه سبحانه من الناس فما استطاعوا أن يفعلوا به شيئاً إلا أن يحرشوا أو يؤذوا، والله يرد كيدهم في نحورهم.

    بعض المواقف التي تبين عصمة الله تعالى لنبيه

    عندما كان صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة كان المشركون جلوساً يستهزئون به، وكلما طاف ومر عليهم شتموه مرة بعد أخرى، وفي النهاية وقف لهم وقال: (ألا تسمعون؟! والله! لقد جئتكم بالذبح)، فلما سمعوا أرعبهم الله سبحانه وأخافهم، فقالوا: انصرف أبا القاسم! فوالله ما علمناك جهولاً.

    ويأتي رجل من خارج قبيلة قريش إلى قبيلة قريش يستجير بهم على أبي جهل ، فإنه قد أخذ ماله ولم يعطه إياه، وينادي في الناس: من ينصرني على أبي جهل ؟! فرأوها فرصة ليضحكوا ويستهزئوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه أن يذهب إلى محمد ليأتيه بماله، وذهبوا وراء الرجل لكي يضحكوا ويقضوا ليلهم بالضحك على النبي صلى الله عليه وسلم، فطرق الرجل باب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ظلمني أبو جهل وأخذ مالي، فالنبي صلى الله عليه وسلم خرج معه وذهب إلى دار أبي جهل وطرق الباب، فخرج أبو جهل ونظر للنبي صلى الله عليه وسلم، وما يكون منه صلى الله عليه وسلم إلا أن يقول: ادفع للرجل ماله، والناس وراءه منتظرين أن يضحكوا ويقهقهوا على النبي صلى الله عليه وسلم ماذا سيحصل؟! وإذا بالأمر ينعكس، وإذا بـأبي جهل يرعب ويصفر وجهه ويتقهقر ويقول: نعم يا أبا القاسم! فيدخل إلى البيت ويأتي بالمال ويدفعه للرجل، فينقلب الأمر ويضحك الناس على أبي جهل ، وبعد ذلك سألوه عن ذلك، فقال: والله! لقد رأيت وراءه فحلاً من الإبل، ولو لم أستجب له لقضمني.

    وهذا مصداق لقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يبلغ الناس ويتوكل على العزيز الرحيم، فالله هو الغالب القوي على هؤلاء الكفار، فلن يضيعك، فاعمل لله عز وجل والله معك، وهو يعصمك من الناس، فإنه يراك في كل أحوالك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين)

    قال الله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:219] أي: فالله يراك قائماً وراكعاً وساجداً وفي كل أحوالك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه هو السميع العليم)

    قال الله تعالى: إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الشعراء:220]، فالله هو العزيز الغالب سبحانه، والله هو الرحيم، فيرحمك ويرحم المؤمنين، والله سميع بما يقول هؤلاء لك، وما تقوله أنت لهم.

    و الله عليم يعلم أحوال الجميع، ويفعل بهم ما يشاء سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين)

    قال سبحانه: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ [الشعراء:221].

    والنزول يكون من الأعلى إلى الأسفل، فكأن الشياطين تقدر على المشي وعلى الطيران أيضاً، وتنزل من أعلى إلى أسفل، فهي تطير وتصل إلى المكان الذي يشاء الله عز وجل، وتنزل على صاحبها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تنزل على كل أفاك أثيم)

    قال الله سبحانه: تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الشعراء:222]، والرسول صلى الله عليه وسلم يتنزل عليه الوحي من السماء مع ملك كريم، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:20-21]، وأما هؤلاء فتتنزل عليهم الشياطين وتوسوس لهم وتكلمهم بكلام باطل وبأكاذيب.

    والإفك هو الحديث الكذب، ورجل أفاك: كثير الكذب شنيعه، فهو الذي يكذب أكاذيب مفضوحة وشنيعة وكبيرة، فالشياطين تنزل على كل إنسان كذاب، و(أَثِيمٍ): هو كثير الإثم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون)

    قال سبحانه: يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [الشعراء:223].

    قوله تعالى: يُلْقُونَ السَّمْعَ [الشعراء:223] صفة لهؤلاء الشياطين أنهم يسترقون السمع من السماء، فيلقونه إلى أصحابهم من الكهان من أهل الأرض.

    وقوله تعالى: وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ [الشعراء:223] يعني: كلام الشياطين أكثره كذب، وقد يكون فيه شيء من الصدق، ولم يجعل الله كل كلامهم كذباً؛ لكي يبتلي العباد.

    ولو أن الله عز وجل أمر العباد بألا يسرقوا وبغض في قلوبهم السرقة، ولا يوجد في قلب الإنسان حب للمال، فالإنسان لن يسرق.

    ولو أنه قال: لا تزنوا، ولم يجعل عند الإنسان شهوة، فلن يزني؛ لأنه لا يوجد عنده شهوة أصلاً، ولكن يخلق بداخله الشهوة ثم يهذبها له، ثم يأمره بفعل الحلال ويحذره من الوقوع في الحرام، فهذا هو محل الاختبار: هل سيطيع الإنسان ربه أو سيعصيه سبحانه؟

    وكذلك الشياطين أكثرهم كاذبون، ولكن بعض الأخبار قد تكون أخباراً صادقة على النحو الذي ذكرناه من أنهم يسمعون خبراً من الملائكة وينزلون به إلى الأرض، فيشاء الله أن يحرقهم قبل أن ينزلوا بهذا الخبر، وقد ينزل الخبر قبل إحراق هؤلاء الشياطين، فينزل الخبر الصدق، ويزيدون عليه أكاذيب كثيرة، فأكثرهم كاذبون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون)

    سبب تسمية سورة الشعراء بهذا الاسم

    قال سبحانه وتعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224]، وسبب تسمية سورة الشعراء بهذه التسمية أن الله عز وجل ذكر فيها الشعراء.

    عدم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بقول الشعر

    وكان المشركون يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون عنه: شاعر، وساحر، وكاهن، ومجنون، ويدعون أنه يكذب صلوات الله وسلامه عليه وحاشا له، والله عز وجل يخبر أن الشياطين تتنزل على أوليائهم الكهان وعلى الشعراء، وحاشا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون شاعراً مثلهم، وما كان يعرف الشعر ولا يجيده عليه الصلاة والسلام، ولعله يسمع بيت الشعر فإذا نطقه صلى الله عليه وسلم غيره فانعكس البيت ولم ينفع فيه الوزن، وفي هذا آية من آيات الله سبحانه، ولو أن إنساناً عربياً لا يتكلم شعراً فإنهم يعدون هذا عيباً فيه، لأنه عربي ولا يفهم الشعر، ولا يتكلم به، لكن هذا في النبي صلى الله عليه وسلم معجزة فيه صلوات الله وسلامه عليه، وأهل بيته يتكلمون بالشعر كبارهم وصغارهم، وما من أحد من قبيلته إلا ويتكلم بالشعر ويفهمه، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلا يقول الشعر، ولو كان شاعراً لادعوا أن هذا القرآن شعر، لكنهم كانوا يفهمون الشعر جيداً، ويفهمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس شاعراً، فالقرآن هذا ليس من الشعر، وليس من كلام الشعراء.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب، وفي غيره صلوات الله وسلامه عليه قد يعد هذا عيباً من العيوب، لكن هذا معجزة له عليه الصلاة والسلام، ولو كان يقرأ ويكتب لادعوا عليه أنه ذهب وقرأ عند أهل الكتاب، ثم ترجمها إلى العربية وقالها لنا، ولكنه لم يكن يقرأ، ولا يكتب، ولا يفهم الشعر صلوات الله وسلامه عليه، ولا ينطق بالشعر عليه الصلاة والسلام.

    ولما أتى رجل وقال للنبي صلى الله عليه وسلم:

    أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع.

    يعني: أتعطيني أنا وفرسي خمسين جملاً وأعطيت عيينة والأقرع كل واحد منهما مائة من الإبل، فلا يستقيم هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: أنت الذي تقول: (أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة)

    فهذا ليس شعراً؛ لأنه لا وزن فيه، فيقول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أشهد أنك رسول رب العالمين.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق الشعر، قال تعالى: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ [يس:69].

    والله عز وجل يخبر عن الأغلب من الشعراء أن الشياطين تنزل عليهم وتوسوس لهم بالشتم والقدح والسب والمدح؛ لكي يعطوا مالاً، فأكثر أغراض الشعراء طلب الدنيا، فالشاعر يمدح الملوك لكي يعطوه مالاً، ويذم إنساناً لأنه مقهور منه، ولذلك لما جاء شاعر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا محمد! إن مدحي زين وإن قدحي شين، قال: ذاك الله) أي: الذي مدحه زين هو الله سبحانه، والذي ذمه شين هو الله سبحانه، وأما أنت فلا شيء، ومن تكون أنت؟! فهذه صفة الله عز وجل الذي إن مدح شيئاً سبحانه فقد زانه، وإن ذم شيئاً فقد شانه.

    فالشياطين تنزل بالكذب على هؤلاء الشعراء بخلاف ملائكة رب العالمين، فإنهم ينزلون بالصدق على النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالقرآن وحي من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم أنزله عليه ولم تتنزل به الشياطين، وإنما تتنزل الشياطين على أمثال هؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل.

    وقوله تعالى: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224] أي: يجري ورائهم أهل الغواية، والشياطين تتبع الشعراء فتوسوس لهم أن اعملوا كذا وكذا، فيسمعون كلامهم ويفعلون هذا الشيء إلا من رحم الله، ولذلك استثنى في آخر الآيات فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا [الشعراء:227].

    القراءات في قوله تعالى (يتبعهم)

    وقوله تعالى: يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشعراء:224] فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (يَتَّبِعُهُمُ).

    وقراءة نافع : (يَتْبَعُهُمُ).

    والغاوي: هو الإنسان الذي حاد عن الحق، قال تعالى: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:2] أي: لا تاه عن الحق ولا وقع في المعاصي، والغواية عكس الرشد.

    فإنسان راشد: أي عقله ثابت وحاضر، فهو يفهم ويعي ويعقل.

    وإنسان غاوي: أي: عقله ضائع، فهو يفعل المعاصي ويقع فيما يغضب الله سبحانه.

    فهؤلاء الغاوون من الإنس والجن يتبعون الشعراء، ويعجبهم أنَّ الشاعر يمدحهم أو يذم خصومهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون)

    قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ [الشعراء:225] أي: أن هؤلاء الشعراء يهيمون في كل واد، ولا يتركون شيئاً إلا وتكلموا فيه، فهم يتكلمون في الأرض وفي السماء، وفي المشرق وفي المغرب، وفي الرجال وفي النساء، وفي الصغار وفي الكبار، وفي كل شيء، ويصفون أي شيء، وأكثر الشعراء على ذلك، ولا يوجد شيء يمنعهم أو يردعهم فيقولون أي كلام، فيمدحون الخمر أو غيرها من المحرمات، ثم يعتذرون بعد ذلك.

    فهنا معنى قوله تعالى: فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ [الشعراء:225] أي: في أي شيء: من إثم أو ذنب أو معصية أو طاعة.

    والذي يهيم هو الذي يمشي تائهاً ولا يشعر أين هو، ولذلك لا تسم ابنتك هيام، فهذه التسمية غلط، والناس يسمون أبناءهم بأسماء لا يفهمون معناها، فالهائم هو الذي يهيم، يقال: فلان في الظلام يهيم، أو إني أراك في الظلال تهيم، يعني: تمشي ولا تعرف هل أنت مشرِّق أم مغرب؟ وتمشي في الضلال وفي التيه وعقلك ليس حاضراً.

    فالهيام هو طيش العقل فترى الإنسان يمشي ولا يدري إلى أين يذهب؟ قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ [الشعراء:225]، فالشعراء أهل الغواية هم الذين يمدحون بحق أو بباطل، وكذلك يذمون بحق أو بباطل، فهم في كل واد يهيمون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنهم يقولون ما لا يفعلون ... أي منقلب ينقلبون)

    قال سبحانه: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ [الشعراء:226]، فالأغلب منهم يقولون الشعر فيظهرون أنفسهم أنهم الأبطال الجسورون، وأنهم فعلوا كذا وكذا، وهم لم يفعلوا شيئاً مما قالوه، ولذلك استثنى الله عز وجل فقال: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [الشعراء:227]، فالمؤمنون تربط ألسنتهم طاعة الله، والخوف من الله سبحانه، فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم شعراء مجيدين، مثل عبد الله بن رواحة ، وحسان بن ثابت ، وكعب بن زهير ، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا يذمون الكفر وأهله، وينتصرون لدين رب العالمين سبحانه.

    والنبي صلى الله عليه وسلم سمع الشعر لكنه لم يقل شعراً عليه الصلاة والسلام، إلا ما يكون محفوظاً عند الناس، كشعر الصحابة وهم يحفرون الخندق مثلاً:

    اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة

    فيقوله النبي صلى الله عليه وسلم داعياً ربه بذلك عليه الصلاة والسلام، فقد يكون كلاماً يخرج من اللسان وهو على أوزان الشعر المعروفة لكنه غير مقصود أن يكون شعراً، فمثلاً قول الأنصار:

    نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً

    فيرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:

    اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة.

    أو فارحم الأنصار والمهاجرة.

    سماع النبي صلى الله عليه وسلم للشعر الحسن

    وفي صحيح مسلم عن عمرو بن الشريد عن أبيه أنه قال: (ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: هل معك من شعر أمية بن الصلت؟ فقال: قلت: نعم، فقال: هيه) و(هيه) بمعنى: قل وأسمعني.

    و أمية بن الصلت كان في الجاهلية، وكان كافراً وكاد شعره أن يسلم، وقد قال أشعاراً فيها توحيد لله عز وجل، وكاد أن يسلم الرجل ولكنه كان جاهلياً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن شعر أمية بن الصلت الذي فيه ذكر الله وفيه التوحيد، فالرجل قال: نعم. (قال: هيه، فأنشده بيتاً، ثم قال: هيه، فأنشده آخر، قال: حتى أنشدته مائة بيت) فالنبي صلى الله عليه وسلم يسمع الشعر ويفهمه عليه الصلاة والسلام، وأما أنه يفهم أوزانه ويقوله فلم يعلمه الله سبحانه وتعالى ذلك.

    وفي هذا دليل على أنه يجوز حفظ الأشعار المفيدة التي يستفيد منها الإنسان سواء في حفظ العلم، أو حفظ اللغة العربية، أو غير ذلك كما سنبين ذلك فيما بعد.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.