إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [176 - 191]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في قصة شعيب مع قومه عبرة لمن يعتبر، فعلى المرء ألا يطمع في الدنيا، وليعلم أن الرزق الحلال وإن كان قليلاً خير من الحرام وإن كان كثيراً، وليحذر المرء من الحرام؛ فإنه يمحق الرزق كله، وتكون عاقبته الهلاك في الدنيا، والعذاب في الآخرة، وهذا ما حل بقوم شعيب، فقد كانوا يطففون في المكيال والميزان، وقبل ذلك كله كفروا بربهم وكذبوا رسولهم، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذب أصحاب الأيكة المرسلين ... إن أجري إلا على رب العالمين)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الشعراء: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:176-180].

    قصة شعيب مع قومه هي القصة السابعة في هذه السورة الكريمة سورة الشعراء، فيذكر الله سبحانه وتعالى فيها قصة شعيب النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع قومه، وقومه هم أهل مدين وذكر هنا أنهم أصحاب الأيكة، وقد كان أهل مدين وهم أصحاب الأيكة عرباً يسكنون قرية اسمها مدين من أطراف الشام، وكانت ذات غيضات وذات حدائق وبساتين، والأيكة هي الشجر الشجر العظيم الأغصان الملتفة بعضها على بعض من كثرة الري، وكانوا قريبين من قرى قوم لوط، وكانوا بعدهم بزمان ليس بالبعيد.

    ومدين من أبناء إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قالوا هو: مدين مديان بن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولوط هو ابن أخي إبراهيم الخليل، إذاً: فالمدة الزمنية قريبة بين مدين وقوم لوط، ولذلك حذرهم نبيهم أنه قد يلحقهم ما أصاب الذين من قبلهم كقوم عاد وقوم ثمود وقوم لوط.

    يقول الله سبحانه: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176]، قراءة الجمهور (الأيكةِ) بالكسر، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وابن عامر: )كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ)، وكأنها هنا ممنوعة من الصرف فجرت بالفتحة على هذه القراءة، فقيل: إنها اسم للبلد، وكأن (ليكة) اسم لهذه البلد، و(الأيكة) بمعنى الأغصان الملتفة في هذه الأشجار العظيمة التي في حدائقهم، فهم أصحاب الأيكة وأصحاب ليكة.

    قوله كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ أي: كذبوا رسولهم شعيباً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان شعيب يلقب بخطيب الأنبياء لفصاحته، وكان شعيب من العرب عليه الصلاة والسلام، وكان فصيحاً، ونرى فصاحته وبلاغته في الكلام الذي يسوقه الله عز وجل لنا في هذه القصة، سواءٌ في سورة الشعراء أو في سورة الأعراف أو في سورة هود أو في سورة الحجر، فقد ذكر سبحانه القصة طويلة في هذه السور الأربع.

    فذكر الله سبحانه وتعالى أنه قال لهم: إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:177]، فأمرهم بتقوى الله سبحانه وتعالى، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:178] أي: هو كغيره من رسل الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فكلهم أمناء على تبليغ رسالة رب العالمين، وكلهم معهود منهم في أقوامهم الصدق والأمانة، وأنهم لم يكذبوا ولم يفسدوا أبداً قبل ذلك، فقال: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:178-179]، وهذه المقدمة في جميع القصص التي قبلها في عاد وثمود وقوم لوط، وكذلك أصحاب الأيكة كرر الله عز وجل هذا الذي قاله الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    (وأطيعون) فيها القراءتان كما تقدم في مثيلتها، قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:179-180].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أوفوا الكيل... ولا تعثوا في الأرض مفسدين)

    قال الله تعالى حاكياً قول شعيب لقومه: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الشعراء:181-183]، فهذه هي جرائم هؤلاء الأقوام، وهذا هو الذي كانوا يصنعونه، فيقول الله سبحانه وتعالى على لسان نبيهم عليه الصلاة والسلام: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ، فهذا يدل على أن عندهم الثمار وعندهم الزروع، فهم يبيعون هذه الزروع والثمار إما عن طريق الكيل وإما عن طريق الوزن، وكانوا يخسرون ويطففون المكيال والميزان، فكأنهم أول من صنعوا ذلك، فحذرهم نبيهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من هذا الصنيع الفظيع الذي وقعوا فيه، فقال لهم: أَوْفُوا الْكَيْلَ أي: احذروا من عدم الوفاء بالكيل، وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ ، فهذه جريمة يستحق الناس عليها عذاب رب العالمين سبحانه وتعالى، وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ [الشعراء:182] أي: زنوا بالعدل، و(القسطاس) فيه قراءتان: قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف (بالقِسطاس) بكسر القاف، وقراءة باقي القراء: (وَزِنُوا بِالْقُِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) أي: بميزان العدل، والمعنى: وزنوا بالعدل حين تعطون وتبيعون للناس.

    قال: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ [الشعراء:183] أي: لا تنقصوا الناس أشياءهم، بخس الإنسان قدره ونصيبه، أعطاه الحظ غير الوافي، وأعطاه الشيء الناقص، فهو بخسه واستنقص مما يعطيه ظلماً وعدواناً، فهؤلاء كانوا يظلمون الخلق، فإذا كالوا للناس بخسوا الناس أشياءهم، ويأخذون الشيء الجيد ويعطون الشيء الرديء، ويوهمون من يعطونهم أنهم أعطوا أفضل الأشياء، فقال: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ أي: لا تظلموا الناس، والإنسان من طبيعته الطمع والشح، قال تعالى: وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ [النساء:128]، فمن طمع الإنسان أنه إذا اكتال لنفسه أخذ من الناس الشيء الكثير وأخذ وافياً، فإذا أعطى لغيره أعطى الأقل.

    وقد حذرنا الله عز وجل في القرآن من ذلك فقال: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ [المطففين:1-2] أي: إذا طلبوا من الناس الكيل واشتروا منهم فإنهم يستوفون حقهم ويأخذونه وافياً، لكن لو كانوا هم الذين يبيعون للناس بخسوهم حقهم، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:3].

    فهنا قال لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ أي: لا تظلموا الناس أشياءهم، وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ قوله: (ولا تعثوا) عثا يعثوا عثواً أي: اشتد فساده، وليس فساداً عادياً، بل أشد الفساد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتقوا الذي خلقكم... وإن نظنك من الكاذبين)

    قال الله تعالى: وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ [الشعراء:184] أي: الخلق السابقين، فيكون المعنى: اتقوا الذي خلقكم كما خلق الجبلة الأولين السابقين قبلكم، فكان جواب هؤلاء الأقوام كجواب الذين من قبلهم: قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [الشعراء:185-186]، فهذا هو نفس الكلام الذي قالته ثمود لنبيهم صالح على نبيهم وعليه الصلاة والسلام، قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء:153] يعني: قد سحرت فأنت تتكلم كلاماً ليس جيداً، أو أنه لك سَحَراً والسحر هو الرئة، وقالوا: الصالح: مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:154].

    وهنا قوم شعيب لما انبسط شعيب معهم زادوه في الجواب: قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:185-187].

    وأما قوم ثمود فقالوا لنبيهم: قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ [الشعراء:153-154] يعني: أنت لك سحر، وأنت بشر مثلنا، فكأنه جواب واحد وأكد الأول بالثاني، وكأن هؤلاء يقولون: مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [الشعراء:186] يعني: لن تكون أفصح منا، فكلما تقول لنا كلاماً كثيراً فسنرد عليك بجواب كثير، فهنا زادوه في الكلام على ما قال الذين من قبلهم، فقالوا: وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [الشعراء:186] أي: ويغلب على ظننا أنك تكذب علينا وأنك لا تصدقنا، وهو لم يكذب عليهم قبل ذلك، لكن الكاذب يرى الناس كذابين مثله، فهم أهل كفر وأهل كذب وأهل مكر وخديعة فيرمونه بدائهم هم.

    قصة شعيب وقومه في سورة الأعراف

    في هذه السورة ذكر الله عز وجل ما دار بينه وبينهم مختصراً، وفي سورة الأعراف قال الله سبحانه: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [الأعراف:85]، وهنا قال: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176] وأهل مدين هم أصحاب الأيكة، وذكر بعض المفسرين أن مدين قوم وأصحاب الأيكة قوم آخرون، وقد أرسل شعيب إلى الفريقين، واستدلوا على ذلك بأنواع العذاب، فقالوا: هؤلاء أصابهم عذاب يوم الظلة، وأولئك أصابتهم الصيحة والرجفة من الله عز وجل، فيكون هؤلاء قوم وهؤلاء قوم.

    ونقول: هذا ليس بصواب، وإنما الصواب أن شعيباً أرسل إلى مدين الذين هم أنفسهم أصحاب الأيكة كما ذكر ربنا سبحانه وتعالى.

    فهنا في هذه السورة قال: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ [الشعراء:176-177]، مع أن العادة قبل أن يذكر ثموداً ويذكر عاداً يذكر الأنبياء فيقول: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ [الشعراء:124]، ويقول: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ [الشعراء:142] ويقول: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ [الشعراء:161]، وهنا لم يقل: أخوهم مع أنه أخ لهم في النسب، فهو من القبيلة نفسها، وعبر عن ذلك في قوله سبحانه: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [الأعراف:85]، وهذه هي التي أحدثت إشكالاً عند بعض أهل العلم، فقالوا: هؤلاء قبيلة وهؤلاء قبيلة، فهو أخ لمدين وليس أخاً لأصحاب الأيكة، والصواب: أنهم هم هم، ولكن هنا لطيفة أشار إليها الحافظ ابن كثير رحمه الله في ذلك فقال: هؤلاء -يعني أصحاب الأيكة- هم أهل مدين على الصحيح، وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176]، لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال: إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ [الشعراء:177]، فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسباً، ومن الناس من لم يفظن لهذه النكتة فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيباً بعثه الله إلى أمتين.

    وقال تعالى في سورة الأعراف: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:85]، فدعاهم إلى عبادة رب العالمين، وحذرهم من الشرك وعبادة الجمادات، قال: قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف:85] يعني: هو جاءهم بآية من عند رب العالمين، ولم يذكر لنا ربنا سبحانه ما هي هذه الآية، كما لم يذكر لنا في قصة عاد مع نبيهم هود عليه السلام ما الآية التي جاء بها إليهم، ولكن كل نبي قد جاء لقومه بآية من الآيات.

    فهنا جاءهم نبيهم بآية من عند ربهم سبحانه، وقال: قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف:85]، وكل هذا من أجل أن تصدقوا بربكم سبحانه، ومن أجل أن تستجيبوا لما أدعوكم إليه وتتركوا المعاصي والفواحش التي تقعون فيها، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأعراف:85] أي: إن كنتم تؤمنون بالله سبحانه وتعالى فصدقوا ما أقوله لكم ولا تصنعوا هذه الأفعال القبيحة الشنيعة.

    فكلام شعيب عليه الصلاة والسلام مع قومه كلام فصيح، وقد ذكره الله عز وجل وساقه في سورة الأعراف، وفي سورة هود، وهنا في الشعراء، ففي سورة الأعراف يقول الله سبحانه على لسان شعيب عليه السلام: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [الأعراف:86-87]، فهذا كلام عظيم بليغ فصيح من نبيهم عليه الصلاة والسلام، ولذلك لقب بخطيب الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وكان ضريراً عليه الصلاة والسلام، فيذكر هنا من ضمن الأشياء أو الجرائم التي يقعون فيها أنهم لا يوفون في الكيل ولا في الميزان، وأنهم يظلمون الناس ولا يدفعون لهم حقوقهم بل يبخسونهم، وكانوا يقعدون للناس في الطريق ويأخذون منهم الضرائب والعشور من أموالهم، فقال: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ [الأعراف:86] أي: تتهددون الناس على كل طريق لتأخذوا منهم المال وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا [الأعراف:86] يعني: تؤذون المؤمنين الذي اتبعوني ودخلوا في ديني، فتقعدون لهم في الطرق وتخيفونهم، ولم يكتفوا بإخافة المؤمنين بل أخافوا نبيهم عليه الصلاة والسلام بالتهديد والوعيد، حتى استفتح ربه عليهم، وسأل الله أن يفتح بينه وبينهم بالحق.

    إن سياق الآيات غاية في الجمال والمناسبة التي تجدها فيها، فانظر هنا في سورة الأعراف لما ذكر الله سبحانه أن هؤلاء خوفوا نبيهم دعا ربه سبحانه، فجاءهم العذاب الذي يخيفهم من عند رب العالمين سبحانه، وستلاقي في سورة هود أنهم صاحوا بنبيهم وكأنهم ينكرون عليه ما يقول، فجاءهم العذاب بصيحة من السماء يبتليهم الله عز وجل بها ويأخذهم سبحانه، ففيها مناسبة بين تعذيبهم وبين صنيعهم، ففي كل سورة يقص شيئاً من صنيعهم يناسبه العذاب الذي حاق بهم، فالله عز وجل عذبهم بثلاثة أنواع من العذاب:

    الأول: أرسل عليهم رجفة زلزلت بهم الأرض.

    الثاني: أرسل عليهم صيحة من السماء.

    الثالث: أرسل عليهم ظلة تكويهم وتحرقهم بنار؛ لأنهم طلبوا ذلك.

    فكأنه أشار في كل سورة إلى المناسبة بين ما طلبوه وما فعلوه وما حاق بهم من العذاب من عند رب العالمين سبحانه.

    ثم قال في سورة الأعراف: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا [الأعراف:86] يعني: لا تنسوا أنفسكم، ولا تغتروا بعشيرتكم ولا بقوتكم ولا بأموالكم.

    فقال هنا نبيهم عليه الصلاة والسلام: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ [الأعراف:86] أي: أن الذي كثركم قادر على أن يقللكم ويعيدكم إلى الذل مرة ثانية، وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف:86] كقوم عاد وقوم ثمود وقوم لوط.

    ثم قال: وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [الأعراف:87].

    فما كان جواب هؤلاء الأقوام؟ يقول الله عز وجل قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [الأعراف:88]، فهم لم ينظروا إلى الحجج التي جاء بها، ولا إلى الآية البينة التي جاء بها، وإنما نظروا إلى أنهم أقوياء وهو ضعيف، فما دام الأمر كذلك فما نقوله هو الحق، فإما أن ترجع في ديننا أنت ومن معك وإما أن نفعل بكم ونفعل، وهذا التخويف لنبيهم ولمن معه.

    فكان جوابه: قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ [الأعراف:88] أي: هل تعيدوننا إلى الكفر غصباً عنا وتكرهوننا على ذلك؟ ثم قال لهم: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا [الأعراف:89] أي: كيف نرجع ونعود في ملتكم؟! مع أنه لم يعبد الشجرة، وما كان لنبي من أنبياء الله أن يعبد غير الله سبحانه؛ لأن الله يحفظهم قبل الرسالة التي تنزل عليهم وبعد الرسالة، ولكن كأنه يتكلم عن نفسه ومن معه، فالذين معه كانوا قبل ذلك كفاراً، ثم بعد ذلك دخلوا في دين نبيهم شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فلذلك قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا [الأعراف:88-89] أي: لن نرجع في دينكم أبداً، ولكن إن أراد الله تعالى أن يفتن بعضاً منا فالأمر ليس لنا؛ لأن قدر الله سبحانه غالب على كل شيء.

    ثم قال: وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف:89] أي: اقض وافصل بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، هذه قصة شعيب مع قومه في سورة الأعراف.

    1.   

    قصة شعيب وقومه في سورة هود

    كذلك في سورة هود يذكر الله عز وجل: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا [هود:84]، فيذكر أن شعيباً أخوهم، وهنا في الشعراء ذكر أصحاب الأيكة، وفي سورة الحجر أيضاً ذكر أصحاب الأيكة فلم يقل: أخاهم لا في الحجر ولا في الشعراء، ولكن قال: شعيبٌ عليه الصلاة والسلام.

    ثم قال في سورة هود: قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ [هود:84]، هذا كلام جديد لم يذكره الله عز وجل في سورة الأعراف، فكأنه تلطف معهم في الكلام في البداية، فقال لهم: إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ يعني: أنتم في نعم عظيمة، قد أعطاكم الله من الزروع والثمار، وأعطاكم من النعم الكثيرة، فاعبدوا هذا الإله العظيم الذي خلقكم ورزقكم، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ، ثم قال: وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [هود:85-86] يعني: ما يبقى لكم من أموال حلال وإن كان قليلاً هذا خير لكم مما تأخذونه من أموال محرمة وإن كان كثيراً، فالمال الذي تأخذونه بالإنقاص في الكيل وفي الميزان وغير ذلك من الحرام.

    وهذه النصيحة لهم ولغيرهم، فينبغي للإنسان ألا يطمع، ولينظر إلى هؤلاء الذين طمعوا ولم يرضوا بالحلال -وهو كثير عندهم- وإنما أرادوا الكثرة، وطبيعة الإنسان أن فيه نهماً وفيه شرها، ولو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى أن له ثانياً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

    فهؤلاء عندهم الخير الكثير من عند الله ومع ذلك يطففون في الكيل والميزان، فقال نبيهم عليه الصلاة والسلام: بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ [هود:86] يعني: إذا بعتم واشتريتم فما بقي لكم من ربح حلال يكفيكم، وهذا أخير لكم وأفضل من أن تزيدوا عليه من أموال محرمة، فيمحق الله الجميع بسبب طمعكم.

    فكان جوابهم أن قالوا: قَالُوا يَا شُعَيْبُ [هود:87] فكأنهم صاحوا عليه: ما الذي تقوله؟ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا [هود:87] أي: هل صلاتك تأمرك بذلك؟ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87] يعني: أنت تظن أنك حليم رشيد مع أنك لا تفهم شيئاً، وكأنهم يعرضون في الكلام، والحليم هو الإنسان الذي فيه تؤدة صبر وليس عنده اندفاع، فهم قالوا له ذلك على وجه الشتم، فكأنهم يقولون: أنت مندفع وأنت متهور وأنت لست كما تزعم وإنما تمثل علينا بهذا الشيء، إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87]، والرشيد هو إنسان راشد يجيد التدبير فيما أعطاه الله عز وجل من أموال، فكأنهم يقولون له: هل أنت الذي ستدبر لنا أموالنا وتجمع لنا أموالنا؟ وهم بقولهم: (الرشيد) يقصدون بأنه هو السفيه الذي لا يفهم شيئاً في إدارة الأموال، فكأنهم يشتمونه بذلك.

    قوله: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا [هود:87]، وهذه عادة السفهاء والجهلاء لما يقولون لأهل الدين: هي الصلاة التي تقول لكم: اعملوا كذا، وهو نفس الكلام الذي قاله الكفرة من قبل: (أصلاتك تأمرك)، وهذه فيها قراءتان: (أصلاتك) و(أصلواتك) تأمرك.

    قال لهم: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا [هود:88]، إن طريقته وأسلوبه في المخاطبة دليل على حلمه وعلى صبره على هؤلاء، فهؤلاء يستحقون أن يدعو عليهم، ومع ذلك يجادلهم ويناظرهم ويزيد الحجة وراء الحجة، فيقول: (يا قوم) وهذا فيه تحبب وتودد، يعني: أنا منكم ولست غريباً عنكم، فأنتم قومي وأنتم أولى الناس أن أدعوكم، (يا قوم أرأيتم) أي: أخبروني عن الأمر إن كنت على بينة من ربي وآتاني الله عز وجل هذا الدين وجئتكم بهذه البينة، وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا أي: رزقاً حلالاً، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود:88]، وهم يقولون له: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87] يعنون: أنك من ورائنا تعمل مثلنا، فيقول لهم: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [هود:88] أي: كيف أصنع شيئاً غير ما آمركم به؟ ما أريد أن أخالف فأفعل هذا الحرام الذي تفعلونه، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود:88] أي: ما أريد إلا أن أصلح حالكم قدر المستطاع، وأصلح ما أنتم فيه، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88].

    ثم قال: محذراً لهم: وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود:89] قوله: (يا قوم لا يجرمنكم) أي: لا يستهوينكم ولا يدفعنكم في الشر شقاقي أو خصومة بيني وبينكم إلى أن تكذبوا فيصيبكم عذاب الله الذي أصاب الأقوام من قبلكم: (قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) فهؤلاء جميعهم قد عرفتم ما نزل بهم من عذاب رب العالمين سبحانه، وقد كانوا سابقين عليكم بمدد، لكن قوم لوط كانوا قريبين منكم ليسوا ببعيد عنكم.

    ثم قال لهم: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ [هود:90] فلما قال لهم ذلك إذا بهم يأبون إلا أن يصرخوا ويصيحوا عليه: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91] أي: لسنا فاهمين منك شيئاً، وإنما أنت تخرف في الكلام، وهذه عادة هؤلاء فلا عقول لهم، ولا يفهمون إلا أن من كان ذا قوة فرأيه هو الرأي السديد، فقالوا لشعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا [هود:91]، فانظر إلى سوء الأدب مع الأنبياء فهم يعيرونه بأنه ضعيف، ثم يقولون: وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ [هود:91] يعني: كان له قوم وعشيرة، فهم لا يقصدون ضعف العشيرة لا، وإنما ضعيف لأنه كان ضريراً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فالكلام هنا ليس فيه مجابهة حجة بحجة، ولا مناظرة وإنما هذه سفاهة وسوء أدب.

    وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [هود:91] يعني: نحن نسكت عنك فقط مراعاة لأهلك، أما لو كنت وحدك لرجمناك بالحجارة وقتلناك، ولست العزيز عندنا الذي نهتم لأمرك ولشأنك.

    قال شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا [هود:92] أي: هل من العقلاء من يقول ذلك؟ أرهطي هؤلاء أعز عليكم من الله؟ أفلا تتوبون إلى الله سبحانه؟! أفلا تتفكرون ما الذي تهرفون به من كلام لا تفهمون معناه؟! أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتم الله سبحانه وتعالى وراء ظهوركم.

    إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ [هود:92-93] وهنا جاء التهديد، فهو بعدما تلطف معهم وبعدما نصحهم ووعظهم ورأى أنه لا فائدة فيهم، قال: اعملوا الذي أنتم تريدونه، اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ [هود:93] أي: تتهمونني بالكذب فستعلمون من هو كاذب وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ [هود:93]، فجاء أمر الله سبحانه وتعالى فأخذهم وأهلكهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأسقط علينا كسفاً... وإن ربك لهو العزيز الرحيم)

    يذكر الله سبحانه أنهم قالوا له: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ [الشعراء:187] أي: ظللاً من السماء، فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ [الشعراء:187] أي: ارمنا بقطع من حجارة السماء أو قطعة من السماء إذا كنت صادقاً.

    قوله: (كسفاً) هذه قراءة حفص عن عاصم وحده فقط بفتح السين، وأما بقية القراء فيقرءونها بالتسكين فيها: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسْفًا .

    قال تعالى: قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [الشعراء:188] أي: الله أعلم بأعمالكم، فهو يعلم ما الذي تستحقون على ذلك فانتظروا منه الجزاء، فأصروا على استكبارهم وتكذيبهم، قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:189]، ولاحظ المناسبة هنا، فقد طلبوا العذاب فقالوا: أسقط علينا كسفاً، أي: ائتنا بقطع من السماء، فأتاهم عذاب يوم الظلة، وما كانوا يحسبون أنه عذاب عليهم، فهم لما طلبوا الظلة من السماء وقالوا: أسقط علينا كسفاً من السماء إن كنت من الصادقين، فكروا أنه عندما ينزل عليهم كسف من السماء سيهربون في الجبال ويفرون من العذاب، ولكن الله سبحانه وتعالى يملي لهم، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، فسلط عليهم الحر الشديد سبعة أيام، فصاروا يبحثون عن شيء يستظلون به، فأرسل عليهم سحابة من السماء، فذهبوا جميعهم تحت هذه السحابة يستظلون بظلها، ويسترطبون برطوبتها، فلما اجتمعوا تحتها أرسل عليهم سبحانه صيحة ورجفة وناراً فأحرقتهم جميعهم، فجاءهم العذاب، قال في هذه السورة سبحانه وتعالى: فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:189].

    وأما في السور الأخرى فذكر الله عز وجل في الأعراف أنه أهلكهم برجفة، فقال سبحانه: وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [الأعراف:90]، وأخافوا نبيهم وقالوا: لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [الأعراف:88]، فلما أخافوهم جاءت الزلزلة من تحت أرجلهم تخيفهم وترعبهم، قال سبحانه: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [الأعراف:91].

    وفي سورة هود يذكر الله أنهم صاحوا على نبيهم وشتموه: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود:87]، وقالوا لنبيهم عليه الصلاة والسلام: قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91]، فلما رفعوا أصواتهم على نبيهم جاءتهم صيحة تصمهم وتعميهم من الله عز وجل؛ جزاءً وفاقاً.

    فذكر في كل سورة ما يناسب صنيعهم من عذاب من عند ربهم سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل في سورة الأعراف: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:92]، فكأنهم قالوا لشعيب ومن آمن معه: إنكم في خسران مبين، فالله عز وجل بين أنهم هم في خسران عظيم، فقال الله عز وجل فيها: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [الأعراف:92] أي: كأنهم لم يقيموا بهذا البلد، وكأنهم لم يكن لهم عَدد ولا عُدد ولا قوة ولا أفراد كأنهم لم يكن لهم شيء من ذلك، الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:92].

    فأنجى الله نبيه عليه الصلاة والسلام فتولى عنهم وتركهم وانصرف عنهم، قال: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ [الأعراف:93] يعني: اذهبوا أينما ذهبتم فلن أحزن عليكم، وكيف أحزن على قوم كفروا برب العالمين سبحانه وقد قدمت النصيحة لهم؟!

    وفي سورة هود يختم الله عز وجل القصة بقوله: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود:95] أي: سحقاً وعذاباً.

    وفي سورة الحجر يقول سبحانه: وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ * فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ [الحجر:78-79]، (وإنهما) أي: أصحاب الأيكة وأصحاب حجر ثمود، (لبإمام مبين) يعني: ترونهم في طريق واضح حين تذهبون إلى الشام.

    وختم هذه القصة في سورة الشعراء بقوله سبحانه الذي تكرر مراراً: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:190-191] أي: الغالب القاهر الذي لا يقدر أحد أن يمتنع من شيء أراده سبحانه وتعالى، فهو العزيز وهو الرحيم بالمؤمنين سبحانه وتعالى.

    إن هذه القصة فيها عبراً لمن يعتبر، وعلى الإنسان ألا يطمع في هذه الدنيا، وليعلم أن الرزق الحلال وإن كان قليلاً خير من أن يستكثر من الحرام فيمحق الله عز وجل الجميع، فالإنسان مهما أخذ من المال فإن الله عز وجل سيسأله عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ فليعد للسؤال جواباً، وليحذر من الحرام؛ فإن الحرام يدعو بعضه إلى بعض، فمن أخذ قليلاً من الحرام استكثر منه، فإذا كان يطفف الكيل في جرامات فسيطفف في كيلوات، ثم يطفف في أطنان، ثم يموت ويترك هذا كله ويأتيه عذاب الله كما أتى السابقين.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.