إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [160 - 175]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله سبحانه في سورة الشعراء قصة قوم لوط عليه السلام، وكيف أن الله أهلكهم لارتكابهم أفحش الفواحش، والله سبحانه يبتلي الأقوام إذا استمروا على ارتكاب الذنوب والمعاصي بأمراض وأوبئة لم تكن في أسلافهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم لوط المرسلين ... إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الشعراء: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:160-175] .

    هذه قصة أخرى من قصص سورة الشعراء يذكر الله عز وجل فيها قوماً ممن كذبوا وأعرضوا عن ربهم سبحانه، وبدلوا نعمة الله كفراً، وأتوا الفواحش، وأفسدوا في الأرض وخانوا، فابتلاهم الله سبحانه وتعالى، ثم جاءهم العذاب، وختم هذه القصة بقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:174-175].

    إنَّ قصة قوم لوط وما صنعوه عبرة من العبر، وما فعل بهم عبرة من العبر، وينبغي على كل إنسان مؤمن أن يتأمل في هذه القصص القرآنية، فإن الله عز وجل لم يسقها كنوع من التسلية يتسلى بها الإنسان مثلاً، وإنما ساقها الله عز وجل حتى يعتبر الإنسان، قال سبحانه: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] أي: قيسوا أنفسكم على هؤلاء السابقين، فإذا فعلتم مثل فعالهم فانتظروا عقوبةً كعقوبتهم، قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:174-175].

    ذكر الله عز وجل قبل ذلك قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقصة إبراهيم، وقصة هود مع قوم عاد، وقصة صالح مع ثمود،وهذه قصة لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع قومه، قال سبحانه وتعالى هنا: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:160] وهذه كبداية كل قصة، فقد كرر ذلك مرات، قال الله تعالى في قوم عاد: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:123-127]، وبنفس الافتتاح افتتح به هذه القصة، كما كرر ذلك في قوم عاد وقوم ثمود وأصحاب الأيكة.

    قال الله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:160-161].

    فقوم لوط كذبوا لوطاً وهو رسول واحد، ولكن من كذب رسولاً فقد كذب كل الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأن دعوة الرسل دعوة واحدة، ولوط رسول رأوه أمامهم، ونشأ بينهم، فقوم عاد أخوهم هود، وقوم ثمود أخوهم صالح، وأما لوطٌ فغريب عنهم، ولكنه جاء فعاش بينهم، فعلموا صدقه، وعرفوا حاله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    فالغرض: إذا كان هذا الرسول بينهم وهم يرونه ويسمعونه، ويعرفون أنه أمين لا يخون، وأنه صادق لا يكذب، وقد دعاهم إلى الله فأعرضوا، فكيف بغيره من الرسل الذين لم يروهم، فلو أن الله عز وجل أخبرهم على ألسنة هؤلاء أن صدقوا وآمنوا فإنهم لا يؤمنون، ومن كذب رسولاً واحداً فهو حري أن يكذب الباقين، ومعلومٌ أن دعوة جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:73].

    ولذلك قال الله سبحانه: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:160-161] ومن المناسب أن يقول الله عز وجل: المرسلين، ولا يذكر الرسل مثلاً، أو يقول: كذبت قوم لوط رسولهم؛ لأن الفواصل مختومة بالياء والنون أو بالواو والنون، فختم كل آية مناسب لذلك، فتكون هذه الفاصلة كالتي قبلها والتي بعدها.

    قال الله تعالى: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ [الشعراء:161] أي: نبيهم لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يكن منهم، بل هاجر إليهم، وهو ابن أخي إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإبراهيم الخليل أخوه اسمه هاران ، وابن أخيه لوط بن هاران بن تارخ، وتارخ أبو إبراهيم ويدعى آزر، وكان إبراهيم ولوط في العراق، وهاجر لوط مع إبراهيم من العراق إلى الشام، فذهب إبراهيم إلى مكان، واستأذن لوط عمه وذهب إلى هؤلاء القوم في قرية اسمها سدوم يدعوهم إلى دين الله سبحانه وتعالى، وعاش معهم فترة؛ ولذلك قال الله سبحانه: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ [الشعراء:161].

    وإن كان ليس أخاً لهم في نسبهم، ولكن في الأخوة البشرية، أو يقال: فلان أخو القبيلة، يعني: من هذه القبيلة، فهو هاجر إليهم ومكث عندهم فكأنه أخ لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إني لكم رسول أمين ... فاتقوا الله وأطعيون)

    قال الله تعالى: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:162] أي: مؤتمن، فقد ائتمنني الله عز وجل على هذه الرسالة، وأنا عندكم لست خائناً، بل تعرفون صدقي وتعرفون أمانتي.

    قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:163] أي: احذروا من غضب الله، واحذروا من عقوبته، واجعلوا بينكم وبين نار الله عز وجل وقاية بعمل الخير، فاعملوا أعمال الخير التي تقيكم من عذاب الله سبحانه وتعالى.

    وقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:163] هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب : ( فاتقوا الله وأطيعوني ) وقفاً ووصلاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين)

    قال الله تعالى: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:164] أي: لست أسألكم أجراً، فما أجري إلا على رب العالمين، وفيها قراءتان: (إن أجريَ) و(إن أجريْ)، فقوله تعالى: إِنْ أَجْرِيَ هذه قراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم ، وقراءة باقي القراء: ( إن أجريْ إلا على رب العالمين ) ومنهم من يمدها: ( إن أجري إلا على رب العالمين ) ومنهم من يقصر: (إن أجري إلا على رب العالمين).

    فالأجر على الرب سبحانه، فهو الرزاق الكريم الذي يثيب، والذي يعطي الأرزاق لعباده، وهو الرب الخالق سبحانه المدبر لأمر الكون، والمربي لخلقه وهو رب العالمين، أي: العالم العلوي والعالم السفلي، فالله عز وجل رب كل شيء سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أتأتون الذكران من العالمين ... بل أنتم قوم عادون)

    قال الله تعالى: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء:164-165]، فهو يبكتهم على مصائبهم وعلى ذنوبهم فيقول: ما الذي تصنعونه؟ ولم يفعل هذه الفاحشة قبل قوم لوط أحد، فأول من فعلها هم هؤلاء المعلونون، وسنوها لمن بعدهم، فكانت سنتهم القبيحة لعنة الله عليهم وعلى أشباههم، قال لهم رسولهم عليه الصلاة والسلام: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:165-166] فكانوا لا يتزوجون النساء، بل كانوا يسافحون الرجال، وينكحون الذكران من العالمين، فقوله تعالى: وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ [الشعراء:166] أي: خلق ذكوراً وخلق إناثاً، وجعل الذكر يتزوج الأنثى، فكيف قلبتم الوضع؟ وكيف بدلتم نعمة الله عز وجل عليكم بهذا الكفران المبين الذي تصنعونه؟ فهل يعقل هذا الذي تفعلونه؟ وهل أنتم قوم تعقلون؟ قال تعالى: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:166] أي: بل أنتم قوم تتعدون الحلال إلى الحرام، ومن تعدى الحلال إلى الحرام فلا ينتظر من الله عز وجل إلا العذاب الأليم، قال لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [الشعراء:166] أي: متجاوزون للحد، واقعون فيما حرم الله، فانتظروا العقوبة من الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين)

    قال الله سبحانه: قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [الشعراء:167] وهذا تهديد منهم، فهم كثرة وهو واحد وليس له أبناء من الذكور عليه الصلاة والسلام، فليس معه إلا امرأته وكانت كافرة، وليس معه إلا ابنتان فقط، فهنا يظهر منطق القوة، فإما أن تسكت وإلا سنخرجك من المدينة، وهذا دائماً منطق كلام أهل السفاهة، لا ينظرون إلى العقل، ولا ينظرون إلى الدين، ولا يخافون رب العالمين، إنما جوابهم: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ [الشعراء:167] أي: سنطردك خارج هذه البلدة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال إني لعملكم من القالين)

    قال لوط عليه الصلاة والسلام: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ [الشعراء:168]، قلى الشيء بمعنى: كره الشيء، فقوله تعالى: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى:3] يعني: ما كرهك وما أبغضك، فهنا: إني لعملكم من المبغضين، وإني أكره أعمالكم هذه التي تصنعونها.

    فقوله: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ [الشعراء:168] لم يجاملهم فيما هم فيه، ولكن تهددهم بعقوبة رب العالمين سبحانه وتعالى، وأظهر لهم البغضاء للعمل الذي هم عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رب نجني وأهلي مما يعلمون ... إلا عجوزاً في الغابرين)

    ثم دعا ربه سبحانه: رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ [الشعراء:169] فذكر الله عز وجل هنا اختصاراً: فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ [الشعراء:170] ولم يذكر كيف أنجاه الله عز وجل؟ وقد فصل الله ذلك في غيرها من السور، فقد تكررت قصة لوط بتفصيل في حوالي تسع سور من كتاب رب العالمين سبحانه، فيذكر فيها لوطاً ودعوته قومه إليه سبحانه وتعالى، وأنهم كذبوه، فذكر في الأعراف شيئاً، وذكر في سورة هود أيضاً شيئاً من ذلك، وفي الشعراء، وفي العنكبوت، وغيرها من السور.

    فهنا لما دعا ربه سبحانه قال الله عز وجل: فَنَجَّيْنَاهُ الفاء: تفيد الترتيب والتعقيب، يعني: مباشرة نجيناه من ذلك، وجاءت عقوبة الله سريعة حتى وإن كانت في نظر أنها بطيئة؛ لأنها بمجرد ما نزلت وحدثت يقول الإنسان: أين هؤلاء؟ أين ذهبوا؟ فقد أخذهم الله سبحانه أخذاً سريعاً، وقد يكون هو المستبطئ للعقوبة قبل ذلك، فلوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام كأنه قد استبطأ العقوبة، فقال له الرسل عليهم السلام: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81] فقد كان لوط في غاية الحزن والضيق، وكان يريد أن يقع عليهم العذاب بسرعة فإذا بالرسل يطمئنونه ويقولون: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أي: اصبر حتى الصبح وسيأتي العذاب من عند رب العالمين سبحانه.

    وفي سورة هود يقول الله سبحانه وتعالى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود:77] فهنا ذكر التفصيل للإهلاك، وأما في الشعراء، فقال الله عز وجل: رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ [الشعراء:169-170] ولكن كيف نجاه الله عز وجل؟ اختصر ذلك في هذه السورة، والفواصل في هذه السورة قصيرة، والآيات كثيرة وعددها مائتان وسبع وعشرون آية على عد، أو مائتان وست وعشرون آية على عد آخر، فالسورة طويلة، لكن فواصلها قصيرة، فالمناسب هنا أن يختصر فيها، وخاصة مع تكرار ذكر الأنبياء على وجه الاختصار، وكيف أن الله عز وجل أهلك أممهم لما كذبوا وأعرضوا.

    فهنا دعا ربه سبحانه: رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ [الشعراء:169-171].

    وفي سورة هود يقول الله سبحانه: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود:77].

    وفي سورة الحجر يقول الله سبحانه: فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الحجر:61-64].

    إذاً: ذكر الله عز وجل أن هناك رسلاً قد جاءوا إلى لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم ملائكة من عند رب العالمين سبحانه، وقبل أن يذهبوا إلى لوط عليه الصلاة والسلام ذهبوا إلى إبراهيم الخليل، فقد كان إبراهيم في الشام ولوط في مكان آخر، وكان الرسل ثلاثة ملائكة في هيئة البشر حسان الوجوه، فلما رآهم إبراهيم دعاهم فهو أبو الضيفان عليه الصلاة والسلام، وسبق إلى بيته وجاء بعجل حنيذ، أي: مشوي بالحجارة، فهذا لثلاثة من الضيفان، وقدم إليهم الطعام وقال لهم: أَلا تَأْكُلُونَ [الذاريات:27].

    قال تعالى: فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً [هود:70] فكونك تدعو إنساناً إلى طعام وتحط الطعام أمامه وهو غريب ثم بعد ذلك لا يرضى أن يمد يده، فإنك تتوجس خوفاً منه؛ لأنه قد يكون عدواً أو ينوي شراً، وكان العرب إذا صادقوا أحداً أكلوا معه، وإذا عادوا إنساناً لا يأكلون معه؛ ليظهروا أنه ليس هناك بينهم وبينه مودة.

    فالرسل أبوا أن يأكلوا، فإذا بإبراهيم يتوجس في نفسه خيفة، فطمأنوه، قال تعالى: قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ [هود:70] أي: نحن ذاهبون إلى قوم لوط، فاستبان له الأمر أنهم رسل من عند رب العالمين في هيئة بشر.

    قال تعالى: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ [هود:71] أي: امرأة إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام سارة قائمة، وقد جاوزت الثمانين من عمرها، وقد بشرها الرسل بإسحاق، وذلك حين علمت أن معهم البشارة من عند رب العالمين لها بأن الله سيرزقها الولد، قال تعالى: فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71] أي: بعد إسحاق سيأتي يعقوب من إسحاق، وهذا دليل على كذب أهل الكتاب حين قالوا: إن الذبيح هو إسحاق حتى لا ينسبوا للعرب فضلاً.

    وذكر الله في القرآن أن الملائكة بشرت سارة قبل أن تلد وكانت عقيماً، فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود:71] يعني: إسحاق سيكبر، وسيتزوج وسينجب ولداً اسمه يعقوب، فكيف تأتي البشارة من الله سبحانه بذلك ثم يأمر إبراهيم بذبحه قبل أن يتحقق الوعد، وقبل أن يأتي يعقوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟! فذلك ينفي أن يكون الذبيح هو إسحاق، فالذبيح هو إسماعيل، والغرض: أنهم بشروها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فقالت: مندهشة: قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [هود:72]، فهي عجوز وزوجها شيخ كبير، فهي قد جاوزت الثمانين من عمرها، قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ [هود:72].

    قال تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى [هود:74] أي: هدأ إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد خوفه من الضيوف الذين دخلوا بيته وأبوا أن يأكلوا، وبعد أن اطمأن إبراهيم جاءته البشارة من الله بأنه سيولد له مولوداً وكان قد ولد له قبل ذلك إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولكنه كان يتمنى أن يكون له ولدٌ من سارة ، حتى تفرح سارة كما فرح إبراهيم بإسماعيل، فالله عز وجل بشر سارة ، فلما ذهب عن إبراهيم الورع جاءته البشرى، ثم سأل المرسلين عن وجهتهم فقالوا: قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ [الذاريات:32-34].

    وقد كان إبراهيم حليماً رحيماً، فهو أب لأبنائه وأب لمن أرسل إليهم ليدعوهم إلى الله عز وجل، ولذلك أخذ يجادلهم في قوم لوط، فقالوا: قوم مسرفون، قال تعالى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ [هود:74].

    وقال تعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ [هود:75] عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فإبراهيم حليم، ولذلك كان يطلب منهم أن يصبروا عليهم قليلاً.

    فقوله: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ [هود:75] أي: رجاع إلى الله سبحانه وتعالى، إذاً: الرحمة التي في قلبه هي التي جعلته يقول لهم: اصبروا على هؤلاء القوم، فقال له ربه سبحانه: يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا [هود:76] أي: لا شأن لك بذلك، قال تعالى: إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ [هود:76] أي: قد جاء أمر الله عز وجل، وقضاء الله وقدره نافذ لا رجعة فيه، فقد قال إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام يجادلهم: أتهلكون قريةً فيها ثلاثمائة مؤمن؟ يعني: إذا كانت هذه القرية فيها ثلاثمائة يعبدون الله سبحانه وتعالى أتهلكونها فتهلكون هؤلاء المؤمنين معهم؟! قالوا: لا، فجادلهم أكثر وانتظر الخير من وراء ذلك، فقال: فمائة مؤمن؟ قالوا: لا، قال: فأربعون مؤمناً؟ قالوا: لا، فما زال يجادلهم حتى قال: فيها ثلاثة من المؤمنين؟ قالوا: لا، قال: فإن فيها لوطاً، فكيف تهلكونها وفيها لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ [العنكبوت:32] فقد كان للوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام امرأة كافرة وبنتان مؤمنتان، فسننجيه والبنتين فقط، وأما الآخرون فسنهلكهم، وكذلك امرأته سيأتيها العذاب من عند رب العالمين سبحانه وتعالى، وخرجت الرسل من عند إبراهيم، وتوجهوا إلى قرية سدوم، ولما جاءوا القرية أتوا بالليل؛ فتنة وابتلاء من الله عز وجل، فقوم لوط قوم شواذ يأتون الذكران من العالمين، فيبتليهم الله بشبان حسان يأتون إلى هذه القرية في غاية من الجمال، ولما رأت بنت لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام الشبان -وهي مؤمنة- خافت عليهم، فقد أرادوا دخول هذه القرية وطلبوا الضيافة في هذه القرية؟ فقالت لهم: اصبروا مكانكم ولا تدخلوا؛ فإن القوم قوم سوء، وهرعت إلى أبيها لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام وقالت: جاء إلى القرية شبان ما رأيت مثل وجوههم أدركهم لا يفضحهم قومك، فخرج لوط فلما رآهم (قال هذا يوم عصيب)، أي: يوم صعب شديد، إذ إنه لا يستطيع حمايتهم لوحده؛ ولذلك قال لوط عليه السلام: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80]، وكأنه نظر أن إبراهيم كان له من يحميه ومن يدافع عنه، لكن لوطاً لم يكن له أحد، فكأنه يقصد لو أن لي جنداً كغيري ممن له جندٌ فأعادي قومي وأقاتلهم، لكن أنا وحدي، فأحب لوط عليه الصلاة والسلام أن يصرف هؤلاء عن القرية وقال: والله ما رأيت أسوأ من أهل هذه القرية، وقد أخذ الله سبحانه وتعالى على هؤلاء الملائكة أنهم لا يهلكون القرية حتى يشهد عليهم نبيهم ثلاث مرات أنهم قوم سوء، فلما قال لهم ذلك قالوا: هذه واحدة، ومشى أمامهم ينظر لهم الطريق وهم وراءه بالليل، حتى إذا جاءوا القرية كررها مرةً ثانية لعلهم ينصرفون، فلم ينصرفوا، ولما دخل بهم البيت لم يرهم أحد من هؤلاء المجرمين، لكنّ امرأة لوط كانت امرأة كافرة، والكافر لا أمان له أبداً، لكنها لم تكن من أهل الفواحش، فالله عز وجل نزه أنبياءه أن يكون في بيوتهم وفي فراشهم من ينجسه، ولكنها دلت قومها، إذ تركت البيت وخرجت إلى القوم وقالت: تعالوا لوط عنده شبان حسان، فإذا بالقوم يأتون إلى لوط بالليل وهو في داره يطرقون الباب ويريدون الدخول عليه.

    وذكر الله عز وجل أن قوم لوط قد حذروا لوطاً من أن يئوي أحداً من الناس، قال الله تعالى في سورة هود: وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ [هود:78] يعني: يتدافعون؛ لأن هناك غنيمة، فجاءوا البيت يجرون، ويهرعون إليه، وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [هود:78]، فقال لوط عليه الصلاة والسلام: يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود:78] يعني: بنات القوم؛ لأن كل نبي وكل رسول عليهم الصلاة والسلام هو لقومه بمنزلة الوالد لهم، وبمنزلة الأب لهم.

    ولذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه ويقول: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد) صلوات الله وسلامه عليه، فكان لا يستحي أن يخبرهم بأقل الأشياء وبأكثر الأشياء صلوات الله وسلامه عليه، فهنا لوط يقول: (هؤلاء بناتي) يعني: النساء موجودات، فتزوجوا من النساء، واتركوا الرجال، واتركوا الفواحش التي تقعون فيها، قال: هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78] فما كان جواب هؤلاء الأنجاس إلا أن قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ [هود:79] قال لوط: وقد يئس من هؤلاء القوم: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80] أي: لو معي جيش أدفعكم أو آوي إلى ركن شديد.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد) وكأنه نسي أن الركن الشديد هو الله سبحانه، وهؤلاء لثلاثة جنود الله، ولكن هو لم يكن يعلم ذلك عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    وفي سورة الحجر يقول الله عز وجل: فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الحجر:61-62].

    يعني: هيئتكم بالنسبة لأهل هذه البلدة ستجعلهم يجبرونكم على الفاحشة، فقوله تعالى: قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ [الحجر:62] أي: أنتم أناس غرباء لا أحد يدافع عنكم فارجعوا من حيث جئتم، قال تعالى: قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ [الحجر:63].

    وفي سورة النمل يقول الله عز وجل: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل:56] يعني: والتقرب إلى الله والعبادة صار شيئاً لا يريدونه، بل جعلوه سباً يسبونه بذلك، وهكذا أهل النجاسة في كل زمان، فإنهم ينظرون إلى أهل الطاعة وإلى أهل الدين على أنهم لا يستحقون أن يعيشوا، ولا يستحقون أن يظهروا، ولا يستحقون أن يختلطوا بالناس، فكذلك هؤلاء يعيرون لوطاً بطهارته عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنه ليس مثلهم في معاصيهم.

    وذكر الله عز وجل أنهم قالوا للوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ [الحجر:70] أي: ألم نحذرك وننهاك أن تئوي أحداً من الناس.

    وذكر الله عز وجل ذلك في القرآن في مواطن ليبين أنه لما أخذهم فإنهم كانوا يستحقون ذلك، فقد أتى أمر الله سبحانه، وجاء الرسل من عند رب العالمين، فلوط عليه الصلاة والسلام أخذ يدافع هؤلاء عن بيته، وهم يدقون عليه الباب والضيوف عنده وهو لا يدري من هؤلاء، فلما لم يقدر أن يدفعهم عن بابه قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80].

    فأظهر الضيوف أنفسهم وقالوا: لا تخف يا لوط، إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ [هود:81]، ولن يستطيعوا فتح الباب ولن يفعلوا بك شيئاً، قال الله عز وجل: فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ [القمر:37]، فقد خرج عليهم أحد رسل الله عليه الصلاة والسلام وضرب بجناحه عليهم، فعميت عيونهم، فرجعوا وهم يتوعدون لوطاً، فقال الرسل للوط عليه الصلاة والسلام: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81] أي: اصبر حتى الصباح، فإنّ موعد هؤلاء الصبح، إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر:34]، جاء النجاء من عند رب العالمين سبحانه وتعالى.

    وقال الرسل للوط عليه الصلاة والسلام: إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81] أي: امش بأهلك ليلاً، والسرى: المشي بالليل، يعني: اخرج بالليل، فخاف لوط أن يخرج بالليل وهم قد توعدوه، فأخبروه أنهم لن يهلكوهم حتى يخرج هو وأهله؛ لأن العذاب سينزل على الجميع، فأمروه بالخروج هو وأهله، واشترطوا عليه ألا يلتفت لا هو ولا الذين معه حتى وإن سمعوا الصراخ والعذاب؛ لأن من سيلتفت فسيصيبه ما أصابهم من العذاب، قالوا له: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ [هود:81]، فقد يكون المعنى: اخرج بأهلك واترك امرأتك مع قومها، أو أن المعنى: أنها هي التي ستلتفت وتنظر فيأتيها العذاب من عند رب العالمين.

    وهذه فيها قراءتان الأولى: وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ [هود:81] والثانية: ( إلا امرأتُك )، وعلى كلا القراءتين جاء العذاب إلى هذه المرأة، فإما أنها لم تخرج أصلاً، أو أنها خرجت معه فنظرت وتحسرت على قومها، فجاءها الحجارة من عند رب العالمين سبحانه، قال سبحانه: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:82-83].

    وفي سورة القمر يذكر الله سبحانه وتعالى قوم لوط وأنه جاءهم عذاب رب العالمين سبحانه، قال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا [القمر:33-34] والحاصب: الحجارة الصغيرة التي تحصبهم، وهي آتية من السماء مع الرياح، قال تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ [القمر:34] أي: قبل الفجر في وقت السحر.

    وقال تعالى: نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ [القمر:35] فقد شكر لوط، وشكرت ابنتاه فنجيناهم بسحر، كذلك نجزي من شكر.

    وقوله تعالى: وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا [القمر:36] أي: أنذر قومه، فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ [القمر:36] أي: كذبوا وتشككوا فيما أنذرهم به، وقال تعالى: وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ [القمر:38-39].

    وفي سورة النجم يقول: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى [النجم:53-55]، والمؤتفكة والمؤتفكات: قرى قوم لوط أي: سدوم وغيرها من البلدان التي حولها، فإذا بجبريل ينزل ويرفع هذه القرية ويقلبها بمن فيها، وتأتيهم حجارة من نار جهنم مسومة معلمة، فكل حجر مكتوب عليه اسم صاحبه، ولا يخطئ صاحبه، قال تعالى: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83]، وكل من ظلم فليس بعيداً عنه عذاب رب العالمين سبحانه وتعالى.

    وهنا في هذه السورة الكريمة يذكر الله سبحانه وتعالى قوم لوط، قال تعالى: فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ [الشعراء:170-171] غبر بمعنى: بقي، يعني: بقيت مع قومها في العذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم دمرنا الآخرين ... وإن ربك لهو العزيز الرحيم)

    قال تعالى: ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ [الشعراء:172] أي: جاء الدمار من عند رب العالمين، فالقرية قلبت رأساً على عقب، وأتبعهم الله عز وجل بحجارة من سجيل، وهي حجارة صلبة محماة في نار جهنم.

    قوله تعالى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا [الشعراء:173] أي: نزلت الحجارة كالمطر من السماء، قال تعالى: فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ [الشعراء:173] فإن أسوأ ما يكون من مطر أن ينزل على هذه الصورة لمن أنذروا، فلم يستجيبوا لمن حذروا، ولم يأخذوا حذرهم، فجاء العذاب من عند رب العالمين فساء مطر المنذرين.

    وفي سورة العنكبوت يذكر الله سبحانه وتعالى قصة لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام وكيف حذر قومه، قال الله عز وجل: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ [العنكبوت:28-29].

    فهذه جملة من ذنوب هؤلاء الكفار، فهم قوم يكفرون برب العالمين سبحانه، فيدعوهم لوط إلى توحيد الله سبحانه، ولكنهم شواذ يأتون الذكران من العالمين، ويقطعون السبيل، فهم لصوص يقطعون الطريق على الناس، ليسلبوا أموالهم ويأخذوها.

    قوله تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ [العنكبوت:29] يعني: في المجالس التي يجلسون فيها لفعل الفاحشة، ولا ينكر بعضهم على بعض شيئاً، فهم يرفعون أصواتهم، ويتظارطون في مجالسهم، ويأتون هذه الفاحشة والعياذ بالله في مجالسهم ولا أحد ينكر على أحد شيئاً.

    قال الله تعالى: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [العنكبوت:29]، فأهل الجريمة وأهل الفساد هذا جوابهم.

    قال تعالى: قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ [العنكبوت:30]، ثم ذكر الله عز وجل كيف أنجاه.

    وفي سورة الصافات يقول الله عز وجل: وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [الصافات:133-138] أي: تمرون على هذه القرى قرى سدوم، فقد صارت أرضهم بحراً مراً في هذا المكان، من يمر عليه يعرف أن هنا كان قوم لوط يأتون الفاحشة، فأهلكهم الله سبحانه وتعالى.

    قال الله تعالى هنا في هذه السورة الكريمة: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9]، ويختم الله كل قصة بهذا الختام الجميل، فقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ [الشعراء:8] أي: الذي حدث من هؤلاء وحدث لهم وحدث فيهم آية وموعظة لمن يعتبر، وعبرة لمن يتذكر.

    قوله تعالى: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:8] أي: الذين سمعوا هذه المواعظ لم يتعظوا بها، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:9] عزيز منيع الجانب سبحانه وتعالى، قوي غالب قادر قاهر سبحانه، جبار قهار فعال لما يريد، وهو رحيم سبحانه، فإذا تاب إليه العبد تاب الله عز وجل عليه.

    روى ابن ماجة عن ابن عمر قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) فالفاحشة فعلها قوم لوط وغيرهم، فجاءت العقوبة من السماء من عند رب العالمين، وغيرهم قد يقعون فيها، والله عز وجل قد يستر أقواماً، وقد يفضح أقواماً، وقد يهلك أقواماً سبحانه وتعالى، والهلاك يقيناً يأتي لمن يجاهر بالمعصية ولمن يجاهر بالفاحشة.

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها) أي: حتى يفعلوا الفاحشة ويستهينوا ويستهزئوا ويجهروا بها، فيقعون في الزنا، ويقعون في اللواط، ويأتون الفاحشة جهاراً، فيأتي العذاب من عند الله، قال: (إلا فشا فيهم الطاعون) أي: يرسل عليهم الوباء العظيم الذي لا قبل لهم به، يرسل عليهم الطاعون ويرسل عليهم الكوليرا والزهري والسيلان والإيدز، ويرسل عليهم الكبد الوبائي، ويرسل عليهم ما لا طاقة لهم به، وكلما قالوا: تغلبنا على شيء فتح لهم غيره ولا يقدرون عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن هذه الفاحشة إذا ظهرت في القوم ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا المنكر، جاءت العقوبة من عند الله، يقول سبحانه: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]

    فإذا جاء الوباء انتشر وعم المفسد وغيْر المفسد، وتجد المريض يقول: الإيدز انتشر في الناس عن طريق الدم، فهذا بلاء من الله عز وجل.

    وكذلك الكبد الوبائي ينتقل عن طريق نقل الدم من إنسان لإنسان فيبتلى به، قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]، يبتلى بها الجميع، فهذا يبتلى لكونه مفسداً، وهذا يبتلى لكونه ساكتاً عن الفساد، فلم يأمر بمعروف ولم ينه عن المنكر، فتأتي العقوبة على الجميع.

    فالله يحذرنا من أن نقع في الفواحش، وأن نجاهر بها، وأن نستهين بعقوبة الله، وقال: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.