إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [141 - 159]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ذكر الله عز وجل في كتابه الكريم قصص أنبيائه ورسله للعبرة والعظة، وتسلية وتثبيتاً لرسوله وللمؤمنين، ولذلك نوع الله عز وجل القصة الواحدة من سورة إلى سورة في أسلوب عرضها، وفي أسلوب سياقها، حيث كان يهدف في كل موضع إلى إبراز بعض الحكم والعبر التي لم يذكرها في غيرها، وقصة نبي الله صالح عليه السلام مع قومه إحدى هذه القصص التي كرر الله عز وجل ذكرها في بعض السور، ونوّع في أسلوب عرضها وسياقها من سورة إلى أخرى؛ لإبراز ما اشتملت عليه من حكم وعبر، لتكون زاداً للمسلم في مواجهة ما يعترض طريق دعوته إلى الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذبت ثمود المرسلين... إن أجري إلا على رب العالمين)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الشعراء: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:141-159].

    يذكر الله عز وجل هنا في سورة الشعراء قصة ثمود التي كذبت رسولها، وأعرضت عنه وعاندته، وطلبت منه آية من الآيات، فلما حقق الله عز وجل لهم ما طلبوا كفروا وجحدوا، فانقلبت النعمة عليهم نقمة، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، ثم ختم سبحانه القصة بقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:158-159].

    وثمود هم أصحاب الحجْر، وكانت مساكنهم بين الحجاز والشام، وقد كان العرب يعرفون هذا المكان جيداً، وكانوا كثيراً ما يمرون عليه في تجارتهم مع أهل الشام في رحلتهم.

    فهنا يقول تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:141]. وقد ذكر قبلهم عاداً بقوله: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:123]. وعاد هم قوم هود، وثمود هم قوم صالح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وقوم عاد كانوا في جنوب الجزيرة، وهؤلاء في شمال الجزيرة.

    فقال هنا: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:141]، ومن قبل ذكرنا أن من كذب رسولاً واحداً فكأنما كذب كل رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه؛ لأنهم جميعاً يدعون الخلق إلى التوحيد، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون:32]، فالذي يكذب هذا الرسول فقد كذب كل من دعا إلى عبادة الله الواحد سبحانه وتعالى. ولذلك استحقوا هنا أن يوصفوا بأنهم المكذبون للمرسلين جميعهم. إي: أنه لو أرسل الله عز وجل إليهم جميع الرسل لكذبوهم؛ لأنهم يكذبون بتوحيد الله سبحانه، ويعرضون عن ذكر الله.

    وهذه القصة هي القصة الخامسة في هذه السورة، فقد ذكر لنا سبحانه قبل ذلك قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذكر إبراهيم، ونوحاً، وذكر قصة عاد مع نبيهم هود، ثم ذكر بعدهم قصة ثمود مع نبيهم صالح عليه السلام.

    بيان أن التقوى سبب فلاح الإنسان

    قال تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:141-142]، أي: هلا اتقيتم الله سبحانه وتعالى؟ فهو يعظهم ويذكرهم ويدعوهم إلى ربهم بأن يتقوا غضب الله سبحانه، والتعبير بقوله: أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:142]، وبقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:144] كرر في هذه السورة مراراً، والمقصود من ذلك البيان لجميع الخلق أن من لم يتق الله فسيأتيه العذاب كما جاء هؤلاء المكذبين، وأن من يتق الله فإن الله سبحانه سينجيه كما نجا المرسلين، فقد نجا سبحانه موسى وبني إسرائيل معه، ونجا سبحانه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ونجا سبحانه نوحاً ومن كان معه من المؤمنين، ونجا هوداً من قومه المكذبين، وهنا يرينا كيف نجا صالحاً من هؤلاء المجرمين.

    فقال: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ [الشعراء:142]، وهو أخ لهم في النسب، أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:142] أي: الله سبحانه، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:143] أي: جئتكم برسالة من عند رب العالمين، وأنا مؤتمن على هذه الرسالة، وأنا أمين أمامكم تعرفون صفاتي، وتعرفون أنني لم أكذب قبل ذلك، ولم أخن شيئاً، فكيف أخون الآن في هذه الرسالة، وأكذب على الله سبحانه وتعالى؟!

    فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:144] أي: اتقوا الله فيما تأتون من شرك وكفر ومعاصٍ لله سبحانه وتعالى.

    تنزه الأنبياء عن سؤال الأجر على تبليغ الرسالة

    قال تعالى: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ [الشعراء:145] وهذا هو نفس كلام المرسلين عليهم الصلاة والسلام فكلهم يقولون ذلك، ولا يطلب أحد منهم أجراً، ولو أن رسولاً من رسل الله عز وجل طلب من الناس أجراً لكان هذا أدعى لتكذيبه؛ لأن من فعل شيئاً يتعبد الله به فلا يصح له أن يطلب أجرة من الخلق عليه، لأن من طلب الأجرة من الناس تحكم فيه الناس، فقالوا له: نقبل هذا ولا نقبل ذاك، ولذلك كرم الله عز وجل المرسلين وشرفهم وجعل أجرهم عليه وحده لا شريك له، وعلمهم الصناعة والحرفة، ليكفوا أنفسهم، فكان منهم من يصنع الحديد، ومنهم من كان نجاراً، ومنهم من كان يرعى الغنم، وما من رسول بعثه الله عز وجل إلا ورعى الغنم؛ ليصبر على الناس، كما رعاها نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

    فهنا يقول صالح لقومه: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:144-145]، وقوله: إِنْ أَجْرِيَ [الشعراء:145] فيها قراءتان: (إن أجرِيْ)، و(إن أجريَ إلا على رب العالمين)، فأجره على الرب سبحانه، ومن صفات ربوبيته سبحانه أنه الذي يعطي، وأنه الذي يمنع سبحانه، وأنه الرازق الذي يرزق سبحانه، فهنا يقول صالح: أجري ورزقي على الرب سبحانه الذي يملك ذلك: إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:145].

    تناسب آيات وقصص القرآن مع السور المذكورة فيها

    وسياق هذه الآيات في هذه القصة مناسب ومتوافق مع السورة جميعها، فإن آيات السورة كلها مئتان وسبع وعشرون آية، وهي آيات قصيرة، وهذه الآيات تختم بهذه الفاصلة الياء والنون، أو الواو والنون في الغالب فيها.

    وقد كرر القرآن هذه القصة في مواضع، وفي كل موضع يذكر شيئاً تستفيد منه حكماً من الأحكام وعلماً من العلوم، وتجد في كل موضع المجانسة بين القصة وبين السياق القرآني واضحاً، فتجد هنا آيات قصيرة مناسبة لسياق القرآن في هذه السورة، وتجد في سورة الأعراف القصة نفسها يذكرها الله سبحانه وتعالى بآيات طويلة، وهي مناسبة لسورة الأعراف، وكذلك في سورة هود تجد نفس الشيء، فقد تكررت هذه القصة فيها بلون آخر مناسب لسياق الآيات، وفيها أشياء زائدة، وفي الإسراء أشار إليها إشارة.

    بيان الغاية من دعوة الرسل

    وفي هذه السورة ذكر الله عز وجل أن نبيهم قال لهم: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:143-144]، وفي الأعراف ذكر الله عز وجل عنه أنه قال: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:73]. فهذه دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، كل منهم يقول لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ .

    معنى كلمة لا إله إلا الله

    وهذه الكلمة هي نفس كلمة لا إله إلا الله، وهي متضمنة للنفي والإثبات إثبات أن الله هو المستحق للألوهية؛ فهو المستحق للعبادة سبحانه وتعالى، ونفي لاستحقاق هذه العبادة عن كل الآلهة سوى الله، فالمستحق للعبادة هو الإله الواحد، وأما غيره فليسوا آلهة ولا يستحقون العبادة.

    فيقول هنا: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:73]، وذلك بقول: لا إله إلا الله التي هي نفي للألوهية الحقه عن غير الله سبحانه، وإثباتها لله عز وجل وحده لا شريك له، فقول: المؤمن: لا إله، أي: لا أعترف بأي إله إلا إله واحد، هو الله الرب سبحانه وتعالى، المستحق للعبادة.

    وقال سبحانه في الأعراف: وَإِلَى ثَمُودَ [الأعراف:73] يعني: أرسلنا إلى ثمود. وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ [الأعراف:73].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أتتركون في ما هاهنا آمنين ... بيوتاً فارهين)

    ثم قال: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ [الشعراء:146] أي: أأعطاكم الله عز وجل هذه النعم الكثيرة العظيمة ويترككم آمنين حتى تكفروا؟! فهل أعطاكم كل هذه النعم حتى تكفروا به، وحتى تعصوه سبحانه وتعالى؟ فقال: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ [الشعراء:146] أي: تنتظرون الأمن والأمان وقد أعطاكم نعمه فإذا بكم تجحدون هذه النعم، وقد أرسل إليكم رسوله عليه الصلاة والسلام فإذا بكم تكذبون رسالته، وتكفرون بربكم وتشركون به؟ فهل يترككم آمنين وأنتم تصنعون ذلك؟

    نعم الله عز وجل على ثمود

    وهنا في هذه السورة يذكر الله سبحانه وتعالى أن صالحاً عليه الصلاة والسلام ذكر قومه بالنعم كما ذكر هود عاداً بنعم الله سبحانه عندما قال لهم: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:128-135]، فذكرهم بالنعم.

    وهنا أيضاً يذكر الله عز وجل ما قاله صالح لقومه من تذكيرهم بنعم الله عز وجل عليهم، وهذا التذكير لم يذكره سبحانه إلا في هذه السورة فقط، وقد ذكرت قصة ثمود في حوالي عشرة مواضع من كتاب الله سبحانه وتعالى، فذكرها الله عز وجل في الأعراف كما قدمنا، وفي سورة هود أيضاً، وفي سورة الإسراء إشارة، وذكرها ههنا في سورة الشعراء، وذكرها في سورة النمل، وفي سورة الذاريات، وفي سورة القمر، وفي سورة الشمس وضحاها، وقد ذكر سبحانه في كل سورة من هذه السور بعض الأشياء التي ليست في غيرها.

    وقد ذكر هنا تذكير صالح لقومه بنعم الله عز وجل، فقال: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الشعراء:146-147]، فقد أعطاهم الله جنات وبساتين عظيمة وعيون كما أعطى لقوم هود من قبلهم.

    وقوله: فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ فيها قراءتان: فيقرؤها ابن كثير وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي : (وعِيون)، وباقي القراء يقرءون وَعُيُونٍ بالضم فيها.

    وقوله تعالى: وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ [الشعراء:148] أي: أعطاكم الحقول التي فيها الزروع والحبوب، وأعطاكم النخيل، كما قال: وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ [الشعراء:148] أي: أكثر أموالكم من هذه النخيل، فتأكلون من ثمارها، وتبيعون وتتاجرون فيها، والطلع الذي فيها ليس كمثله شيء من الطلوع التي عند الناس، فعندكم أعظم الأشياء.

    معنى الهضيم الوارد في الآية

    قال تعالى: وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ [الشعراء:148] أي: ما يطلع منها كأنه وعاء. والطلع هو: الكم الذي يخرج من النخلة، ويخرج منه الطلع في جوار النخلة، ثم يخرج من هذا الطلع الشماريخ والعذوق والقنو، وهو الذي يكون البلح والتمر والرطب وغيرها معلقاً فيه.

    فيقول: إن هذا الطلع في النخل هضيم، وهضيم فعيل بمعنى: مفعول، أي: أنه غاية في الجمال واللطافة، حتى كأنه يهضم لوحده ولا يحتاج لمن يهضمه، أي: أنه لطيف في أكله، فطعمه جميل ولا يتعب المعدة، فهو يهضم بسهولة عند أكله.

    قالوا: ومن معاني الهضيم: أنه الرطب، أو أنه نوع من أنواع الرطب، أو المتهشم المتفتت. أي: أنه سهل في مضغه، وسهل في نزوله على المعدة، فهو ينزل بلطافه وبسهولة.

    وأيضاً من معانيه أنه: الذي ضم بركوب بعضه بعضاً، فهو كثير، أي: متراكب بعضه على بعض. أي: أن النخلة ممتلئة بالبلح وبالرطب وبنعم الله سبحانه وتعالى.

    وقالوا من معانيه: اليانع النظيف. وقالوا: إنه الرخص اللطيف، أو الرخو.

    وكل هذه المعاني التي ذكرناها عبر الله عز وجل عنها بكلمة واحدة، وهي كلمة (هضيم)، وقد فسرها العلماء بأكثر من اثني عشر تفسيراً، وهذا من بلاغة القرآن الكريم، حيث إنه يعبر باللفظ الوجيز الذي يعطي المعاني الكثيرة.

    ذكر نحت ثمود للبيوت في الجبال

    قال تعالى: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ [الشعراء:149]، وهذه من نعم الله عز وجل عليكم، فالمفترض أن تعبدوا ربكم سبحانه وتعالى. فإذا بهم بدلاً من أن يعبدوا ربهم يتفرغوا للعب واللهو ولفعل ما لا يلزمهم أن يفعلوه، فكانوا يعبثون كما كانت عاد تعبث بالبنيان العظيم الذي لا يحتاجون إليه، كما قال تعالى عنهم: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [الشعراء:128]. وكذلك هؤلاء كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين. كما قال تعالى عنهم: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ [الشعراء:149]، فقد كانت أعمارهم طويلة، وفراغهم كثيراً، فكانوا ينحتون في الجبال بيوتاً للزينة والزخرفة، حتى تبقى ذكرى لمن بعدهم بأنهم كانوا صناعاً، وأما أن يتركوا ذكرى للآخرة فلم يكن في حسابهم شيء من هذا؛ ولذلك قال لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ [الشعراء:149]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : (فرهين).

    معنى قوله (بيوتاً فارهين)

    يقال: ناقة فارهة بمعنى: عظيمة طويلة، وإنسان فره بمعنى: حاذق نشط، فكأنه يقول لهم: أنتم تنشطون في صناعة النحت في الجبال، وتنحتون البيوت العظيمة، ولا تتوجهون للعبادة، وإنما تعبثون وتلعبون، وعن عبادة ربكم تغفلون وتتلهون.

    فهو هنا يذكر بأنهم فارهون بذلك، أي: حاذقون لهذه المهنة في لعبهم وعبثهم، وأنهم فرهين بمعنى: بطرين أو عابثين متجبرين.

    وقد جاء عن ابن عباس وغيره قال: فارهين أي: حاذقين للصناعة. وقال: فرهين بمعنى: متجبرين جبارين أيضاً. ويأتي الفره بمعنى: الشديد الشره، أو: الأشِر، أو: البطِر المغرور، يعني: أنهم مغرورون، فهم حاذقون لصناعتهم، مغترون بها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاتقوا الله وأطيعون... ولا يصلحون)

    ثم قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:150].

    فهو هنا يذكرهم بالله عز وجل، ويكرر عليهم قوله: اتقوا الله سبحانه وتعالى، وأطيعوني فيما جئتكم به من عند رب العالمين.

    طاعة الكبراء تؤدي إلى الضلال والزيغ

    ثم قال: وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ [الشعراء:151]؛ لأن العادة أن من الناس من يقبل دعوة رب العالمين سبحانه وتعالى، ولكن يغلب عليهم طاعة السادة والكبراء الذين يوجهونهم إلى ترك عبادة الله سبحانه، فهؤلاء القوم لما تأتيهم آية من عند رب العالمين المفروض عليهم أن يؤمنوا بها، وقد كادوا يؤمنون بما جاء به رسولهم عليه الصلاة والسلام، ولكن الكبراء منهم منعوهم وصدوهم، وقالوا لهم: لقد سحركم هذا الرسول، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    فهنا لما قال وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ [الشعراء:151] بين أنهم: الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [الشعراء:152]، فالمفسرون: يفسدون في الأرض، ولا يؤدون الصلاة، ولكن يعبثون ويلعبون ويفسدون، فلا يصلحون حالهم ولا حال غيرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا إنما أنت من المسحرين ... إن كنت من الصادقين)

    فلما قال ذلك قالوا له: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [الشعراء:153] يعني: لك سحر، وسحر الإنسان هي الرئة. يعني: أنك مخلوق مثلنا، فتلبس كما نلبس، ولك معدة وتأكل وتشرب مثلنا، بل نحن أحسن منك، فلا نسمع كلامك. إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [الشعراء:153-154] يعني: إنما أنت من المسحرين، ولست إلا بشر مثلنا، فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:154]، فهنا طلبوا الآية الحسية، ولم يكفهم أنه رسول من عند رب العالمين جاء برسالة من الله يدعوهم إليه، وإنما طلبوا آية يرونها بأعينهم.

    تمكين الله عز وجل لثمود واستخلافهم من بعد عاد

    وقد جاء في سورة الأعراف أنه لما ذكرهم بنعم الله سبحانه قال لهم: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ [الأعراف:74] يعني: أن عاداً أعطاهم الله عز وجل النعم فجحدوا وكفروا، فجاءهم العذاب، وأنتم جئتم من بعدهم، فتفكروا فيهم، فإنكم إذا كفرتم كان مالهم كمالهم، وجزاءكم كجزاءهم، فلذلك قال لهم رسولهم عليه الصلاة والسلام: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ [الأعراف:74]، بوأكم يعني: جعل لكم مبوءاً، أي: منزلاً تنزلون فيه، فقد فسح لكم في دياركم، وبوأ لكم في الأرض فتنزلون في أي مكان فيها، وهذه من نعم الله سبحانه عليكم.

    قال تعالى: تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا [الأعراف:74] يعني: أعطاهم الله السهل والجبل، فلهم في السهول بيوت وقصور عظيمة، وأما الجبال فكانوا ينحتون فيها البيوت العظيمة. ولذلك قال لهم نبيهم: فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [الأعراف:74] أي: لا تفسدوا هذا الفساد الشديد الذي تفعلونه.

    وقوف الكبراء في وجه الدعوة

    قال تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف:75]، والمستكبرون هم الكبار من القوم، وأما من آمن مع صالح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فكانوا ضعفاء، ولم يكن كل الضعفاء مؤمنين فقال المستكبرون لهؤلاء الضعفاء المؤمنين: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ [الأعراف:75] يعني: أحق هو مرسل من ربه؟! قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الأعراف:75-76]، أي: إنا بالذي أرسل به هذا الرسول عليه الصلاة والسلام والذي آمنتم أنتم به كافرون.

    مجادلة قوم صالح لنبيهم عليه الصلاة والسلام

    وقد ذكر الله عز وجل هذه الآيات في سورة هود، وذكر فيها نعمه سبحانه بسياق آخر مناسب لهذه السورة، فقال: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود:61]. فهذه دعوة هادئة جميلة من هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فقد قال لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ [هود:61] أي: هو خلقكم سبحانه من هذه الأرض، فقد كنتم تراباً فأنشأكم منها وفوقها، وَاسْتَعْمَرَكُمْ [هود:61] أي: جعلكم تعمرون هذه الديار، فَاسْتَغْفِرُوهُ [هود:61] أي: عاملوا ربكم بما أنعم عليكم بأن تحسنوا عبادته، وأن تستغفروه سبحانه، كما قال: فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ [هود:61] أي: إن ربنا العظيم سبحانه قريب منا، فإذا استغفرناه غفر لنا، وهو مجيب يستجيب الدعاء، فادعوا ربكم يستجب لكم.

    فكان جوابهم كما قال الله عز وجل في سورة هود: قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [هود:62]، فكان جوابهم جواباً لائقاً بهم وبسفاهتهم. قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا [هود:62] يعني: لقد كنا نظنك عاقلاً، فإذا بك تقول هذا الكلام، قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [هود:62] أي: أنهم كانوا قبل ذلك يصدقونه، وكان عندهم صادقاً، حتى إذا جاء بالرسالة قالوا له: إِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ.

    قال: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ [هود:63].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال هذه ناقة لها شرب ... وإن ربك لهو العزيز الرحيم)

    ثم طلبوا منه الآية، فقالوا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:154]، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:155]. وكانوا قد تعنتوا في طلب الآية كنوع من التشديد عليه، فقالوا له: إن أردت أن نؤمن بك فافلق لنا هذا الجبل أمام أعيننا، واخرج لنا منه ناقة ومعها ابنها بجوارها، فإذا فعلت ذلك آمنا بك. فلما قالوا ذلك حذرهم عليه الصلاة والسلام من عقوبة رب العالمين سبحانه، وسألهم: أإذا جاءتكم هذه الآية أتؤمنون؟ فقالوا: نؤمن. فأخذ عليهم الميثاق على أن يؤمنوا، وحذرهم بأنهم لو كفروا بالله فسيأتهم من عند الله عذاب يوم عظيم. فانتظروا الآية، ففلق الله الجبل أمام أعينهم، وخرجت منه ناقة ومعها فصيلها، فكانت آية عظيمة، فكادوا يؤمنون به، ويدخلون في دينه جميعاً، فخاف الكبراء أن يؤمن الضعفاء؛ لأنهم لن يجدوا من يتبعهم ويخدمهم ويكون معهم، فمنعوهم وصدوهم عن الإيمان برب العالمين سبحانه وتعالى.

    قال تعالى على لسان صالح عليه الصلاة والسلام مخبراً بخروج الناقة: قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:155]. وقد كان عندهم بئر من الآبار يشربون منها، فقال لهم: ومن آيات الله أن يريكم آية في هذه الناقة، وهي: أنها ستشرب من هذا البئر يوماً جميع الماء ولا تقدروا أن تشربوا منه شيئاً، وتتركه لكم اليوم الثاني، فيوم لكم ويوم لها، فلها شرب، أي: لها حظ ووِرْد في البئر يوماً كاملاً، ولكم يوم آخر فلا أحد منكم يشرب معها في هذا اليوم، فكانت تشرب الماء الذي في البئر كله في يومها، وهم يأخذون من لبنها في هذا اليوم.

    فاستقاموا على ذلك وإن لم يؤمنوا معه، ولم يؤمن معه إلا القلة من هؤلاء، قال تعالى مخبراً عن هذه القسمة: قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء:155-156] أي: احذروا أن تؤذوا هذه الناقة؛ لأنها آية من آيات الله سبحانه، فإذا كنتم لم تؤمنوا فاحذروا من تعجيل العقوبة بسبب منكم، فلا تؤذوا هذه الناقة فيأخذكم عذاب يوم عظيم.

    لكنهم اعتقدوا أنه ما دامت هذه الناقة موجودة فهي دليل على أنها آية من عند رب العالمين، ودليل على صدق هذا الرسول، فبدأ يحرض بعضهم بعضاً على عقر هذه الناقة؛ بدعوى أنها تحرمهم من الماء يوماً، فاتفقوا على قتلها، قال تعالى: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ [النمل:48].

    وهنا هذه القصة مذكورة في سورة النمل، وقد فصل فيها سبحانه وتعالى ما الذي حدث، فقال سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ * قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل:45-46] أي: هلا استغفرتم الله سبحانه لعله يرحمكم، قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ [النمل:47] أي: تشاءمنا منك فأنت شؤم علينا، فكانوا ينظرون إلى أهل الدين على أنهم شؤم عليهم، ويقولون كلاماً كذباً، وهم أول من يعرف أنه كذب، ولكنهم يهرفون بما لا يعرفون، فقال لهم صالح: قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ [النمل:47] أي: كتاب أعمالكم عند الله يحصيه عليكم، وتشاؤكم هذا من عملكم، يبتليكم الله عز وجل به يوماً من الأيام، بل أنتم قوم تفتنون.

    وقوله تعالى: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ [النمل:48] أي: تسعة من الناس يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فكان عملهم الفساد في الأرض، وذكروا أن سبب فسادهم حنقهم على صالح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقال بعضهم لبعض: قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [النمل:49]، فهم إضافة على كفرهم بالله سبحانه وفعلهم المعاصي الشنيعة عقروا الناقة، وأرادوا قتل نبيهم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فاتفقوا فيما بينهم على عقر الناقة، فعقرها منهم أحيمر ثمود الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أشقى القوم. قال الله عز وجل: إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس:12]، فكان أشقى القوم هذا الرجل: أحيمر ثمود، فقال للقوم: إني عاقر هذه الناقة، فصوبوه على ما يقول، ومنوه بأن يزوجوه امرأة من جميلاتهم، ومنته أم الفتاة بأن تزوجه بنتها إذا عقر الناقة، فرماها بسهم فعقرها، فصرخت الناقة، وهرب طفلها، ثم رجع القاتل إلى قومه بعد أن عقر الناقة.

    تآمر ثمود على قتل صالح

    ثم إن هؤلاء التسعة النفر تقاسموا فيما بينهم أن يقتلوا أيضاً صالحاً مثلما قتلوا الناقة، فتقاسموا بالله أن يبيتوه، أي: يقتلوه بالليل كما قال تعالى: لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [النمل:49] أي: سنقتله بالليل، وإذا سئلنا عنه في الصباح قلنا: لم نره ولم نشاهده، فيصدقنا أهله.

    نزول العذاب على قوم صالح

    فلما أرادوا أن يصنعوا ذلك حذر الله عز وجل نبيه، وأمره أن يحذر القوم فإن العقاب سينزل بهم، قال تعالى: فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ [الشعراء:157]، وذلك أن نبيهم عليه الصلاة والسلام قال لهم: انتظروا ثلاثة أيام، وترقبوا عذاب الله سبحانه وتعالى في دياركم ثلاثة أيام، وهذه آية من الله عز وجل أخرى لهؤلاء القوم، قال تعالى في سورة هود: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65] أي: آية من آيات الله أن يمهلكم ثلاثة أيام، وبعد اليوم الثالث يأتيكم العذاب من عند رب العالمين.

    وقد ذكر البعض من المفسرين أنه قال لهم: الآية فيكم أن تجدوا ألوانكم تتغير، فتصغر وجوهكم في اليوم الأول، وتحمر في اليوم الثاني، وفي اليوم الثالث تسود وجوهكم، ويأتيكم العذاب من عند رب العالمين، فقالوا له: إن لم يأت ذلك لنقتلنك، فأصبحوا على ما ذكر لهم من العلامة، فأصبحوا نادمين في وقت لا ينفع فيه الندم، وقد ذكر لنا الله عز وجل على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أن الندم توبة، وأن الإنسان إذا تاب إلى الله عز وجل فإن الله يتوب عليه، وهؤلاء ندموا ولم ينفعهم ذلك؛ لأنهم رأوا آية من آيات الله سبحانه، وقد كانوا قبل ذلك يكذبون بها.

    فأصابهم الرعب عندما تغيرت وجوههم، وجلسوا ينتظرون العذاب وهم في غاية الرعب من الله عز وجل، وفي اليوم الثالث جاءتهم الرجفة والصحية، وأهلك الله عز وجل الجميع، وجعلهم آية من الآيات، قال سبحانه في سورة هود: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا [هود:66]، فجاءت الرحمة من عند رب العالمين لصالح وللمؤمنين، كما قال تعالى: بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [هود:66] أي: لم نخزهم ولكن نجيناهم، وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ [هود:67-68].

    فجاءتهم صيحة من السماء، ورجفت بهم الأرض، فخروا كلهم ميتين، كما قال الله سبحانه: فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود:67]، وهو مأخوذ من قولهم: جثم الطائر على الأرض، أي: سقط على الأرض.

    قال تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [هود:68] من قولهم: غنى بالمكان، أي: أقام بالمكان. فكأنهم لم يقيموا بها، فأين ذهبت أعماركم الطويلة؟ وأين ذهبت أفعالكم التي ظننتم أنها عظيمة وجليلة؟ وأين الحصون والقصور؟ وأين الجبال؟ أين ذهب ذلك كله؟ فكأنهم لم يغنوا فيها ولم يعيشوا أبداً، فقد جاءتهم الصيحة من عند رب العالمين فهلكوا كلهم، قال الله سبحانه: أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ [هود:68].

    وهنا في سورة الشعراء يقول سبحانه: فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ [الشعراء:157-158] أي: بعد ثلاثة أيام من الرعب، فقد عاملهم بالتخويف الشديد الذي لا ينفع معه الندم، ثم جاءت الصيحة والرجفة فأخذهم سبحانه، قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [الشعراء:158] أي: آية عظيمة من آيات رب العالمين يعتبر بها كل إنسان مؤمن يخاف من الله سبحانه، ويعلم عقوبته، ويعلم كيف ينتقم ممن عصاه، وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:158].

    وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:159] أي: إن الله هو العزيز الغالب القاهر الذي لا يمانع أبداً سبحانه، ومهما استطال الإنسان وأملى له ربه فإنه آخذه أخذ عزيز مقتدر، ومع ذلك فهو الرحيم لمن تاب وأناب قبل أن يأتي العذاب.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.