إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [105 - 122]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في قصة سيدنا نوح عليه السلام من العظمة وبعث الثقة بوعد الله ما يتجلى لكل متأمل، فقد أمره الله أن يصنع سفينة في حين أن معطيات العقل قد تجعل ذلك ضرباً من الخيال؛ بسبب جهل العقل عن معرفة الغيب، فصنَع نوح السفينة، وأمر الله الأرض أن تخرج ماءها، وأمر السماء أن تنهمر بالماء، فصعد نوح على السفينة ومعه من أمره الله بحمله، وأغرق الكفار والمكذبون، وقيل الحمد لله رب العالمين.

    1.   

    كيفية نشوء الشرك في قوم نوح

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الشعراء: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ * قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ * قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:105-122].

    هذه هي القصة الثالثة في هذه السورة العظيمة سورة الشعراء، يذكر الله سبحانه وتعالى فيها نبياً من الأنبياء، بل هو أبو الأنبياء قبل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فنوح أرسله الله عز وجل إلى قومه؛ ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكان آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو أبو البشر قد تعلم أولاده منه توحيد الله سبحانه وتعالى، واستقاموا على التوحيد قروناً وأزمنة طويلة، حتى جاء قوم نوح فعبدوا غير الله سبحانه وتعالى، وكان السبب في ذلك تصوير التماثيل، وصنعوا التماثيل وجعلوا ينظرون إليها ظناً منهم أنها تذكرهم السابقين، وقد كان الناس من قبلهم على التوحيد الخالص عشرة قرون أو أكثر من ذلك، وإن كان هناك معاص قبلهم لكن الشرك لم يوجد إلا في هؤلاء، وأما القرون من قبلهم فقد كانوا على التوحيد حتى جاء هؤلاء فأشركوا بالله سبحانه.

    طروء الشرك على قوم نوح وسببه

    قال الله في سورة نوح: وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا [نوح:23-24].

    فقد كان سبب شركهم أن هؤلاء القوم الذين سماهم الله عز وجل كانوا أناساً صالحين، فأعجب الناس صلاحهم، فلما مات هؤلاء الصالحون قال الشيطان لهؤلاء، أو ألقى في قلوبهم أن صوروا لهم الصور، واصنعوا لهم التماثيل حتى تذكروهم، فصنعوا لهم صوراً، وصنعوا لهم تماثيل، وكانوا يأتون إلى أماكن صورهم وتماثيلهم ويقولون: هؤلاء كانوا من الصالحين، ولم يزالوا على ذلك فترة من الزمن، ثم مات هؤلاء وجاء أولادهم بعد ذلك، فقال أولادهم: إن آباءنا كانوا يتبركون بهؤلاء ويأخذون البركة منهم، ونحن نتبرك بهم كما كان يفعل آباؤنا، فذهبوا إلى هذه الصور والتماثيل يلتمسون منها البركات، ويلتمسون منها الإحسان وأشياء يزعمونها، فمضت السنون وجاء أقوام بعد ذلك فقالوا: كان آباؤنا يعبدون هؤلاء، فعبدوهم من دون الله سبحانه، فلذلك لما قالوا: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23] يذكر ابن عباس رضي الله عنه: أن هذه أسماء أناس صالحين، فما كانوا كفرة ولا مشركين، فأحب الناس أن يتذكروهم، فجعل الشيطان لهم هذه الحيلة التي وصلوا بها في النهاية إلى أن يعبدوا الصور والتماثيل؛ ولذلك حرمت صناعة التماثيل والصور في ديننا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ) سواء كانت الصورة تمثالاً يصنعه الإنسان أو ينحته فإنه سيأتي يوم القيامة ويقال له: انفخ فيه الروح، أو أنه يرسم ما فيه الروح بيده، فيقال له يوم القيامة: انفخ فيه الروح، فينبغي للمسلم أن يبتعد عن أن يصور صوراً أو يرسم بيده صور أشياء فيها الروح، فإن ذلك لا يجوز، وكذلك نحت التماثيل فإنه حرام في شرعنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين)

    ذكر الله عز وجل قصة نوح هنا فقال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، وسرد الآية على نفس السياق الذي وردت فيه كل القصص في هذه السورة، كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:123]، كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:141]، كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176]، وفي كل الآيات يذكر: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ [الشعراء:106] إلا في أصحاب الأيكة فقال: إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:177]؛ لأن هؤلاء الذين ذكر الله عز وجل في قصصهم: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ [الشعراء:106] كانوا إخوة لذلك النبي في النسب، أو كانوا من القوم، فيقال: فلان أخو فلان يعني: من النسب، وقد يقال: فلان أخو فلان أي: من نفس القبيلة، ولا يشترط أن يكون أخاً لواحد منهم من النسب، فقد يكون من القبيلة وهو بعيد في نسبه منها، فيقال: يا أخا بني تميم، يعني: أنت من بني تميم، أو أهلك كانوا من بني تميم، فذكر الله عز وجل هنا السياق المناسب لسياق السورة، فبدأه بالقصص، وختمه أيضاً بما تختم به القصص: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9].

    قال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، فذكر المرسلين بالجمع مع أنه أرسل إلى قوم نوح عليه الصلاة والسلام رسولاً واحداً وهو نوح، ولكنه ذكر الجمع هنا؛ لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع المرسلين، فدعوة المرسلين دعوة واحدة، فالرسل كلهم يدعون أقوامهم أن اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، فمن كذب هذا الرسول الذي يأمرهم بقوله: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، فقد كذب كل من دعا إلى ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إذ قال لهم أخوهم نوح ... فاتقوا الله وأطيعون)

    قال تعالى: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:106]، فهنا يعظهم نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو منهم وهم قومه، فدعا قومه ليلاً ونهاراً كما ذكر الله عز وجل ذلك في سورة نوح، فقال: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح:5-9]، وكل هذا الدعاء من نوح لقومه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً كان لغاية واحدة وهي: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]، ولكن لم يزدهم دعاؤه هذا إلا فراراً وعناداً وإصراراً على الكفر، كما قال: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ [نوح:6-7] أي: يا قوم تعالوا إلى الله ليغفر لكم ذنوبكم، فيدعوهم إلى الله مخبراً لهم أن الله سيغفر لهم، ولكن كان الرد منهم ما قاله تعالى: جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح:7]، وهذه مبالغة في عدم السمع وعدم الاستماع وعدم التنبه لما يقوله نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، مع أن الأصل أن الإنسان لا يدخل أصبعه كاملاً في أذنه، وإنما يدخل الأنملة وهي طرف الأصبع، ولكن هذا على وجه المبالغة في عدم تقبلهم سماع دعوة نوح عليه السلام، وإضافة إلى عدم سماعهم للحق كانوا إذا رأوا نوحاً عليه السلام وضعوا ثيابهم على وجوههم؛ حتى لا ينظروا إليه على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كما قال تعالى: وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ [نوح:7]، وقال تعالى: وَأَصَرُّوا [نوح:7] يعني: على كفرهم، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح:7] أي: استكباراً فضيعاً وشنيعاً، فإذا بهم لا يسمعون ولا يعقلون ولا يتنبهون لما يقوله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    قال الله عز وجل: إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:106] يعني: ألا تتقون الله سبحانه وتعالى، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:107]، وكل رسول من رب العالمين فهو أمين، أي: مؤتمن على شرع رب العالمين سبحانه، فقد ائتمنني ربي على هذه الشريعة حتى أبلغكم وأدعوكم وأهديكم إلى صراط الله المستقيم، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ [الشعراء:107] يعني: صاحب رسالة من الله عز وجل، قد جئت لكم بشريعة وبرسالة من الله سبحانه، وأنا مؤتمن من لدن ربي سبحانه، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ [الشعراء:107].

    وقوله: أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:106] مفتوحة الآخرة، أي: ألا تتقون الله سبحانه وتعالى.

    قال بعدها: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:108]، فطاعة الرسول من طاعة الله سبحانه وتعالى، أي: أطيعوني فيما جئت به تكن طاعتكم هذه طاعة لله رب العالمين، وقراءة الجمهور: وَأَطِيعُونِ [الشعراء:108]، وقراءة يعقوب : وَأَطِيعُونِي .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أسألكم عليه من أجر ... واتبعك الأرذلون)

    قال تعالى حاكياً كلام نوح عليه السلام: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:109].

    فقد كان كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام يقولون لأقوامهم: إننا لم نأت لنطلب أجراً على هذا الشيء، إنما الذي يأجرنا ويعطينا الأجر هو الله سبحانه، وكذلك فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أمره ربه أن يقول: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23] أي: لا أسألكم عليه أجرة تدفعونها إلي، ولكني أطلب منكم أن تبروني في الرحم التي بيني وبينكم، فإن بيني وبينكم نسباً فراعوا ذلك النسب والقربى.

    فالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أجرهم على الله سبحانه، ولا يسألون أحداً أجراً على شيء، ولا يقبلون صدقة من أحد أبداً، والذي يأخذونه هو ما يأخذونه بجهادهم في سبيل الله سبحانه أو بكسب أيديهم، فيعلمهم الله عز وجل صنعة يعملون بها، فيكون عيشهم إما من غنائم الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى كما كان حال نبينا عليه الصلاة والسلام، وإما أن تكون حرفة يعلمهم الله سبحانه وتعالى إياها كما علم داود وغيره عليهم الصلاة والسلام.

    وقوله: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:109] اختلف فيها القراء، وهذه هي قراءة الجمهور، وأما قراءة ابن كثير وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب : إِنْ أَجْرِيْ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ، والذي يمد فيهم يقرأ: (إن أجري~ إلا على رب العالمين) على حسب اختلافهم في المد والقصر.

    إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:109] وهنا ناسب أن يذكر الرب سبحانه ولا يناسب أن يذكر الإله؛ لأن مقتضى أنه إلهي أن أعبده، ومقتضى أنه ربي أنه هو الذي يعطي ويرزق؛ ولذلك قال: إِنْ أَجْرِيْ إِلَّا عَلَى رَبِّي، وما قال: على إلهي، وإن كان الإله هو الرب سبحانه، لكن مقتضى ربوبية الله سبحانه أنه هو الذي يشرع، ويرسل الرسل، وأنه الذي يرزق الرسل وغيرهم من الخلق.

    قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [الشعراء:110-111].

    قوله: (أَنُؤْمِنُ) كأنهم يستنكرون ذلك، ويقولون: أنؤمن ونكون مثل هؤلاء؟ وهذا هو كلام الكفرة في كل عصر، فالمشركون قالوا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم: إننا لا نجلس مع هؤلاء فتعيرنا القبائل، وقوم نوح قالوا: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [الشعراء:111] يعني: وقد اتبعك أراذل القوم، أي: السفلة من القوم، والناس الفقراء الضعفاء الذين ليسوا بسادة ولا كبراء ولا وزراء في القوم، فهؤلاء هم الذين كانوا يتبعونه، ونفس الكلام قاله المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم لما رأوا صهيباً وعماراً ورأوا غيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء والمساكين فقالوا: لا نجلس مع هؤلاء، فاجعل لنا يوماً وحدنا إذا أردت أن نسمع لك، فإذا بالنبي يكاد أن يستجيب لهم طمعاً في إيمانهم، ولكن الله حذر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52] أي: لا تطرد هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي مخلصين له، ويريدون وجهه، وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28]، وقال تعالى: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52] أي: اجلس مع هؤلاء ولا تتركهم فإن حسابهم على الله، وحسابك على الله، وحساب هؤلاء الكفار على الله سبحانه، فلا أحد يحمل عن أحد من حسابه شيء.

    ثم أخبر الله نبيه وخليله صلوات الله وسلامه عليه أنه إذا طرد هؤلاء فإنه يكون ظالماً، وحاشا له أن يظلم، فما كان ليطردهم، ولكنه أراد أن يجعل لهؤلاء يوماً ولهؤلاء يوماً، فإذا بالله يصف ذلك بأنه طرد لهم، مع أنهم آتون ليلاً ونهاراً يتعلمون الدين فكيف يطردهم ويقدم هؤلاء ويجعل لهم يوماً بدلاً من هؤلاء، مع أن هؤلاء لعلهم لا يؤمنون؟!

    وكذلك قوم نوح لما قالوا لنوح عليه الصلاة والسلام: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [الشعراء:111] يعني: وقد اتبعك الأرذلون والضعفاء والذين ليس لهم من الأمر شيء، فنحن لن نجلس معهم ولن نؤمن، أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ [الشعراء:111] يعني: هؤلاء الأتباع الذين من حولك ضعفاء، وليس معك جيش ولا قوة، فلن نؤمن لك ما دام معك هؤلاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال وما علمي بما كانوا يعملون ... ونجني ومن معي من المؤمنين)

    لقد أجاب سيدنا نوح على قومه: قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الشعراء:112] أي: لا تنظروا إلى الظاهر فقط، فلعل هؤلاء الضعفاء كما تزعمون لهم أعمال باطنة عظيمة يعلمها الله ويؤجرهم عليها، فلا تنظروا إلى الظاهر وتحكموا على السرائر حكمكم على الظاهر، فإن لهم أعمالاً عظيمة، ويكفي إيمانهم، فالله أعلم بما كانوا يعملون، فلم أكلف العلم بأعمال هؤلاء، وإنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

    ثم يقول نوح عليه الصلاة والسلام: إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [الشعراء:113] أي: حساب هؤلاء بأعمالهم إنما هو على الرب سبحانه، وكأنه يقول: إذا كان ربنا سيحاسب الضعفاء فإنه سيحاسب الأقوياء كذلك، ولكن نوحاً كان يتلطف معهم في القول: إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [الشعراء:113] أي: بذلك وتفهمونه.

    وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:114] أي: لا أطرد المؤمنين، وهذا هو الذي حذر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم منه، فسمى عدم مجالستهم طرداً لهم، فقال: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52]، وهنا نوح عليه الصلاة والسلام قال: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا [الشعراء:114-115] يعني: ما أنا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الشعراء:115] أي: ليس عملي أن أقرب أناساً وأبعد أناساً، أو أرفع أقواماً وأجعل أقواماً في منزلة وآخرين، ولكن عملي أن أنذر الجميع، فمن استجاب كانت له المنزلة العظيمة يوم القيامة عند رب العالمين، ومن أعرض نال العذاب في الآخرة، وكذلك كل الرسل فإنما هم منذرون لأقوامهم، فالنبي هو البشير والنذير، فالبشير من يخبرك بما تفرح به ويسرك؛ وكذلك كان الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أجمعين يبشرون المؤمنين بالجنة وما لهم في دار الحبور والسرور، وإما أن يكون النبي منذراً يخبرهم ويخوفهم بما ينتظر من كفر وفجر من عذاب عند رب العالمين، وهنا قال نوح: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الشعراء:115]، وما قال بشير؛ لأنهم لا يستحقون بشارة، فإنهم كفار جميعهم أجداداً وآباء وأحفاداً، فقد كان يلقن بعضهم بعضاً الكفر، ويحذر بعضهم بعضاً من الإيمان بنوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    تهديد قوم نوح له وموقفه من ذلك

    قال سيدنا نوح لربه سبحانه: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:27]، وذلك عندما مكث يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، إذ كان عمره طويلاً، وأما هم فكان منهم صاحب العمر الطويل ومنهم صاحب العمر القصير، فقد مات الأجداد، فجاء الآباء وماتوا، فجاء الأبناء وماتوا، فجاء الأحفاد والرسول هو نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد بذل نوح عليه الصلاة والسلام في دعاء هؤلاء الأقوام إلى ربهم سبحانه الكثير من العمر والجهد، وعندما يذكر الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة فكأنه يقول له: ستأتي البشارة والنصر من الله كما نصر نوحاً، وقد صبر نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً، فاصبر كما صبر الذين من قبلك من الرسل، فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف:35].

    قال نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ [الشعراء:115] أي: أخوفكم عذاب الله بسبب كفركم وشرككم، مُبِينٌ أي: بين واضح، وعندي الحجج والبراهين من الله.

    قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء:116]، وهنا التخويف بمقتضى قوتهم، إذ قالوا: نحن أقوياء وأنت ضعيف، فقالوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ [الشعراء:116] يعني: عن سب آلهتنا وعن دعوتنا إلى التوحيد الذي تدعو إليه لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء:116]، والرجم يأتي في القرآن بمعان مختلفة: فقد يأتي بمعنى الرجم بالحجارة، وقد يأتي بمعنى: السب والشتم، وكل ذلك فعله الكفار مع نوح ومع غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهددوا نوحاً بالرجم بالحجارة، أي: القتل، والمرجوم هو القتيل رمياً بالحجارة، أو هددوه بأن يكون من المشتومين.

    وعند ذلك قال نوح سائلاً ربه سبحانه: قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا [الشعراء:117-118] أي: ائتني بالفتح من عندك، والفتح هو النصر، فانصرني عليهم، وقوِّ حجتي، وأظهر دعوتي، وذلك بعد أن شكا إلى ربه تكذيب قومه فقال: رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا [الشعراء:117-118]، ونكر كلمة الفتح، يعني: فتحاً عظيماً، وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:118]، فسأل ربه أن ينجيه، وأن ينجي من معه من المؤمنين، وقد كان المؤمنون قلة مع نوح، فما آمن معه إلا قليل من قومه، بل إن امرأة نوح لم تكن على دينه وكانت كافرة، وابن نوح أيضاً كان كافراً، وامرأة نوح قد ضرب الله عز وجل بها المثل في القرآن، فقال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [التحريم:10] أي: خانتاهما في كونهما على الكفر ولم يؤمنا بدين الله عز وجل، أو في كونهما يدلان القوم على مواضع الضعف عندهما، وليس المقصود من ذلك الخيانة في العشرة الزوجية، فالله يعصم أنبياءه من أن يكون في بيوتهم مثل ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فافتح بيني وبينهم فتحاً .... أغرقنا الباقين)

    بعد أن دعا نوح ربه: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:118].

    قال سبحانه: فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الشعراء:119] أي: فأنجاه الله سبحانه، والفاء هنا تفيد الترتيب والتعقيب، وكأن نوحاً لما دعا الله نصره، ولكن بعد أن أمره بأخذ أسباب النصر وأسباب النجاة، فأوحى إلى نوح أن يصنع الفلك بقوله: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:37]، وقال الله محذراً له: وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [هود:37]، فإذا بنوح يستجيب لأمر الله، فعلمه الله كيف يصنع السفينة، فإذا بنوح يصنعها في الصحراء بعيداً عن الناس، وعندما يمر عليه الكفار وهو يصنع سفينة في أرض لا ماء فيها يتعجبون ويسخرون منه، قال تعالى: وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38] أي: لم تضحكون علينا، اضحكوا على أنفسكم مما سيحدث بعد ذلك، ولكنهم لم ينتهوا، بل كلما مر عليه ملأ منهم قالوا: ماذا تصنع يا نوح؟! وأين الماء الذي ستحمل عليه هذه السفينة؟ فيضحكون ويسخرون منه، ولا يتوقعون أن الماء سيأتي من بطن الأرض، وليست السفينة هي التي سيذهب بها إلى الماء، فسبحان الله الخلاق العظيم تبارك وتعالى.

    قال تعالى: قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود:38-39].

    علامة بدء الغرق التي جعلها الله لنوح

    لقد أمر الله سبحانه نوحاً فقال: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40].

    وقد جعل الله علامة منه عز وجل لنوح، وهي أن هذا التنور الذي تشتعل فيه النار سينبعث الماء من داخله، فإذا وقع ذلك فاركب السفينة أنت ومن معك، إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا [هود:40] أي: وعدنا الذي وعدناك به، وَفَارَ التَّنُّورُ [هود:40] أي: إذا رأيت النار تنطفئ في التنور، ويخرج منه الماء فهذه العلامة إشارة لنزول العذاب، ولكن سننجيك أنت وأهلك المؤمنين، ونهلك هؤلاء الظالمين، فلما جاء أمر الله وفار التنور بالماء ركب نوح السفينة هو والمؤمنون معه، ونادى على ابنه: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42]، فأبى هذا الابن الكافر إلا أن يكون مع قومه، ورفض نصيحة أبيه عندما رأى الأرض تخرج كل المياه الجوفية منها، ومياه الأنهار تفيض وتلتقي مع مياه الأرض جميعها، وإذا بهؤلاء القوم يهربون إلى الجبال، وإذا الأمواج تعلو فوق الجبال وابن نوح معهم قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [هود:43]، فلم يسمع كلام أبيه ولم يستجب لكلام ربه سبحانه، وإذا به كما قال تعالى: وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود:43] أي: أحاط به الماء فصار من المغرقين، وارتفعت السفينة وعلت، وأهلك الله عز وجل الكفار.

    قال تعالى: فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الشعراء:119] أي: الموقر الممتلئ، وهو السفينة، فرجل واحد صنع سفينة وسعت هؤلاء المؤمنين معه، فسبحان الله! قال الله عز وجل لنوح: احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [هود:40] أي: احمل أهلك، واحمل المؤمنين معك، واحمل من الدواب من كل زوجين اثنين ذكراً وأنثى، ولا قدرة لإنسان أن يصنع ذلك إلا بأن يقدره الله سبحانه وتعالى على ذلك، فهو الذي علمه، وهو الذي أعانه سبحانه وتعالى، فصنع هذه السفينة فصارت موقرة مشحونة مملوءة بالخلق وبالدواب وغيرهم.

    قال تعالى: فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ [الشعراء:119-120] يعني: بعدما أنجيناه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أغرقنا هؤلاء الباقين، فطفت السفينة فوق الماء، وأهلك الله عز وجل الكفار غرقاً، فكانوا أول الخلق على الأرض يعاقبون بمثل هذه العقوبة الصعبة الشديدة، وهي أن تنفجر المياه من تحتهم، وتنزل عليهم المياه من أبواب السماء فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:11-13] أي: حملنا نوحاً على سفينة مصنوعة من ألواح ومسامير، فالألواح هي الخشب، والدسر: المسامير.

    والسياق في كل قصة يناسب السورة التي هو فيها، والفواصل التي هو فيها، فهنا قال: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:13]، فما قال: على فلك ولا على سفينة؛ لأن الوزن والسياق والخاتمة هنا لكل آية هو حرف الراء، فذكر فيها الفاصلة المنتهية بالراء، فلما ذكر السفينة عبر عنها بـ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:13]؛ لتناسب باقي السياق الذي في الآيات.

    ثم قال الله سبحانه: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:13-14] يعني: أن العادة عندما تكون هناك سفينة والأرض تنفجر تحتها ماء، ويوجد طوفان عظيم جداً فإنها تُغرق هذه السفينة، إضافة إلى أن الأمطار التي تنزل فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ [القمر:11]، فلابد أن تغرق السفينة، ولكن الله عز وجل يخبر هنا أنه هو لذي حملها فلن تغرق هذه السفينة وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:13-14] أي: بحفظنا وبحراستنا وبرعايتنا، فنحن الذين حملناها، ونحن الذين حفظناها، وهذا الجزاء جزاء لمن كان كفر، أي: من كفر بنوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنهم كفرو به وجحدوا بما جاء به، وهناك فرق بين كَفَر وكُفر، فكفر مبني للمجهول، فنوح عليه الصلاة والسلام قد كفروا به وكذبوه وجحدوه، فهذا الجزاء هو جزاء لهذا النبي الذي كفره قومه، وأبوا أن يستمعوا له وأن يستجيبوا لدعوته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية ... وإن ربك لهو العزيز الرحيم)

    قال ربنا سبحانه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:121]، وهذه آية عظيمة، فلو أن عندكم أفهاماً تفهم، وعقولاً تستجيب، وقلوباً تطيع رب العالمين سبحانه لكفتكم، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:121-122].

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:121]، وهذه التذكرة هي للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه، وهي أن الأكثرين من أهل الأرض على ضلال، وأن الأقلين هم المؤمنون، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:121].

    وهذه السورة سورة مكية، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة والذين استجابوا له مائة من الناس تقريباً، وما زادوا على ذلك، فعندما ينظر إلى الكفار وهم ألوف والذين استجابوا له ليسوا إلا عشرات قد يحزن عليه الصلاة والسلام، فيقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:121] أي: بل كان أكثرهم من الكفار، فلا تنظر إلى الكثرة ولكن انظر إلى نصر الله سبحانه العظيم، فهو الذي نصر الضعفاء، وهو الذي مكن لهم بعد ذلك، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:122].

    فذكر كلمة (ربك) التي تعني: الربوبية؛ لأن المقام مقام ربوبية، فالفعال لما يريد هو الرب سبحانه وتعالى، والمعز لمن يشاء والمذل لمن يشاء من العبيد هو الرب سبحانه وتعالى، فيذكر تعالى أن جنابه ممتنع، ولا يقدر أحد أن يمانع أو أن يرفض ما يأمر الله عز وجل به، فيأتي أمر الله على هؤلاء كما يريد الله، فقد أمر الأرض أن تنفجر عيوناً فانفجرت عيوناً، وأمر السماء أن تنزل أمطاراً فانفتحت أبواب السماء بماء منهمر، فأغرق الكفار وأنجى المؤمنين الأبرار.

    ثم قال سبحانه وتعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود:44].

    وأمر الله سبحانه للشيء إنما هو كن فيكون، وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ [هود:44] فنسب الماء إلى الأرض؛ لأن الأرض في باطنها ماء خلقه الله عز وجل، ففيها المياه الجوفية التي كان الناس لا يعرفون عنها شيئاً، فإذا بهم يعرفون الآن أن المياه الجوفية عظيمة جداً، وأن الأرض ممتلئة بالمياه الجوفية، فيأتي رزق الله عز وجل للعباد من الأرض ومن السماء، إذ ينزل لهم ماء من السماء، ويخرج لهم عيوناً من باطن الأرض.

    قال تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ [هود:44] يعني: ما خرج منك من ماء فابلعيه، وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي [هود:44] أي: لا تنزلي ماء بعد ذلك، وَقُضِيَ الأَمْرُ [هود:44]، فاستوت السفينة على جبل الجودي، وهو كما قالوا: جبل في تركيا اسمه جبل الجودي، وهم الآن يبحثون حول هذا الجبل عن سفينة نوح على نبينا وعليه الصلاة السلام، وجعلوا هذا المكان مزاراً للآثار، فالله أعلم.

    فالله سبحانه ذكر أنها استوت على هذا الجبل، واسمه جبل الجودي وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود:44] أي: هلاكاً وسحقاً لكل قوم يكذبون رسل الله سبحانه، وفي هذه الآيات العظيمة كان قبلها الآيات في إنجاء موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإغراق فرعون وجنوده ما يبهر الألباب من عظمة قدرة الله تعالى، وفي قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأن الله أنجاه من النار فخرج وترك قومه وهاجر إلى بلاد الشام يدعو إلى ربه، فنصره ربه سبحانه بالحجة والبيان، كل ذلك يجعل المؤمن يثق بوعد الله ونصره، وهنا ذكر نوحاً وقومه، ثم يذكر بعد ذلك قصة عاد وقصة هود مع قومه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.