إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [52 - 59]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله عز وجل من طغيان فرعون شيئاً لم يفعله أحد من المجرمين، فقد طغى وتكبر، وقتل وشرد، ودعا إلى الرذيلة، ثم ادعى الربوبية والعياذ بالله، فأرسل الله إليه موسى بالحجج والبراهين، فلم يزده ذلك إلا علواً وتكبراً في الأرض، فأذن الله لموسى أن يخرج ببني إسرائيل هروباً من ظلم فرعون وبطشه، فخرج فرعون بجيشه وجنوده، وقوته وعتاده، فأهلكه الله هلاكاً عجيباً، وجعل جسده آية لمن بعده، فأخرجه الله من أرض الخير والبركة والجنان.

    1.   

    حوار موسى مع فرعون صاحب الحجج الواهية

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الشعراء: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ [الشعراء:52-66].

    يذكر الله سبحانه في هذه الآيات وما قبلها قصة موسى النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع فرعون ، وكيف أنه دعاه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فأعرض فرعون وأبى إلا أن يجادل ويكذب موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ورأينا كيف أنه تناقش مع موسى من منطق القوه وليس من منطق الحجة، فناقش موسى بالقوة والغلبة وبكثرة أتباعه، وصار يستهزئ بموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فذكر هنا وفي غيرها من سور القرآن أن فرعون ناقشه موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال لـموسى: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23]؟ فقال مجيباً له: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:24] قال لقومه: ألا تسمعون؟ قال: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء:26-28].

    فالكلام الذي يقوله فرعون لا حجج فيه ولا منطق، وهو كلام يفهم منه أصحاب العقول أنه لا حجة عند صاحبه، وأنه يقول كلاماً جزافاً، حيث سأل: وما رب العالمين؟! ثم قال لمن حوله يعجبهم من جواب موسى : ألا تستمعون؟! والإنسان الذي يتعجب من غير عجب يسمى بالإنسان الأحمق الذي لا يفهم، وأما الإنسان العاقل فهو الذي يفهم الكلام ويزنه فيعرف أنه حق أو باطل، وأما الأحمق الذي لا يدري ما الحجة ولا يعرف كيف يجادل فهو الذي يتعجب من حجة لا يعرف كيف يرد عليها، فهذا هو حال فرعون عندما قال لمن حوله: ألا تستمعون إلى هذا الذي يقوله هذا؟! فلما أخبرهم بأن الله هو رب السماوات ورب الأرض وما بينهما، وأنه رب المشرق والمغرب، وأن فرعون لا يملك شيئاً، وليس كما يزعم أنه ربهم الأعلى، فإذا بفرعون يقول لمن حوله في السورة الأخرى: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51]، فكأنه يقول: أنا ملك وأنا أملك، فموسى يقول: ربي رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ، وأنت تقول: لك ملك مصر التي لم تخلقها ولا تقدر أن تدبر شيئاً فيها! وإنما الذي يدبر أمر ملكه هو الله الخالق وحده لا شريك له.

    قال الله عن فرعون: وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:51-52]، فبدلاً من أن يلقي الكلام مدعوماً بالحجة ابتدأه بالسخرية من العيب الذي في الإنسان، وهذا هو الذي يدل على جهل صاحبه، فالإنسان الجاهل الغبي الأحمق هو الذي يترك حجة من يناظره ويبتدئ اتهامه بالعيوب الخلقية، مع أن هذا العيب قد أزاحه الله عز وجل عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولكن عندما لم يكن بيده شيء قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ [الزخرف:52] أي: هذا الحقير الذي أمامكم الذي لا يكاد يبين حجته، لأن موسى قبل ذلك كان في لسانه لثغة لا يقدر على الكلام، فقال لربه: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:25-28] إذاً: حتى أفصح الكلام داوي ما بلساني من عقدة، فكان قبل ذلك فيه لثغة، ففرعون يذكره بالماضي من أنه كان لا يعرف كيف يتكلم ولا ينطق بفصاحة، فيقول لقومه: أنا خير من هذا الذي لا يعرف يتكلم، ولا يجيد التعبير ولا الحديث.

    فكل الذي رآه فرعون أمامه من الآيات كذبها، فالله عز وجل أخذهم بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ [الأعراف:130]، قال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ [الأعراف:133]، فكل هذه الآيات ما أعجبت فرعون ، وإنما يريد أسورة من ذهب تنزل عليه من السماء، فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف:53-54] يعني: في هذا، فقد كانوا خفاف العقول فلم تعجبهم تلك الآيات مجاملة لفرعون، فأصحاب القوة يجعلون لهم من المنافقين من يجاملونهم بمثل ذلك، حتى ولو رأوا أمامهم الآيات بينات فلا يأخذون بها.

    وانظر إلى الفرق بين هؤلاء وبين السحرة الذين أنعم الله عز وجل عليهم فآمنوا لما رأوا آية واحدة من الآيات، فقد رأوا العصا بيد موسى يقلبها ربها سبحانه حية تلقف ما يأفكون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ... وإنا لجميع حاذرون )

    عندما خرج موسى ببني إسرائيل من مصر وذلك عندما أذن له فرعون بالخروج كان عدد بني إسرائيل ثلاثمائة ألف أو ستمائة ألف، فخرجوا من مصر فإذا بفرعون يتنبه بعد ذلك ويريد أن يعيدهم مرة أخرى إلى الذل والتسخير في مصر.

    قال الله عز وجل: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء:52] فلما خرجوا إذا بفرعون يرسل وراءه فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:53] يعني: منادين جامعين يجمعون الناس وجنود فرعون قائلين: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء:54] وهذا يعني: أن فرعون ومن معه كانوا أكثر من ذلك بكثير، فيخبر الله عز وجل عنهم ويرينا آية من آياته العظيمة أن النصر من عنده وحده لا شريك له، قال فرعون : وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:55-56] يعني: نحن في أهبة الاستعداد حذرون متيقظون ومستعدون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فأخرجناهم من جنات وعيون ... كذلك وأورثناها بني إسرائيل )

    قال الله سبحانه: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:57-59].

    وانظر إلى جمال القرآن حيث يقول الله: فأخرجنا فرعون ومن معه مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فالنتيجة: نصرة بني إسرائيل، ولكن الذي حدث أنه فصل هذا النص بعد ذلك سبحانه، فقال: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ قراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو وهشام وحفص عن عاصم وقراءة يعقوب وخلف (وعُيون) بضم العين، وباقي القراء يقرءونها (وعِيون) مثل (بُيوت) و(بِيوت).

    قال: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ يعني: مصر، فقد كانت مليئة بالبساتين، والله عز وجل جعل فيها هذا النيل العظيم من فضله سبحانه، ونهر النيل ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم منها ما رواه البخاري ومسلم من حديث مالك بن صعصعه أن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المعراج قال: (ورفعت لي سدرة المنتهى نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه آذان الفيلة) وهذه شجرة يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن حجمها فقال: بنبقها، أي: الثمرة كأنه قلال هجر، وهو مكان وموضع كان مشهوراً بصنع القلال العظيمة التي لا يقدر الرجل على حملها إلا بالكاد لثقلها.

    ثم يقول لنا هنا النبي صلى الله عليه وسلم: (في أصلها أربعة أنهار -في أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار- نهران باطنان ونهران ظاهران، فسأل جبريل فقال: أما الباطنان ففي الجنة) نهران يمدان هذه الشجرة من الجنة (وأما الظاهران فالنيل والفرات) فيها نهر عظيم قدر نهر النيل ونهر الفرات، واليهود يحاولون أن يأخذوا النهرين: النيل والفرات، فيقولون: دولة اليهود من النيل إلى الفرات، فهم يعرفون أنها أنهار مباركة من عند رب العالمين سبحانه، وذكْر القصة في حديث صلى الله عليه وسلم.

    فالله عز وجل قال: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ [الشعراء:57] أي: بساتين عظيمة وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الشعراء:58] فهذه البلاد فيها الخيرات دائماً، ولكنها من أيام الفراعنة ينهبها الفراعنة ويأخذون الذهب، ويسرقون ما فيها من الخيرات، وما زال فيها خير حتى الآن، وانظر في سورة يوسف لما قال لملك مصر: قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ [يوسف:55] فهو جعل مصر خزائن الدنيا.

    فهنا ربنا سبحانه يذكرنا بأن فيها الجنات والعيون والكنوز والزروع والمقام الكريم، وأهل التاريخ يذكرون عن هذه البلدة أنها كانت طوال عمرها فيها الجنات العظيمة، وعمرو بن العاص لما جاء إلى مصر ومعه ابنه عبد الله بن عمرو، يذكر أن الجنات كانت بحافتي النيل في الشقتين جميعاً من أسوان إلى الرشيد، ويذكر القرطبي أن بين هذه الجنات زروعاً فيها، قال: والنيل سبعة خلجان: خليج الإسكندرية -وهذا من أيام القرطبي- وخليج سخا، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى، وهي متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، أي: أنها جنات حول نهر النيل من أقصى البلاد إلى أدنى البلاد قال وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعاً بما دبروا وقدروا من قناطرها وجسورها وخلجانها، ولذلك سمي النيل إذا غلق ستة عشرة ذراعاً نيل السلطان، يعني: فإنهم يحسبون ارتفاع النيل بالذراع دائماً، فإذا وصل ارتفاع النيل إلى ستة عشر ذراعاً قالوا: إن السلطان سيفرض جباية؛ لأن الخير سيأتي كثيراً، هذا كلام القرطبي رحمه الله، وقال: وكانت أرض مصر جميعاً تروى من إصبع واحدة من سبعة عشر ذراعاً، يعني هذه الإصبع تروي أرض مصر كلها، هذا كلام القرطبي ، وكان إذا غلق النيل سبعة عشر ذراعاً وزيد عليه أصبع واحد من ثمانية عشرة ذراعاً، ازداد في خراجها ألف ألف دينار، فهذا الذي يذهب إلى السلطان، فهذه من خيرات مصر وبركاتها، هذا كلام الإمام القرطبي ، وذكر نحو هذا بعض العلماء.

    فنهر النيل من عجائب الدنيا، وذلك أنه يزيد إذا انصبت الأمطار في جميع الأرض حتى يسيح إلى جميع أرض مصر، وتبقى البلاد كالأعلام لا يوصل إليها إلا بالمراكب، وهذا كان يحدث في الماضي، فكان نهر النيل يفيض فيملأ البلاد كلها، وكل خيراته توزع على البلاد، وكان الناس أحياناً من ارتفاع النهر يتواصلون من مكان إلى مكان عن طريق القوارب ونحوها.

    يقول عبد الله بن عمرو بن العاص : نيل مصر سيد الأنهار. أي: أفضل أنهار الدنيا، وهذا النهر العظيم قال عنه قيس بن الحجاج : لما افتتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بئونة من أشهر القبط فقالوا له: يا أيها الأمير! إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، قال: وما هي؟ قالوا: إذا خلت اثنتي عشرة ليلة من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر وأرضينا أبويها، وحملنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، وتسمى عروس النيل، ثم نرمي بها في النيل.

    وهذا من جهلهم عندما يفعلون ذلك، قال: فقال لهم عمرو رضي الله عنه: هذا لا يحل في الإسلام، فتركوا العادة فإذا بالنهر لا يجري لا كثير ولا قليل، حتى هموا بالهجرة من هذا المكان، واستمر على هذا مدة ثلاثة شهور، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص وأن الناس سيهاجرون ويتركوا المكان أرسل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأله عن ذلك، فكتب إليه عمر : إنك قد أصبت بالذي فعلت، إن هذا حرام لا يحل، وإن الإسلام يهدم ما قبله، ولا يكون هذا، وبعث إليه ببطاقة في داخلها كتابة منه وأمرهم أن يرموها في نهر النيل، وكان عمر محدثاً ملهماً رضي الله تبارك وتعالى عنه، فلما جاءت البطاقة إلى عمرو إذا فيها مكتوب: من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجري، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك، فألقى البطاقة في النيل قبل عيد الصليب بيوم، وفيها بيان كرامة من الكرامات وآية من الآيات، فالله الواحد سبحانه هو القادر على ذلك، وليس لأحد من الخلق أن يفعل ذلك، قال: وقد تهيأ أهل مصر للجلاء، أي: كانوا جاهزين للارتحال من البلد والخروج منها؛ لأنهم لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل، فلما ألقى البطاقة في النيل أصبح يوم الصليب وقد أجراه الله في ليلة واحدة ستة عشرة ذراعاً، يعني: أصبحوا في يوم عيدهم وقد جاءت آية من الآيات تبين أن الله سبحانه وحده لا شريك له هو الذي يجري النهر، فأجراه الله آية من الآيات سبحانه، وقطع الله تلك العادة عن أهل مصر من تلك السنة، قطعها بسيدنا عمر رضي الله عنه، فالله عز وجل أزال هذا الشرك، ودخل أقباط مصر في دين الإسلام لما رأوا من آيات توحيد رب العالمين سبحانه، والآن أصبحوا يعملون بعض الأشياء الموروثة من الفراعنة، فيصنعون قلادة وحروز وتمائم ويكتبون عليها شركيات ثم يرمونها في النهر ويقولون: هذا فيه بركة، فبعدما نجى الله هذا البلد من هذا الشرك، ومن هذه البلادة والغباوة التي كانوا يعتمدون فيها على الخلق دون الخالق سبحانه فإنهم يريدون أن يرجعوا إليها مرة ثانية.

    نسأل الله عز وجل أن يحفظ على المسلمين دينهم، وأن يعيدهم إلى سنة نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، وإلى توحيد ربهم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.