إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [18 - 48]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله سبحانه وتعالى لنا قصص الأمم السابقة للعبرة والعظة، فقد ذكر قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، وكيف أن فرعون عاند بالباطل، فلم يأت بحجة على قوله، ولم يستمع لحجج موسى عليه السلام، بل دفعها بكلام سامج، وقول بارد، ثم عندما أفحم استخدم منطق القوة، فلم ينفعه ذلك، ثم حشر وجمع السحرة أجمعين؛ لعلهم يغلبون موسى عليه السلام، لكن سرعان ما آمن هؤلاء السحرة وصاروا داعين لفرعون إلى الهدى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال فرعون وما رب العالمين... إن كنتم موقنين)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الشعراء: قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:23-31].

    ذكر ما جاء من إرسال الله لموسى وهارون إلى فرعون وقومه

    يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما بعدها أن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وجهه ربه وأمره أن يذهب إلى فرعون هو وأخوه هارون، فيدعوانه إلى رب العالمين، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال الله عز وجل لموسى وهارون: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:16] يعني: إنا ذو رسالة من عند رب العالمين سبحانه وتعالى.

    وهذه الرسالة نأمرك فيها بتوحيد الله سبحانه، وبعبادته، وأن ترسل معنا بني إسرائيل، فما كان جواب فرعون إلا أن قال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ [الشعراء:18] يعني: أتيت تطلب منا هذا الآن ونحن ربيناك، ولنا عليك نعمة في يوم من الأيام، وقوله تعالى: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ [الشعراء:19] يعني: هذه الفعلة الشنيعة من قتلك القبطي في مصر؛ فعلتها وأنت من الكافرين لنعمتنا عليك، ولتربيتنا لك، فقد قتلت رجلاً من جنودنا.

    قال الله تعالى: قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء:20] يعني: وأنا لا أعرف، فقد أخطأت ولم أقصد أن أقتله، ولم أكن رسولاً بعد ولا نبي، وكنت قد ضللت وما قصدت ذلك، فقد أردت شيئاً فكان غير هذا الشيء.

    فموسى أراد أن يضرب هذا الرجل فكانت الضربة فيها مقتل هذا الإنسان، قال موسى عليه الصلاة والسلام: فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:21]، إذاً: فقد كنت من الضالين عن أمر هذه الرسالة، وعن الحكم الشرعي في ذلك، ففررت منكم.

    فالله عز وجل وهب لي بعد ذلك حكماً وجعلني رسولاً من رسله، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:21].

    قال تعالى: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:22] يعني: أنت تمن علي بالتربية، وهل هذه نعمة أن مننت علي وعبدت باقي أهلي وجعلتهم عبيداً عندك؟! وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:22]، فتمن علي أن ربيتني، وما ربيتني إلا لما ألقتني أمي في البحر بسببك أنت، فقد كنت تقتل جميع الأطفال من بني إسرائيل من الذكور، فاضطرت أمي أن تلقيني في اليم بسببك أنت، فكنت عندك في البيت بسببك أنت، ولو تركتني لرباني أبي وأمي وما احتجت إليك في شيء، فهل هذه نعمة أن مننت علي بهذا الشيء؟! فقد تركتني حياً وقتلت غيري من بني إسرائيل، فأي نعمة في ذلك؟!

    فقال فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23]؟ هذا السؤال من فرعون كأنه يستفهم فيه عن الأجناس فيقول: وما هذا الشيء؟ وهذا مثل فعل بعض أهل الجاهلية الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: من أي شيء ربك أمن در أم ياقوت أم ذهب أم فضة؟

    والأجناس خلقها الله عز وجل فهي مخلوقة، والله عز وجل تعالى وتنزه عن مشابهة خلق من خلقه سبحانه وتعالى.

    فقال فرعون: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23] يعني: هل هو بشر مثلنا؟ أم هو شيء آخر من حجارة أم من ذهب؟ ما هو هذا الجنس الذي تكلمنا عنه؟ فقال موسى مجيباً عليه: قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:24]، والجواب من موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام جواب رزين وحكيم، ففرعون يسأل عن شيء على وجه التهكم، فهو الذي ادعى أمام قومه الألوهية، قال: فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:23-24]، فلم يقل: أنا إلهكم فقط؛ بل قال: أنا ربكم أيضاً، فالإله هو الذي يستحق العبادة، ففرعون لم يقل: اعبدوني فقط، بل قال أيضاً: واعلموا أنني أنا صانع الأشياء، وأنا الرب، وأنا الذي أفعل ما أشاء.

    والربوبية مقتضاها: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والنفع، والضر، والرفع، والوضع، فالله سبحانه وتعالى يخلق ويرزق، فإذا بفرعون لعنة الله عليه وعلى أمثاله يدعي الربوبية مع الألوهية، ويصل استخفافه بقومه إلى أن يقول لهم: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51].

    ويسأل فرعون موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام ويقول: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:23]، فقال موسى مجيباً عليه: قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:24].

    فقوله تعالى: رَبُّ السَّمَوَاتِ [الشعراء:24] يعني: الذي خلق هذه السموات التي لا تملك أنت أن تصنع مثلها ولا أدنى منها، ورب الأرض التي لم تخلق أنت شيئاً فيها، وأنت تزعم للناس أنك ملك مصر، وأن هذه الأنهار تجري من تحتك.

    وقوله تعالى: وَمَا بَيْنَهُمَا [الشعراء:24] أي: ما بين السموات والأرض، فخالق هذا كله هو الله سبحانه وتعالى.

    وقوله تعالى: إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:24] أي: إن كان عندكم يقين ولم يكن في قلوبكم شك، إذ أن الله هو الذي فطر هذا كله وأبدعه وأوجده، ولا تقدرون على أن تفعلوا شيئاً من ذلك، فهذا هو الرب العظيم الذي يستحق العبادة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال لمن حوله ألا تستمعون.... قال ربكم ورب آبائكم الأولين)

    يقول الله عز وجل: قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ [الشعراء:25].

    ولو كان عنده حجة لنطق بها ولكنه ليست عنده حجة، بل هو إنسان غبي، فيستغل جهل من معه ويقول هذا الأمر، فيجادل موسى أمام الملأ ولا يرد على موسى حجته، فإن موسى يقول: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الشعراء:24] أي: خلق الشمس والقمر، وخلق كذا، وخلق كذا، ولكن فرعون لا يملك ولا يقدر أن يقول: وأنا خلقت كذا وكذا، لذلك ما كان منه إلا أنه قال لهم: أَلا تَسْتَمِعُونَ [الشعراء:25] أي: اسمعوا ما يقول، وهذا على وجه التهكم منه، ولو كان يملك حجة لقالها، ولو كان عنده جواب لرد على موسى، ولكن كان جوابه: أَلا تَسْتَمِعُونَ [الشعراء:25].

    أي: أنا ربكم الذي تعبدونني وهذا يقول لي: هناك رب ثان غيري! فقال موسى مجيباً عليه الصلاة والسلام: قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:26]، فهذا الرد كلام رزين وحكيم لمن يتأمل ويفهم إن كان عنده قلب، ففرعون هذا أبوه كان فرعوناً قبله، وجده كان فرعوناً قبله، وآباؤه وأجداده ذهبوا جميعاً، ولو كانوا أرباباً كما يزعمون لعاشوا وما ماتوا، فلذلك يقول له: إن هذا الرب هو الخالق لا يموت، وآباؤك كلهم قد ماتوا قبل ذلك، فأين ذهب هؤلاء الآباء؟ فربي هو الذي خلقك وآباءك السابقين ثم أفناهم، وأنت تكون كذلك.

    فقال فرعون رداً على موسى: قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:27].

    وهذه سفاهات علية القوم، وسفاهات الطبقة العالية التي لا تفهم شيئاً، ففرعون وجنده ووزراؤه عجزوا عن الرد على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهو يسفه كلام موسى، ويقول لمن حوله من القوم: هذا رجل مجنون، قال تعالى: قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:27]، والمجنون لا أحد يتبعه، فينبغي لكم ألا تتبعوا هذا المجنون بزعم فرعون اللعين، فقال موسى مجيباً له: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء:28] أي: لو كان عندكم عقول لفهمتم ذلك، فربي وربكم هو الذي خلق المشرق، وخلق المغرب، وخلق ما بينهما، وأنت تقول لقومك: أنا ملك مصر، لكن بقية بلاد العالم أنت لا تملكها، ولو كنت خالقاً لملكت الدنيا كله، ولكن أنت ملك هنا في مصر فقط، وأما ربي فهو الذي خلق مصر وغيرها، وهو رب المشرق ورب المغرب وما بينهما سبحانه وتعالى، ورب كل شيء لو كنتم تعقلون ذلك، ولم يكن مع فرعون من حجة إلا أنه بدأ بالتسفيه، وتعجيب القوم من موسى، وبادعاء أنه مجنون، ولما لم يستفد من ذلك لجأ إلى القوة والبطش.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين)

    قال تعالى حاكياً عن فرعون: قَاَلَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29]، وذكروا عن فرعون أنه كان إذا سجن أحداً فإنه يجعله في غيابة السجون إلى أن يموت، فكان الموت أرحم عندهم من السجن، ففرعون يجعله في مكان مظلم في قعر الأرض ويتركه حتى يموت في هذا السجن، فقال لموسى متوعداً له: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ [الشعراء:29] أي: أقسم لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29]، سنسجنك ونعذبك، وحجة ضعيف الرأي أن يهدد بالبطش.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال أولو جئتك بشيء مبين ... فإذا هي بيضاء للناظرين)

    قال موسى لفرعون: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ [الشعراء:30] يعني: بما أنك لا تعرف كيف تجيب فهل تتبعني إذا جئتك ببينة ومعجزة تدل على أني رسول من عند رب العالمين سبحانه؟

    ولا يستطيع فرعون أن يمنع موسى من إتيانه بالبينة؛ لأن خلفه حاشية وملأ، قال تعالى: قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:31] أي: لو أنت صادق هات هذه البينة التي تدعيها.

    فقوله تعالى: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ [الشعراء:30] أي: بحجة بينة واضحة فيها البرهان، وفيها الإعجاز والتعجيز لك ولمن معك، قوله تعالى: قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشعراء:31]، وهو يعلم يقيناً أنه صادق عليه الصلاة والسلام، ولكن يريد أن يحقر من أمره أمام الناس، فقال: إن كنت صادقاً فهات الذي تقوله، قال تعالى: فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ [الشعراء:45]، وقال سبحانه في سورة الأعراف: فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [الأعراف:107]، وقد أمر الله سبحانه وتعالى موسى قبل ذلك أن يلقي عصاه فإذا هي ثعبان أمامه، ويفر موسى فزعاً منها.

    ولم يرسل الله موسى إلى فرعون حتى طمأنه ودربه على ذلك، قال تعالى: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:17-18]، فلما: قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:19-20]، ففر موسى وفزع منها، فناداه ربه: تعال يا موسى! وخذ هذه العصا ولا تخف، وطمأنه ربه سبحانه حتى أخذ هذه العصا.

    والوقت الذي ألقى فيه موسى العصا وصارت ثعباناً كان في ليل مظلم، وفي مكان موحش، وموسى خائف أيضاً، وهذا أشد ما يكون من الفزع، فإذا بالله يطمئنه في ذلك تدريباً لموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حتى إذا كان أمام فرعون فإنه سيلقيها وهو مطمئن؛ لأنه جرب قبل ذلك.

    فهنا ألقى عصاه وهو مطمئن بربه سبحانه، فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [الأعراف:107]، وذكر هنا أنها: ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [الشعراء:45]، وفي سورة طه قال: فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:20].

    فقد دبت فيها الحياة وصارت ثعباناً بيناً عظيماً فظيع المنظر يسعى بين الناس، فقوله تعالى: فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [الشعراء:32] أي: بيِّن أمامهم ليس سحراً وليس كذباً وليست تخيلاً لهم، ولكن صارت ثعباناً حقيقياً أمامهم.

    وقوله تعالى: وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء:33]، وقبل ذلك قال الله له: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل:12]، وقال هنا في سورة الشعراء: فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء:33]، فكان لها شعاع كشعاع الشمس، فأدخلها في جيبه وأخرجها بيضاء والجميع يرون ذلك، فهي معجزة أمامهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال للملأ حوله... فماذا تأمرون)

    قال الله تعالى حاكياً عن فرعون حين رأى هذه الآية: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء:34]، فليس هناك شيء نافع مع فرعون، فقد جادله موسى بالحجة العقلية فلم يرض بذلك، ثم بالحجة البينة المنطقية فلم يفهم، ثم بهذه الآية الحسية التي أمامه فيقول: هذا ساحر مبين، قال تعالى: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء:34]، وصدقوه، كما قال تعالى: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الأعراف:109].

    ففرعون قال ذلك، والملأ قالوا ذلك مجاملة لفرعون، فقالوا: هذا ساحر يضحك علينا ويسحرنا، قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الشعراء:34-35]، فكان فرعون يقول لقومه: إن هذا ساحر قد علم السحر ووصل فيه إلى درجة عالية جداً، وهو يريد أن يخرجكم من أرضكم؛ لكي يثوروا على موسى عليه الصلاة والسلام.

    وقوله تعالى: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف:110]، فيجعل بقوله هذا نفسه عاملاً بالشورى، فهو يطلب منهم المشورة بعد أن استبد برأيه في الرد على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يترك أحداً يرد، وفي النهاية قال: ساحر، ثم أخذ يتواضع للناس فقال: فَمَاذَا تَأْمُرُونَ [الأعراف:110].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا أرجه وأخاه... يأتوك بكل سحار عليم)

    قَالُوا أَرْجِهِ [الشعراء:36]، أي: أخره، من الإرجاء، وفيها قراءات: (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) وهذه قراءة عاصم ، وقراءة حمزة ، ويقرؤها قالون وابن وردان بخلف عن أبي جعفر (أَرْجِهِ وَأَخَاه)، بالكسر وعدم الهمز فيها، ويقرأها ورش وابن جماز والكسائي وخلف (أَرْجِهِي وَأَخَاهُ)، بالإشباع أيضاً من غير همز.

    إذاً: فالقراءات التي فيها: (أَرْجِهْ وَأَخَاه)، وهي قراءة عاصم وقراءة حمزة .

    الثانية: (أَرْجِهِ وَأَخَاهُ)، وهي قراءة قالون وبخلف عن أبي جعفر.

    والقراءة الثالثة: (أَرْجِهِي وَأَخَاهُ)، وهي قراءة ورش والكسائي ، وابن جماز ، وخلف .

    وهناك قراءة رابعة: بالهمز فيها، وأيضاً سيكون فيها التسكين والكسر والإشباع، فيقرأ ابن كثير وهشام (أَرْجِئهُو وَأَخَاهُ)، من الإرجاء وهو التأخير، وهذه قراءة ابن كثير وهشام عن ابن عامر بالإشباع.

    ويقرؤها البصريان: أبو عمرو ويعقوب : (أَرْجِئْهُ وَأَخَاهُ)، من غير إشباع فيها، وبالهمز مع الضم للهاء.

    ويقرؤها ابن ذكوان: (أَرْجِئْهِ وَأَخَاهُ)، فهذه ست قراءات في هذه الكلمة.

    قال: أَرْجِهِ وَأَخَاهُ [الشعراء:36]، وكل المعاني في الإرجاء أي: التأخير، أي: اصبر قليلاً حتى يأتي الذين يعرفون كيف يردون عليه.

    وقوله تعالى: فِي الْمَدَائِنِ [الأعراف:111] أي: في مدائن مصر، فابعث إلى الجنوب وإلى الشمال وهات السحرة الموجودين عندك في البلد جميعهم.

    وقوله تعالى: حَاشِرِينَ [الشعراء:36]يعني: جامعين، يجمعون هؤلاء السحرة، ويجمعون الناس.

    قال تعالى: يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ [الشعراء:37]، فهذا ساحر وسنأتي نحن له بكل سحار، والسحار: صيغة مبالغة في ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فجمع السحرة لميقات يوم... إن كانوا هم الغالبين)

    وجاء السحرة من كل أنحاء مصر، قال تعالى: فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:38] أي: في اليوم المحدد لحضور ذلك.

    قال تعالى: وَقِيلَ لِلنَّاسِ [الشعراء:39] يعني: ففرعون هو الذي جمع السحرة وجمع الناس؛ لكي يشاهدوا هزيمة موسى بزعمهم وظنهم، ولو كان هذا إنساناً عاقلاً ما فعل ذلك؛ لأن موسى سيريه آيات لا يقدر عليها أحد من البشر، وبسبب عناده أعماه الله عز وجل عن الحجج، فقيض الله له من يشهد عليه أنه على الباطل. قال تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:40]، وانظر إلى منطق الجهلة والحمقى والمغفلين، فهم لا يقولون: لعلنا نتبع الحق، أو لعلنا نتبع من يغلب، فمنطقهم مثل منطق أهل الجاهلية الذين قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، والمفترض أن الإنسان العاقل يقول: يا رب إذا كان هذا حقاً فاهدني إليه وأدخلني فيه، وكذلك هؤلاء الجهلة من المفترض أن يقولوا: لعلنا نتبع الغالب، ولعلنا نتبع من ظهر الحق معه، لكنهم قالوا: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ [الشعراء:40] أي: نحن مع هؤلاء السحرة: إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:40].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما جاء السحرة... إذاً لمن المقربين)

    فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ [الشعراء:41] طمعوا في عطاء فرعون؛ لأنهم لا إيمان في قلوبهم، بل هم من أكفر الناس، فقد طمعوا في القرب من فرعون، وأن يعطيهم من الأموال ومن المناصب، قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:41] يعني: لقد أتيت بنا من البلدان كلها فهل ستدفع لنا أجرة على هذا الشيء؟

    وانظروا كيف يقلب الله عز وجل القلوب، فقد أتوا أول النهار يطلبون الغنيمة والأموال فكانوا في آخر النهار من المؤمنين.

    فقال فرعون لهؤلاء: نعم سأعطيكم الذي تريدون، وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:42]، فقد جئتم من بلدان بعيدة لتنصروني على هذا، فستكونون قريبين مني.

    قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ إِذًا [الشعراء:42] يعني: حين تغلبون لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:42].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون... رب موسى وهارون)

    لما اجتمع السحرة مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام قالوا له متأدبين معه كما في سورة الأعراف أيضاً: يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَالَ أَلْقُوا [الأعراف:115-116]، فاختصر ربنا سبحانه كلام موسى، بينما هنا يقول: قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ [الشعراء:43]، وقد أتوا ومعهم الحبال والعصي لكي يرموها أمام الناس، فتظهر أمامهم أنها قد صارت حيات تسعى في الأرض، وكذلك عصيهم، قال تعالى: فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ [الشعراء:44]، ودعوا بعزة فرعون فقالوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44]؛ لأنه ربهم بزعمهم.

    سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ [الأعراف:116] وأتوا بسحر ليس هيناً، بل هو سحر عظيم، فإن الإنسان يخدع حين يرى هذا الكم الهائل من العصيان ومن الحبال وهي تتلوى على الأرض أمام أعين الناس، قال تعالى: فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44] أي: يقسمون بعزة فرعون أنهم هم الغالبون؛ لأنهم رأوا العصيان كثيرة أمامهم وصارت حيات كثيرة، وموسى معه عصا واحدة.

    فيأتي الأمر من الله عز وجل لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن لا تخف، قال تعالى: وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، فلما جاء الأمر من الله ألقى موسى عصاه، قال تعالى: فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الشعراء:45].

    واختصر القصة هنا ربنا سبحانه وتعالى، فذكر أنهم ألقوا فألقى موسى، وبأمر الله سبحانه صارت عصاه حية تسعى وهي عصا واحدة، قال تعالى: فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ [الشعراء:45] أي: تبتلع وتلتقط كل العصي والحبال الموجودة على الأرض، وتأكلها جميعها، قال تعالى: فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الشعراء:45].

    فقوله تعالى: تَلْقَفُ [الشعراء:45]، هذه قراءة حفص عن عاصم ، وأما قراءة البزي عن ابن كثير : (فَإِذَا هِيَ تَّلَقَّفُ مَا يَأْفِكُونَ)، بالإدغام، وقراءة باقي القراء: (فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ مَا يَأْفِكُونَ)، يعني: تبتلع كل ما أمامها من هذه العصي وهذه الحبال، وغُلب هنالك السحرة، وعلموا أن هذا لا يكون إلا من الرب سبحانه، فخروا لله ساجدين؛ لأنهم عرفوا الحق.

    فقد كانوا في أول النهار من أكفر الناس، وصاروا في آخر النهار عباداً لله سبحانه وتعالى، قال تعالى: فَأُلْقِيَ [الشعراء:46] أي: خروا وألقوا بأنفسهم ساجدين لله رب العالمين، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:47]، سبحانه وتعالى، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء:48]، على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.