إسلام ويب

تفسير سورة القصص [56 - 58 ]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الهداية مطلب عظيم، ولكن لا ينالها كل الناس، بل ذلك يرجع إلى علم الله وتقديره هداية هذا وإضلال ذاك، وكل ذلك بحكمة منه تعالى، فهو يفعل ما يريد، فعلى المرء أن يطلب طرق الهداية ليسلكها، ولا يخاف من قول الحق، فإن الوقوف مع الحق آخره إما فوز في الدنيا والآخرة أو شهادة في الدنيا لنيل الآخرة كذلك، وكم أهلك الله من الظلمة والمتكبرين فكانوا عبرة لغيرهم.

    1.   

    الهداية والضلال بيد الله

    يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة القصص:

    إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [القصص:56-58].

    يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات بقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]، فيخبرنا أن الهدى بيد الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فالله سبحانه تبارك وتعالى الحكم العدل، لا يجري شيء في الكون إلا بعلمه وبقضائه وبقدره، فإذا هدى إنساناً فهذا محض فضل منه سبحانه، وإذا أضل إنساناً فهذا محض عدل منه سبحانه تبارك وتعالى.

    فيهدي من يشاء، ويضل ويخذل ويبتلي من يشاء بعدله، والناس يتقلبون بين فضله وعدله سبحانه وتعالى، ولو حاسب الناس بعدله لأدخلهم النار؛ لأنه لا يقدرون أن يجازوا ربهم سبحانه على نعمه التي أعطاها لهم، ولا يشكرونه ولا يقدرونه حق قدره سبحانه وتعالى، ولا يقدرون على شكر نعمة واحدة من نعمه عليهم.

    ولذلك عندما يدخل المؤمنين الجنة إنما يدخلهم بفضله.

    ويؤكد لنا هذا المعنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله) فالعمل لا يصلح أن يكون ثمناً للجنة، فالجنة أغلى من عمل الإنسان.

    والإنسان يقدر ذلك بما في الدنيا، فلو أنه رأى بستاناً عظيماً، وقصراً مشيداً وأرضاً واسعة، ثم أراد أن يشتريها وليس معه شيء، فقيل له: اعمل واشتغل لنعطيك هذا البستان، فماذا سيعمل هذا الإنسان؟ وكم سيتعب في عمله من أجل أن يشتري هذا البستان؟

    فإذا كان هذا في الدنيا فكيف بجنة عرضها السموات والأرض! وأقل ما يكون للإنسان فيها مثل ملك من ملوك الدنيا عشر مرات، فلو تخيلنا ملكاً من ملوك الدنيا يملك بلداً من البلاد فهل يستطيع أحد أن يشتري هذه البلاد، مهما عمل بماله ومهما كسب من شيء؟ الجواب: لا .. إذاً فهذا هو الفضل من الله عز وجل، يؤتي الإنسان من فضله سبحانه وتعالى.

    يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] ويقول: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى الله [آل عمران:73].

    فقد أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يهتدي عمه أبو طالب ولم يقدر الله عز وجل ذلك فمات على الكفر، فقال الله سبحانه: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] فهدى الله عز وجل من شاء من خلقه فدخل في دين رب العالمين سبحانه، كما هدى حمزة بن عبد المطلب والعباس ، فهذا عم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا عمه، ولكنه أضل أبا طالب ، وأضل أبا لهب، فهدى الله عز وجل من شاء وأضل من شاء.

    قال: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56]، فقد يقول الإنسان: لماذا ربنا هدى فلاناً وفلاناً أضله؟ وهذا الذي أضله الله قد يراه البعض إنساناً طيباً ومهذباً، وإنساناً رقيقاً ولكنه لا يصلي، وقد نرى إنساناً آخر قد تكون فيه شراسة ونفور ولكنه يصلي؟

    فنتأمل هذا الإنسان الذي على خلق، لماذا لا يصلي؟ فالصلاة نعمة عظيمة من نعم الله عز وجل، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وعلى الأقل هذا الإنسان إن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر وهو مصل فإنها تنفعه يوم القيامة، فهذا في قلبه كبر وإن أظهر للناس تواضعاً وأدباً، فإنه يستكبر على ربه سبحانه فلا يصلي ويقول: المهم القلب والمعاملة مع الناس!

    الهداية والإضلال راجعان إلى علم الله

    قد ترجع إلى نفسك وتقول: الله أعلم بما في القلوب، فقد يكون الإنسان في المعاصي وفي الفجور، وفجأة يأتي عليه الهدى من الله عز وجل، ألم يهد الله عمر بن الخطاب رضي الله تبارك وتعالى عنه، وكان على ما كان من أمر الجاهلية؟ وقد كان أراد أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام.

    وقتل ابنته ووأدها يوماً من الأيام، فإذا بالله عز وجل يعلم من قلبه أنه يصلح للإيمان فهدى قلبه، فكان من أرق الناس على المؤمنين، ومن أخوف الناس لرب العالمين، وصار إيمان عمر يوزن بإيمان الأمة غير النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فالجواب: أن الهدى راجع لعلم الله سبحانه تبارك وتعالى، ولذلك قطع عليك التفكر في ذلك، ستقول لربنا: لماذا ؟ يقول لك الله: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء:23]، لا تتدخل في شيء ليس من حقك، ولا من إرادتك، ولذلك قال الله لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] إذاً غيره يسكت من باب أولى لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

    وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم لرقة قلبه أن يذهب ويزور قبر أمه عليه الصلاة والسلام فاستأذن ربه فأذن له، ولما وصل إلى قبر أمه حن لأمه عليه الصلاة والسلام فهي ماتت وله ست سنوات عليه الصلاة والسلام، وكانت رقيقة مشفقة عليه صلى الله عليه وسلم، ورأت رؤيا عظيمة أنه يخرج منها نور أضاء ملك كسرى وغيره، فهذه المرأة ماتت قبل الإسلام، فأحب أن يستغفر لها صلى الله عليه وسلم، فمنع من ذلك عليه الصلاة والسلام، فبكى بكاء شديداً صلى الله عليه وسلم، وبكى حوله الصحابة، وسألوه عما يبكيه عليه الصلاة والسلام، فأخبر أنه استأذن ربه أن يزور قبر أمه فأذن له، واستأذنه أن يستغفر لها فمنع من ذلك.

    إذاً: هنا الأمر ليس بيد الإنسان، إنما الأمر بيد الله وحده لا شريك له، ولذلك يقول الله عز وجل عن نبيه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:43-46] أي: لأخذناه أخذاً قوياً وعاقبناه عقوبة شديدة، وقطعنا نياط قلبه صلوات الله وسلامه عليه، وحاشا له أن يتقول على الله رب العالمين تبارك وتعالى.

    فإذا قيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فمن من الناس يكون له درجة تقرب من درجته صلى الله عليه وسلم حتى يتألى على الله وحتى يتكلم على الله بما لم يقله الله رب العالمين، وحتى يعترض على قضاء الله عز وجل وقدره؟

    قال تعالى: وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56] أي: وهو أعلم بمن يستحق الهدى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يؤيد الإسلام بأحد العمرين عمر بن الخطاب أو أبي الحكم الذي هو عمرو بن هشام أبو جهل ، ولكن الله يعلم أن عمر هو الذي يستحق ذلك، فهدى عمر ، وأما عمرو فمات على كفره، وقتل في يوم بدر، وألقي ملعوناً في القليب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ...)

    قال تعالى: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص:57].

    فالكفار لما رأوا الآيات وعرفوا الحق الذي جاء من عند رب العالمين، أرادوا أن يتعللوا من عدم دخولهم في هذا الدين، فتعللوا بأنهم خائفون، وقالوا: إن نتبع الهدى معك فإن العرب كلها ستأتي علينا في أرضنا وتقاتلنا، ونحن لا نقدر على قتالهم.

    قال ابن عباس رضي الله عنهما: قائل ذلك من قريش هو الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف القرشي ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن قولك حق، ولكن يمنعنا أن نتبع الهدى معك ونؤمن بك أن يتخطفنا العرب من أرضنا.

    يعني: لاجتماع العرب على مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ولا طاقة لنا بهم ولا نقدر عليهم.

    فلما قالوا هذا الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم أنزل الله عز وجل ما يبين لهم أين ذهبت عقولهم ؟! وأي عرب ستأتي إليكم في أرضكم ؟!

    قال الله تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا [القصص:57] أي: أنتم في الجاهلية كنتم أضعف الناس ولم يستطع أي أحد أن يأتي إليكم في مكة ويأخذ هذه الأرض، حتى أبرهة الذي جاء من اليمن بجنود لا حصر لها، وجاء بفيل يريد أن يهدم الكعبة ولم تقدروا له على شيء فخرجتم وتركتم مكة بما فيكم عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، وقام عبد المطلب يخاطب أبرهة عن إبل أخذها منه، وكان أبرهة كبره جداً، ونظر إليه أنه كبير مكة، وأنه جاء يفاوضه في أمر هدم الكعبة، فإذا بـعبد المطلب يفاوضه في أمر إبله، فكأنه استقله فقال له عبد المطلب : إن الإبل أنا ربها، وأما البيت فله رب يحميه.

    وخرج أهل مكة ينتظرون ماذا سيكون، وجاء أبرهة بجنوده، وإذا بالفيل يتردد ويتراجع، فإذا بهم ينخسونه وهو يرجع مرة أو مرتين أو ثلاث مرات، ونزل العذاب من عند رب العالمين، قال تعالى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:3-5] فإذا بهم يصيرون كطعام أكل وخرج من دبر الدابة، هكذا كان أمر هؤلاء الذين أرادوا أن يهدموا البيت وأن يذلوا أهل مكة.

    فإذا كانوا في الجاهلية وهم يعبدون غير الله ويشركون بالله، قد دفع الله عز وجل عنهم الأذى، أيتركهم في الإسلام وهم الموحدون لله رب العالمين؟ قال تعالى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57] أي: أليس نحن من فعلنا بهم هذا الشيء، فأين شكر هذه النعمة؟! وكيف لا يثقون في الله سبحانه وتعالى وهو الذي آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع.

    قوله: يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57] أي: ينقل إليه ويحضر إليه ويؤتى بهذه الثمرات إلى مكة، ومكة ليست بمكان زرع، ولكن الله عز وجل منّ على أهلها أن يجبى إليها الثمرات من كل مكان: من اليمن ومن الشام وغيرها، وتجد فيها فاكهة الصيف وفاكهة الشتاء.

    يُجْبَى إِلَيْهِ [القصص:57] أي: تأتي إلى هذا الحرم من كل أرض ومن كل بلد تأتي إليه هذه الثمرات، فإذا كان الله قد منّ عليكم بالأمان في الجاهلية وبالطعام الذي يؤتى إليكم من كل مكان، أفلا تشكرونه وتثقون فيه سبحانه وتعالى.

    قال: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ [القصص:57] هذه قراءة الجمهور بالياء.

    وقراءة نافع وأبي جعفر ورويس عن يعقوب : تجبى إليه ثمرات كل شيء بالتاء.

    قوله تعالى: رِزْقًا [القصص:57] حال أي: حال كونها رزقاً من الله عز وجل، أو أنها تمييز فهذه الثمرات رزق من الله سبحانه وتعالى.

    قوله: رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا [القصص:57] إذا نسب الرزق إليه سبحانه فمعناه أنه رزق عظيم جداً يتحير الإنسان فيه، فعندما يذهب الذاهب إلى هناك في أي وقت من الأوقات يجد الفواكه من كل مكان، وهذا من كرم الله على أهل هذه البلدة ببركة دعوة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ودعاء نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

    قوله: مِنْ لَدُنَّا [القصص:57] أي: من عندنا.

    وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص:57] أي: لا يعلمون نعم الله عز وجل أنه الذي يعطي هذه النعم ويسوقها إليكم، وهو الذي يمنع عنكم النقم ويدفعها عنكم، فهو القادر سبحانه على كل شيء، ولكنهم نسوا كل ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها ...)

    قال الله سبحانه: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا [القصص:58].

    أي: إذا كان الأمر على ذلك وأنتم تتكبرون عن دين رب العالمين، فلا تنسوا كم أهلكنا من قرى عظيمة.

    والقرية معناها: المدينة، وصار عندنا العرف أن القرية بمعنى الريف، أما في لغة العرب ولغة القرآن فالقرية بمعنى البلد.

    ولذلك فإن الله سبحانه تبارك وتعالى قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف:109] يعني: من أهل البلدان.

    قالوا: لأن أهل البلدان يتميزون عن أهل الريف وعن أهل البادية برقة الطباع؛ لأن البلد تجمع أناساً كثيرين، والإنسان مع احتكاكه بالكثير من الناس يكون أليفاً رقيقاً، ويعرف التخاطب مع هذا ومع هذا، وأما مع قلة العدد فيتعلم الإنسان النفور والجفاء ويتعلم الغلظة، ومع قلة العدد قد يترأس عليهم.

    فلذلك كان في أهل البادية الغلظة وكانوا أجلافاً، ولكن أهل المدن فيهم رقة الطباع، فجعل الله عز وجل منهم المرسلين، ومنّ على أهل القرى أن جعل الأنبياء منهم.

    قال الله سبحانه تبارك وتعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا [القصص:58] والبطر هو: أن الإنسان يتكبر على نعمة الله سبحانه تبارك وتعالى، فيطغى بهذه النعمة، ويعطيه الله مالاً فيتكبر على الخلق، وينظر إلى نعمته أنه مستحقها، وأنه لا أحد مثله في هذا الشيء، فيطغى على الخلق ويستكبر عليهم.

    فهذه القرى بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا [القصص:58] أي: أغناهم الله وأعطاهم الرفاهية والغنى، فكان الواجب عليهم أن يعبدوا الله وأن يشكروه، ولكن بطروا، فلما بطروا أهلكهم الله سبحانه تبارك وتعالى.

    قال: فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا [القصص:58] أي: ديار الأقوام البائدة في كل بلد من البلدان صارت آثاراً لا يسكنها أحد، فتذهب إلى أسوان فترى آثار الفراعنة، ولا أحد يسكن في هذه الأماكن، والله عز وجل قال: لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ [القصص:58] أي: صارت الديار دياراً خربة، ليس فيها أحد.

    وكذلك قرى عاد، وقرى ثمود، وقرى الفراعنة، وغيرهم ممن أهلكهم الله سبحانه، وترك مساكنهم لتنظروا وتعتبروا.

    قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ [الفجر:6-7] فالذي يذهب يجد قصوراً عالية، وأعمدة فخمة، وسقوفاً منقوشة، وأهلها كانوا في هذه الأماكن عمروها وعاشوا فيها ما شاء الله عز وجل، فلما استكبروا إذا بالعذاب يأتيهم من عند الله سبحانه، وكم من قرى قد غطتها الرمال، والآن ينقبون عنها فيخرجون قصوراً كاملة موجودة بداخلها، فضرب لنا الأمثلة بذلك حتى نعتبر.

    قال تعالى: فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [القصص:58] أي: كنا نحن الذين ورثنا هذا كله ورجع إلينا ما أعطيناهم، وكذلك يرث الأرض ومن عليها، فليعمل الإنسان المؤمن بحق وبإخلاص؛ لعل الله عز وجل أن يجعله من أهل الجنة، وأن يمن عليه بنعمه سبحانه.