إسلام ويب

تفسير سورة القصص [51 - 56]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله سبحانه أنه أوصل القرآن إلى الكفار تارة بالقصص وتارة بالمواعظ وأخرى بالأوامر والنواهي لعلهم يتذكرون ويعتبرون، ثم بين أن من أهل الكتب السابقة من آمن بمحمد وأنهم إذا سمعوا القرآن يتلى عليهم يقولون: صدقنا به إنه الحق من ربنا، إنا كنا من قبل أن نسمعه مستسلمين لله رب العالمين، نطيعه ونوحده ولا نشرك به، فكان جزاؤهم عند ربهم أن جعل أجرهم مرتين بسبب صبرهم على أذى قومهم قبل أن يؤمنوا بالنبي، وبسبب صبرهم على أذى الكفار بعد أن آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    توصيل القول إلى الناس لعلهم يتذكرون

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة القصص: وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ * إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:51-56].

    يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية: أنه وصل القول، يعني: القرآن العظيم الذي فيه أوامر رب العالمين، وفيه المواعظ فوصل هذا القول إلى هؤلاء الكفار ليتذكروا وليعتبروا.

    وقد جاء بهذا القرآن على مراحل، وفيه الأوامر والنواهي، وفيه القصص، والتذكرة، وفيه غير ذلك من تفاصيل أحكام هذه الشريعة العظيمة، وفيه اعتبار وتذكير بما كان في الأمم السابقة من إعراض عن رسل الله، وما فعل الله عز وجل بهم، فأنزل القرآن ووصله إليهم.

    والقرآن متصل آية وراء آية وحكماً وراء حكم، فقالوا: معنى وصلنا: أي والينا وتابعنا، وأنزلنا القرآن يتبع بعضه بعضاً، فيه الوعد وفيه الوعيد، وفيه القصص وفيه العبر، وفيه النصائح وفيه المواعظ، وفيه الأوامر وفيه النواهي، فوصل الله عز وجل بعض هذا ببعض في القرآن العظيم.

    ووصلنا: من وصل الحبال، وهو أن يوصل الحبل بحبل آخر ليصل إلى المكان الذي يريده، فوصل الله عز وجل القرآن إلى أفهامهم، وإلى أسماعهم وقلوبهم عن طريق إتيانهم بأمر أو بنهي أو بقصة أو بموعظة، فوصل لهم القول لعلهم يتذكرون، فيرجعون إلى ربهم سبحانه.

    قال سبحانه في مدح الذين آمنوا من أهل الكتاب: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ [القصص:52] أي: التوراة والإنجيل، فعرفوا أن هذا الزمان يخرج فيه نبي يبعث إلى الناس، فانتظروا النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا به.

    قال سبحانه: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ [القصص:53] يعني: القرآن العظيم، قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص:53] أي: كنا متبعين لأنبيائنا على ملة الإسلام والاستسلام لرب العالمين، والطاعة والانقياد للرب سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ...)

    قال سبحانه: أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [القصص:54].

    فقد مدحهم الله سبحانه بأنهم صبروا على أوامر كتبهم، وصبروا على ما جاء في القرآن العظيم فتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم، وصبروا على ما ابتلاهم الله عز وجل به في الدنيا من أذى الكفار، وصبروا على الطاعة وصبروا عن المعصية، فلهم أجرهم مرتين عند الله سبحانه وتعالى.

    وقد عرفنا من القرآن أن الحسنة بعشر أمثالها، وهؤلاء حسناتهم مضاعفة، فلهم أجران وكل من الأجرين مضاعف إلى ما يشاء الله سبحانه وتعالى.

    فإن كان غيرهم يضاعف له إلى عشرة أمثاله فهؤلاء إلى عشرين، وإن كان غيرهم إلى سبعمائة ضعف فهؤلاء إلى ألف وأربعمائة ضعف، وإذا كان غيرهم إلى أكثر من ذلك فهؤلاء يضاعف لهم مرتين.

    قيل: بسبب أنهم صبروا في دينهم وتابعوا الحق، ووحدوا الله، ولم يشركوا بالله، فكانوا قد أوذوا في دينهم؛ لأن النصارى اختلفوا إلى فرق، فالفرقة التي وحدت الله سبحانه وتعالى صارت منبوذة بينهم، والذين أشركوا وقالوا المسيح ابن الله، وقالوا اتخذ الله الصاحبة والولد، هم الذي غلبوا فآذو الموحدين، فصبروا على ذلك في دينهم فلما جاء الإسلام دخلوا في دين النبي صلى الله عليه وسلم، فابتلوا وصبروا على ذلك فكان لهم الأجر المضاعف.

    الأصناف الذين لهم أجران

    ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى قال: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران) هذا أحد الثلاثة الذين يؤتون أجرهم مرتين فقد آمن مرتين: آمن بنبيه ثم آمن بنبينا صلوات الله وسلامه عليه، فاستحق أن يؤتى الأجر مرتين على إيمانه بنبيه وعلى اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وعبد مملوك أدى حق الله عز وجل وحق سيده فله أجران) الإنسان يحب أن يكون حراً، بل يفتخر بأنه حر، ولكن أخبر هنا أن العبد المملوك يؤتى أجره مرتين، أي: أكثر من أجر الإنسان الحر، لأنه صبر في الدنيا على ذل الرق فأطاع سيده كما أمره الله عز وجل، وأطاع ربه سبحانه وتعالى فيما أمر، فكان له الأجر مرتين، ولذلك يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك).

    لأنه لو كان مملوكاً لم يقدر أن يجاهد فالجهاد ليس فرضاً على المملوك، وإنما فرضيته على الحر، كذلك الحج هو فريضة على الحر، وليس على العبد، قال (وبر أمي) ولو كان عبداً لانشغل بسادته الذين يملكونه فلم يقدر على الجمع بين بر الوالدين وبين حق السيد.

    وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم : (نعماً للملوك أن يتوفى يحسن عبادة الله وصحابة سيده نعماً له) يعني: له عند الله عز وجل الأجر العظيم على ذلك.

    وهنا في الآية ذكر الله سبحانه وتعالى واحداً من الثلاثة، وهو رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم بنبينا صلى الله عليه وسلم.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ورجل كانت له أمة فغذاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوجها فله أجران) الحديث في صحيح مسلم ولفظ البخاري قال: (فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها) أي: رجل كان عنده أمة يملكها، وهذا أقوى من الزواج، ومع ذلك فهذا الرجل الذي عنده هذه الأمة أدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، وغذاها فأحسن غذائها، حتى صارت كبيرة جميلة مرغوباً فيها لأدبها وعلمها وجمالها، ولو أنه باعها لباعها بمال كثير جداً ولكنه من عليها فأعتقها، ومن عليها مرةً أخرى فتزوجها فصارت امرأة مع زوجها وليس أمة مع سيدها، فالذي يفعل ذلك يشكر الله عز وجل له صنيعه، ويعطيه الأجر مرتين.

    قال الله عز وجل في هذا الذي آمن من أهل الكتاب قال: أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا [القصص:54] أي: بسبب صبرهم.

    وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [القصص:54] وهذه من صفاتهم الجميلة أنهم يدفعون الإساءة بالإحسان، أي: يدفعون بإحسانهم سيئات غيرهم، أو: سيئات أنفسهم، فما أساءوا فيه درءوه بالإحسان بعد ذلك فيتوبون إلى الله عز وجل ويعملون الصالحات، وإذا أساء لهم غيرهم فلا يدفعون السيئة بالسيئة، ولكن يدفعون السيئة بالحسنة، أي: بالصبر وبحسن الخلق يدفعون ما ينالهم من أذى من غيرهم، والله عز وجل مدح هذه الصفات، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].

    ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ [المؤمنون:96].

    فالله أمر المؤمنين أن يدفعوا بالحسنى، فإذا أساء إليك إنسان فأحسن إليه لعل الله عز وجل أن يقلب حاله ويغيره فيصير ولياً حميماً.

    وقوله: وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [القصص:54] فيها معنيان كما ذكرنا أنهم يدرءون بإحسانهم سيئات غيرهم إذا أساءوا إليهم، وهذا من حسن الخلق.

    والأمر الثاني: أنهم رجاعون تائبون إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا أساء أحدهم سرعان ما يتوب ويفيء، ويستغفر ربه سبحانه.

    قال: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [القصص:54] أي: هم أهل كرم ينفقون ويحسنون إلى الفقراء وإلى المساكين وإلى أقربائهم، وإلى الغرباء عنهم، فينفقون مما رزقهم الله سبحانه.

    وفيه التنبيه على أن الإنسان مهما أحسن فأنت لا تحسن من فضلك، وإنما من فضل الله ومن كرمه، فبين أنه رزقه هو سبحانه َمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ أي: أعطيناهم، فهم أنفقوا من رزق الله سبحانه وتعالى ومدحهم على فضله وعلى كرمه سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ...)

    قال سبحانه: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ [القصص:55].

    هذه من الأخلاق الحسنة التي ينبغي أن يكون عليها الإنسان المؤمن، واللغو: هو الكلام الفارغ الرديء الذي ينبغي أن يلغى ويطرح.

    فهم إذا سمعوه لم يجيبوا صاحبه إلا بالكلام الحسن، فإذا استمر صاحبه على ذلك أعرضوا: وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55].

    ويقولون: سلام عليكم، والسلام هنا بمعنى المتاركة يعني: أنتم على حالكم ونحن على حالنا فابعدوا عنا فليس لنا بكم شأن.

    لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55] أي: يقولون لهؤلاء: أنتم أهل جهالة وأهل باطل، ونحن لا نريد أن نكون مع أهل الباطل فنحشر معهم، هذا الذي ذكره الله عز وجل من الأخلاق الحسنة هي في تعاملهم مع المسلمين، وفي تعاملهم أيضاً مع الكفار، فهم يدعونهم إلى دين رب العالمين سبحانه وتعالى فإذا لم يجدوا منهم استجابة أعرضوا وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.

    وهذا معنى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6] أي: أنتم على الضلالة ونحن أبعد الناس عن ضلالاتكم، فدينكم يختص بكم، وأنتم تسألون عنه عند الله سبحانه، ولنا ديننا دين الإسلام.

    أما أن يجهل الكفار على المسلمين ثم يقولون: سلام عليكم، فهذه السورة مكية، وقد نزلت حين كان يتعرض المسلمون للأذى ولا يقدرون على دفعه، فلما هاجروا وفرض عليهم الجهاد أمرهم الله عز وجل بالرد على الكفار، فيكون (سلام عليكم) في معرض الجدل، إذا كان هناك جدل بين المسلمين وبينهم ولم يصلوا إلى شيء فنقول: لكم دينكم ولي دين. أي: انتهى الأمر.

    أما إذا اعتدى الكافر على المسلم بالإساءة وبالبذاءة باليد وباللسان، وبالحيل والمكر، فإن الله أمر المسلمين أن يدفعوا عن أنفسهم وأن يدافعوا عن دينهم، وأن يجاهدوا هؤلاء، قال الله سبحانه: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5] وهذه الآية تسمى آية السيف، نسخت كل ما في القرآن من أمر بموادعة ومتاركة ومسالمة الكفار.

    إذاً: نسالمهم إذا كانوا يسالموننا، أما أن يبدأ الكافر بأن يؤذي المسلم أو يقاتل المسلمين ثم يقولون سلام عليكم فهذا لا يكون أبداً، فإن جميع ما جاء في المسالمة والمتاركة كان في العهد المكي، أما في العهد المدني فقد أمر الله عز وجل المؤمنين بالجهاد في سبيل الله سبحانه، وبذلك يقول العلماء: إن هذه الآية مع الكفار نسختها آية السيف، يعني: أن الآية ليست منسوخة كلها، ولكن إذا سمعوا اللغو والبذاءة والإساءة من الناس، هؤلاء الناس إما أن يكونوا مسلمين، وإما أن يكونوا كفاراً، فإذا كانوا مسلمين فادفع بالتي هي أحسن لعله يستحيي من نفسه فيتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [الشورى:43] ، وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى:41] .

    فللمسلم أن ينتصر ممن آذاه من المسلمين فكيف بالمشركين؟ كيف بالكفار الذين يؤذون المسلمين في دينهم وفي ديارهم؟

    فقوله: سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55] بمعنى: متاركة بيننا وبينكم هذا إذا لم يصل الكفار للأذى في دين المسلمين ولم يقاتلوهم؛ لكن إذا كانوا يدفعون المسلم ليقع في الخطيئة وليقع في الكفر ويترك دين الله عز وجل، فعليه حينئذٍ أن يجاهدهم كما أمر الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إنك لا تهدي من أحببت ...)

    قال الله عز وجل لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56].

    هذه الآية نزلت في أبي طالب عم النبي صلوات الله وسلامه عليه بإجماع المفسرين، كان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الحزن عليه لأنه لم يدخل في دين الإسلام، فقد كان يود لو أنه قال كلمة لا إله إلا الله ثم مات على ذلك، ولكن أبى الله عز وجل إلا أن يموت على ما هو فيه، فالرجل أبى أن يقول لا إله إلا الله، وآخر كلمة نطق بها قال هو على ملة عبد المطلب، فهنا الله سبحانه وتعالى يواسي نبيه صلى الله عليه وسلم ويقول له: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56].

    أي: الأمر ليس بيدك أنت، ولكن الهدى هدى الله سبحانه وتعالى، فهذا العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم هداه الله عز وجل، وهذا حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم هداه الله عز وجل، وهذا أبو طالب لم يهده الله عز وجل وأضله، وهذا ابنه عقيل بن أبي طالب وابنه جعفر بن أبي طالب هداهم الله عز وجل للإسلام، وعقيل بن أبي طالب استمر على الكفر وما دخل في الإسلام إلا متأخراً، فصار بعد ذلك مسلماً.

    فالله يهدي من يشاء، والهدى هدى الله سبحانه وتعالى، فأعمام النبي صلى الله عليه وسلم كان منهم من يؤذيه، ومنهم من يدافع عنه، ومنهم من دخل في دينه، وكان أبو لهب يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأشد الناس إيذاءً للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يمر النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق يدعو الناس، فيسير وراءه يقول: هذا كذاب، لا تصدقوه أنا عمه أنا أعلم به، فيكذب النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا حضر النبي صلى الله عليه وسلم الموسم في الحج، ودعا الناس إلى دين الله عز وجل كان يكون وراءه يكذبه، صلوات الله وسلامه عليه.

    وابنه عتبة بن أبي لهب كان زوجاً لبنت النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأبيه: لأوذين محمداً صلى الله عليه وسلم فذهب وفرح أبوه بذلك وكانا ذاهبين إلى الشام أبو لهب وابنه عتبة بن أبي لهب فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وكذبه وقال له عن نفسه إنه كافر بالنجم إذا هوى، وكافر بما جاء في القرآن العظيم، ثم طلق ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أفعالاً شنيعة، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه وقال: (سلط الله عليك كلباً من الكلاب) وخرج الرجل وذهب إلى أبيه مسروراً أنه آذى النبي صلى الله عليه وسلم وأنه طلق بنت النبي صلى الله عليه وسلم.

    فلما وصل إلى أبيه قال له ذلك: ففرح أبوه ثم سأله: ماذا قال لك؟ قال: سلط الله عليك كلباً من كلابه فأبوه خاف من هذه الكلمة، وخرج إلى الشام ومعهم مجموعة من الناس، ولما وصلوا إلى بعض الطريق نظر إليهم راهب من صومعته، وقال: ما أتى بكم إلى هذه الأرض فإنها أرض مسبعة يعني: فيها أسود كثيرة، فخاف أبو لهب وتذكر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم على ابنه فجمع من معه في الرحلة، وقال: ألست كبيركم؟ أليس لي حق في السن والكبر عليكم؟ قالوا: بلى قال: فاحموا ابني فإن محمداً دعا عليه.

    ولا يغني حذر من قدر، فلما قال ذلك جمعوا أمتعتهم بأمره ووضعوا بعضها فوق بعض ونام فوق الأمتعة عتبة بن أبي لهب لعنة الله عليه وعلى أبيه، فلما نام ناموا حوله يحرسونه، وجاء الأسد بالليل فجعل يشمهم واحداً واحداً حتى انتهى منهم، ثم وثب فوق المتاع فعصر رأسه بأنيابه فأخذه فقتله لعنة الله عليه.

    وكم تمنى النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمن هذا الإنسان فلم يؤمن هو ولا امرأته ولا ابنه لعنة الله عليهم وعلى أمثالهم، وما آمن أبو طالب ولكنه دافع عن الإسلام، ولذلك حزن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ودافع أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان موجوداً حين جاء عتبة بن أبي لهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشتم النبي صلى الله عليه وسلم وطلق ابنته وعابه وعاب القرآن فلما دعا عليه صلى الله عليه وسلم قال أبو طالب : ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة. لقد قالها لأنه يعرف أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لا بد وأن تستجاب فاستجاب الله عز وجل دعوته وقتل عتبة الكافر، وسلط عليه كلباً من كلابه أكله، لقد علم أبو طالب بذلك ومع ذلك لم يسلم.

    نسأل الله عز وجل أن يهدينا صراطه المستقيم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.