إسلام ويب

تفسير سورة القصص [48 - 53]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد عرف أهل الكتاب من اليهود ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، واستقر في قلوبهم أنه الحق، ولكنهم عاندوا واستكبروا عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وعن الإيمان به، وقليل من رهبانهم وأحبارهم الذين عرفوا علامات النبي الكريم وآمنوا به واتبعوا الحق الذي أنزل عليه، فاستحقوا بذلك أن يمدحهم الله سبحانه ويثني عليهم.

    1.   

    ما صد به اليهود المشركين عن اتباع دعوة الحق

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين:

    قال الله عز وجل في سورة القصص:

    قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص:49-53].

    لما أخبر الله سبحانه تبارك وتعالى في سورة القصص عن الكفار من المشركين وأهل الكتاب الذين جاءهم الحق من عند الله سبحانه وتعالى : قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى [القصص:48] أي: أن اليهود قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقنوا المشركين أن يقولوا: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى [القصص:48].

    قال الله عز وجل: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ [القصص:48] أي: هؤلاء اليهود الذين يلقنون المشركين أن يقولوا ذلك. فقد كان المشركون يذهبون إلى اليهود يسألونهم: ماذا نفعل مع هذا الرجل؟ وهل هذا الرجل على حق أم لا؟ وهل نحن أهدى سبيلاً أم هو؟

    فكان اليهود كعادتهم في الكذب يقولون لكفار العرب: أنتم أهدى منه سبيلاً، مع أن المفترض أن اليهود يعرفون التوحيد، ويعرفون أن هؤلاء المشركين عباد أوثان، وأن عبادتهم باطلة، ومع ذلك يقولون: هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء:51]، فيكذبون في أمر العقيدة الذي يعرفونه، ويلقنون المشركين أن يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بآية مثلما جاء موسى بآية، فقد جاءنا باليد، وبالعصا التي صارت حية، وجاء بتسع آيات بينات، فاطلبوا مثل هذه الآيات من النبي صلى الله عليه وسلم يأتيكم بها إن كان نبياً حقاً، فطلب المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال الله عز وجل عن هؤلاء اليهود الذين طلبوا من المشركين هذا الطلب: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ [القصص:48]، أي: أن اليهود قد كانوا صدقوا بهذه الآيات ورأوها أمامهم، لكنهم كفروا وعبدوا العجل من دون الله سبحانه، قال الله عز وجل: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30]، فلم تنفعهم هذه الآيات التي جاءت من عند الله سبحانه ليستمروا على التوحيد، ويستقروا على أمر عبادة رب العالمين سبحانه.

    قال الله عز وجل: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا [القصص:48] أي: أن أول ما جاء موسى اعتقدت اليهود أن ما جاء به موسى سحر، أو قالوا ذلك، أو أنهم كفروا بعد ذلك بموسى، حتى أمرهم الله سبحانه تبارك وتعالى أن يقتل بعضهم بعضاً.

    فاليهود قالوا: سِحْرَانِ تَظَاهَرَا [القصص:48]، وكذلك المشركون قالوا: سحران تظاهرا أو ساحران تظاهرا، فالمشركون يقصدون بذلك موسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليه، واليهود كأنما يقصدون ما نزل قبل محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهو ما جاء به المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فالمعنى أنه ساحر: قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا [القصص:48] أو أن محمداً والمسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ساحران، فقال الله سبحانه: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا [القصص:48] أي: المشركون واليهود وأهل الكتاب، فإنهم قد كفروا بما جاء من عند الله عز وجل قبل ذلك.

    قال الله تعالى: وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ [القصص:48]، أي: المشركون قالوا: إنهم كافرون بما جاء به موسى وبما جاء به محمد صلوات الله وسلامه عليه.

    قال الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [القصص:49]، وهذا تحد من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء، المعنى: إن كنتم صادقين فهاتوا كتاباً من عند رب العالمين يخبر بصدق ما تقولون، ولن يقدروا على ذلك.

    قال سبحانه: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا [القصص:49] أي: أهدى من القرآن ومن التوراة: أَتَّبِعْهُ [القصص:49] أي: هاتوا كتاباً من عند الله يصدق ما تقولون وأنا أتبعه: إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [القصص:49].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ...)

    قال الله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50].

    أي: إن لم يستجيبوا للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يأتوا بكتاب يدل على شركهم ويعينهم على باطلهم: فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50]، كما قال الله عز وجل في سورة هود: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود:14].

    فالله عز وجل يخاطب المؤمنين ويقول: اعلموا أيها المؤمنون أن هؤلاء يتبعون أهواءهم، وأن هذا الكتاب العظيم قد جاء من عند رب العالمين: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود:14] أي: مستسلمون لرب العالمين، مصدقون ربكم سبحانه وتعالى فيما جاء من عنده.

    فقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ [القصص:50] خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين تبعاً له، والمعنى: فإن لم يستجيبوا ويأتوا بدليل وبرهان من عند الله: فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50] أي: استيقن من ذلك.

    وكان صلى الله عليه وسلم يعلم يقيناً أنهم سيتبعون أهواءهم، فأخبره الله سبحانه وأخبر المؤمنين أن يعلموا ويستيقنوا أن هؤلاء أهل باطل، وإن جادلوكم بما يظهر منهم أنهم يبحثون عن الحق فهم كذابون؛ لأنهم يعرفون الحق الذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يتبعون الهوى. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [القصص:50] أي: من أضل من هذا؟

    والجواب: لا أحد أضل ممن يتبع هواه بغير هداية من الله، ويمشي وراء الهوى، فلن يصل هذا إلى طريق الخير وهو على هوى وعلى ضلال.

    قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص:50] بما كسبت أيديهم وبظلمهم استحقوا أن يضلهم الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد وصلنا لهم القول...)

    قال الله تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:51].

    أي: أتبعنا هذا القرآن ينزل بعضه وراء بعض حتى يتبين لهم ويعلموا، وهذا كقولك: وصلت لك المعلومة بكل طريقة، فوصلتها لك على هيئة الحكاية والقصة، وعلى هيئة الأمر والنهي، وعلى هيئة الموعظة.

    فهذا القرآن العظيم والى الله عز وجل إنزاله يتبع بعضه بعضاً.. وعداً ووعيداً، وقصصاً وعبراً، ونصائح ومواعظ، وأوامر ونواهي؛ حتى يتذكروا فيفلحوا، فكأن الله عز وجل قد أقام عليهم بذلك حجته لما وصل لهم هذا القول بهذا النحو.

    يقول ابن عباس رضي الله عنه: وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ [القصص:51] أي: أتممنا لهم، والمعنى: لم نزل ننزله شيئاً فشيئاً، حتى أقمنا عليهم الحجة وأتممنا نورنا.

    ومن معاني قوله تعالى: وَصَّلْنَا [القصص:51] أي: فصلنا لهم القول.

    ومن معانيها كذلك: وصلنا خبر الدنيا بخبر الآخرة، وذكرناهم بأمر دنياهم، وأن يعملوا صالحاً حتى يصلوا إلى الآخرة فينجوا من النار ويدخلوا الجنة.

    قال: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:51] فيذكرون الله سبحانه ولا ينسون شرعه، ولعلهم يتعظون بهذا الذي جاءهم فينتهون عن عبادة الأوثان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله ...)

    قال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [القصص:52].

    في هذه الآية مدح الله عز وجل المؤمنين من أهل الكتاب، وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن ربه سبحانه كيف أنه نظر إلى أهل الأرض جميعهم قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فمقتهم عربهم وعجمهم؛ لأنهم كانوا على الشرك وعلى الضلال والظلم، وكانوا بعيدين عن ربهم سبحانه وتعالى، وكانوا أهل خبث ومنكرات، فمقتهم الله سبحانه، إلا بقايا من أهل الكتاب.

    قال هنا سبحانه: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ [القصص:52] أي: من قبل القرآن، ومن قبل محمد صلوات الله وسلامه عليه: هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [القصص:52]، فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أعداد قليلة من اليهود لا يصلون إلى العشرة، كـعبد الله بن سلام رضي الله عنه.

    أما النصارى فكثيرون منهم آمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فمدح الله عز وجل هؤلاء المؤمنين من أهل الكتاب الذين انتظروا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعضهم سبب هداية سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، فقد كان أبوه من المجوس، وكان صاحب بيت النيران التي يعبدونها من دون الله سبحانه، وكان يحب ابنه سلمان حباً شديداً جداً، حتى إنه من شدة حبه له منعه من الناس، وجعله في مكان حبسه فيه لا يخرج إلى الناس.

    وفي يوم من الأيام خرج سلمان رضي الله تعالى عنه، فإذا به يصل إلى راهب في صومعة يعبد الله سبحانه، وكان هذا الراهب من بقايا أهل الكتاب الذين عرفوا التوحيد والحق، فلما رآه سلمان أعجبه ما هو فيه من عبادة لله سبحانه وتعالى، وأنزل الله الهدى على قلبه، واتبع هذا الراهب الذي يعبد الله سبحانه، وهرب من أبيه، فلما عرف أبوه أنه وصل إلى الراهب حبسه في البيت وقيده بالأغلال، حتى لا يخرج من البيت، وإذا بالله عز وجل يشاء لـسلمان أن يهرب من أبيه، ودله هذا الراهب على راهب آخر في مكان بعيد؛ ليذهب ويعبد الله عز وجل معه.

    وانطلق سلمان يبحث عن الدين الحق، ووصل إلى هذا الراهب، وعبد الله عز وجل معه، وقد كان هذا الراهب شيخاً كبيراً في آخر حياته، وقبل وفاته سأله سلمان : من تعهد إليه بي من بعدك؟ لأنه يريد أن يعبد الله سبحانه، فدله على راهب آخر، فلما جاءت هذا الراهب الوفاة دله على آخر، ولم يزل هكذا إلى أن انتقل إلى ما يقرب من ثمانية عشر راهباً، كلما أتت الوفاة أحدهم يوصي به إلى راهب آخر، إلى أن وصل إلى آخر راهب فسأله سلمان رضي الله عنه أن يوصيه براهب آخر، فقال له: لا أعلم أحداً على هذه الأرض على ما كنا عليه -أي: من التوحيد- إلا أنه سيخرج نبي في هذا الزمان الذي نحن فيه، وأخبر سلمان عن صفات هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فسأله سلمان : أين هذا النبي؟ فقال له: في بلاد العرب، فظل سلمان يبحث عن طريقة توصله إلى بلاد العرب، وهو في بلاد فارس، وما كان قد خرج من بيته قبل ذلك، فإذا ببعض العرب يقدمون على المكان الذي هو فيه، فيعطيهم ما معه من مال رضي الله تعالى عنه؛ حتى يوصلوه إلى بلاد العرب وإلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه هؤلاء العرب، وكانوا كعادتهم في أخذ أموال الناس واستعبادهم، وعدم رعايتهم للعهود والمواثيق، فأخذوا سلمان وهو رجل حر، فإذا بهم يستعبدونه ويبيعونه لبعض اليهود، وسلمان ينتظر النبي صلوات الله وسلامه عليه، حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وإذا بـسلمان -وهو فوق شجرة يجني لليهود شيئاً من ثمارها- يسمع يهودياً يخاطب اليهودي الآخر ويقول: إن محمداً قد جاء صلوات الله وسلامه عليه، فكاد أن يسقط من فوق الشجرة رضي الله عنه حين سمع ذلك؛ من شدة فرحه بمقدم النبي صلوات الله وسلامه عليه، فنزل وسأل هذا اليهودي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا به يلطمه على وجهه، ويقول: اذهب إلى عملك، فذهب سلمان إلى عمله، وهو عبد رقيق رضي الله عنه، وانتظر حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وذهب لينظر إليه، هل هو فعلاً النبي الذي حدثه الراهب عنه وذكر له صفاته أم هو غيره؟

    فلما أراد أن يتبين أنه رسول، ويعلم أنه لا يأكل الصدقة، أخذ شيئاً من تمر وذهب إليه، وقال: هذه صدقة، فلم يأكل منها النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطاها لأصحابه، فعرف علامة من العلامات، وأتاه مرة أخرى بتمر، وقال: هذا هدية، فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم أنه رسول عليه الصلاة والسلام.

    وكان يدور حول النبي صلى الله عليه وسلم، ويبحث عن علامة من العلامات التي حدثه عنها الرهبان، وانتبه النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فأسقط رداءه صلى الله عليه وسلم فكشف عن كتفه عليه الصلاة والسلام، فنظر سلمان إلى تلك العلامة وهي خاتم النبوة: وهي قطعة من اللحم على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم كبيضة الحمامة، علامة على أنه نبي، وهذه هي علامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإذا بـسلمان يقبل النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤمن به، ومرت الأيام وأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يعينوا سلمان على أن يعتق، فأعانه المسلمون، فأعتقه الله سبحانه وتعالى وصار حراً.

    هذا ممن آمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه من قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قبل أن يراه؛ وذلك بسبب أخبار هؤلاء الرهبان من أهل الكتاب الذين أخبروا سلمان أن هناك نبياً يخرج في هذا الزمان.

    كذلك عبد الله بن سلام رضي الله تبارك وتعالى عنه، فإنه عرف صفات النبي صلى الله عليه وسلم من التوراة، فذهب وآمن بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وكذلك مجموعات من النصارى الذين كانوا في الحبشة، لما قدموا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من الحبشة إلى المدينة أسلموا وآمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وغيرهم من أهل الكتاب ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    يقول عروة بن الزبير : نزلت هذه الآية: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [القصص:52] نزلت في النجاشي وأصحابه -وكأن الآية مدح للجميع: من أسلم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أسلم بعد ذلك- وذلك أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه هاجر إلى الحبشة، فلما عرف النجاشي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسلم وصدق به، ووجه مجموعة من النصارى للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا اثني عشر رجلاً، فجاءوا إليه وهو في مكة، وأقاموا عنده، وسمعوا منه، وعرفوا أنه نبي حق عليه الصلاة والسلام، وكان أبو جهل لعنه الله يراقبهم، فلما قاموا من عنده اتبعهم أبو جهل وقال لهم: خيبكم الله من ركب وقبحكم من وفد، لم تلبثوا أن صدقتموه، ما رأينا ركباً أحمق ولا أجهل منكم.

    فهذا أبو جهل لعنه الله، يقول لهؤلاء الذين أتوا من الحبشة وصدقوا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، وهو الذي بجوار النبي صلى الله عليه وسلم قد ذهب عقله، فكان غاية في الغباء لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتف بأنه لم يؤمن، بل صد عن سبيل الله سبحانه من جاءوا ليؤمنوا.

    فقالوا لـأبي جهل بعد أن سمعوا منه ذلك: سلام عليكم، وليس معنى (سلام عليكم) الدعاء له، بل المقصود بها المتاركة، أي: أنت في حالك ونحن في حالنا، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، وقد اجتهدنا لأنفسنا في الرشد، فابحث أنت عن نفسك في جهلك وما أنت فيه، فأنزل الله عز وجل هذه الآية بمثل ما قال هؤلاء، قال سبحانه: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ [القصص:52] أي: من قبل القرآن، أو من قبل النبي صلى الله عليه وسلم: هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [القصص:52].

    قال الله تعالى: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص:53]، فآمنوا بكتابهم وبالقرآن، وبالنبي صلى الله عليه وسلم.

    وذكر الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة أن هؤلاء: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ [المائدة:83]، فقد كانوا نصارى، وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا ما قاله من هذا القرآن العظيم ومن كلام رب العالمين، فإذا بهم يبكون متأثرين، ويدخلون في دين رب العالمين سبحانه.

    فمدح الله هؤلاء بفعالهم هذه، وقال سبحانه: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى [المائدة:82]، فمن هؤلاء من صدقوا النبي صلوات الله وسلامه عليه لما سمعوا هذا القرآن، فقال الله عز وجل في وصفهم: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ [المائدة:82-83]، أي: يبكون ويقولون لربهم سبحانه: رَبَّنَا آمَنَّا [المائدة:83] فاجعلنا مع هؤلاء المؤمنين.

    فالله سبحانه مدحهم هناك في سورة المائدة، ومدحهم هنا فقال سبحانه: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص:53]، أي: كنا على الإسلام من قبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قبل أن ينزل القرآن، فالإسلام دين رب العالمين سبحانه الذي دعا إليه الأنبياء من لدن نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلى نبينا صلوات الله وسلامه عليه، والملة التي كان عليها آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأبناؤه هي ملة الإسلام.

    فقال اليهود والنصارى الذين أسلموا: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص:53]؛ لأن ديننا دعانا إلى ذلك فصدقنا النبي صلى الله عليه وسلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.