إسلام ويب

تفسير سورة القصص [32 - 35]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اصطفى الله سبحانه وتعالى موسى ليكون رسولاً إلى فرعون وقومه، وأيده بأخيه هارون وبمعجزتي العصا ويده التي تخرج بيضاء من غير سوء، وطلب موسى العون من ربه في تبليغه الرسالة دليل على افتقاره إلى ربه واتكاله عليه، وسورة القصص توضح لنا ذلك.

    1.   

    اصطفاء الله سبحانه لموسى عليه وسلم بالرسالة إلى فرعون وملئه

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة القصص: قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [القصص:33-37].

    لما ذكر الله سبحانه وتعالى كيف أنه أوحى إلى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهو بالوادي المقدس طوى، وأن الله سبحانه وتعالى أراه آيات؛ ليربيه ويمرنه على الشجاعة وعدم الخوف من فرعون، وعلى أن يتشجع في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ففي هذا الوقت الذي أوحى إليه كان موسى عليه الصلاة والسلام تائهاً في صحراء شاسعة، في ليل مظلم، وبرد شديد، ومعه زوجه ليس وحده في الطريق، فإذا به يرى نوراً أمامه أو ناراً مشتعلة، فظن أنه إذا أتاها يحصل منها على قبس أو يعرف منها خبراً عن الطريق، فلما أتاها كان الوحي من الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:11-13].

    فجاءته الرسالة من رب العالمين سبحانه، وجاءه الاصطفاء والاتباع والاختيار من الله حيث قال له ربه: أنا اخترتك فاستمع لوحينا، فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:13]، ثم قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [طه:14]، فبدأ بالتوحيد، فالله عز وجل هو الإله المعبود وحده لا شريك له، والإله: هو المستحق للعبادة سبحانه وتعالى، وإن كانوا زعموا بوجود آلهة غير الله سبحانه، وهي آلهة باطلة، ولذلك معنى كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله، أي: أقر وأستيقن من قلبي وأؤمن كأني أرى أمامي هذا الذي أقوله، فأنا أشهد بالحق كأني أعاين هذا الحق الذي أشهد به، أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يستحق العبادة حقاً إلا الله سبحانه وتعالى، ولا معبود حق إلا الله، فالمعبودات الباطلة كثيرة، فهذا فرعون نصب نفسه إلهاً على قومه، واستخف بهم، وقال لهم: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، فأطاعوه فيما هو فيه.

    فزعم فرعون أنه إله، بل تعدى وزعم أنه رب، حاشا لله أن يكون له شريك سبحانه وتعالى، فلما قال لهم ذلك، فهو إله من الآلهة الباطلة، والله عز وجل يذر الآلهة، ويقول سبحانه: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الفرقان:43]، فالآلهة الباطلة كثيرة، ولكن الإله الحق المعبود واحد لا شريك له، فعندما تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، معناه: أنه لا يوجد إله حق إلا إله واحد سبحانه وتعالى؛ ولذلك أنت تعلم بوجود آلهة كثيرة كلها باطلة ولكن الإله الحق واحد؛ ولهذا لا يقال: أشهد أن لا إله إلا الله، بمعنى: أنه لا إله موجود إلا الله، هذا خطأ، فالآلهة الموجودة كثيرة، إنما التقدير الصحيح: لا إله حق إلا الله سبحانه وتعالى.

    هذا معنى كلمة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله، وأما أشهد أن محمداً رسول الله، يعني: هو رسول هذا الإله الحق الذي أرسله إلينا برسالة، وبشريعة من عنده سبحانه وتعالى، إذاً: نحن نعبد الإله العظيم وحده لا شريك له، عن طريق المتابعة للنبي صلوات الله وسلامه عليه، فهذا هو الطريق الوحيد الذي يوصل إلى الله عز وجل وإلى ما يرضيه سبحانه، وإلى كيفية إقامة شرعه عن طريق معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند ربه من كتابه وسنته.

    1.   

    تأييد الله لموسى صلى الله عليه وسلم بالآيات وبأخيه هارون دليل على افتقار موسى إلى ربه

    عرفنا أن الله سبحانه أوحى إلى موسى، قال تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:13]، فإذا كان الله قد اختاره فلا بد أن يبين الله أن الذي يكلمه هو نفسه سبحانه، وأنه هو الذي يؤيده بمعجزات، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يلقي عصاه، قال تعالى: فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:20]، وأمره الله أن يدخل يده في جيبه، قال تعالى: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [النمل:12]، وهذه معجزة أخرى، قال تعالى: لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى [طه:23] أي: نريك الآيات العظيمة الكبيرة التي تقر بها عينك ويطمئن بها قلبك.

    قال الله سبحانه وتعالى: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [القصص:32]، أي: فإذا خفت يا موسى فاضمم جناحك إليك، واضمم يدك إلى صدرك، يذهب الله عز وجل عنك ما تعانيه من خوف، فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ [القصص:32] أي: آيتان قويتان من عند الله سبحانه إلى فرعون وملئه؛ لكي يعرفوا بهما الحق الذي أنت عليه، ثم قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [القصص:32] أي: خارجين عن طاعة الله.

    وقال موسى متعللاً ويطلب من الله عز وجل التثبيت أكثر: قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [القصص:33-34].

    هنا تعلل موسى بعلتين، لا ليترك الرسالة، ولكن ليعينه الله سبحانه، وليثبته، فهو يعترف بالضعف وبالعجز، وأنه محتاج إلى الرب سبحانه وتعالى ليعينه، فحري بالإنسان الذي يتوسل إلى الله ويتضرع إليه بعجزه أن يعينه الله سبحانه وتعالى، فالإنسان الذي يقول: يا رب، فإن الله معه؛ لأن الله يستحيي من عبده أن يرفع يديه فيردهما صفراً، فموسى دعا ربه سبحانه وهو في مدين قال تعالى: فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، فانظروا إلى أدب سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهو يتأدب في طلبه مع الله سبحانه، فمعنى قوله: يا رب، أنت أنزلت إلي خيراً كثيراً وأنا مفتقر إلى هذا الخير الذي أنزلت.

    1.   

    الأنبياء لا يطمعون في الدنيا ولكن لا غنى لهم عن بركة الله

    اختبر الله عز وجل أيوب عليه الصلاة والسلام، وامتحنه ثماني عشرة سنة، ثم من عليه سبحانه وتعالى، بأن رد إليه صحته، ورد إليه ماله، وأعطاه الأولاد، وملأ له الخزائن التي كانت تملأ بالقمح وبالذرة أو بالشعير ذهباً، ثم إذا به يبتليه سبحانه ويمتحنه وينزل له من السماء جراداً من ذهب، فيبسط أيوب عليه الصلاة والسلام ثوبه ليأخذ هذا الذهب، فقال الله عز وجل لأيوب: ألم أكن أغنيتك عن هذا، أي: ما مقدار الجراد الذي هو من ذهب أمام الخزائن المملوءة بالذهب عندك، فإذا بالجواب العظيم من أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أن الأمر ليس في الذهب، ونحن نعلم أن هؤلاء الأنبياء الذين عصمهم الله سبحانه لا مطامع لهم بالدنيا، فلما سأله الله: لماذا تبسط ثوبك؟ قال: لا غنى لي عن بركتك، فهناك أشياء تنزل من السماء قريبة العهد بنا من الله سبحانه وتعالى، فهو لا يستغني عن بركته أبداً حتى لو أعطاه ما أعطاه، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك حين ينزل المطر من السماء، فيحسر ثوبه عليه الصلاة والسلام لينال من بركة ما نزل من السماء، فهذا المطر طهور، حيث قال الله عز وجل: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48].

    فكان يحسر ثوبه لينال من بركة هذا الماء المنزل من السماء.

    أسباب طلب موسى عون ربه على تبليغ رسالته

    قال موسى عليه الصلاة والسلام معترفاً بعجزه: إني ضعيف، ولن أذهب لقوم لا يسمعون لي، فأنا قد قتلت منهم نفساً، فأخاف أن يستقبلوني بالقتل، قال تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [القصص:33]، أي: أنا هربت منهم عشر سنين وقد قتلت منهم نفساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [القصص:33]، أي: أخاف أن يقتصوا مني وأن يقتلوني بهذه النفس.

    وقوله تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [القصص:33]، على قراءة الجمهور، وأما قراءة يعقوب : ( فأخاف أن يقتلوني ).

    السبب الثاني: وهو أن في لسانه عقدة، وهو صغير كأن فرعون أراد قتله لأمر فعله موسى، وهو أن موسى عليه الصلاة والسلام لما حمله فرعون، قيل: إنه شده من لحيته، أو أنه عبث بها، فهم فرعون بقتله، فحاولت امرأة فرعون أن تصرف فرعون عن قتله، وتقول: إنه صبي لا يميز ولا يفهم، فأراد فرعون أن يعرف هل موسى يميز أو لا يميز، فقالت امرأة فرعون لفرعون: أره جوهرة وأره ناراً، فإن أخذ الجوهرة يقتل، فقيل: إنه مس جمرة بلسانه عليه الصلاة والسلام، ولم يمس الجوهرة، فالله عز وجل أرى فرعون أن هذا الصبي لا يفهم الذي يفعله، حتى ينجيه الله عز وجل منه، فكان موسى في لسانه عقدة، إذا نطق يصعب عليه النطق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    وهذا سبب قول فرعون لقومه لما ذهب موسى يناظرهم كما قال تعالى: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52] فكلمة مهين أي: حقير، حيث إنه كان هارباً منا ثم رجع إلينا وهو لا يعرف أن يتكلم، ففرعون يعير موسى بأن فيه عقدة في لسانه، وأنه لا يجيد الكلام، قال تعالى: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52].

    فموسى عليه الصلاة والسلام يعترف بعجزه لربه سبحانه، ويقول: إن لساني ضعيف، لا أستطيع أن أنطق ولا أستطيع أن أجادل هؤلاء، وإن أقصى ما يتمناه موسى أن يكون معه من يستطيع أن يتكلم عنه؛ ولذلك قال الله تعالى على لسان موسى: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي [القصص:34]، وطلب موسى من ربه أن يزيل ما بلسانه من عقدة لا يقدر معها على الإبانة والإفصاح، فاستجاب الله له، فقال سبحانه في سورة طه: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25]، أي: أفسح صدري، ولا تجعله ضيقاً حرجاً؛ لأن الإنسان الضيق الصدر لا يستطيع أن يصبر على كلام الخصوم، فإنه إذا استمع إلى كلامهم سرعان ما يثور، وقد كان موسى عليه الصلاة والسلام فيه حدة، وفيه غضب لله، فكان سريع الغضب لله سبحانه وتعالى، ولذلك كان بنو إسرائيل يحبون هارون أكثر من موسى، وهارون كان أكبر من موسى بسنة، وكان أكثر ليناً مع بني إسرائيل من موسى، ولذلك لما مات هارون وهو مع موسى، ورجع موسى اتهموه بقتل هارون، قالوا: أنت قتلته؛ لأنه كان ألين منك وأرق منك قلباً، وهذا كذب وافتراء على موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    لما دعا موسى ربه كما قال تعالى: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي [طه:25] دعاه دعوة أخرى فقال: وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه:26]، فإن توفيق الإنسان يكون بالله سبحانه وتعالى، فموسى عليه الصلاة والسلام لا يقدر على شيء بنفسه، إلا أن يقدره الله له، فطلب من الله أن يشرح له صدره، وأن ييسر له هذا الأمر الذي يتوجه إليه، ويدعو إليه ربه قال تعالى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا [طه:27-29]، فقال: وزيراً وهنا قال: رِدْءًا [القصص:34]، فالوزير: هو المؤازر، والمناصر والمدافع، أي: اجعل من يكون معي وزيراً يحمل معي الأوزار، والأثقال، ويحمل معي أعباء النبوة، وقوله تعالى: رِدْءًا [القصص:34] أي: ناصراً ومدافعاً، يدافع عني بشيء آخر.

    قال تعالى: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا [القصص:34]، أي: يستطيع أن يتكلم ويجيد التعبير عما يقول، فهذا فصيح اللسان، وأما البليغ: فهو الإنسان الذي يتكلم بكلام موجز قليل يعبر به عن معان كثيرة، والله سبحانه جعل للأنبياء هذه الخصائص، جعلهم يجيدون التعبير عن الأشياء العظيمة بألفاظ قليلة، وأجود بلاغة بلاغة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، حيث قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه قال: (أوتيت جوامع الكلم)، أي: مجامع الكلام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعبر بالكلمات الموجزة التي تشرح في مجلدات كثيرة، فلو أخذنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)، فقد بنى عليه العلماء قواعد فقهية ومسائل كثيرة جداً، وخرجوها من هاتين الكلمتين.

    اختلاف القراءات في قوله تعالى (فأرسله معي ردءاً يصدقني)

    قوله تعالى: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي [القصص:34]، فقراءة الجمهور: فَأَرْسِلْهُ مَعِي [القصص:34]، وقراءة حفص عن عاصم : (أرسله معيَ ردءاً يصدقني)، فقوله: (ردءاً)، هي قراءة البعض، وقراءة نافع : ( ردا يصدقني )، وكذلك قراءة أبي جعفر ، ولكنه يقرأ: (أرسله معي ردا يصدقْني)، وكأن (يصدقْ) جواب الأمر، حيث إن قوله: (أرسلهْ معي) طلب فكانت مجزومة على قراءة نافع، وكذلك قراءة أبي جعفر .

    وبقية القراء يقرءون: (فأرسله مَعِي ردءاً يصدِّقُني).

    فموسى عليه السلام طلب من الله عز وجل أن يعينه بهارون، فيكون معه وزيراً، ويكون معه معيناً ومدافعاً، ومقوياً له عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يخاف من تكذيب هؤلاء.

    واستجاب له ربه سبحانه، فقال سبحانه في سورة طه: قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه:36]، أي: كل ما سألت، فكل الذي طلبته: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه:52-32]، كل هذا استجبنا لك فيه، قال تعالى: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [طه:36]، وليس الآن فقط، فقد مننا عليك قبل ذلك بنعم كثيرة، قال تعالى في سورة القصص: سَنَشُدُّ [القصص:35]، أي: سنقوي، عَضُدَكَ [القصص:35]، أي: أمرك، وأصل العضد: يد الإنسان، وذراع الإنسان عضده، فهو يمسك الأشياء بيده ويبطش بها ويأخذ ويعطي، ويعبر بذلك عن القوة، فقال: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ [القصص:35]، أي: سنقويك في أمرك، بأخيك هارون.

    قال تعالى: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا [القصص:35]، والسلطان: هو الحجة والبيان من الله سبحانه وتعالى، أي: بيان قوي وحجة قاهرة باهرة، قال تعالى: فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا [القصص:35]، فالله عز وجل يعصمهما؛ لأنهما نبيان من أنبياء الله، وقد قيل: إنه كان أنفع أخ لأخيه على مر التاريخ موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فهو الوحيد الذي نفع أخاه بمثل هذه المنفعة العظيمة؛ لأن النبوة ليست كسباً يكتسبها الإنسان، فالوحيد الذي فعل به ذلك هو هارون؛ ببركة دعاء موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فالله عز وجل جعل أخاه بدعائه نبياً.

    قال تعالى: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا [القصص:35]، وهنا طمأن الله موسى أن فرعون لن يستطيع عليه، لذلك كان موسى في غاية الشجاعة، حين يكلم فرعون ويرد عليه الحجة التي كان يقولها فرعون، فحجة فرعون ضعيفة، ويرد عليه موسى بالحجة القوية، التي يبهت بها فرعون، فلا يقدر أن يرد عليه، قال تعالى: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ [القصص:35].

    هنا أخبر الله سبحانه أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام هو وهارون الغالبان، وليس هما فقط، بل قومهما معهما، فقال تعالى: أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ [القصص:35]، وذلك حين نعطيكم الحجة والبرهان، قال تعالى: وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا [القصص:35]، فبالسلطان الذي من الله، وبقوة المناصرة من الله، لا يصلون إليكما.

    ثم قال تعالى: بِآيَاتِنَا [القصص:35]، أي: لا يصلون إليكما وأنتما معكما الآيات من عند الله، قال تعالى: بِآيَاتِنَا [القصص:35]، أي: بتأييدنا ستغلبون هؤلاء: أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ [القصص:35]، فكان وعد الله حقاً، فقد نصر الله موسى وهارون وقومهما على القوم الظالمين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.