إسلام ويب

تفسير سورة القصص [29 - 32]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في سورة القصص يذكر الله تعالى حفظه لأنبيائه وتوفيقه لهم، فموسى اصطفاه الله بالنبوة وهو لم يكن يعرف ذلك، وقد كلمه الله وأيده بمعجزات وآيات ساطعة لمواجهة فرعون وقومه.

    1.   

    ذكر قصة موسى في وادي الطور

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة القصص: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [القصص:29-32].

    يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى قصة مسير موسى عليه الصلاة والسلام من مدين بالشام إلى أن وصل إلى مصر، وكيف أن الله سبحانه أوحى إليه بالرسالة خلال هذه الرحلة قبل مجيئه إلى مصر، فصار نبياً رسولاً عليه الصلاة والسلام، وكذلك من الله على هارون فجعله نبياً.

    قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ [القصص:29] أي: أخذ زوجه وانطلق من مدين متوجهاً إلى مصر بعدما قضى أكمل الأجلين وأتمهما عشر سنوات.

    وقوله تعالى: آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا [القصص:29] حيث إنه كان يسير بليل في شدة برد وشدة ظلام، وتاه موسى عن الطريق عليه الصلاة والسلام، وقد حصل له كل هذا؛ لأن الله أراد أن يربيه ويعوده على الشجاعة وعدم الخوف من أي شيء، فهذا من تعليم الله وتأديبه وتربيته لموسى عليه الصلاة والسلام.

    تربية الله لموسى

    ربى الله سبحانه موسى في بيت فرعون فتعلم موسى عليه الصلاة والسلام كيف يكون الإنسان وهو في بيت غريب عن أهله، فقد صار كأنه منهم، وصنع موسى عليه السلام بعين الله سبحانه وتعالى في هذا المكان، ولم يغتر بذلك؛ وهذا بفضل الله عز وجل من تربيته لموسى، وقد علم موسى من هم أهله من بني إسرائيل فكان يقف بجوارهم، وكان يدافع عنهم، فكانوا لا يظلمون مع وجود موسى وعليه الصلاة والسلام، وهذا من فضل الله عز وجل على موسى وعلى بني إسرائيل، وقد رباه الله في بيت هذا الفرعون المتكبر الذي يزعم أنه الإله، بل ويزعم أنه الرب، ومع ذلك لم يمل موسى إلى ما هم فيه من بذخ ومن أمور ملك، ومن باطل ما هم فيه، حتى خرج من مصر، وقد ذكر الله عز وجل لنا من حكايته في مدين، ثم رباه عز وجل في بيت الرجل الصالح الذي هو في مدين عشر سنين وهو يرعى الغنم، وهذه تربية أخرى من الله عز وجل ليعود موسى كيف يربي الناس بعد ذلك، وكيف يصبر على أذاهم، فكان صبره عظيماً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب من صبره عليه الصلاة والسلام، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ابتلي وأوذي بشيء يقول: (رحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا وصبر) فموسى صبر صبراً عظيماً عليه الصلاة والسلام، وهذا من قوله سبحانه: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه:39]، أي: برعايتي، وبكلاءتي، وبحفظي لك، فقد حفظه الله ورباه أحسن تربية على ما رأينا.

    وفي هذه الآية يبين الله عز وجل كيف أنه رباه على عدم الخوف إلا منه وحده لا شريك له، فموسى في ظلام الليل وفي شدة البرد، وفي مكان قد تاه فيه ولا يعرف الطريق، فآنس ناراً، أي: أنه استوحش فآنس هذه النار، فتوقع أن يجد بجوارها أحداً قد أوقدها، لعله يأتي منها بخبر، أين الطريق؟ وكيف يتوجه؟ أو يأتي بقبس من هذه النار، فيصطلي هو وامرأته في هذا المكان الشديد البرد.

    قال تعالى: لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص:29].

    ووصل موسى وحده عليه الصلاة والسلام إلى مكان هذه النار، فلما أتاها وجد أمراً عجيباً، وجد شجرة خضراء متقدة ومشتعلة ناراً، ومن العجب أنه لا الماء الذي في الشجرة يطفئ هذه النار، ولا النار تتغير من خضرة هذه الشجرة، فتعجب لأمرها، فلما أتاها ناداه ربه سبحانه وتعالى، قال تعالى:

    فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [القصص:30]، فوصل إلى الشجرة التي هي في بقعة مباركة في واد في طور سينا في الجبل المبارك، أو في الأرض المباركة.

    قوله تعالى: نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ [القصص:30] شاطئ المكان أي: جانب المكان.

    قوله تعالى: مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ [القصص:30]، يفهم من هذا وهو متوجه إليها أن الشجرة كانت على يمين موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، من شاطئ الوادي الأيمن من هذه البقعة المباركة، من أرض تسمى سِيناء، وتسمى سَيناء، وتسمى سينين، وقد ورد ذكرهم في القرآن، (سِيناء) و(سَيناء) قراءتان في الآية، و(سينين) طور سينين، والطور بمعنى: الجبل وسِيناء وسَيناء وسنين بمعنى المباركة، فهي أرض باركها الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك أمر الله سبحانه موسى فقال: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [طه:12]، أي: في مكان اسمه طوى، أو الوادي الذي قدسناه مرتين، وطهرناه مرتين.

    قال تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ [طه:13]، فجاءت له الرسالة في هذا المكان عليه الصلاة والسلام، فهو مكان مبارك نزلت الرسالة على موسى فيه.

    ويقول سبحانه: نُودِيَ [القصص:30] الذي ناداه هو الله عز وجل، يدل على ذلك ما ذكر في سورة طه: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ [طه:12].

    وقوله تعالى: نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ [القصص:30]، فيخ دلالة على أنه سمع الصوت من داخل الشجرة.

    وقوله تعالى: فِي الْبُقْعَةِ [القصص:30] أي: في الأرض.

    وقوله تعالى: الْمُبَارَكَةِ [القصص:30] أي: من الشجرة.

    قال تعالى: أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:30]، فموسى متوجه إلى مصر، ومصر فيها الفرعون الذي قال للناس: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وهو نفسه الذي قال للناس: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، فهنا يبين الله سبحانه وتعالى لموسى الذي يعلم أن الله هو الرب سبحانه، وأنه هو الأعلى وحده لا شريك له، فيقول له: إِنِّي أَنَا اللَّهُ [القصص:30].

    وقد ناداه سبحانه أَنْ يَا مُوسَى [القصص:30]، أي: اسمع يا موسى.

    وقوله تعالى: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:30] هذه قراءة الجمهور.

    وأما قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو فهم يقرءون: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:30]، وهذه الآية نداء من الله سبحانه لموسى، وجمع الله في هذه الآية بين الربوبية له سبحانه: أنه الرب المدبر لكل شيء، وأنه الخالق لكل شيء، وبين الألوهية له سبحانه: أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فالرب الخالق هو وحده الذي يستحق أن يكون إلهاً حقاً معبوداً.

    وقوله تعالى: الْعَالَمِينَ [القصص:30] جمع عالم، أي: كل عالم، عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الحيوان، وعالم الحشرات، وعالم الأرض، وعالم السماء، وعالم الملائكة، وكل العوالم العلوية والسفلية، الله خالقها ورازقها ومدبر أمورها، وهو ربها سبحانه وتعالى.

    تأييد الله لموسى بالآيات

    قال تعالى: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ [القصص:31].

    قوله تعالى: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ [القصص:31] أي: ارم عصاك على الأرض.

    وهنا كان أول العجب لموسى أنه يرى هذه النار في هذه الشجرة، ثم النداء من داخلها، والله عز وجل يناديه، فيقول له: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص:30]، فأسمعه الله سبحانه كلامه واختص موسى وحده بذلك عليه الصلاة والسلام، حتى جاء نبينا صلى الله عليه وسلم ولم يكلمه الله عز وجل على الأرض، فالنبي الوحيد الذي كلم على الأرض واختص بذلك هو موسى عليه الصلاة والسلام، أما نبينا صلى الله عليه وسلم فكلمه الله فوق السموات عليه الصلاة والسلام، حين رفع إلى سدرة المنتهى، ورأى نوراً، وكلمه ربه سبحانه وفرض عليه الصلاة، أما على الأرض فالذي خاطبه الله عز وجل وكلمه هو موسى؛ ولذلك وصف بأنه (كليم الله) أي: الذي كلمه الله؛ لقوله سبحانه: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143]، وهذا دليل على أن الله عز وجل كلم موسى عليه الصلاة والسلام.

    قال تعالى: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ [القصص:31] هذه معجزة ثانية وآية ثانية؛ حتى يعلم أنه رسول، وأن الذي يخاطبه هو الله عز وجل حقاً، فلابد أن يريه الله معجزاته، فقد رأى هذه الشجرة التي تتقد ناراً وهي لا تحترق، وسمع النداء من جوف هذه الشجرة، ولا يرى شيئاً عليه الصلاة والسلام، سوى هذه الشجرة.

    وقوله تعالى: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ [القصص:31] آية أخرى، وهي العصا التي في يد موسى عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر الله ذلك في سورة طه، فقال: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طه:17]، بعدما أمره بقوله سبحانه: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [طه:12]، فيستجيب موسى لأمر الله عز وجل، ويخلع نعليه لينال بركة هذا الوادي المبارك، أو ليتأدب مع ربه سبحانه وتعالى.

    ثم يقول الله له: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:17-18].

    ويسرد الله عز وجل ذلك: أن موسى يتكلم عن يقين، أن هذه العصا يعرفها جيداً، ويعرف ماذا يعمل بها، عندما يمشي ويتكئ عليها، وليست شيئاً آخر.

    وقوله تعالى: هِيَ عَصَايَ [طه:18] العصا لي ولم أطلبها من أحد، ولم آت بها من أي مكان، فهي معي دائماً.

    قوله تعالى: أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا [طه:18] أمشي عليها.

    وقوله تعالى: وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي [طه:18] أي: عندما أرعى الأغنام أضرب أوراق الشجر، فينزل ورق الشجر فتأكل منه هذه الأغنام.

    وقوله تعالى: وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:18] أي: منافع أخرى وحوائج أخرى.

    قال تعالى: قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى [طه:19]، أي: ارم هذه العصا على الأرض التي أنت متأكد أنها عصاك.

    فقال سبحانه: فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه:20]، أي: فألقى العصا التي يعرفها تماماً على الأرض، فهذه معجزة وآية أخرى لموسى عليه الصلاة والسلام، وأيضاً هي نوع من التشجيع والتربية لموسى على ألا يخاف من شيء، في وسط هذا الليل البهيم المظلم والبرد القارس والمكان الموحش الذي لا أحد به إلا الله سبحانه وتعالى، فموسى عليه الصلاة والسلام، يمرن على الشجاعة وعلى ألا يخاف.

    قال تعالى: فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ [النمل:10] أي: أن العصا وقعت على الأرض، فإذا بها دبت فيها الحياة واهتزت تسعى وتتحرك.

    قال تعالى: كَأَنَّهَا جَانٌّ [النمل:10] والجان والجنان: الحية والحيات، فقد وجدها موسى كحية عظيمة تسعى وتتحرك في الأرض، وتفتح فمها، فخاف موسى عليه الصلاة والسلام.

    قال سبحانه: وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ [النمل:10] فالذي يولي مدبراً، أي: وجه ظهره إليه، والذي يعقب، أي: يرجع مرة أخرى وينظر، ولكنه لم يعقب، حيث جرى موسى عليه الصلاة والسلام من شدة الخوف، وقد أراد الله عز وجل أن يخيفه ثم يطمئنه حتى يتعود موسى عليه الصلاة والسلام على الشجاعة في المواقف التي ستكون أقل من ذلك.

    قوله تعالى: وَلَّى مُدْبِرًا [النمل:10] أي: أعطى ظهره وجرى.

    وقوله تعالى: وَلَمْ يُعَقِّبْ [النمل:10] أي: لم ينظر إلى هذا المكان، ولم يرجع إليه.

    وقال الله عز وجل لموسى: يَا مُوسَى لا تَخَفْ [النمل:10] أي: ارجع إلى مكانك مرة أخرى.

    وقوله تعالى: إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ [القصص:31] كأنه يقول: لأنك من الآمنين، أو نؤكد لك أنك من الآمنين، ارجع إلى مكانك.

    فرجع موسى إلى مكانه فأمره الله سبحانه وتعالى أن يأخذ هذه العصا مرة ثانية وهو في غاية الرعب، والحية تسعى أمامه، ولكن الله طمأنه، وقال: خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى [طه:21]، أي: سوف نرجعها مرة أخرى عصا كما كانت في يدك.

    فأمسك موسى عليه الصلاة والسلام بالثعبان فإذا به يرجع عصا مرة أخرى.

    فمن يمسك ثعباناً من رأسه، ولكن موسى عليه الصلاة والسلام شجعه ربه سبحانه بهذه التربية العظيمة، فأمسك بهذه الحية التي تسعى، فإذا بها ترجع مرة ثانية إلى هيئتها الحقيقة.

    وحجم الحية ذكره الله لنا في سورة طه أنه لما حاج موسى فرعون وجاء السحرة فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا بهذه الحبال والعصي يخيل إلى موسى من سحر هؤلاء أنها تسعى، فأمره الله عز وجل أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ [الأعراف:117] فلما ألقاها، قال تعالى: فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الأعراف:117]، وهذا يدل على أنها حية ضخمة جداً التي كانت مع موسى عليه الصلاة والسلام.

    وقوله تعالى: تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الأعراف:117] أي: تأكل كل العصي، وكل الأشياء التي أمامها، والتي ظن هو أنها حيات، فصارت شيئاً ضخماً، وعندما يؤمر موسى أن يأخذ هذه الحية الضخمة بيده مرة ثانية فهو شيء مرعب ومخيف، ولكن الله يطمئنه فيقول: سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأُولَى [طه:21] فيمسكها موسى مرة ثانية، فهو أمسك حية تسعى فصارت عصا مرة ثانية.

    فهنا يعلم الله عز وجل موسى حتى لا يخاف عليه الصلاة والسلام إذا حدث هذا أمام فرعون، فلو أنه كان للمرة الأولى أمام فرعون وهو خائف، ويمسك العصا ويرميها فتصبح حية، فمن الممكن أن يخاف موسى ويهرب أمام فرعون ويهرب من هم موجودون، ولكن الله يربي موسى على الشجاعة، فإن هذه الحية تمرين وتدريب على ذلك، فعندما تصير حية هناك لا يخاف موسى عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ [القصص:31] فأمنه الله سبحانه وتعالى مما يحاذر الآن من أمر هذه الحية، وبعد ذلك مما هو قادم عليه مع فرعون وملئه.

    قال تعالى: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [القصص:32].

    قوله تعالى: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ [القصص:32] آية ثالثة، فالشجرة التي فيها النار آية من آيات الله سبحانه، وكلام الله عز وجل لموسى آية من آياته سبحانه، والعصا التي صارت حية آية من آياته، وهذه آية أخرى وهي قوله تعالى: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [القصص:32] فالجيب: هو مكان دخول الرأس من القميص، فأمره الله عز وجل أن يدخل يده في جيبه، فأدخل موسى يده في جيبه.

    قال تعالى: تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [القصص:32]، وقد كانت يده سمراء، حيث إن موسى عليه الصلاة والسلام كان أسمر، فلما أدخل يده في جيبه، خرجت يده من جيبه بيضاء شديدة البياض لها شعاع كالشمس.

    قوله تعالى: مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [القصص:32] أي: تحولت إلى البياض، وهذا البياض ليس برصاً ولا بهاقاً، ولكن آية من آيات الله وجمالاً منه سبحانه فوق جمال موسى، أن تخرج بيضاء من غير سوء، ثم ترجع اليد مرة أخرى إلى ما كانت عليه.

    فهي آية من آيات الله عز وجل ليثبت موسى وليريه أن هذا حق من عند الله سبحانه.

    قوله تعالى: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [القصص:32]، أي: إذا خفت ضع يدك على صدرك؛ يذهب الخوف؛ لذلك كان ابن عباس رضي الله عنه يذكر أنه ما من إنسان يخاف فيضع يده على صدره متوكلاً على الله منفذاً لذلك، إلا ويذهب الله عز وجل ذلك عنه، والله أعلم.

    وقوله تعالى: مِنَ الرَّهْبِ [القصص:32] هذه قراءة حفص عن عاصم بفتح الراء وبسكون الهاء.

    وأما قراءة شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف : (مِنَ الرُّهْبِ) وهو نفس المعنى.

    وقراءة بقية القراء: (مِنَ الرَّهَبِ) بالتحريك فيها، والمعنى: أنه إذا خشيت وأرهبت ضع يدك على صدرك؛ يذهب عنك الرعب، ويذهب عنك الرهب، فيطمئن موسى عليه الصلاة والسلام، فيقول له ربه سبحانه: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص:32].

    فهذه جملة آيات وجميعها لموسى عليه الصلاة والسلام، ولكن منها ما هو لفرعون، فالتي لفرعون آيتان، الآية الأولى: العصا يلقيها على الأرض، والآية الثانية: اليد التي تخرج بيضاء كالشمس.

    وقوله تعالى: فَذَانِكَ [القصص:32] أي: هاتان آيتان وبرهانان من ربك.

    وقراءة الجمهور: فَذَانِكَ [القصص:32].

    وقراءة ابن كثير وأبي عمرو ورويس عن يعقوب : (فَذَانِّكَ) بالمد الطويل وبتثقيل النون.

    قوله تعالى: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص:32] أي: ستذهب إليهم في قصر فرعون، وتجد فرعون وملأه، فهاتان آيتان وبرهانان من ربك إليهم.

    قوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [القصص:32] أي: خارجين عن طاعة رب العالمين سبحانه، من قولك: فسقت الرطبة، أي: أن البلحة السمراء الرطبة عندما تمسكها وتقشرها، وتدوس على القشرة، تنقسم البلحة وتخرج، فهذا معنى قولك: فسقت الرطبة، أي: خلعت الرداء الذي عليها، فكأن فرعون ومن معه خلعوا رداء الطاعة لله سبحانه، وخرجوا عن الإيمان إلى الكفر ومعصية الله.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.