إسلام ويب

تفسير سورة القصص [22 - 27]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتجلى حفظ الله لموسى عليه السلام في نجاته من فرعون وقومه، ووصوله إلى مدين في ضيافة رجل صالح، وقد رباه الله على حسن الخلق ومساعدة الناس والصبر على الشدائد، وحسن الوفاء بالمواثيق، وسورة القصص توضح لنا ذلك، وتبين أدب المرأة وحياءها لتكون مثالاً للعفاف والطهر.

    1.   

    العبر المستفادة من قصة فرار موسى إلى مدين

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص:23-28].

    يخبرنا الله تبارك وتعالى في هذه الآيات من سورة القصص، كيف أن موسى عليه الصلاة والسلام، خرج من مصر هارباً من فرعون متوجهاً إلى الشام، وهو لا يعرف طريقه، لكن خرج متوكلاً على الله سبحانه تبارك وتعالى، داعياً ربه أن يهديه سواء السبيل، وكان سبب خروجه كما ذكرنا من قبل أن رجلاً من آل فرعون أتى مسرعاً محذراً له من فرعون وقومه أنهم يأتمرون ويتشاورون فيما بينهم على قتل موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فقال: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص:20]، أي: أنا ناصح لك، فاخرج من هذه البلدة إنهم يريدون قتلك، فأخذ موسى الخبر ونفذ الأمر وخرج صلوات الله وسلامه عليه خائفاً ممن هم وراءه من فرعون وقومه، متوجساً يراقب الطريق في خروجه، ويلتفت حوله من الخوف هل يدركونه أم أنهم لا يرونه.

    فقال موسى داعياً ربه: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:21]، وتوجه حيث وجهه الله سبحانه وتعالى، وحتى ذلك الحين لم يكن قد صار نبياً بعد إلا في علم الله سبحانه وتعالى، ولم يكن قد أعلمه الله سبحانه أنه يكون نبياً، ولم يكن قد أرسل إلى القوم بعد.

    1.   

    ذكر ما حدث لموسى عند وروده ماء مدين والفوائد التي نستفيدها من هذا الحدث

    قال تعالى: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ [القصص:22]، أي: خرج ناحية الشام إلى بلدة مدين قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ [القصص:22-23]، أي: وجد خلقاً غفيراً من الناس، يسقون من بئر فيها المياه، يردون بإبلهم ومواشيهم وأغنامهم، فيسقون من هذه البئر، ووجد امرأتين من دونهم متخلفتين متأخرتين عن الناس، تذودان أي: تمنعان ما معهما من الغنم عن الورود حتى لا تضيع الأغنام، وهما لا تقدران على مزاحمة الناس، فاستشعر فيهما الضعف، فسألهما عن حالهما فقال: مَا خَطْبُكُمَا [القصص:23]، بمعنى: أي خطب حل بكما، وما المصيبة التي أنتما فيها بحيث إنكما لا تقدران على السقي، قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23].

    هنا أخبرتا موسى عليه الصلاة والسلام،فقالتا: لا نقدر على السقي مع هذا الزحام الشديد، وهذا يدل على حياء الفتاتين، قالتا: وأبونا شيخ كبير.

    إذاً: السبب في ذلك: أن الأب كان شيخاً طاعناً في السن، وكذلك كان ضعيفاً لا يقدر على ذلك، وقالوا أيضاً: إنه كان ضريراً، فهو لن يقدر على أن يسقي الغنم والإبل وهو على هذه الحالة، ولذلك خرجت الفتاتان وهما في غاية الحياء لا تقدران على مخالطة الناس مزاحمتهم، فكان منهما الانتظار حتى ينصرف الناس من هذا المكان، فتردان بما معهما من الأغنام للسقيا.

    قال تعالى: فَسَقَى لَهُمَا [القصص:24]، أي: أن موسى عليه الصلاة والسلام، أخذ ما معهما من إبل وغنم، فورد بهما وزاحم الناس وسقى لهما.

    وقيل: بل إنه وجد بئراً مغطاة، وكان عليها غطاء لا يرفعه إلا عشرة من الرجال أو أكثر من ذلك، فرفعه موسى عليه الصلاة والسلام وحده، وسقى من هذه البئر، فالله أعلم، ولكن قد حدث من موسى ما يدل على أنه قوي شديد القوة، حيث إن قوته كانت في أنه قطع أكثر من ألف كيلو متر ماشياً على قدميه صلوات الله وسلامه عليه، هارباً من فرعون، لا طعام معه ولا زاد إلا ما يجده في طريقه من أوراق الشجر ونحو ذلك، فهذا كان طعامه، ولذلك لما انتهى من السقي لهاتين الفتاتين دعا ربه سبحانه وتعالى أن ينزل عليه من خيره.

    ولما سقى لهما تولى إلى الظل، ونستفيد من ذلك أنه: لا يمتنع صاحب المعروف أو الإنسان المحسن من عمل المعروف حتى ولو كان به شيء من الضرر، فموسى كان مضروراً من خوفه من فرعون، ومن فراره وهربه، ومن مشيه هذه المسافة العظيمة البعيدة، ومن جوعه وعدم وجود ما يأكل، ومع ذلك سقى لهما وفعل بهما هذا المعروف العظيم، فذهبت الفتاتان، وموسى تولى إلى الظل عليه الصلاة والسلام: فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، أي: إني مفتقر إلى خيرك الذي تنزله علي، يعني: قد عودتني يا رب على الخير من عندك، وأنا مفتقر إلى هذا الخير الذي عندك.

    وهذا القول فيه أدب عظيم في الدعاء، وذلك أنه لم يقل: يا رب أنت حرمتني من الخير، يا رب أنت جعلتني جائعاً وأنت جعلتني عطشان، ولكن قال: أنت يا رب تنزل علي الخير دائماً، وأنا مفتقر إلى هذا الخير الذي تنزله علي.

    قال تعالى: فَجَاءَتْهُ [القصص:25]، والفاء تفيد الترتيب والتعقيب، أي: فأجاب الله دعاءه حالاً وجاءت إحدى الفتاتين تمشي على استحياء، فمدحها الله سبحانه وتعالى أنها في غاية الحياء، أي: ليست ماشية في وسط الطريق، ولا هي تقتحم الرجال وتأتي موسى، بل إنها حين جاءت إلى موسى أتت إليه وهي في غاية الحياء، مستترة متغطية، وهي تطلب من موسى ما أمرها أبوها.

    قال تعالى: قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ [القصص:25]، ولم تقل: تعال أريدك في كلمة، بل جاءت إليه وأخبرته أنها ليست هي التي طلبته، وإنما الذي يريده أبوها.

    قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25]، هذا كلام فيه الجد، ولا يعتريه الهزل، وليس فيه ميوعة وليس فيه استطالة واستفاضة، إذاً: لا بد للمرأة حين تكلم الرجل أن تتكلم باستحياء، وتتكلم على قدر ما تريده فقط؛ ولذلك علم الله عز وجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم كيف يتكلمن مع الغرباء فقال لهن: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [الأحزاب:32]، أي: أنتن في غاية التقوى، ولكن لا يدفعكن هذا إلى الخضوع في القول: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32].

    والإنسان قد يلين في القول من ناحية التواضع، ولكن إذا كان هذا التواضع سيطمع فيه من أمامه فلا داعي لهذا اللين في القول حتى لا يطمع فيه السفيه، ولذلك كانت هذه هي عادة المؤمنين التي مدحهم الله عز وجل عليها، أنهم أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين.

    إذاً: المؤمن لا يكون متواضعاً مع الكافر، ولا خانعاً له، ولكنه عزيز عليه، فلو أنه خنع خضع للكافر فهذا سيجعل الكافر يستكبر عليه، ويطلب منه ما لا يجوز للمؤمن أن يعطيه إياه، فلذلك كان المؤمنون أعزة في دين الله عز وجل على الكافرين، متواضعين فيما بينهم.

    وأما التواضع في النساء فلا يوجد مانع من التواضع، ولكن إذا كان التواضع يدفع للخنوع واللين في القول بحيث يطمع فيها الذي أمامها، ويظن أنها تريد شيئاً، فيراودها عن نفسها، فهذا لا يجوز، قال تعالى: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32].

    فهذه الفتاة جاءت لموسى عليه الصلاة والسلام قال تعالى: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25]، فقد ظهر أدبها في مشيتها، وقالت له كلاماً فصلاً.

    قوله تعالى: قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ [القصص:25]، لماذا يدعوك؟ فلا بد أن توضح له، فمن الممكن أن موسى عليه الصلاة والسلام سوف يفكر لأي أمر من الأمور يريدني، ففصلت له هذا الشيء وأخبرته أنه يريد أن يعطيه أجرته على الذي عمل معهما، قال تعالى: لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25].

    إن موسى عليه الصلاة والسلام نبي، وقد علمه الله وأدبه ورباه، وإن كان حتى هذا الحين لا يعرف عن نفسه أنه سيكون نبياً إلا ما كان من وحي لأمه وهو ما زال طفلاً، وربما حدثته بذلك، وربما لم تحدثه، فقد أخبرها سبحانه وتعالى بذلك، قال تعالى: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، ولكن موسى إلى هذه اللحظة لم يوح إليه أنه سيكون نبياً أو رسولاً عليه الصلاة والسلام.

    إن هذه الفتاة وضحت لموسى سبب دعوة أبيها له، فقالت: لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25]، ويظهر هنا أيضاً أدب موسى أنه لا كلام مع الفتاة؛ لأن الكلام مع الفتاة يفتح موضوعاً كبيراً قد يؤدي إلى الفتنة، فلم يقل: أنا لا آخذ أجرة، أنا عملت معروفاً ولا آخذ على المعروف شيئاً، فإن موسى إذا فعل ذلك سيفتح مجالاً للكلام، ولذلك لم يتكلم معها أكثر من أنه انصرف معها، وهي أمامه تدله على الطريق، فلما سارت أمامه هبت رياح كشفت جسدها؛ فقال لها: تنحي، وأمرها أن ترجع إلى الخلف، حتى يمشي هو أمامها، وهي تدله على الطريق.

    فجاء موسى عليه الصلاة والسلام إلى هذا الرجل، قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ [القصص:25]، وفيه دلالة على تبادل الحديث فيما بينهما.

    قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25]، فقد كان موسى إلى هذه اللحظة خائفاً من فرعون أن يصل إليه في هذا المكان، فأخبره الرجل أن فرعون لا سلطان له في هذه البلدة، وبهذا نجوت يا موسى، فقد هربت منه ونجاك الله عز وجل من هؤلاء القوم الظالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالت إحداهما يا أبت استأجره...)

    وقوله تعالى: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا [القصص:26]، أي: لأبيها، يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص:26]، لماذا تستأجره؟ قالت: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26].

    ويتضح من ذلك أنها فتاة فصيحة وبليغة في كلامها، وعاقلة، فهي لما ذهبت لتدعو موسى مشت على استحياء وقالت له قولاً موجزاً: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ [القصص:25]، ومن أجل ألا يقول لها: لماذا؟ ويفتح مجالاً للكلام معها قالت: لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25].

    فيذهب موسى عليه الصلاة والسلام وهو لا يأخذ أجراً من الناس على عمل المعروف، كان هذا عمل المعروف، ولا يجوز للمؤمنين أن يطلبوا أجراً على معروف أسدوه للناس، فكيف بموسى عليه الصلاة والسلام، ولكن الجدال ليس معها إنما مع أبيها، فلا بد أن يتوجه إلى أبيها، فإذا وصل إليه تكلم معه.

    إن الفتاة تقول لأبيها مشيرة عليه: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص:26] وبينت لأبيها السبب، فقالت: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26].

    كأنها تقول: موسى قوي وأمين، ولكن من حياءها وأدبها في الكلام جعلت تقول ذلك، فعممت الكلام حتى لا يظن أبوها فيها أنها تريد موسى، فقالت: استأجر هذا؛ لأنه لا بد أن تكون صفة من نريد أن نستأجرهم، القوة والأمانة، وهذا الرجل فيه القوة والأمانة.

    وقد عرفت هذه الفتاة أنه قوي لأنها رأت موسى وهو يزاحم الخلق بالأنعام والأغنام حتى استطاع أن يصل إلى الماء ويسقي لهما، أو أنه عليه الصلاة والسلام رفع حجراً ثقيلاً لا يقدر على رفعه إلا عشرة من الرجال، وسقى لهما الغنم والإبل.

    وعرفت أنه أمين، وذلك لما سارت أمامه، فإذا به يأمرها أن تسير خلفه؛ حتى لا ينظر إليها، فكانت تسير خلفه، وتدله على الطريق وهي الطالبة له، وليس هو الطالب لها، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص:26]، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر وأبي جعفر : ( يا أبتَ )، بفتح التاء، وكان أبو جعفر يقرأ: ( يا أبتَ استاجره ) مثل قراءة نافع وقراءة أبي عمرو .

    قال تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26].

    أي: إن خير أجير تستأجره من كان قوياً ومن كان أميناً.

    وكذلك يعلمنا الله عز وجل كيف نستأجر الأجير، فهو يعلمك حين تستأجر الأجير أن تسلم مالك لإنسان تأتمنه، ويملك قوة على إدارة عملك، فإذا قصرت واستأجرت إنساناً خائناً، فالتقصير من عندك أنت فلا تلومن إلا نفسك؛ لأن الله علمك كما في هذه الآية: أن الأجير الذي يستحق أن يعمل عندك، أو يعينك في عملك، لا بد أن يكون قوياً على هذا العمل، فإن كان عملاً بدنياً كان قوياً في بدنه، وإن كان عملاً ذهنياً كان قوياً في عقله وفي تفكيره، وإذا كان عملاً يحتاج إلى أخذ وعطاء، فالقوة في العقل والقوة في أخذه وفي عطائه وهكذا، إذاً: بحسب العمل الذي يعمل فيه يكون قوياً على هذا العمل، وأميناً لا يضيع العمل ولا يضيع المال، ولا يضيع صاحب العمل، فهو قوي أمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال إني أريد أن أنكحك...)

    فقال الرجل لموسى عليه الصلاة والسلام: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27].

    وهذا تفكير صائب من هذا الرجل الفاضل الصالح، إذ طلب من موسى أن يشتغل عنده في هذا المكان، فإنَّ موسى غريب، وهذا الرجل لا يوجد لديه أبناء، وهو ضرير، فموسى قد ينفرد مع بناته في مكان، صحيح أن موسى أمين، وأن موسى قوي، ولكن ما الذي يضمن كيف تكون الظروف عندما ينفرد مع بناته، لذلك طلب منه هذا الطلب.

    فهو لما وجده قوياً وأميناً وصالحاً، فأفضل شيء أن يتزوج واحدة من بناته ويمكث معها في هذا المكان، ثمان سنوات أو عشر سنوات، أي: فإذا كنت هارباً من فرعون، فإن مأواك هنا.

    فكان الرجل في غاية التفكير الجيد، وفي غاية التفكير الصائب حين يطلب منه تزوج إحدى ابنتيه، فقد قال هذا الشيخ لموسى عليه الصلاة والسلام: إِنِّي أُرِيدُ [القصص:27]، ولم يأمره بذلك، ولم يقل له: تزوج، بل قال: أنا أرغب في ذلك.

    قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ [القصص:27]، ولفظة النكاح هنا للتزويج، فإذا زوج إنسان إنساناً فلا بد من لفظة النكاح أو لفظة التزويج على خلاف بين العلماء في ذلك.

    ولكن قد نص عليها الله سبحانه، فقال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27]، وليس في ذلك إيجاب للنكاح؛ لأن النكاح هنا على الإبهام، فالمعنى: اختر واحدة من الاثنتين وأنا أزوجك التي اخترتها.

    وقرأ الجمهور: إِنِّي أُرِيدُ [القصص:27]، وقرأ نافع وأبي جعفر : (إِنِّيَ أريد أن أنكحك) أي: أزوجك فعلاً وهذا ظاهر في قوله: أنكح.

    وقوله تعالى: إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ [القصص:27] هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير : (إحدى ابنتي هاتيّنِّ).

    وقوله تعالى: عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27] فيه دلالة على الإجارة، فيكون مهر الفتاة الإجارة، بأن يكون أجيراً عند أبيها ثَمَانِيَ حِجَجٍ [القصص:27] أي: ثمان سنوات، قال: فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ [القصص:27] أي: تفضلاً منك لو زدتهن إلى عشر سنوات.

    عدد سنوات الإجارة التي مكثها موسى عند شعيب

    يا ترى كم من السنوات التي مكثها موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟

    جاء في حديث رواه الطبري ، ورواه أيضاً أبو يعلى عن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سألت جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أكملهما وأتمهما) أي: أن ثماني سنوات هي مدة الإجارة، وزاد موسى سنتين تفضلاً منه، فقد مكث موسى عشر سنوات.

    قوله: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ [القصص:27] أي: أن ثماني سنوات كافية، ولا أريد أن أحرج عليك أو أشق عليك.

    سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [القصص:27]، فيه أن الإنسان لا يمدح نفسه بصفة الصلاح إلا أن يذكر: إن شاء الله؛ لأنك لا تدري لعل الله يغير ذلك، فهذه آداب عظيمة في كتاب الله عز وجل، فلنتعلم منها.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.