إسلام ويب

تفسير سورة القصص [5 - 7]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكررت قصة موسى وفرعون في سور كثيرة في القرآن، وفي كل موضع يذكر منها ما يناسب ذلك الموضع، وقد أجملت في بعض السور، لكنها فصلت في سورة القصص، وقد بين الله فيها كيف كان طغيان فرعون وكيف كانت نهايته، وكيف منَّ على الذين استضعفوا في الأرض من بني إسرائيل وجعلهم أئمة لما صبروا وكانوا بآيات الله يوقنون

    1.   

    بيان ما اشتملت عليه سورة القصص

    الحمد لله رب العالمين، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز جل في سورة القصص: بسم الله الرحمن الرحيم طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:1-6].

    هذه السورة مكية وفيها خصائص السور المكية، من تقرير توحيد الله سبحانه، وأمر العقيدة العظيمة الصافية التي جاءت من عند رب العالمين سبحانه، وليست لأمر جديد، وإنما كل أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام أمرهم الله عز وجل أن يدعو الخلق إلى توحيد الله وحده لا شريك له.

    واشتملت السورة على التنويه بشأن هذا القرآن العظيم، والتعريض بأن بلغاء المشركين لا يقدرون أن يأتوا بمثل هذا القرآن، كما ذكر الله عز وجل في النصف الأخير منها قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقد تكررت كثيراً في كتاب الله سبحانه، وفي كل موضع من المواضع يذكر منها ما يليق بذلك الموضع كما ذكرنا من قبل.

    وهذه الثلاث السور المتتالية سورة الشعراء وسورة النمل وسورة القصص كل من هذه السور فيها ذكر لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكأنه في موضع يذكر شيئاً فيجمله ثم يفصله في هذه السورة سورة القصص، وكأنه يقص علينا قصصاً عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ففيها قصته وهو صبي وما الذي حدث له، وقصته في مدين، وقصته في الطريق من مدين إلى مصر وما الذي حدث له، وقصة النار وإتيانه إليها وما الذي حدث له، وقصة محاجته لفرعون وما كان فيها.

    ثم ذكر في آخر هذه السورة قصة قارون وكيف أهلكه الله سبحانه وتعالى، ليرينا الله عز وجل أن الإنسان الذي غره ملكه وماله فنهايته نهاية أليمة إن لم يتب إلى ربه سبحانه وتعالى، فالذي غره الملك فرعون، والذي غره المال قارون ، فأرانا الله عز وجل كيف أهلك الاثنين، ففصل في هذه السورة ما أجمل في غيرها، ففي سورة النمل قال الله عز وجل: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [النمل:7]، وفصل هنا سبحانه وتعالى كيف صار بأهله حتى وصل إلى هذه النار، وكيف صنع حينما رأى هذه النار، ولما أتى إليها ما الذي قاله له الله سبحانه وتعالى، ففصل ما أجمل هنالك.

    كذلك لما ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى في سورة الشعراء قصة موسى مع فرعون وأن فرعون من عليه: قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ * قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء:19-20]، فأجمل كيف رباه فرعون حيث ذكر قول فرعون: ألم نربك؟ وهنا ذكر لنا أن هذه التربية كانت في قصر فرعون، وأن امرأة فرعون هي التي قامت بذلك وهي التي أحبته وأخذته وقالت: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [القصص:9].

    بدأ الله هذه السورة بقوله: طسم [القصص:1]، وهذه حروف مقطعة ليرينا أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، أو فأتوا بكتاب مثله؛ ولذلك قال الله في هذه السورة: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:49-50]، فالغرض أنه تحداهم أن يأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى من هذا الكتاب، ومن الكتاب الذي جاء على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50].

    قال الله تعالى: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ [القصص:3-4] أي: استكبر في الأرض بملكه فإذا به يطغى ويقول لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، ومن فساده: َجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ [القصص:4]، فرق أهلها -وهم بنو إسرائيل- حتى يتمكن من حكمهم بهذا المكر، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ [القصص:4]، أي يبقي النساء على قيد الحياة، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:4]، وكان يريد تقتيل جميع الأبناء، فلما فعل ذلك إذا بقومه يقولون: لو قتلتهم لن نجد من يخدمنا، فكان يقتلهم عاماً ويتركهم عاماً، فولد هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام في العام الذي كان يتركهم فيه على قيد الحياة، وولد موسى في العام الذي يليه، وكان بين موسى وهارون سنة واحدة، وهارون أكبر سناً من موسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فولد موسى في العام الذي يذبح فيه الصبيان، ليرينا الله عز وجل من آياته العظيمة كيف ينجي من يشاء من خلقه سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض..)

    قال الله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5]، هذه تسلية للمؤمنين، يعدهم الله سبحانه أن يثبتهم ويمن على المستضعفين، وهذه السورة مكية، وآية منها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر من مكة وهو في الجحفة، حيث أنزل الله عز وجل عليه يثبته ويطمئنه ويواسيه ويسليه: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85]، أي: الذي فرض عليك القرآن فدعوت الكفار إليه فشددوا عليك وآذوك حتى أخرجوك من مكة التي هي أحب البلاد إليك، كما قال: (لولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)؛ فيسليه الله عز وجل بأنه سيرجع مرة أخرى إلى هذه البلدة التي أخرجوه منها.

    وذكر الله عز وجل استضعاف فرعون لبني إسرائيل، وقد نصرهم الله عز وجل بعد ذلك، فليس بعزيز على الله سبحانه أن ينصركم وأن يمكنكم، ومن سنة الله عز وجل أن يجعل الناس منهم الضعفاء ومنهم الأقوياء، منهم الأقلية ومنهم الأكثرية، ثم يقلب موازين الكون بعد ذلك فيمن على المستضعفين ويمكن لهم، حتى يرى كيف يعملون، فإذا استقاموا على سنة الله عز وجل أعطاهم الخيرات وثبتهم، فإذا انقلبوا أعاد الأمر عليهم مرة ثانية، فالله يقلب هذه الدول كما يشاء سبحانه، وأمرهم يدور بين قوة وضعف، بين عزة وصغار، بين قلة واستكثار.

    قال سبحانه تبارك وتعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [القصص:5] يعني: قادة في الخير، يقتدى بهم في الخير بعدما كانوا مستضعفين مستذلين لا يعبأ بهم، يقول الأقوياء لأنبيائهم: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء:54]، أي: هؤلاء ضعفاء ليس عندهم رأي حتى نتبعهم.

    فالله عز وجل يمن عليهم ويجعلهم قادة في الخير في يوم من الأيام، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [القصص:5]، دعاة إلى الخير، قال: وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5] أي: نورثهم هذه الأرض بعد أن نهلك المستكبرين.

    وهل بنو إسرائيل أورثهم الله عز وجل أرض مصر بعدما أهلك فرعون؟ هم ما ملكوا مصر، والله ما قال هنا: نورثهم ملك فرعون، ولكن قال: (ونمكن لهم في الأرض) أي: في أي أرض من الأراضي؛ ولذلك أذن لهم الله سبحانه وتعالى في الخروج من مصر فخرجوا، فلما عبروا البحر وأغرق الله فرعون لم يرجعوا إلى مصر وإنما ذهبوا إلى الشام مع نبيهم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فمكن الله لهم هناك.

    وأرض الشام كانت أرض العمالقة الجبارين كما قالوا لموسى عليه الصلاة والسلام: إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ [المائدة:22] فكان فيها أناس أشداء أقوياء، مثل الحثيين والكنعانيين والآراميين، فالله عز وجل أورث بني إسرائيل من هؤلاء الأرض التي كانوا فيها، ولم يورثهم ملك فرعون، بل ملك فرعون توارثه الفراعنة بعد ذلك، وكان لهم عبرة فيما حدث لفرعون ولكنهم لم يعتبروا بما حدث فيهم.

    قال سبحانه تبارك وتعالى: َنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ [القصص:5]، وقد فعل ذلك سبحانه وتعالى، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً [القصص:5]، وقد فعل ذلك، ثم قال: وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5]، فأورثهم أرضاً، وهو لم يقل: نجعلهم وارثين لأرض فرعون، ولكن قال: وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ [القصص:5-6]، فمكن الله سبحانه تبارك وتعالى لهم في أرض الشام.

    قال الإمام القرطبي : أي نجعلهم مقتدرين على الأرض وأهلها حتى يستولوا عليها، يعني: أرض الشام وأرض مصر، ولكن الظاهر من كلام المفسرين وأهل التواريخ أنهم لم يرجعوا إلى مصر، وإنما كانوا بعد ذلك في الشام، وحصل لهم التيه هنالك، ثم استولوا على الأرض التي هناك على ما ذكر الله سبحانه وذكر أهل التواريخ.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون)

    قال الله تعالى: وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:6] فرعون كان يحذر من شيء، قيل: إن بعض المنجمين قالوا لفرعون: إنه سيكون هلاكك على يد واحد من بني إسرائيل، فالله عز وجل قدر ذلك، ولا بد أن يكون ما قدره الله سبحانه، ومهما أخذ الإنسان في الحيطة وفي الحذر فقدر الله لا بد أن يصيبه، قال: وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ [القصص:6] أي سنري فرعون وَهَامَانَ [القصص:6] وزيره، وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ [القصص:6]، من هؤلاء المستضعفين مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:6] ويستعدون له ويأخذون بالأسباب، فلم تنفعهم أسبابهم.

    وقراءة الجمهور: وَنُرِيَ [القصص:6]، وقراءة حمزة والكسائي وخلف : (ويرِى) بالإمالة، يعني: سيرى فرعون ما كان يحذر من هؤلاء، ولابد أن يدركه هذا الشيء، فأفعال الله سبحانه وتعالى آيات وفيها عظمة رب العالمين سبحانه، فأجمعوا جموعكم، وقدروا لأنفسكم ما تشاءون، فلن يكون إلا ما قدره الله سبحانه وتعالى، فالإنسان قد يقدر ويدبر ويأخذ بالأسباب ويعمل الحيطة، ومن المأمن الذي هو فيه يأتيه عذاب الله سبحانه وتعالى!

    فهذا فرعون استعد لهؤلاء واستضعفهم واستصغرهم وقال: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:54-56]، وكان قوم موسى نحو خمسمائة ألف أو أقل أو أكثر، شرذمة قليلون، وفرعون ومن معه كانوا ملايين من الناس، ورأى في نفسه القوة ورأى في هؤلاء الضعف، وتيقن أنه حصرهم، فالبحر أمامهم وفرعون وراءهم؛ فيأتي من هنا نصر الله سبحانه ليري الخلق أن القوة بيد الله سبحانه وتعالى، ينصر من يشاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه..)

    يقول الله سبحانه تبارك وتعالى بادئاً قصة موسى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7].

    هذا إلهام من الله عز وجل، فهو حديث في نفسها من عند الله سبحانه وتكون مستيقنة بهذا الذي تفعله، ولا تملك أن ترده، وليس كل وحي من الله عز وجل للإنسان يكون دلالة على أنه نبي، فالله عز وجل أوحى إليها بالنفث في روعها أو أرسل إليها من يقول لها ذلك، وليس هذا دليلاً على أنها نبية.

    وكذلك السيدة مريم عليها السلام أوحى الله عز وجل إليها ومع ذلك ليست نبية، وكذلك أوحى ربك إلى النحل، فالنبي ينزل عليه وحي من عند الله سبحانه ينبئه بأمر الغيب، ويأمره أن يأمر الناس بعبادة الله وبالتوحيد، ويعلمه الله من أمور الغيب ما لا يعلمها غيره، والرسول هو من كان نبياً وأعطاه الله عز وجل شريعة ورسالة من عنده، وأمره أن يبلغ هذه الرسالة.

    قال الله: أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7] هذه الآية العظيمة العجيبة عندما نظر إليها العرب ما ملكوا إلا أن يذعنوا لفصاحة القرآن وبلاغة القرآن، ففي آية واحدة يذكر الله سبحانه تبارك وتعالى أمرين ونهيين وبشارتين، فهذا مما يجعلهم يخضعون ويقرون أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، وقد تحداهم الله وقال: فَأْتُوا بِكِتَابٍ [القصص:49] أي: مثله، فلا يقدرون، وقال: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13]، فلا يقدرون، وقال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [البقرة:23]، فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً؛ ولذلك عرف الناس فضل هذا القرآن وفصاحة هذا القرآن بما ذكره الله عز وجل فيه، وهذا من إعجاز هذا الكتاب العظيم.

    يقول الأصمعي وهو من أئمة اللغة: سمعت جارية أعرابية من الأعراب وهي تنشد وتقول:

    أستغفر الله لذنبي كله قتلت إنساناً بغير حله

    مثل الغزال ناعماً في دله فانتصف الليل ولم أصله

    فقال لها: قتلك الله ما أفصحك! فقالت له: أويعد هذا فصاحة مع قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص:7]، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وبشارتين!

    فهذا إمام من أئمة اللغة يقول لها: أنت فصيحة، وهي تقول: كلامي لا شيء إذا قورن بهذا القرآن العظيم، فالذي يتكلم عن الفصاحة ليس آحاد الناس، ولكن يتكلم أهل الفصاحة وأهل اللغة، لذلك بعض الناس يقولون: ما المانع أن يؤلف مثل هذا القرآن، فنقول لهم: ألفوا، وهاتوا مثل هذا القرآن، فيقوم إنسان يخرف في الإنترنت ويأتي إلى سورة من السور ويزيل منها كلمات ويضع بدلها كلمات أخرى، ثم يقول: أنا ألفت مثل هذا القرآن!

    وبعض المغفلين يقول: لقد ألف مثل القرآن، وهؤلاء لا يفهمون اللغة العربية أصلاً، ولا يعرفون معنى الفصاحة ولا معنى البلاغة، والذي يحكم على ذلك هم أهل اللغة وأهل الفصاحة وأهل البلاغة الذين يتذوقون الكلام فيعرفون أن هذا كلام فارغ لا يقارن مع فصاحة القرآن التي أعيت العرب، ولو كان الأمر يسيراً، لكان أبو جهل وأبو سفيان والوليد بن المغيرة يقولون مثل هذا القرآن، لكنهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فالقرآن كلام رب العالمين، ووعد الله حق، فالله يتحدى الناس بهذا القرآن، ولا يقدر أحد أن يثبت أمام هذا التحدي، وإذا جرب أتى بكلام فارغ خال من فصاحة القرآن وبلاغته وإعجازه.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.