إسلام ويب

تفسير سورة القصص [1 - 4]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله تعالى في أول سورة القصص جزءاً من طغيان فرعون وفساده في بني إسرائيل، وكيف أنه فرق الناس شيعاً وأحزاباً، واستضعف بني إسرائيل يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، فكانت العاقبة لبني إسرائيل بالفرج والتمكين في الأرض جزاء صبرهم واستضعافهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (طسم)

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين.

    أما بعد:

    قال تعالى: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:1-6].

    السورة الثامنة والعشرون من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي سورة القصص، وهي من السور المكية إلا آية فيها أو آيتين منها فهما مدنيتان، وفيها خصائص السور المكية من ذكر قصص القرآن، وتحدي المشركين، وذكر الأمم السابقة كيف صنعوا وكيف صنع بهم؟ وذكر العظة والاعتبار في هذه القصص العظيمة من قصص كتاب ربنا سبحانه.

    ثم ذكر أمر الإيذاء الذي يكون لأولياء الله ولأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، ثم تمكين الله عز وجل بعد ذلك للمؤمنين.

    عدد آيات السورة ثمان وثمانون، باتفاق القراء على هذا العدد، وفي غيرها من السور قد تزيد الآيات في العد وإن كانت الآيات هي نفسها، ولكن هنا كل أهل العد اتفقوا على أن عدد آي هذه السورة ثمان وثمانون.

    بدأها الله سبحانه وتعالى بالأحرف المقطعة الثلاثة فقال: طسم [القصص:1]، فهي حروف مقطعة فيها التحدي للمشركين أن يأتوا بمثل هذا القرآن، والعادة أنه إذا ذكرة حروف مقطعة يذكر بعدها الإشارة إلى هذا القرآن العظيم، فقال: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [القصص:1-2]، وذكرنا قبل ذلك أن هذه الحروف من أسرار القرآن، يعني: مهما نذكر من حكم وموافقات بين هذه الحروف وبين السور فإننا لا نجزم بأنها جاءت من أجله، ولكن المفسرون يذكرون أشياء كلها لها وجهة من النظر، وبعضها أقوى من بعض.

    فهنا كون العلة من بدء بعض السور بهذه الحروف التحدي واضح المعنى، أي: فإن هذا القرآن من الكلام العربي المركب من الأحرف التي تقرءونها فأتوا بسورة من مثله.

    من العجيب في أمر القرآن العظيم أن الذين ينظرون في أسرار حروف السور يقولون: ما من سورة افتتحها الله عز وجل بأحرف مقطعة إلا كان أكثر الحروف عدداً هذه الأحرف المقطعة، إذاً: الطاء والسين والميم أكثر في هذه السورة من غيرها من الحروف.

    قوله: طسم [القصص:1]، فيها قراءات ثلاث: قراءة أبي جعفر بالسكت عليها؛ لبيان أنها حروف وليست كلمة، فهي مكونة من حرف الطاء، وحرف السين، وحرف الميم، ولذلك إذا قرأها يقف عليها بالسكت، حتى يعلم السامع أنها أحرف وليست كلمة واحدة، وباقي القراء منهم من سيقرأ بالفتح، ومنهم من سيقرأ بالإمالة في حرف الطاء، وهم شعبة عن عاصم ، وحمزة والكسائي وخلف كلهم بالإمالة، ويدغمون النون في الميم إلا حمزة فإنه يظهر النون، فيقرؤها (طسم)، بالنون مظهرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب المبين)

    قوله: (تلك) إشارة واللام للبعد، فتكون الإشارة هنا للبعيد إما في رتبته وعظمته وإما في مكانه، فهنا إشارة لهذه الآيات التي بين أيدينا، وفيها تعظيم لهذه الآيات، فعندما تخبر عن إنسان أمامك تقول: هذا الرجل، فإذا أردت تعظيمه تقول: ذلك الرجل، يعني: تشير إليه كأنه بعيد في رتبته وعلوه.

    فهنا يشير الله عز وجل إلى هذا القرآن فيقول: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [القصص:2]، وذكرها في موضع آخر: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [لقمان:2]، فالقرآن كتاب عظيم وكتاب كريم، وكتاب حكيم، وكتاب مبين.

    (آيات) جمع آية.

    (الكتاب) اللام للعهد وهو القرآن (الْمُبِينِ)، من بان الشيء بمعنى: وضح وظهر وتجلى، فليس به خفاء، فالقرآن ليس به خفاء، كل من يسمعه يفهمه سواء كان عالماً أو جاهلاً، وإن كان الله عز وجل فضل بعض الناس على بعض في الفهم، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولكن عجيب أمر هذا القرآن العظيم أنه يسمعه الإنسان الأمي فيعجب ويطرب لكلام رب العالمين سبحانه، ويفهم ما يقوله ولو فهماً عاماً لما فيه، يسمعه الإنسان العالم فيفهمه آية آية وكلمة كلمة، وينظر إلى عباراته وفصاحته وبلاغته، وإلى ما فيه من فقه وأحكام، أمر عجيب في هذا القرآن كما سنرى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق..)

    قوله: نَتْلُوا [القصص:3]، يوجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، نَتْلُوا عَلَيْكَ [القصص:3] حتى تعتبر وتتذكر وتتصبر أنت ومن معك من المؤمنين، فهي سورة مكية يصبر الله عز وجل فيها المؤمنين على ما كانوا فيه من الأذى، أي: إذا أوذيتم فانظروا الأذى الذي أصاب من قبلكم أكثر منكم، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوذي بشيء يقول: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، فيعتبر النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي بمن قبله، كما قال الله سبحانه تبارك وتعالى: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، فاقتدى صلى الله عليه وسلم في الصبر بهؤلاء.

    قوله: (من نبأ) النبأ الخبر المغيب، ما كان يعرف النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً عن موسى ولا عن قومه حتى أخبره الله سبحانه تبارك وتعالى في القرآن، قال: نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ [القصص:3]، أي: من خبر غاب عنك، فنتلو عليك، أو نجعل جبريل يقرأ عليك ذلك فتستمع إلى هذه التلاوة، وتتعلم من نبأ موسى وفرعون.

    وهنا ثلاث سور وهن: سورة الشعراء والنمل والقصص ذكر في كل منها قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والقصة هي هي، ولكن العجب من هذا القرآن العظيم الرائع، حيث إنه في كل موضع يذكر شيئاً من القصة تستفيد منه، ويناسب السياق فسورة الشعراء آياتها قصيرة وفيها هذه القصة، ذكرها الله عز وجل على نفس الفواصل التي في السورة مناسبة معها، وفي سورة النمل تجدها مناسبة، وفي سورة النمل ذكر قصة موسى فيها بنفس الفواصل التي فيها.

    وهكذا في السور الأخرى كسورة الأعراف وهود، وهكذا في كل سورة يذكر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بشيء إما مختصراً وإما مطولاً، وهنا أطال فيها وأطنب، حيث ذكر فيها قصة موسى منذ مولده، وكيف أن الله عز وجل نجى موسى ولا حول له ولا قوة، وأمه ضعيفة مستضعفة، فهي من بني إسرائيل الذين كانوا يهانون ويستضعفون في الأرض، فلا حول لها ولا قوة ولا حيلة على أمر فرعون، فإذا بالله عز وجل يصنع ما نرى في هذه القصة العجيبة الجميلة من آياته؛ ليطمئن النبي صلى الله عليه وسلم، ويطمئن المؤمنين أنه مهما اشتد الكرب فلا بد وأن يأتي الفرج من عند الله سبحانه، ومهما صبرتم أتاكم النصر من عند الله سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (اعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).

    قوله: لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: نتلوه لينتفع به المؤمنون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض...)

    قوله: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:4].

    يقول الله عز وجل: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ أي: ملك مصر وما حولها من بلاد، وعلا علواً شديداً وعتا في الأرض، فالله عز وجل يرفع من يشاء ويضع من يشاء، فرفعه الله ملكاً فإذا به يزعم أنه الملك على البلاد وأن هذا حقه، ولكن ما أعجبه أن يقف عند هذا الحد، وإنما ادعى ما هو أكثر من ذلك، ادعى أنه إله، وفي دعواه الكذب الواضح. ثم ختم هذه الآية بقوله: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:4]، فبين أن فساده كان فساداً عظيماً جداً، وهذا واضح مما يذكره الله عز وجل في هذه الآية.

    وفرعون علا في الأرض، فالله يعلي من يشاء، ويرفع درجات من يشاء، يرفع بالعلم من يشاء سبحانه وتعالى، يكون الناس بعضهم في علو وبعضهم في سفل، بحسب ما أعطاهم الله عز وجل من فضله، هذا غني وهذا فقير، هذا قوي وهذا ضعيف، هذا عالم وهذا جاهل، هذا ذكي وهذا غبي، فيرفع الله عز وجل ويفضل الناس بما يشاء، ولكن من أعطاه الله نعمة فتعالى بها على القوم حتى زعم ما ليس له فهذا العلو والإفساد، ففرعون آتاه الله الملك فإذا به يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، ويزعم لقومه أنه ابن الشمس، وليس مثل واحد منهم، كما كان يزعم الفراعنة، وقالوا: هذا كان رمسيس الثاني أو ابنه منفتاح والكثير يرجحون في زماننا أنه ابنه منفتاح بن رمسيس الثاني .

    المهم أن هذا الفرعون أعطاه الله ملكاً عظيماً فعلا في الأرض أول شيء بكفره بالله سبحانه، وبدعواه أنه شيء آخر أعلى من البشر، وأن هؤلاء عبيد عنده يعبدونه من دون الله سبحانه، وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا [القصص:4]، الذي يجعل الناس شيعاً هذا لا يصلح أن يكون حاكماً عليهم، الحاكم على الناس هو الذي يجمع الناس جميعهم.

    النبي صلى الله عليه وسلم من منة الله عز وجل عليه أن جعله بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، فقال: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159]، يبقى الحاكم الرءوف الرحيم هو الذي يجمع الناس حوله، ولذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم للحاكم الرفيق بشعبه، فقال يدعو ربه سبحانه: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به)، إذاً: الحاكم الذي يتولى من أمر المسلمين شيئاً ويكون رفيقاً بالناس دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفق الله به في الدنيا والآخرة، ومن كان عنيفاً مع الناس شديداً غليظاً دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يعامله الله عز وجل بهذا العنف وبهذه الشدة.

    فالغرض أن فرعون كان حاكماً قاسياً، يدبر أمر ملكه بالكيد والمكر، قال الله سبحانه: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:4]، فمن إفساده أن : جَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا[القصص:4]، فلأجل أن يحكم البلد جعل الناس فرقاً، فقالوا: قسم البلاد إلى بضع وثلاثين فرقة، الفريق الذي في البلدة الفلانية، والفريق الذي في البلدة الفلانية، وجعل بينهم عداوة وبغضاء، الكل يوالونه هو، ولكن لا يحب بعضهم بعضاً، فجعل القوم شيعاً، فأقل شيعة وأضعف شيعة هم بنو إسرائيل الذين كانوا ساكنين في مصر من قبل أن يأتي هذا الفرعون بأربعمائة عام، يعني: ما كانوا من أهل مصر أصلاً، ولكنهم هم أبناء يعقوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام وكانوا في فلسطين في بلاد الشام، وبعد ذلك لما كاد إخوة يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام له ألقوه في غيابة الجب، وتمر سيارة فيأخذونه طفلاً من غيابة الجب، ويأتون به إلى مصر، وينشأ ويشب كما ذكر الله سبحانه في سورة يوسف قصته، بعد ذلك أمر إخوته لما عرفوه أن يأتوا بأهلهم إلى مصر، فجاء إلى مصر يعقوب وأبناؤه وعاشوا في هذه البلدة، فمن هذا الوقت عاشوا وتكاثروا وظلوا فترة طويلة، وكان أهل مصر يعرفون لهم حقهم.

    وأهل مصر كانوا يلقبون بالأقباط، وكلمة (قبط) ليس أصلها النصارى، فلم يكن يوجد في ذلك الوقت نصارى، ولكن أهل مصر الذين هم من أيام الفراعنة هم القبط، كل من سكن مصر يسمى قبطياً، والذي يحكم مصر يلقب بفرعون، والوزير يلقب هامان، فكان يميز بين القبط وبين بني إسرائيل، فبنو إسرائيل جاءوا إلى مصر ودخلوا فيها، أما الأقباط فهم من أهل مصر.

    الغرض أن بني إسرائيل عاشوا وكانوا على التوحيد، ثم بعد ذلك رجعوا إلى الإشراك بالله، فلما فعلوا ذلك سلط الله عليهم فرعون؛ لأنهم كانوا هم أهل الديانة الصحيحة والتوحيد، ولكن لما ابتعدوا عن دين ربهم سبحانه سلط عليهم ربهم فرعون، فعاشوا في هذه البلدة مستذلين، أذلهم فرعون ذلاً شديداً، فهذا كان من فساد فرعون، قال الله سبحانه: يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ [القصص:4]، جعل أهل مصر جميعهم شيعاً؛ لأن النظام يقول: فرق تسد، فرق الناس من أجل أن يبقى هو الرئيس عليهم.

    ثم من فساده أنه يستضعف طائفة من بني إسرائيل، فماذا كان يعمل فيهم؟ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ [القصص:4].

    فرعون هذا الإنسان العنيف ليس في قلبه رحمة، فكان يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أْبْنَاءَهُمْ [القصص:4]، وسبب ذبحه للصغار أن منجماً من منجميه الذين كانوا ينظرون في النجوم قال له: إنه سيولد طفل من بني إسرائيل يكون هلاكك على يديه، فإذا به يأمر بقتل أبناء بني إسرائيل، فذهب إليه الفلاحون وقالوا: لو قتلت أبناء بني إسرائيل لم نجد من يخدمنا، فإذا به يتراجع ويقول: نقتل الأولاد سنة ونتركهم سنة، وكأنه بناءً على كلام هذا الذي نظر في النجوم فإذا به يقتل أطفال بني إسرائيل في سنة، وفي سنة أخرى يترك أطفال بني إسرائيل، فكان ممن ولد في العام الذي لا يقتل فيه هارون أخو موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وفي العام الذي يليه ولد موسى عليه الصلاة والسلام، فأرسل فرعون من يقتله.

    فكانت هنا منة من الله عز وجل من ساعة ما ولد موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والله يرينا كيف يحميه سبحانه، وكيف يدبر له أمره وهو صبي صغير، ففرعون يقتل الأبناء قسوة وعنفاً منه، وكفراً بالله سبحانه وتعالى، وكيداً ومكراً وتفريقاً بين الناس.

    وكان يستحيي نساء بني إسرائيل، أي يترك البنات تكثر، والعادة أن الإسرائيلية تتزوج من أمثالها، لكن سيقل الصبيان، فماذا ستعمل المرأة عندما تكبر وتكون فيها شهوة؟ تقع في البغاء والزنا، وهذا الذي يريده فرعون، يستحيي النساء من بني إسرائيل بحيث تبقى خادمات في البيوت، وتكون عواهر وزانيات أيضاً، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:4].

    فالله عز وجل بدأ القصة بأن فصل لنا ما الذي يصنعه هذا الفرعون حتى تأتي إلى النهاية فتنظر كيف صنع الله به بكفره بالله سبحانه، وبإفساده في الأرض، فهذا فعل فرعون: يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:4]، كان عظيم الفساد في الأرض.

    وهؤلاء المستضعفون ماذا سيعمل بهم ربنا؟ قال: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [القصص:5]، الله عز وجل يطمئن المؤمنين، أنتم مستذلون وضعفاء، وعددكم قليل في مكة، سننصركم يوماً من الأيام، ولن نمكن لكم في مكة فقط، بل في الأرض كلها.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.