إسلام ويب

تفسير سورة العنكبوت [50 - 55]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اعترض المشركون على محمد صلى الله عليه وسلم وطلبوا آيات عامة يأتيهم بها ليؤمنوا، فكان من رحمة الله تعالى أنه لم يجبهم إلى ذلك؛ لأنه لو أجابهم فكفروا لعمهم العذاب؛ بل أمره أن يرد عليهم بأن الآيات عند الله ينزلها متى شاء وأنا مكلف بالنذارة البينة، ثم رد الله عليهم أن أعظم الآيات هي نزول هذا الكتاب المبين الذي نزوله رحمة للمؤمنين، فإذا لم يؤمنوا بذلك فكيف يؤمنون بما هو دونه؟! وليس ذلك إلا جحود واستكبار، ومن استكبارهم أيضاً استعجالهم بالعذاب، ولكن ذلك ليس إليهم بل إلى ربهم، وقد جعل له أجلاً وسيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [العنكبوت:50].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن المشركين في صنيعهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وتعنتهم معه وجحودهم وتكذيبهم، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ [العنكبوت:50].

    فالجواب: يطلبون آيات حسية، ومعجزات يرونها أمامهم كما أرسل موسى بالعصا التي صارت حية، وكما أخرج يده فصارت بيضاء لها شعاع كالشمس، وكما أرسل إلى ثمود أخوهم صالح ومعه آية من آيات الله طلبوها وهي الناقة معها فصيلها، فطلبوا أن يروا شيئاً كهذا، وقد رأوا آيات من الله سبحانه وتعالى، وأعظم الآيات والمعجزات هذا القرآن العظيم الذي تحداهم الله أن يأتوا بمثله فلم يستطيعوا، ولكن كفرهم وتكذيبهم يجعلهم يتعنتون ولا يستحيون.

    لكنهم يريدون آيات يرونها نازلة من السماء، وقد رأوا بعض هذه الآيات، وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه أنه لو جاءتهم آية يرونها جميعهم فيكذبون فسيأتيهم العذاب بعد ذلك.

    فلما طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له الصفا ذهباً، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه ذلك، فأخبره ربه سبحانه أن لو فعلنا فكذبوا أهلكناهم، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يطلب ذلك.

    فالآية التي تأتي عامة من عند الله سبحانه ويراها الجميع إذا كذبوا جاء العذاب من عند رب العالمين سبحانه.

    وانظر لما طلب الحواريون من المسيح عيسى عليه الصلاة والسلام أن ينزل عليهم من عند ربهم مائدة من السماء، فقال المسيح عليه الصلاة والسلام لهم: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:112]، فقال الله عنهم: قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [المائدة:113].

    فسأل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ربه هذه الآية، فكان الجواب من الله: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة:115].

    إذاً: الآية التي تطلب ثم تأتي ويصر من رآها على التكذيب يأتيه عذاب يستأصل الجميع.

    ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رحمة للعالمين، فمن رحمته أنه لم يجبهم فيما طلبوه. فإن قيل: وانشقاق القمر ألم يكن من الآيات التي من الممكن أن يراها الجميع؟

    فالجواب: آية انشقاق القمر لم تكن للجميع، ولو رآها جميع الكفار لأهلكهم الله عز وجل بتكذيبهم بعد ذلك.

    وإذا كان بعضهم قد طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية التي كانت بالليل، والناس نائمون، فالذين طلبوا فقط هم الذين رأوا ذلك، وكذلك المسافرون أيضاً رأوا ذلك في سفرهم، ولذلك عندما كذب الذين رأوها جاءهم وعيدهم في حياتهم، فمنهم من قتل، ومنهم أخذه الله سبحانه وتعالى.

    لكن الكفار يريدون آية عامة كأن تحول لهم الصفا ذهباً ويراها الجميع ليل نهار، أو ينزل لهم من السماء كتاب يذكر أن محمداً رسول من عند رب العالمين، ويرونه وهو نازل من السماء ومعه ملائكة يشهدون، وقالوا: ولو فعلت ذلك ما نظن أننا نؤمن بك.

    إذاً: الأمر هو تكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يريدون أن يؤمنوا أصلاً، إنما يريدون أن يجادلوا بالباطل.

    القراءات في قوله تعالى: (وقالوا لولا أنزل عليه....)

    وفي قوله تعالى عن الكفار: وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ [العنكبوت:50] بصيغة الجمع قراءتان: قراءة الجمهور (آيات).

    وقراءة ابن كثير وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف : (وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه)، بالإفراد، لكن ابن كثير في كلمة (عليه) يشبع الهاء فيها.

    أما باقي القراء فبالكسر بغير إشباع (عليهِ آية من ربه).

    وقد قالوا: (مِنْ رَبِّهِ) وهم يعلمون أن ربه هو ربهم سبحانه وتعالى، ولكن قالوا كنوع من التكذيب: اذهب إلى ربك، وهات من عند ربك هذا الذي تزعم أنه يعطيك وأنك رسوله.

    قال تعالى: قل إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ [العنكبوت:50] أي: أن الذي يخلق الآيات ويرسلها هو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي أعطى موسى تسع آيات بينات كالعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.

    إذاً: هذه آيات ومعجزات بينة من عند الله سبحانه وتعالى يرسلها متى يشاء.

    قال تعالى: وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ [العنكبوت:50] هذا أسلوب قصر وحصر كأنه قال: ما أنا إلا نذير مبين، والمعنى: أنا رسول من عند رب العالمين أنذركم وأخوفكم إذا لم تؤمنوا بعذاب الله الذي توعدكم به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب...)

    قال سبحانه: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت:51] ففيهم نوع من العزة والكبرياء، عندما يتحداهم أحد يقبلون التحدي، ولعل الإنسان منهم أن يذهب للقتال ويرى خصمه أقوى منه، ويتحداه خصمه فيخرج لخصمه ليقاتله وهو يعلم أن خصمه أقوى منه.

    ولكن القرآن يتحداهم ويكسر أنوفهم ويرغمها في الرغام والتراب، ويقول لهم: هاتوا سورة من مثله، ولا يقبل أحد هذا التحدي، ولا يقدرون على ذلك، ويقولون: ما هو بقول البشر، ومع ذلك لا يؤمنون.

    القراءات في قوله تعالى (أولم يكفهم) و(عليهم)

    قي قوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ [العنكبوت:51] قراءتان: قراءة الجمهور بكسر الهاء في (يكفهم) وقراءة رويس عن يعقوب ( أولم يكفهُم) بضم الهاء فيها.

    وفي (عَلَيْهِمْ) أيضاً قراءتان: قراءة الجمهور بكسر الهاء.

    وقراءة حمزة ويعقوب (عليهُم) بضم الهاء.

    قال سبحانه: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى [العنكبوت:51] أي: يتلى تلاوة مرتلة من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعهدوا مثل ذلك في كلامهم قط.

    قال سبحانه: إِنَّ فِي ذَلِكَ [العنكبوت:51] أي: في هذا القرآن الذي جاء من عند رب العالمين، أو في هذا الإنزال من السماء، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:51] أي: رحمة من رب العالمين أن أنزل هذا الكتاب العظيم الذي فيه الهدى للناس، والذي هو طريق إلى جنة رب العالمين.

    وَذِكْرَى [العنكبوت:51] أي: تذكرة وتبصرة وعبرة لمن يؤمنون، وقد قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى:9]، وقال: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]، فهو يذكر كل الناس ولكن لا ينتفع بها إلا من دخل الإيمان قلبه.

    والقرآن الكريم نزل من عند رب العالمين رحمة وذكرى، فعندما يقرأ المؤمن هذا القرآن يستشعر رحمة رب العالمين سبحانه، ويستشعر جمال هذا القرآن، فيطمئن قلبه بذكر الله، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    يقرأ القرآن وله بكل حرف من القرآن يقرؤه عشر حسنات، فإذا قرأت (ألم) ألف بعشر حسنات، ولام بعشر حسنات، وميم بعشر حسنات.

    وإذا قرأت سورة الإخلاص مرة واحدة كأنك قرأت ثلث القرآن، وإذا قرأتها ثلاث مرات كأنك قرأت القرآن كاملاً، ولو قرأتها عشر مرات يبنى لك بيت في الجنة رحمة من رب العالمين سبحانه بأشياء قليلة تفعلها وتقولها يكون لك الثواب العظيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل كفى بالله بيني وبينكم شهيداً...)

    قال تعالى: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا [العنكبوت:52] أي: كفى بالله الذي يحكم علي ويحكم عليكم، ويشهد علي ويشهد عليكم ويحاسبنا يوم القيامة، أي: قل لهؤلاء المكذبين: كفى بالله شهيداً يشهد لي بالصدق، ويشهد عليكم بالتكذيب.

    قال تعالى: يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [العنكبوت:52] أي: يعلم كل شيء: ما في السموات وما فوقها، وما في الأرض وما تحتها، وما بين ذلك.

    قال سبحانه: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ [العنكبوت:52] أي: الذين آمنوا بالشيطان، وبكل ما هو باطل وليس بحق، وكفروا بالله سبحانه وتعالى، أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [العنكبوت:52] أي: خسروا أعظم شيء يدافعون عنه ويدفعون وهو أنفسهم.

    فالإنسان يقي نفسه بغيرها، ويدافع عن نفسه ولو ضاع غيره فهذه النفس يخسرها يوم القيامة، وتشهد عليه فيضيع نفسه بسبب تكذيبه في الدنيا.

    وفي الدنيا يمكن أن يقول الإنسان لآخر: أنا أفديك بنفسي، فإذا جاء يوم القيامة فكل إنسان يقول: نفسي نفسي، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كل منهم يقول: نفسي نفسي، وقد كانوا في الدنيا يدعون الخلق إلى الله عز وجل، أما يوم القيامة فلا توجد حياة ثانية يضيعون الآخرة من أجلها، إنما الدار الآخرة هي الحياة وفيها الإقامة الدائمة عند رب العالمين، لا حياة بعدها، ولذلك كل واحد يقول: نفسي نفسي.

    قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36] ومن أعز على الإنسان من هؤلاء؟ ومع ذلك فر من الجميع ويقول: نفسي، إلا نبينا صلوات الله وسلامه عليه الذي يقول: أمتي أمتي ويشفع للخلق يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب... )

    قال سبحانه: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمْ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [العنكبوت:53].

    قوله: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ) أي: هؤلاء الذين جهلوا هذا الدين العظيم وجهلوا قدر ربهم سبحانه فيهم أناس طويلة ألسنتهم مثل أبي جهل والنضر بن الحارث، فكانوا يذهبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: أين العذاب الذي تخبرنا عنه؟ لم لم يأت إلى الآن؟

    قال تعالى عن ذلك: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ [ص:16]، وتأمل التحدي في كلامهم، يطلبون من الله تعالى أن يرسل لهم وثيقة عذاب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويجعله عاجلاً لا آجلاً.

    والقط: الوثيقة بالشيء، فقالوا: (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) أي: ما توعدتنا به من العذاب يوم القيامة عجله لنا الآن.

    وإذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحق قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32] فليس عند هؤلاء عقول حين يقولون ذلك.

    فيقول الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ [العنكبوت:53] فالله عز وجل لا يخلف الميعاد، والعذاب آت ولكن الله أجل ذلك لأجل مسمى معلوم عنده، وسيأتيهم عذابهم إما في الدنيا بأن يقتلوا أو يموتوا فيذهبوا إلى عذابهم في قبورهم كما عذب فرعون وجنوده، قال تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].

    وكذلك هؤلاء ربنا سبحانه وتعالى يقول: لا تستعجلوا فالعذاب آتيكم، فقتل منهم أبو جهل وغيره في يوم بدر وألقوا في قليب بدر، والله عز وجل عذبهم، ووقف النبي صلى الله عليه وسلم على حافة البئر يقول لهؤلاء: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟) تعذبون في هذا القليب ويتقد عليكم ناراً بما صنعتم مع النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى [العنكبوت:53] أي: أجلنا العذاب للوقت الذي رأيناه وأردناه، وأيضاً وعد الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يؤخرهم إلى يوم القيامة ولا يعجل لهم في الدنيا عذاباً يستأصل جميعهم.

    قال سبحانه: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ [العنكبوت:53] أي: يقيناً سيأتي هذا العذاب، وسيأتيهم بغتة قال تعالى: وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [العنكبوت:53].

    إذاً: الواحد منهم يظن أنه قادر على شيء وفجأة يأتيه العذاب في الدنيا ثم في الآخرة، فالموت يأتي بغتة، ولا يوجد نذير قبله يقول: إنك ستموت يوم كذا، الساعة كذا، وكم قال الأطباء أن هذا المريض لن يعيش إلا يومين أو ثلاثة ثم يعيش بعدها سنين.

    وكم يقولون عن إنسان: إنه بصحة وعافية وقوة ولا خطر عليه، فيموت في تلك اللحظة، والله على كل شيء قدير.

    وهل ظن أبو جهل وهو خارج من مكة يحفز الناس على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ويخرج معهم فقال له بعضهم: ارجع بالناس، فلن نكسب شيئاً من القتال، إنما نقتل أقوامنا، فإذا بـأبي جهل يقول له: أنت جبان، ويحفزه على ذلك فكان الاثنان قتيلين في يوم بدر.

    وخرج أبو جهل في يوم بدر وهو يهيج الناس على القتال ويلبس عدة الحرب، وكان من أقوى الناس، وحوله مثل الحرجة ممن يدافعون عنه، والحرجة: شجر الغابة الملتف، وكأن أبا جهل لا يخلص إليه، فكانوا يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه أحد، وإذا بمقتله يكون على يد غلامين شابين صغيرين من الأنصار كلاهما يسأل عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: يا عماه! أين أبو جهل ؟ فيتعجب عبد الرحمن بن عوف، وكان في القتال يقول: ووددت لو أني بين رجلين أقوى منهما، يعني: أن الذين بجواره ولدان من الأنصار ما زالا في سن بداية الشباب، فلما قالا له: أين أبو جهل؟

    قال: أين أنتم من أبي جهل؟ ومن أين تصلون إلى أبي جهل ؟ فيقسم كل منهما ويخبر أنه آلى على نفسه لئن رأى أبا جهل لا يفارق سواده سواده حتى يكون أحدهما قتيلاً؛ لأنه كان يشتم النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون مقتله على يد الاثنين معاذ ومعوذ ابني عفراء رضي الله تعالى عنهما، فلما أبصراه استلماه بسيفيهما، ووصلا إليه وهو مثل الحرجة فوقع صريعاً على الأرض.

    ويأتي إليه ابن مسعود رضي الله عنه ويركب على صدره ويقطع رقبته ويقول له أبو جهل : لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم.

    وكان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نحيفاً قصيراً، إذا جلس عمر رضي الله عنه يكون طوله كطول ابن مسعود وهو واقف، فلما أراد ابن مسعود أن يقطع رقبة أبي جهل لعنة الله عليه قال له: يا رويعي الغنم، تصغير يقصد به التحقير، يعني: أنت تقتلني أنا! لقد ارتقيت مرتقى صعباً، تطلع أنت فوق صدري! هل كان يتوقع ذلك أبو جهل لعنة الله عليه وعلى أمثاله؟!

    فلما يئس قال: هل أبعد من رجل قتله قومه؟! كفر وتكذيب إلى أن يموت لعنة الله عليه، ومعنى كلامه أن أبعد رجل هو من قتله قومه، فمثلما غيري قتله قومه أنتم أيضاً قتلتموني.

    قال الله عز وجل: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [العنكبوت:54] فليس هناك مهرب إنما هم كداخل السور لا يستطيع أن يهرب منها، فجهنم تحيط بهم محدقة بهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم يغشاهم العذاب ...)

    قال تعالى: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ [العنكبوت:55] أي: اذكر هذا اليوم وذكرهم بهذا وأنذرهم يوم يغشاهم، والغشي ما يأتي من فوق، فتأتيهم النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم، أي: من كل مكان نسأل الله العفو والعافية.

    يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ [العنكبوت:55] ويقول الله سبحانه تبارك وتعالى، وهذه قراءة نافع وقراءة الكوفيين (ويقول)، وباقي القراء: (ونقول) بنون العظمة، أي: نقول لهؤلاء: ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:55]، ذوقوا العذاب جزاء بما كنتم تكسبون.

    يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [العنكبوت:55] أي يغطيهم عذاب رب العالمين، نار من فوقهم، نار سوداء مظلمة تغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقال لهم: ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:55].

    أما المؤمنون فيدخلهم الله جنته ويقول: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56].

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل جنته، وأن يجيرنا من عذابه وناره.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.