إسلام ويب

تفسير سورة الصافات [161 - 173]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يأمر الله عباده بالإيمان بالقضاء والقدر، ومنهج أهل السنة والجماعة في ذلك: أن الله خالق العباد وأفعالهم، وقد جعل الله للعبد اختياراً وإرادة ورغبة فيما يعمل، وعلم الله وأحاط بما يفعله عباده من قبل، والهداية بيده سبحانه وكذلك الإضلال، فمن كتب الله له الهداية اهتدى، ومن كتب عليه الضلال أضله الله، ولله ملائكة يعبدونه ويسبحونه وينزهونه، وكل منهم له مقامه المعلوم لا يتجاوزه، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر ولو بعد حين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإنكم وما تعبدون... إلا من هو صال الجحيم)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الصافات: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ * وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ * وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:161-173].

    في هذه الآيات من آخر سورة الصافات يخبر الله سبحانه وتعالى عن هؤلاء الذين يعبدون غير الله سبحانه، ويضلون الخلق ويدعونهم إلى عبادة غيره سبحانه، أنهم لا يقدرون أن يضلوا أحداً إذا أراد الله عز وجل له الهداية، والأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى، فهو القادر على كل شيء، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي من يشاء، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلاً، فبيده كل شيء سبحانه، والمؤمنون مأمورون بأن يؤمنوا بقضاء الله سبحانه وقدره، فقد عجز الخلق أن يتفكروا فيه، والله سبحانه لم يأمرهم أن يتفكروا فيما وراءه، ولكن أمرهم أن يؤمنوا به، وقضاء الله مبني على علم الله وعلى حكمته وقدرته، فلا شيء يجري في الكون إلا بعلمه وحكمته وقدرته سبحانه وتعالى، فما شاء كان، ولابد أن يوجد هذا الذي شاءه الله سبحانه، وما لم يشأ مستحيل أن يوجد هذا الذي لم يشأه الله سبحانه، فخلق العباد فريقاً للجنة وفريقاً للسعير، ولم يخبر العباد من هؤلاء الذين هم في الجنة ومن هؤلاء الذين هم في النار، ولكن أمرهم أن يؤمنوا بقضاء الله وقدره، فهذا أحد أصول الإيمان أن تؤمن بالقضاء والقدر. وظهرت الفرق بين الناس، فهذه فرقة تزعم أن الله عز وجل خلق العباد وهو الذي يلزمهم ويجبرهم على ما يفعلون، فيعترضون على الله سبحانه إذا كان هو الذي خلقهم فلماذا يحاسبهم؟

    وفريق آخر يقولون: الله سبحانه لم يقدر شيئاً، بل العباد يفعلون أفعالهم، ويختارون ما يشاءون، ثم الله يحاسبهم بعد ذلك، وهذه الفرقة تسمى الجبرية، أي: أن الله أجبرهم على ذلك، وكلا الفريقين في ضلال مبين، ولكن أهل السنة والجماعة يقولون: القدر سر من أسرار الله سبحانه وتعالى، كما أن الغيب كله من أسرار الله سبحانه لم يطلعنا على شيء، فنحن نقول: آمنا بالله سبحانه ولم نر الله سبحانه، وآمنا بالجنة والنار ولم نر الجنة ولا النار، وآمنا بملائكة الله سبحانه ولم نر الملائكة، قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، كذلك القضاء والقدر من غيب الله سبحانه ومن سره أمرنا أن نؤمن به، ونؤمن أن كل شيء بيد الله سبحانه، وأن الله إذا شاء شيئاً لابد أن يكون، وإذا لم يشأ فمستحيل أن يكون هذا الشيء الذي لم يشأه سبحانه وتعالى.

    والله خلق عباده فمنهم كافر ومنهم مؤمن، فهو يحاسب عباده على أعمالهم، وهو الذي خلق العباد وما يفعلون، والعبد يكتسب فعله الذي يفعله، فهو مختار مريد، والعبد يختار ما يريده والله من وراء ذلك محيط، له قضاؤه وقدره سبحانه وتعالى، فالله قدر الأقدار، وعلم كل شيء، وجعل فريقاً في الجنة، وفريقاً في النار، وجعل للعبد اختياراً يختار به الشيء، فهو يستشعر حين يعصي أنه مريد لذلك، وأنه يفعل ذلك برغبته، وأنه يعصيه، إذاً: لا يحتج أحد على الله عز وجل بالقضاء والقدر، ولا يقول: يا ربي أنت خلقتني للنار، وما أدراه أنه خلقه للنار؟ أو يقول: يا ربي أنت قدرت المعصية، وهو يستشعر أنه يفعل المعصية ويستشعر أنه مريد ومختار وراغب في هذا الذي يفعله! فالله يحاسبه على هذا الذي هو فيه.

    إذاً: نؤمن أن الله قدر كل شيء، وعلم كل شيء سبحانه وتعالى، وشاء سبحانه وتعالى ما كان موجوداً في خلقه.

    قال سبحانه: فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ [الصافات:161] يقول للكفرة المشركين أنتم أيها الكفار وما تعبدونه من دون الله.

    قوله تعالى: مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ [الصافات:162] لستم مظلين أحداً من خلق الله.

    قوله تعالى: إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [الصافات:163] إلا من قدر الله عز وجل له ذلك.

    فالله يثبت في هذه الآية كما أثبت في آيات أخرى كثيرة أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء سبحانه وتعالى، ولا يقدر إنسان غاوٍ أن يغوي أحداً أو يضله أو يخرجه عن طريق الله، إلا والله قد شاء ذلك، وأراده وقدره سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ إلا من خلقه الله سبحانه وتعالى، وعلم أن هذا من أهل الجحيم ومن أهل النار.

    ذكروا أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ذكر عنده أقوام القدر، وأنكروا أن هناك قضاء وقدراً، وقالوا: أفعال العباد خلقها العباد، وبعد ذلك ربنا يحاسبنا على هذه الأفعال، وكأنهم ينكرون أن الله يعلم الأفعال قبل حدوثها، وينكرون أن الله يقدر هذه الأشياء، فقال عمر بن عبد العزيز : لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، فالله سبحانه وتعالى قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] فالله خلق العباد، وأراد الله أن يوجد في هذا الكون الخير والشر، وأن يكون هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فخلق الجنة وخلق لها أهلاً لحكمة منه سبحانه، وخلق النار وخلق لها أهلاً لحكمة منه سبحانه وتعالى، وخلق إبليس ليضل به من يشاء من خلقه سبحانه.

    ولذلك يقول عمر بن عبد العزيز يرد على المكذبين بالقدر: لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس، والمكذبون بالقدر يقولون: إن الله لا يريد المعصية وكأنهم يقرون أنه غُلِبَ في ذلك، وحاشا له سبحانه وتعالى، فإنه لا يكون في كونه إلا ما يريده سبحانه، فله الإرادة الكونية القدرية وله الإرادة الشرعية.

    1.   

    الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية

    الإرادة الكونية القدرية: أن يوجد في هذا الكون ما أراده الله سبحانه من خير وشر وإيمان، أو طاعة أو معصية، وما أراده الله لا بد أن يكون.

    والإرادة الشرعية: هي التي ينبني عليها ما يحبه الله سبحانه وتعالى، والعباد لا يتجاوزون أبداً ما أراد الله سبحانه من كون وقدر، ولا يقدر أحد أن يتجاوز ذلك، كأن يأمر الله فيقول: كن فيكون، ويحيي إنساناً، يقول: كن حياً، يكون حياً، كن إنساناً يكون إنساناً، كن جماداً يكون جماداً، كن نباتاً يكون نباتاً، مت فيموت الإنسان، امرض فيمرض الإنسان، فهذه إرادة كونية قدرية. أما الإرادة الشرعية كأن يقول: صل، صُم، مر بالمعروف وانهَ عن المنكر، أطع الله، فهذه إرادة شرعية جعل الله العباد ملزمين بها شرعاً، ويحاسبهم على هذه الأفعال، وجعل لهم اختياراً في ذلك، وهو أعلم ما الذي يختارونه، وهو أعلم بخلقه أنهم يستحقون الجنة أو يستحقون النار، وقد خلقهم الله عز وجل لما شاء سبحانه.

    إذاً: الإرادة الكونية القدرية لا يخرج عنها أحد أبداً، أما الإرادة الشرعية فقد يفعل الإنسان ما يريده الله سبحانه وما يحبه وقد لا يفعل ذلك، فإذا فعل ما أحبه الله، أثابه الله، وإذا ترك ذلك عاقبه الله سبحانه تبارك وتعالى، لكن هؤلاء خلطوا بين الاثنين وقالوا: إن الله أراد أن لا يعصى فعصي سبحانه! فنقول: هذه إرادة شرعية وليست إرادة كونية قدرية، فالإرادة الكونية القدرية أنه خلق العباد، وعلم أن منهم كافراً ومنهم مؤمناً، وأراد ذلك سبحانه، أما الإرادة الشرعية: هي ما يحبه الله فأحب من عباده الطاعة وكره منهم المعصية، وترك لهم الاختيار يختارون ولا يخرجون عما شاءه الله سبحانه.

    يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلماً في كتاب الله عز وجل عرفه من عرفه وجهله من جهله ثم قرأ هذه الآيات: (( فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ )) * (( مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ )) * (( إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ )) قال: إلا من كتب الله عز وجل عليه أن يصلى الجحيم أن يدخلها، قال: وفصلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني أن الشياطين لا يصلون إلى أحدٍ من خلق الله سبحانه كتب له أن لا يهتدي، فالشيطان لا يصل إلى إضلال من كتب الله عز وجل له الهدى، ولا يصل أحد إلى هداية إنسان قد قدر الله عز وجل عليه الشقاوة، فلا يتغير ما في علم الله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: (( فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ )) * (( مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ )) والفتنة الإضلال والإخراج عن دين الله سبحانه وعن أمره، أي: ما أنتم عليه بمضلين أحداً إلا من قدر الله عز وجل له ذلك، قال تعالى: (( إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ )) (يصلى) معناها: يقاسي حرها، و(( الْجَحِيمِ )): النار المستعرة.

    فقوله تعالى: (( إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ )) أي: يدخل الجحيم فيعاني من حرها وقسوتها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم)

    قال تعالى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:164] وهذا على لسان ملائكة الله سبحانه تبارك وتعالى يقولون ذلك، والآية بدأها الله عز وجل بذكر الملائكة، قال تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا [الصافات:1] وهنا يتكلم بلسان الملائكة، يقول: كل منهم له مقام معلوم عند الله سبحانه وتعالى، لا يقدر ملك أن يتجاوز هذا المقام المعلوم، قيل: هذه الآية نزلت لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم وعرج به إلى السماء، فوصل إلى سدرة المنتهى فتأخر جبريل ولم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وتركه جبريل فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم! فنزلت هذه الآية بعد ذلك تبين، قال تعالى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ يعني: موضع للعبادة لا يتجاوز هذا المكان إلى أعلى منه، وكل ملك من الملائكة له موضع لا يتجاوزه، فقوله تعالى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ أي: مكان وموضع في عبادة الله سبحانه معلوم.

    وجاء في حديث رواه الترمذي عن أبي ذر -وهو حديث حسن- قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قاعد) وذكر حديث بطوله وفيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط) يئط المبنى أو يئط السقف أو تئط الدابة يعني: يحدث لها صوت من الأثقال التي فوقها، كذلك السماء أثقلها ما فوقها من خلق الله سبحانه، من ملائكته الذين يعبدونه، وقال هنا في حديث أبي ذر : (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله)، فكل مواضع السماء فيها ملائكة خاشعون لله سبحانه ساجدون له، قال: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)، ويقسم النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله لو تعلمون ما أعلم) يعني: مما سيكون من حساب وعقاب وموقف بين يدي الله سبحانه يوم القيامة، (ولخرجتم إلى الصعدات) الصعدات: الأفنية والطرقات لخرجتم إليها تجأرون، أي: تضجون إلى الله بالدعاء والبكاء، قال أبو ذر لما روى هذا الحديث: لوددت أني كنت شجرة تعضد، يعني: يا ليتني كنت نباتاً يأكلني من شاء الله من خلقه، ولا أكون من الخلق فأبعث يوم القيامة وأقف بين يدي الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنا لنحن الصافون)

    ذكر الله عن الملائكة قولهم: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ [الصافات:165] الصافون صفاً أي: الواقفون صفاً، فكأن الملائكة يذكرون أنهم يصفون بين يدي الله عز وجل في العبادة قائمين مصلين مسبحين له سبحانه وتعالى في صفوف، ولذلك أمرنا أن نقف في صفوفنا في الصلاة كما تقف الملائكة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول ويتراصون في الصف)، فالملائكة إذا وقفوا بين يدي الله سبحانه يتمون الصفوف، وهذا شيء ننبه إليه كثيراً، فمن المصلين من يملئون نصف المسجد ويتركون أطراف المسجد وهذا خطأ! وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أولى، فالأولى أن تتشبه بملائكة الله سبحانه وتعالى في إكمال الصف الأول ثم البدء بالصف الثاني حتى يكتمل، ويبدأ بالصف الثالث حتى لا يكون هناك فراغات في الصفوف، فقد قال الله تعالى عن الملائكة: وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ هذا معنى، ومن معاني (الصافون): أي: تصف أجنحتها تأدباً وخشوعاً بين يدي الله عز وجل وانتظاراً لأمر الله ولتنفيذه يعني: على رغبة واستعداد، فالله يأمرهم وهم يصفون أجنحتهم قائمين بين يدي الله عز وجل ينتظرون متى يأتي أمر الله فينفذون أمره سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنا لنحن المسبحون)

    قال الله تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [الصافات:166] هذا رد على الكفار الذين عبدوا الملائكة من دون الله سبحانه، الملائكة تقول: نحن عباد الله سبحانه، ولسنا نستحق أن نعبد، بل نحن عبيد لله سبحانه نسبحه ونصطف صفوفاً بين يديه خاشعين عابدين له سبحانه وتعالى.

    فقوله تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ بمعنى: المصلون، وبمعنى أيضاً: المنزهون لله سبحانه وتعالى أي: نحن المصلون ونحن المنزهون لله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن كانوا ليقولون...)

    قال الله تعالى: وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ [الصافات:167] أي: وإن كان الكفار ليقولون: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ [الصافات:168] هذا قبل بعثة النبي صلوات الله وسلامه عليه، إذ كان الكفار صرعى في جهلهم وجهالاتهم، فكان أهل الكتاب يقولون لهم: أنتم مشركون تعبدون الأصنام، وهذا من كفركم، وجهلكم، فكانوا إذا قيل لهم ذلك يردون على هؤلاء بقولهم: لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:168-169] أي: لو أن الله نزل علينا كتاباً لكنا سبقنا غيرنا في عبادة الله، وكنا نحن العباد المخلصين الذين اجتباهم الله سبحانه وتعالى.

    وهذه فيها قراءتان: قراءة نافع وأبي جعفر وقراءة الكوفيين (المخلِصين) بمعنى: المجتبين اجتبانا الله واختارنا، والقراءة الأخرى: (المخِلصين) قراءة باقي القراء بمعنى: لأخلصنا العبادة وما أشركنا بالله سبحانه.

    قال سبحانه: فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الصافات:170] أي: كفروا بالقرآن وكفروا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فيهددهم الله سبحانه، فسوف يعلمون نتيجة تكذيب هؤلاء لربهم سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ...)

    قال سبحانه: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ [الصافات:171] أي: سبق من الله عز وجل الوعد لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، قال: إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ هذا وعد من الله أنه ينصر رسله سبحانه وتعال.

    وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فمن كان من جند الله سبحانه، فله وعد من الله بأن ينصره، وأن يجعله الغالب وليس المغلوب، وهذا الوعد من الله لابد أن يكون وإن تأخر، ولا يشترط أن يكون في أول الأمر.

    وهذه الآيات نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، في الوقت الذي كان يؤذى فيه هو والمؤمنون، فيطمئنهم الله بأنكم منصورون وغالبون، وتمر السنون فيهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم يجاهد في سبيل الله ويأتي نصر الله وتفتح مكة بعد ذلك، وصدق الله العظيم: إِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ فأخبر عن عباده المرسلين أنه ينصرهم، وأنهم يغلِبون، فكان ما أخبر الله عز وجل به.

    نسأل الله عز وجل أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.