إسلام ويب

تفسير سورة الصافات [123 - 132]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد توالى إرسال الرسل إلى بني إسرائيل، فكلما مات رسول بعث الله غيره، ولقد قص الله عز وجل علينا في كتابه أخبار بعض هؤلاء الرسل، وبعضهم لم يقص الله علينا قصصهم، ومن الرسل من ذكر الله عز وجل قصصهم في القرآن كثيراً كموسى عليه السلام، ومنهم من لم يذكر قصته إلا مرة واحدة كإلياس عليه السلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وإن إلياس لمن المرسلين ... إنه من عبادنا المؤمنين )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الصافات: وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات:123-132].

    أشار الله سبحانه تبارك وتعالى في سورة الصافات إلى بعض أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام إشارات، بين فيها كيف أنه سبحانه أرسلهم بالتوحيد إلى قومهم، ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكذبهم القوم؛ فجاءت عقوبة الله سبحانه تبارك وتعالى على هؤلاء.

    فالغرض من ذكر هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام توطين النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيته ومن معه من المؤمنين على ما هم عليه من ابتلاء من الله سبحانه تبارك وتعالى، فقد أعطاهم سبحانه هذا الدين العظيم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو قومه، وكان يثبته الله عز وجل بما يذكر له من قصص المرسلين السابقين عليهم الصلاة والسلام، وكيف ابتلاهم الله ونصرهم وجازاهم خير الجزاء، وعقب وراء ذكر كل قصة بقوله: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، فالمقصد بيان نصر الله عز وجل للمرسلين وللمؤمنين، وكيف نصرهم حتى يطمئن المؤمنون أنه مهما طال بهم العذاب وطال عليهم الأذى فإن نصر الله آت، كما قال تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات:171-173]، فعباد الله المرسلون ينصرهم الله، ويجعلهم الله عز وجل هم الغالبين، وهذه الآيات تدل على ما ذكر الله سبحانه.

    قال تعالى: وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . هذه الآية فيها قراءتان؛ بهمزة القطع وبهمزة الوصل، فقرأ بهمزة الوصل ابن عامر بخلف هشام وقرأ باقي القراء بهمزة القطع وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ أي: إنه كان نبياً من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام مرسلاً إلى بني إسرائيل، لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات:123] أي: ممن أرسلناهم وجعلناهم أنبياء لبني إسرائيل، وقد كان بعد موسى بزمن ليس بالطويل، فقد كان جده الرابع هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام فهو (إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران

    عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإلياس من ذرية هارون، وقد أرسل إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى الله سبحانه تبارك وتعالى.

    حال بني إسرائيل قبل إلياس عليه السلام

    كان إلياس بعد زمن سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقد وحد الله عز وجل بني إسرائيل في عهد سليمان، فلما مات سليمان عليه الصلاة والسلام تفرقوا وتقسمت ممالك بني إسرائيل، وأصبحوا في كل ما هم فيه من باطل ومن تفرق فرحون، فإذا بهم يعبدون غير الله، وكان ملوكهم يعبدون غير الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وقد كان أحد الذين أرسل إليهم إلياس ليدعوهم إلى الله سبحانه قد اتخذ صنماً يعبده من دون الله، وقد ذكر المفسرون: أن امرأته كانت من عباد الأصنام، وصنعت صنماً اسمه (بعل) وعبدته من دون الله، فتركها على ذلك حتى فتنت الناس بذلك، وجعلت لهذا الصنم سدنة يخدمونه، ودخل الناس في عبادة هذا الصنم من دون الله، وكانت في بلدة من بلدان لبنان في الشام، وسميت هذه البلدة باسم هذا الصنم بعلبك، فعبد من دون الله، وقد كان هذا الملك الذي صنع ذلك من بني إسرائيل، وكان المفترض فيه أن يكون على التوحيد، فأرسل الله عز وجل إليه إلياس يدعوه إلى الله سبحانه، وينكر عليه ما هو فيه من عبادة غير الله سبحانه.

    بيان دعوة إلياس لقومه

    قال الله عز وجل: وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ [الصافات:123-124] (ألا تتقون) أي: ألا تخافون الله سبحانه تبارك وتعالى فتجعلون وقاية بينكم وبين عذاب الله بتوحيدكم الله سبحانه وبعملكم الصالح، وتعتصمون من عذاب الله بتقواه وبالعمل له.

    أَتَدْعُونَ بَعْلًا [الصافات:125] أي: أتعبدون هذا الصنم من دون الله سبحانه؟ والبعل يأتي بمعنى: الرب. فكأنه يقول: أجعلتم هذا الصنم رباً من دون الله سبحانه تبارك وتعالى تدعونه وتلجئون إليه من دون الله؟

    وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ [الصافات:125] سبحانه تبارك وتعالى أي: أفتتركون الرب العظيم الذي هو خالق كل شيء وهو أحسن الخالقين سبحانه ولا خالق سواه سبحانه.

    وقال هنا: أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ [الصافات:125] وكأنه في المعنى: أن هناك خالقاً آخر مع الله سبحانه تبارك وتعالى، لكن الخلق يأتي بمعنى: التقدير، وبمعنى: الإنشاء من العدم، ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه تبارك وتعالى. والإنسان قد يقدر فيسمى خالقاً من هذا المعنى، فإن الله عز وجل هو الخالق الباري المصور، فالخالق هو الذي يقدر الشيء أن يكون كذا وكذا، والباري الذي ينفذ ويوجد هذا الشيء الذي قدره سبحانه تبارك وتعالى، وهو المصور الذي يعطي لهذا الشيء الذي أوجده الصورة التي يتميز بها عن غيره.

    إذاً: فمن معاني الخلق: التقدير للشيء، وقد يكون الإنسان مقدراً، مثل الإنسان الذي يبني عمارة فيقدر أن القواعد ستكون كذا، والأساس كذا، والأعمدة كذا. وأما التنفيذ فإنها مرحلة أخرى بعد ذلك. فعندما قال: اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14] أي: أحسن المقدرين سبحانه تبارك وتعالى، فلا يقدر شيئاً ولا يدبر أمراً إلا ويكون على ما قاله الله سبحانه، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي: على ما أراده الله سبحانه، ومستحيل أن يتخلف عما قدره الله عز وجل عليه. إذاً فقوله تعالى: اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون:14] ليس معناها: أنه يوجد غير الله يوجد الشيء من العدم إلى الوجود، كلا، وإنما جاءت على أحد معاني الخلق وهو التقدير، فجعل الله عز وجل في خلقه من يفكرون في إنشاء أشياء، ويقدرون هذه الأشياء في تفكيرهم، فإذا قدروا ذلك فقد تأتي على ما قدروه وقد لا تأتي على ما قدروه. والله عز وجل إذا قدر شيئاً لابد أن يكون على ما قدره سبحانه، تبارك الله أحسن الخالقين.

    قال هنا: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ [الصافات:125] فكلمة الخالق فيها معنى: التقدير، وفيها معنى: الإحياء، وفيها معنى: الإيجاد. فإذا أتت وحدها فإن كل هذه المعاني تدخل تحتها، فإن الله هو الخالق الذي أوجد كل شيء سبحانه وقدره وأخرجه من العدم وجاء به إلى الوجود سبحانه تبارك وتعالى. وإذا أتت هذه الكلمة مع غيرها من أسمائه الحسنى سبحانه، فإن كل اسم يأخذ معنى واحداً من المعاني. فعندما يقول: الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر:24]، فيكون الخلق بمعنى: التقدير. والباري بمعنى: أنه أوجد هؤلاء إلى البر، أي: أوجد من عدم. والمصور بمعنى: أنه أعطاهم الصورة التي يتميزون بها عن غيرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أتدعون بعلاً ... آبائكم الأولين)

    قال إلياس لقومه: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الصافات:125-126] أي: أتذرون أحسن الخالقين الذي هو الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وهذه فيها قراءتان في لفظ الجلالة (الله) فقرئ بالنصب وهذه قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب ، وباقي القراء يقرءونها بالرفع على الابتداء، فعلى قراءة النصب كأنه تذرون أحسن الخالقين الله بدل مما قبلها، فكأنه قال: تذرون الله سبحانه تبارك وتعالى. ومعنى قراءة الرفع اللهُ الذي هو ربكم ورب آبائكم الأولين. والله هو الرب سبحانه تبارك وتعالى، ولكن الفرق بين الكلمتين في المعنى: أن الله يدل على ألوهية الله سبحانه، والرب يدل على ربوبية لله سبحانه، ومقتضى الألوهية أن يُعبد الله سبحانه تبارك وتعالى، فالله هو المعبود، يعني: أن الخلق يتوجهون إليه بالعبادة، فهو المألوه وحده، وهو المستحق وحده أن يعبد لا شريك له. ويأتي الرب بمعنى الخالق، وبمعنى: المربي، وبمعنى: الواجد، وبمعنى: المعطي سبحانه تبارك وتعالى. فالله المعبود هو الرب الخالق سبحانه تبارك وتعالى. وقد كان الكفار لا يختلفون في ربوبية الله سبحانه تبارك وتعالى، وأنه رب؛ لذلك كانوا إذا سئلوا: من خلقكم؟ يقولون: الله. وإذا سئلوا: من الذي يعطيكم الرزق، ومن الذي يطعمكم ويسقيكم؟ قالوا: الرب سبحانه تبارك وتعالى. فهو لكونه رباً فهو يقدر على ذلك سبحانه. فإذا سئلوا: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد أصناماً وأوثاناً من دون الله سبحانه، فيشركون في ألوهيته، قال الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]. وقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9]، فهم لا يختلفون في أن الذي يخلق هو الله سبحانه، فمن ادعى أن غير الله يخلق، وأن هذا الوصف لغير الله كان كاذباً، وهو أول من يكذب نفسه. ولذلك لم يدع ذلك سوى اثنين النمرود الذي كان في عهد إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وفرعون الذي كان في عهد موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فأما النمرود فقال: أنا أحيي وأميت، فأخزاه الله حالاً بمناظرة إبراهيم له، قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258] فأبهته الله سبحانه وأخزاه عندما قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة:258] أي: إن كنت تقدر على ذلك، وتقول: إنك رب فهات الشمس من المغرب، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258]. فأخزاه الله سبحانه تبارك وتعالى حالاً. وأما فرعون الذي كان في عهد موسى: فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] وهم يعلمون أنه لا يصلح لذلك، ولا يقدر على ذلك، وهو كذاب، وهو يعلم أنه كذاب، ولذلك أخزاه الله سبحانه، فإنه لما غرق في اليم قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] فإذا به يكذب نفسه، فأهلكه الله عز وجل بعد ما صرخ بهذه الكمة وبين أنه كذاب فيما يقول. فدعوى الربوبية لم يكن أحد يدعيها، وإنما كانوا يدعون الألوهية، فيطلبون من غيرهم أن يعبدوهم من دون الله، ويفعلون ما لا يجوز إلا لله سبحانه تبارك وتعالى، فهذا إشراكهم بالله سبحانه، أنهم كانوا يعبدون معه غيره.

    إذاً: الذي جمع بين الربوبية والألوهية هو الله الرب سبحانه وحده لا شريك له، وهو الذي يستحق العبادة، فهو الذي يقدر على أن يخلق، وعلى أن يرزق، وعلى أن يحيي، وعلى أن يميت، وعلى أن يعطي، وعلى أن يمنع، وعلى أن يعز، وعلى أن يذل، فهو واحد لا شريك له، وهو الذي يستحق أن يعبد.

    قال تعالى: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الصافات:126] يعني: الذي خلقكم ورزقكم، وقبل ذلك خلق آبائكم الأولين.

    تكذيب قوم إلياس لإلياس عليه السلام

    قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات:127] يعني: أنه ناقشهم وخاطب عقولهم وقال لهم: هذا البعل أنتم صنعتموه، فمن كان قبل بعل هذا الذي تعبدونه من دون الله؟ الله هو الذي خلق آبائكم وخلق أجدادكم، وهو الحي الذي لا يموت، وأما هذا فإنه صنم صنعتموه بأيديكم، فاعبدوا اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ [الصافات:126-127]، أي: أعرضوا عن هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وقد كان هذا الملك الذي عبد هذا الصنم من دون الله عز وجل يسمع لـ إلياس ويستجيب له قبل ذلك، ولكن فتنته الدنيا، وفتنته امرأته، فعبد البعل الذي صنعته من دون الله سبحانه تبارك وتعالى، وفتن في ذلك.

    قال الله عز وجل: فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات:127] أي: محضرون لعذاب الله سبحانه، فذكروا أن الله سبحانه تبارك وتعالى لما بعث إليه إلياس عليه الصلاة والسلام ودعاهم إلى الله كذبوه وأعرضوا عنه، فدعا على قومه فابتلاهم الله سبحانه، وخرج وترك هؤلاء القوم، فلم يذكر الله عز وجل لنا ما حدث بعد ذلك، إلا أنهم محضرون إلى عذاب الله يوم القيامة. قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات:127]، أما في الدنيا فابتلاهم الله عز وجل بأن ضيق عليهم أرزاقهم، وسلط بعضهم على بعض، وأما في الآخرة فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات:127]، أي: إلى عذاب الله، وكلمة: (محضر) غالباً لا تأتي إلا في الشر، فمحضرون يعني: يساقون ويدعَّوْن إلى نار جهنم دعاً.

    فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ أي: إلى عذاب الله سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا عباد الله المخلصين)

    قال الله تعالى: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:128] فاستثنى الله سبحانه ممن يحضرون إلى عذابه المخلصين، فهؤلاء يأتون يوم القيامة ويدخلهم ربنا جنته، وهم المخلصون. والمخلصون فيها قراءتان في كل المصحف، فتقرأ: المخلَصين والمخِلصين، وهذه الآية التي هنا يقرؤها نافع وأبو جعفر ، وعاصم وحمزة والكسائي وخلف . (المخلَصين) ويقرؤها باقي القراء (المخلِصِين)، وعندما تأتي في الكلمة قراءتان فكأنهما حكمان في هذه الكلمة. فالقراءة الأولى: المخلَص. الذي اصطفاه الله سبحانه. أي: أن هذه هبة من الله عز وجل لهذا الإنسان، ومنحة من الله لهذا الإنسان، أن الله اصطفاه واستخلصه وهداه سبحانه تبارك وتعالى، والقراءة الثانية: المخلِص أي أخلص العبد بتوفيق الله سبحانه، فهو قد أخلص قلبه لله سبحانه، وأخلص في العبادة ولم يشرك بالله، فهذا المخلِص فعل منه، والمخلَص اصطفاء من الله عز وجل له. فهؤلاء مُخْلِصُون وكذلك مُخْلَصُون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتركنا عليه في الآخرين ... سلام على إل ياسين)

    قال تعالى: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ [الصافات:129] أي: تركنا على إلياس في الآخرين.

    سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ [الصافات:130] أي: تركنا عليه في الأمم التي تأتي من بعده أن يدعون له ويسلمون عليه، ويذكرونه بالثناء الحسن، ويقولون: سلام عليه وعلى آله، وإل ياسين فيها قراءتان: قراءة الجمهور: سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ [الصافات:130]، وقراءة نافع وابن عامر ويعقوب (سلام على آل ياسين)، كأنه هو وأبوه (آل ياسين)، فأهله آل ياسين، فعلى القراءة الأولى السلام عليه، وعلى القراءة الأخرى السلام عليه وعلى آله، وكأن آل ياسين أهله، وأهل كل نبي أتباعه من المؤمنين، فيكون المعنى: سلام عليه وعلى من اتبعه من المؤمنين، فدخل فيها هو ومن معه على هذه القراءة الثانية.

    إِنَّا كَذَلِكَ [الصافات:131] أي: كهذا الجزاء الجميل وكهذا الثناء الحسن وكهذا النصر الذي نصرناه كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:131]، أي: بمثل ذلك.

    إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات:132] أي: نصرناه ونجيناه من قومه وتركنا عليه الثناء الحسن لأنه من عبادنا المؤمنين، وكذلك كل إنسان محسن ومؤمن نترك له الذكر الجميل والثناء الحسن.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده المخلِصين المخلَصين المحسنين المؤمنين.

    أقول قولي هذا، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.