إسلام ويب

تفسير سورة الصافات [69 - 80]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله سبحانه وتعالى أن ضلال هؤلاء الكفار كضلال آبائهم من قبل، فقد أرسل الله إليهم رسلاً فكانت عاقبتهم وخيمة، كعاقبة قوم نوح ولوط وغيرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الصافات: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ [الصافات:71-83].

    لما ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى حال أهل الجنة وما متعهم الله عز وجل به في جنات النعيم، وذكر أهل النار وما حدث لهم في جهنم والعياذ بالله، وكيف أنهم تسببوا في ذلك بكفرهم بالله سبحانه، واستكبارهم عن عبادة ربهم سبحانه وتعالى؛ ختم ذلك بقوله: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات:69-70].

    هذا هو التقليد الذي قلد هؤلاء الجاهليون من سبقهم في كفرهم وفي شركهم بالله سبحانه، واتخاذهم من دون الله أولياء يوالون عليهم، ويعادون في محبتهم، هؤلاء ألفوا آباءهم ضالين، ولم يعملوا عقولهم، ولم يتفكروا فيما جاءت به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام، فهم على آثار آبائهم يهرعون، فهم وجدوا آباءهم ضالين بعيدين عن الحق تائهين متحيرين متشككين يشركون بالله ويعبدون غيره سبحانه وتعالى واتبعوا الأهواء، واتخذوا الأنداد من دون الله، قال تعالى: فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات:70] والإهراع بمعنى: الاندفاع، فهم مسرعون على آثار الآباء من غير تفكير، يقال: أهرع الرجل وهرع أيضاً الرجل بمعنى: اندفع أو قيد إلى شيء وتلفه إلى هذا الشيء الذي يندفع إليه، فأهرع الرجل بمعنى: خف وجرى، وأسرع وتغير على هيئة فيها رعب، فهو قد هرع إلى ذلك الذي ساقه إلى ذلك الهوى والضلال والشيطان، وهم يهرعون ويستحثون على اتباع الآباء فيما هم فيه من ضلالات، وزين لهم الشيطان أن آباءهم أصحاب عصمة، وأن آباءهم يعرفون كل شيء، وأنهم لا يفهمون إلا ما فهمه الآباء، ولذلك كبر عليهم أن يأتيهم رسول من عند الله عليه الصلاة والسلام، يدعوهم إلى مخالفة ما كان عليه الآباء، فيتعجبون: هل أنت خير أم أبوك؟ يقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت العادة عندهم أن يسأل كل واحد منهم الآخر عن ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول هذا الكلام الباطل الذي يريدونه، فكان ينصرف عما يريدون من هذا القول الذي لا معنى له، ويدعوهم إلى الله وإلى كتاب الله، ويحاجهم بالحجة السليمة، والآراء المستقيمة فلا يفهمون، ولا يزالون يتعجبون مما يقول ويقولون: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5].

    قال الله عز وجل: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ [الصافات:71] ليس هم الذين ضلوا فقط، ولكن ضل قبلهم أقوام وصدوا عن الهدى، وابتعدوا عن دين الله سبحانه وتعالى، واتخذوا آلهة من دون الله فضلوا وأضلوا غيرهم بأن دعوهم إلى غير الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا فيهم منذرين)

    قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ [الصافات:72] وهذه عادة الله وسنته سبحانه وتعالى في خلقه أنه يقيم على عباده الحجة بما أرسل فيهم من أنبياء ورسل عليهم الصلاة والسلام، وبما أنزل عليهم من كتب من عنده سبحانه.

    فقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ [الصافات:72] يعني: في السابقين، أرسلنا إليهم الرسل لينذروهم ويخوفوهم من يوم القيامة ومن حساب رب العالمين، ومن عذابه ومن عاقبة أعمالهم السيئة، ومن عقوبة الله عز وجل لهم على ذلك، وقراءة الجمهور: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ [الصافات:72] وقراءة يعقوب : (فيهُمْ) وهم الرسل ينذرون القوم من شركهم، ويخوفونهم من عبادتهم لغير الله، ويخوفونهم بعذاب الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين)

    قال الله تعالى: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ [الصافات:73] أي: تعجب لأمر هؤلاء، فالمنذر الرسول ينذر قومه عليه الصلاة والسلام، والمنذر: الواحد من القوم، والعاقبة: النهاية وآخر الأمر، ومنه عقب الإنسان: ما يكون خلفه أو تحته، فانظر إلى نهاية هؤلاء كيف استحقوا عقوبة رب العالمين بالإهلاك في الدنيا والإغراق، ثم بالإحراق في النار يوم القيامة.

    قوله تعالى: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ [الصافات:73]، وإذا وقف على هذه الكلمة وغيرها من الكلمات التي هي على جمع المذكر السالم وما ألحق به يقف عليها يعقوب بخلفه بهاء السكت فيقول: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَه * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينه [الصافات:39-40].

    وهنا استثناء يستثني الله عز وجل عباده المخلصين، وهؤلاء ليس عاقبتهم عاقبة سيئة، وهذه الكلمة فيها قراءتان في القرآن كله الْمُخْلَصِين [الصافات:40] و(الْمُخْلِصِين)، يقرؤها على اسم المفعول المدنيان نافع وأبو جعفر ، والكوفيون: عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف ، وباقي القراء يقرءونها على اسم الفاعل: الْمُخْلِصِين [الصافات:40] والمعنى قريب، مخلصين: اجتباهم الله واختارهم، واصطفاهم هؤلاء المخلَصون، واختارهم الله عز وجل لكونهم في قلوبهم الإخلاص فهم المخلِصُون: أخلصوا العبادة لله ووحده سبحانه وتعالى ولم يشركوا به شيئاً، ولم يوجهوا العبادة والطاعة لغيره سبحانه فهم مخلِصون لله فاستخلصهم الله وانتقاهم من الخلق وجعلهم أحباءه وأهل جنته سبحانه وتعالى.

    وهذه السورة كما ذكرنا من السور المكية التي تؤكد معاني التوحيد، وفيها تفصيل قواعد العقيدة في قلب الإنسان، وذكر الله سبحانه وتعالى هنا توحيده والأمر به، وحذر من شرك المشركين وكيف أنهم ضلوا وأضلوا واستحقوا العقوبة والنار، ثم ذكر رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأن دعوتهم هي دعوة التوحيد يدعون إلى عبادة الله سبحانه، فالنبي صلى الله عليه وسلم ليس بدعاً من الرسل، وليس شيئاً جديداً حادثاً، ولكن كل الرسل قبله عليه الصلاة والسلام دعوا أقوامهم إلى توحيد ربهم سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون)

    قال الله تعالى: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ [الصافات:75] فالله سبحانه وتعالى نعم المجيب ناداه لوط، وناداه نوح، وناداه غيره فنعم المجيب، ومن يجيب إن لم يجب الله سبحانه وتعالى؟ والنداء هنا يتضمن معنى الاستغاثة والدعاء، ومعنى نادانا: استجار بنا واعتصم بنا، فاستغاث نوح بربه سبحانه، ودعا قومه إلى عبادة الله فترة طويلة جداً لم يدع مثلها إلى الله عز وجل نبي من الأنبياء، ولا رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً حتى مل منهم وظن أنه لن يؤمن من قومه أحد، فأخبره الله أن هذا ظن حقيقي ولن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، وما آمن معه إلا قليل، وذكروا أن عدد هؤلاء الذين آمنوا مع نوح عليه الصلاة والسلام وركبوا معه السفينة ثمانون مؤمناً بعد دعوة إلى الله سبحانه وتعالى ليل نهار، قال تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح:5-9] كل هذا وهو يدعو إلى ربه سبحانه وتعالى ليل نهار في زمن طويل بلغ تسعمائة وخمسين عاماً، فلم يستجب له وما آمن معه إلا قليل، فكان عدد من ركب معه هذه السفينة هم من أهله وكان منهم هذه الذرية العظيمة من خلق الله سبحانه من بعد نوح، فكان من شيعته إبراهيم وكل الأنبياء والرسل من بعده عليهم الصلاة والسلام.

    قوله تعالى: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ [الصافات:75] أي: استغاث بنا، وجأر إلينا وطلب نصرنا، قال تعالى: فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ [الصافات:75] سبحان الله وتعالى، فيبين لنبيه صلى الله عليه وسلم أننا لم نعجل بعقوبة هؤلاء الأقوام ليس لكوننا لا نستجيب لك، ولا لغيرك من المؤمنين، ولكن لحكمة من الله، فنحن نعم المجيبون، ونعم المجيب الله سبحانه، فهو يستحيي إذا رفع العبد يديه إليه أن يردهما صفراً، ولكن الإجابة من الله بحكمة، ولها وقت فالله عليم حكيم، وهو أعلم بما يستحق العباد، ولعلك تدعو على إنسان والله يعلم أنه سيهتدي بعد ذلك، فلا يستجيب لك في ذلك، ولعلك تدعو لإنسان بالهداية، والله يعلم أنه سيموت ضالاً كافراً، فالله أعلم بخلقه، قال تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونجيناه وأهله من الكرب العظيم)

    قال الله تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الصافات:76] دعا نوح ربه بعدما طال دعاؤه لقومه فترة طويلة حتى أعلمه الله سبحانه بقوله: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود:36] وانتهى الأمر، ليس هناك أحد سيدخل في دينك إلا هؤلاء القلة فقط، فلما وجد نوح أنه لن يدخل في الدين إلا من قد آمن دعا على قومه وقال: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:26-27] فقد عهد نوح من هؤلاء القوم ما كانوا يصنعونه من كفر وتكذيب هم وآباؤهم وأجدادهم طوال عمره، فقد مات الأجداد وجاء الأبناء وجاء الأحفاد بعد ذلك، والكل على الكفر والتكذيب، فنوح لا يرى إلا إنساناً يموت كافراً ويولد غيره كافراً ويموت كافراً وهكذا، فقال: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:27] فدعا ربه سبحانه، فاستجاب الله عز وجل دعاءه، قال تعالى: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:11-14] هذا الذي فعلناه جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ [القمر:14] قد كفروا بالله سبحانه، وكفروا دعوة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فاستجبنا لنوح بتكذيب هؤلاء له، وباستغاثته بنا.

    قال سبحانه: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الصافات:76] مع أن من أهل نوح ابنه وقد أغرقه الله سبحانه وتعالى، ولما سأل نوح ربه سبحانه: فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود:45] أي: لقد وعدتني أن تنجيني أنا وأهلي، فوعدك الحق وهذا ابني من أهلي، فقال تعالى: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] أي: هذا لا ينتمي إليك، أهلك المؤمنون، وأولياؤك الصالحون، هذا كافر بالله سبحانه فلا يستحق أن يكون من أهلك، قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] إذاً: قوله سبحانه: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ [الصافات:76] أي: أهل دينه من المؤمنين الذين آمنوا معه، وكان عددهم ثمانين رجلاً وامرأة، أسلموا وعاشوا مع نوح ثم بعد ذلك ركبوا معه السفينة، وأنجى الله عز وجل من فيها، وجعل من ذرية نوح الخلق كلهم بعده عليه الصلاة والسلام.

    إذاً: فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الأنبياء:76] الكرب العظيم هو: ما حدث، وأي كرب أفضع وأعظم من ذلك أن يجد السماء تنفتح بسيول تنزل على الأرض، والأرض تنفجر بعيون تطفو على الأرض، وهو في السفينة ومعه هذا العدد القليل من خلق الله سبحانه، وحمل فيها من كل زوجين اثنين بأمر الله سبحانه وتعالى من المخلوقات التي تستحق أن تحيا، وتستحق أن تكون معه دون البشر الذين كفروا بالله وكذبوا بالله سبحانه وتعالى، فقد ركبوا سفينة صنعها نوح بأمر الله سبحانه، واتسعت لهذا العدد العظيم من خلق الله، قال تعالى: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود:40] إذاً: عدد من فيها من خلق الله من غير البشر أكثر بكثير من هؤلاء البشر، فما آمن معه من البشر إلا قليل، لكن الأكثرية من غيرهم، قال تعالى: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [هود:40] وما آمن مع نوح إلا العدد القليل كما ذكر.

    قوله تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الصافات:76] أي: من الغرق ومن هذا الجو البشع ومن هذه العقوبة الصعبة الأليمة التي نزلت وأخذت هؤلاء الكفار، ونجينا نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأهله من الكرب العظيم، والكرب: الشيء الذي يغم الإنسان ويحزنه ويجعل الإنسان في ضيق شديد، فقد نجى الله عز وجل نوحاً ومن منعه من الكرب العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلنا ذريته هم الباقين)

    قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات:77] أي: أبقينا ذرية نوح، فكل الذريات الذين كانوا من قبله أهلكوا، ولم تبق إلا ذرية نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجاء منها كل الخلق من بعده، فهو الأب الثاني بعد آدم عليهما السلام، فكل البشر من ذرية آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام من ذرية نوح من بعده، إذ لم يعش من ذرية آدم إلا ذرية نوح فقط، وكان منهم الخلق، وجاء في الآثار أن نوحاً عليه الصلاة والسلام كان له أولاد وهم: سام ، وحام ، ويافث، فـسام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث أبو الصقايلة والترك وغيرهم، فهؤلاء الثلاثة من ذرية نوح الذي كان منهم الخلق بعد ذلك، قال سبحانه: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ [الصافات:77] أي: ذرية نوح: هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات:77].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتركنا عليه في الآخرين...)

    قال تعالى: وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ [الصافات:78-79] أي: تركنا الثناء الحسن والذكر الجميل، وأن يسلم عليه من سمع به ومن علم عنه شيئاً، نقول: نوح عليه السلام، فيذكر في أهل الملة جميعها، فيدعون له، ويسلمون عليه، ويقولون: عليه السلام، والآخرون: من يأتون من بعدهم من كل الأمم، تركنا عليه في هؤلاء الآخرين هذا القول، فقوله تعالى: سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ[الصافات:79] أي: كل من يذكره يسلم عليه ويقول: سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ.

    كذلك من معانيها: تركنا عليه الذكر الحسن والتسليم معه، إذاً: من يذكره يذكره بأحسن ذكر على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كذلك إبراهيم كما سيأتي بعد ذلك، وقوله تعالى: سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ[الصافات:79] قد يكون معناها: سلامة له من أن يذكر بسوء، يعني: سلمنا ذكره من السوء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا كذلك نجزي المحسنين)

    قال سبحانه: إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:80] كهذا الجزاء العظيم الذي جازيناه نوحاً فنجيناه من الكرب العظيم، كذلك ننجي كل محسن من الكرب العظيم، وكذلك كهذا الذكر الحسن الذي تركناه لنوح نترك ذكراً حسناً لكل من آمن بالله واتبع المرسلين، ونترك له ذكراً حسناً فيمن يليه فيدعون له بخير ويذكرونه بثناء حسن جميل.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.