إسلام ويب

تفسير سورة الصافات [50 - 73]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله سبحانه الموقف العظيم بين يديه سبحانه، وما أعد للمؤمنين من نعيم في الآخرة، وما أعد للكافرين من جحيم وحميم، وذكر أنه يحصل التساؤل والتحدث بين أهل الجنة وأنهم يتذكرون من كانوا يضلونهم من القرناء، ففازوا بالجنة لمخالفتهم هؤلاء القرناء بفضله سبحانه وكرمه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الصافات: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:50-61].

    ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما قبلها حال الموقف العظيم بين يديه سبحانه وتعالى يوم القيامة، وذكر لنا كيف أنه فعل بالمجرمين ما يستحقونه من عقوبة ومن عذاب جزاء تكذيبهم وإنكارهم توحيد الله سبحانه وتعالى واستكبارهم، قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات:35-37].

    فهؤلاء يذوقون العذاب الأليم ولا يجزون إلا ما كانوا يعملون، لكن عباد الله المخلصين الذين اصطفاهم الله، واجتباهم واختارهم، وهداهم إلى دينه سبحانه، ووفقهم للعمل الصالح، هؤلاء لهم رزق معلوم.

    ولهم الفواكه عند رب العالمين، وهم مكرمون في جنات النعيم، ينعمون فيها فهم في عيشة هنيئة، قال تعالى: عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الصافات:44-45] أي: بكأس من خمر من عين جارية تجري في أرض الجنة لا تكدر، ولا يتغير لونها، بكأس بيضاء لذة للشاربين، لا فيها غول، ولا فيها أوجاع، ولا هم عنها ينزفون، ولا تذهب عقولهم، ولا تنفد خمرهم، ولا ينفد نعيمهم.

    وقال تعالى: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ [الصافات:48] أي: الحور العين في جنات الخلود، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:49]، جعلهن الله عز وجل لأهل الجنة، وجعلهن مما تسر به أعين أهل الجنة وينعمون، ولهم فيها ما يشتهون، فهم في جنات الخلود على هذا الذي ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وََأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الطور:25]، وهم في الجنة يتسامرون، ويتذكرون أحوال أهل الدنيا في شرابهم ويكلم بعضهم بعضاً، كذلك أهل الجنة في نعيمهم، وفي شرابهم يكلم بعضهم بعضاً، ويتساءلون بعضهم مع بعض، قال هؤلاء بعضهم لبعض: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26]، وكنا نخاف من عذاب رب العالمين، وكنا مشفقين من يوم القيامة، فربنا من علينا ووقانا عذاب الجحيم، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:28]، ويكلم بعضهم بعضاً بما كانوا يصنعون في الدنيا، قال تعالى: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:50]، فقال قائل من هؤلاء يحكي قصته مع صاحبه الذي كان في الدنيا: إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات:51] أي: كان لي صاحب مقارن لي، يذهب ويأتي معي هذا القرين، يكذبني في تصديقي بالله سبحانه، ولرسل الله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ [الصافات:52]، يتعجب لأمره ويقول: هل تصدق؟! وصل بك الأمر إلى أن تصدق أن هناك بعثاً وحساباً، وأن هناك يوم قيامة؟ أين ذهب عقلك؟! أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:52-53]، فيتعجب هذا القرين من صاحبه، ويقول: إذا متنا وصرنا تراباً، وصرنا جثثاً، وصرنا عظاماً هل نبعث مرة أخرى بعد ذلك؟ هذا شيء بعيد!

    وقوله تعالى: أَئِنَّكَ ، يقرؤها قالون، وأبو جعفر ، وأبو عمرو بالتسهيل مع المد فيقول: آئنك لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، ويقرؤها ورش ، وابن كثير ، ورويس أيضاً بالتسهيل فيها: آئنَكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، ويقرؤها هشام بخلفه: آئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ.

    وكل يدل على التعجب من إيمان هذا، وقوله تعالى: أَئِذَا مِتْنَا ، فيها قراءتان كما قدمنا قبل ذلك.

    وقوله تعالى: وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات:53] أي: هل نحن مجزيون؟ ما رأينا أحداً قبلنا مات ثم بعث، فكذب هذا القرين صديقه المؤمن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال هل أنتم مطلعون.... )

    أهل الجنة في نعيمهم العظيم يجعل الله عز وجل لهم ما يريدون فيها، وما يشتهون، وإذا أرادوا أن ينظروا إلى أهل النار جعل لهم ما يمكنهم من ذلك، قال تعالى: قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات:54]؟ فاطلعوا من شرفات في الجنة على أهل النار فنظروا إلى أهل النار، فقوله تعالى: قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ أي: أتريدون أن تنظروا إلى هذا القرين الذي كان يكذب؟ اطلعوا وانظروا ماذا جرى له!

    قال تعالى: فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات:55] أي: فاطلع فرآه في قعر الجحيم وفي وسطه، وفي عذاب عظيم أليم، والجحيم: النار المتقدة المضرمة المتأججة، جحمت النار بمعنى: تأججت، واضطرمت، وازداد اشتعالها ولهيبها، ومنه يسمى الجمر، الجحيم، والجاحم، وكذلك الجحمة، والجحمة: عين الأسد؛ لكونه إذا رأى فريسة تحمر عيناه، فهي النار الحمراء المشتعلة المتوقدة الملتهبة، فاطلع فرأى صاحبه فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات:55]، قال هذا المؤمن: تَاللَّهِ [الصافات:56] أي: بالله، والله إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات:56] أي: كدت لتهلكني، وإن أصلها (إنَّ) المثقلة التي تفيد التحقيق والتأكيد، ولذلك قال هنا: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات:56]، وجاء باللام الفارقة بين إن التي تفيد التحقيق، وبين إن التي تفيد النفي.

    فقوله تعالى: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات:56] أي: لتهلكني.

    قال تعالى: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي [الصافات:57] أي: ولولا أن من الله عز وجل علي وعصمني ونجاني من فتنتك ومن غوايتك لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:57]، كما أحضرت أنت، فكدت أن أكون مثلك أنا أيضاً، والمحضر: الذي جئ به، وغالباً لا تطلق إلا في الشر، يقال: فلان محضر يعني: أتي به لكي يعاقبوه.

    فهنا قال: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات:56-57] يعني: في هذا العذاب الأليم كما أحضرت أنت وأدخلت في هذه النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفما نحن بميتين...)

    قال تعالى: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ [الصافات:58] أي: أنت كنت تقول لي في الدنيا: إننا لن نبعث يوم القيامة، وإذا متنا ليس هناك بعث ولا حساب، أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى [الصافات:58-59]، هذا كان كلام الكافر، فالآن انعكس الأمر، إذ إن الكافر كان يتعجب من المؤمن في الدنيا، أما الآن فالمؤمن هو الذي يتعجب من الكافر؛ كنت تقول لي: لسنا بميتين، قال تعالى: أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [الصافات:58-59]، ها أنت رأيت ما الذي حصل لك الآن في النار والعياذ بالله، إن هذا الذي نحن منه في الجنة والنعيم المقيم لهو الفوز العظيم، قال تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الصافات:60] أي: هذا الفوز الحقيقي، فالإنسان في الدنيا لعله يتكلم عن النجاح، ولعله يتكلم عن الفوز، لكن الفوز الحقيقي والنجاح والفلاح العظيم هو ما يكون يوم القيامة في أن يدخل المؤمن الجنة وينجو من النار، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .

    (لمثل هذا) الفوز، ولمثل هذا الفلاح، ولمثل هذا الجزاء: فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات:61]، كأن الله عز وجل يقول للمؤمنين: اعملوا لذلك حتى تكونوا مع هذا المؤمن ولا تكونوا مع هذا المغرور في نار الجحيم والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم...)

    قال الله تعالى: أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ [الصافات:62]، أذلك الذي رأيتموه من النعيم العظيم، ومن الجنات العظيمة خير في النزل، أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ، والنزل أصله: الطعام الذي يكون للضيف، أي: قرى الضيف، وكأنه طعام عظيم يستحق أن ينزل الإنسان فيه، فتقول: أعددت لفلان نزلاً، وتقول: تعال انزل عندي؛ لكي تأكل، فمن عظيم الأكل الذي عندك ينزل عندك، فالنزل: القرى والطعام العظيم الذي يكون للضيف، أهذه الجنة العظيمة وما فيها من فواكه ومن طعام خير نزلاً؟ أي: منزلة ينزل فيها الإنسان من أجل ما فيها، أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ [الصافات:62]، نسأل الله العفو والعافية!

    شجرة الزقوم هذه قال الله فيها: إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات:63-65]، هذه شجرة الزقوم مأخوذة من التزقم، أي: التلقم، يلقم اللقمة في فمه ويكره عليها وتدفع في فمه، فهو يتزقمه ويأكله ولا يكاد يسيغه، لا يقدر عليه من مرارته وشوكه، ومن الأذى الذي فيه ومن نتنه، فهو يتزقمه وتدفع في فمه كرهاً، فذلك النعيم الذي فيه أهل الجنة وما يشتهونه من لحوم الطير والفواكه، ومن نعيم مقيم خير نزلاً أم هذه الشجرة من الزقوم؟

    قال تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [الدخان:43-46].

    فانظر إلى هذه الشجرة التي جعلها الله عز وجل فتنة لهؤلاء الكافرين، قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ [الصافات:63]، فكانوا يسمعون عن شجرة الزقوم أنها في النار، فيقولون: النار تحرق الشجر، فكيف تنبت شجرة في النار والأصل عندنا أن هذه الشجرة تحرقها النار؟! فيتهكم الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم، ويسأل بعضهم بعضاً، ويأتيهم رجل من أفريقيا يسألونه: هل تعرف شجرة الزقوم؟ يقول: نعم، عندنا الزقوم الذي هو تمر بالزبد، فيضحكون ويتقهقهون ويقول بعضهم لبعض: تعالوا نتزقمها تزقماً، عرفنا أن الزقوم الزبد بالتمر! فكان أبو جهل يصنع لهم ذلك ويقول: تعالوا نتزقم، ويقول بعضهم لبعض: يخوفنا محمد -صلى الله عليه وسلم- بشجرة الزقوم وعرفنا أخيراً ما الزقوم الذي يخوفنا منه!

    والله عز وجل جعلها فتنة لهم لغبائهم وبعدهم عن دين الله عز وجل، ولسخريتهم من النبي صلى الله عليه وسلم وضح وبين لهم ما هذه الشجرة البشعة التي يسخرون منها، قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ [الصافات:63]، والشجرة الملعونة شجرة ليس فيها رحمة، بل هي شجرة مطرودة من رحمة الله، فهي في أصل الجحيم، تنبت وتتفرع من داخل الجحيم من قعرها، وتخرج أغصانها وأوراقها إلى أعلى الجحيم ليأكل منها كل من في النار والعياذ بالله، كما قال تعالى: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات:64]، وقال تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ [الدخان:43-44] أي: طعام كل آثم استحق اللعنة، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [الدخان:45] أي: إذا نزلت إلى بطون هؤلاء صارت كالمهل، والمهل هو: الزيت المغلي، والمهل أيضاً: الصديد والعياذ بالله، فهو شيء حار جداً ينزل في بطونهم.

    فقوله تعالى: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات:64] أي: أصل منبتها في قعر الجحيم، وقوله تعالى: طَلْعُهَا [الصافات:65] أي: ما يطلع منها من ثمار، كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات:65]، فهي بشعة في طعمها، ومخيفة رهيبة في منظرها في نار الجحيم، ولم نر نحن الشياطين، ولكن عندما يسأل كل إنسان عن الشيطان ما شكله؟ فإنه يستبشع منظر الشيطان وهو لم يره، فهذا يجعله الله لنا تشبيهاً، والله عز وجل أخفاه عنا حتى لا نراه بفضله وبكرمه سبحانه وتعالى.

    فيخبرنا الله أن هذه الشجرة منظرها كمنظر الشياطين وأنتم لم تروها، ولكن في قلوبكم قبح منظر الشيطان، إذ إن منظره قبيح جداً، قال الله تعالى: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات:65]، والعادة عند الإنسان أنه إذا استوحش من شيء يقول: هذا مثل الشيطان، وإذا أحب شيئاً يقول: هذا ملاك؛ ولذلك في قصة امرأة العزيز لما خرج يوسف، وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف:31].

    فالإنسان لما يرى الصورة الحسنة يقول: ملك، وإن لم ير منظر الملك، ولكن تخيل أنه أجمل ما يكون وهو حقيقة، والشيطان أبشع ما يكون، والله بفضله وكرمه واراه عنا فلا ننظر إلى قبيح منظره، فالله سبحانه بفضله وكرمه يمن على العباد بأن يخفي عنهم ما يؤذيهم وما يستبشعونه من منظر الشيطان.

    فطلع هذه الشجرة في الجحيم ثمارها، كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [الصافات:65]. فإنهم أي: أهل النار المجرمون الآثمون، لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [الصافات:66]، فهو طعام يكرهه الإنسان، ولكن يأكله جبراً وقهراً واضطراراً، إذ يوضع في فمه ويلقمه، فإنهم لآكلون منها مدفوعة إلى حلوقهم، ومدفوعة إلى بطونهم.

    وقراءة الجمهور: فَمَالِئُونَ، وقراءة أبي جعفر : فَمَالُِونَ مِنْهَا الْبُطُونَ.

    قال تعالى: ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ [الصافات:67]، ثم إن لهم الشوب وهو الخلط، إذ هذه الشجرة بمرارتها ونتنها وغصتها في حلوقهم يسيغونها بماء الحميم، وهو ماء بلغ نهاية درجة الحرارة والعياذ بالله.

    فالماء في الدنيا حين يغلي يتبخر، لكن الماء في جهنم لا يتبخر، بل يصل إلى أعلى ما يكون من درجات الحرارة ليشرب هؤلاء منه والعياذ بالله، إذاً: طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم.

    قال الله تعالى: ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [الصافات:68]، نسأل الله العفو والعافية، فهو عذاب أليم إذا تخيله الإنسان خاف من رب العالمين سبحانه، وخاف من الوقوع في الذنوب، وهؤلاء في النار كالأنعام وكالبهائم يقادون إلى المرعى إلى شجرة الزقوم ليأكلوا كرهاً، ويقادون إلى الماء فهم: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن:44]، فالنار دركات منها: الجحيم، الهاوية، السعير، الحطمة، فهي دركات في أصلها هذه الشجرة، يأكلون من هذا المكان في النار، ويخرجون منه إلى مكان آخر في النار فيه ماء الحميم، ثم يردون إلى المكان الأول مرة ثانية، فانظر إلى التعبير: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا [الصافات:66-67]، أي: خلطاً، مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ [الصافات:67-68] أي: يردون مرة ثانية إلى الجحيم والعياذ بالله إلى قعر النار، فهم داخلون خارجون من النار إلى النار، ومن دركة إلى أخرى فيها الصديد، وفيها الغساق والحميم، مكان فيه الزقوم يأكلون ويشربون كرهاً في ذلك، فهم يكرهون ذلك، ولكن يجبرون عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين...)

    يبين الله لماذا يعذب أهل النار فقال: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ [الصافات:69]، أي: وجدوا آباءهم ضالين، صادفوا ووجدوا آباءهم على ضلالة وعن بعد عن الحق فاقتدوا بآبائهم، قال تعالى: قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، وقال تعالى: وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، قالوا ذلك ولم يعملوا عقولهم، ولم يفكروا فيما يقوله رسولهم عليه الصلاة والسلام؛ فاستحقوا عذاب الله سبحانه، فالله أعذر الخلق، وأنذرهم وبين لهم؛ كي لا يكون للناس على الله الحجة بعد الرسل.

    فجاءت الرسل ودعوا الخلق إلى الله، فإذا بهؤلاء يرفضون إلا تقليد الآباء، يقولون: الهدى ما وجدنا عليه آباءنا من غير تفكير في ذلك، قال سبحانه: إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات:69-70]، فهم يستحثون الخطا ويركضون وراء الآباء في تقليدهم آباءهم.

    قال تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ [الصافات:71]، أي: ليس هؤلاء فقط الذين ضلوا، بل هم مقلدون لمن سبقهم من الأوائل في الضلال، قال تعالى: وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ [الصافات:71]، فأكثر الخلق كانوا على الضلالة والعياذ بالله، وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].

    قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ [الصافات:72]، فأنذر الله سبحانه وخوف العباد وحذرهم، فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:73-74]، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده المخلصين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.