إسلام ويب

تفسير سورة الصافات [19 - 50]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله بعباده أن وصف لهم في كتابه اليوم الآخر وما فيه من الأهوال والسؤال، ليستعدوا له بالأعمال الصالحة، ووصف لهم الجنة ليتنافسوا فيها، فلمثلها فليعمل العاملون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (احشروا الذين ظلموا...)

    قال الله عز وجل في سورة الصافات: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ [الصافات:22-34].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن أحوال يوم القيامة، وما يكون فيها من ذهاب الكفار إلى الجحيم، وذهاب المؤمنين إلى جنات النعيم، فقال الله عز وجل هنا: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ [الصافات:19] نفخة واحدة ينفخ بها في الصور فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ [الصافات:19] أي: يقومون يوم القيامة من قبورهم ينظرون وينتظرون ما الذي يفعل بهم.

    وقال هؤلاء المجرمون والكفار والفجار: يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ [الصافات:20] أي: يوم الحساب والجزاء.

    فيقال لهم: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [الصافات:21] أي هذا يوم الحكم الذي يحكم الله عز وجل فيه ويفصل بالجزاء بين العباد.

    احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات:22-23] يأمر الله عز وجل بجمع هؤلاء الكفار الذين ظلموا وأزواجهم، والأزواج من كان على شاكلتهم وأمثالهم وأشباههم من رجال ونساء وآلهتهم التي كانوا يعبدونها، قال: وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ [الصافات:22-23] أي: دلوهم إلى صراط الجحيم وهو إلى طريق الهاوية والعياذ بالله.

    قال الله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات:24] قفوهم قبل إدخالهم النار ليسألهم الله عز وجل ويبكتهم ويوبخهم ثم يأمر بهم إلى الجحيم: مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات:25-26] لا ينصر بعضهم بعضاً بل استسلموا بين يدي الله سبحانه.

    وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:27] صمتوا فترة طويلة وأدخلوا النار فأقبلوا يوبخ بعضهم بعضاً، فيقول أهل النار بعضهم لبعض: قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ [الصافات:28] أي: كنتم تأتوننا عن طريق الله سبحانه وتعالى فتبعدوننا عنها، أو تأتوننا عن طريق قوتكم، فقد كنتم أقوى منا فأطعناكم فيما ضللتمونا به في هذه الحياة الدنيا.

    إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ [الصافات:28] بقوتكم فأغريتمونا وأغويتمونا وذهبتم بنا إلى النار.

    قال لهم الكبراء: بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ [الصافات:29-30] أي: نحن ما فعلنا بكم شيئاً، بل أنتم كنتم قوماً طاغين، فقد طغيتم وغويتم وابتعدتم عن الله، ونحن دللناكم على طريق الشر ففعلتم الشر، وما كان لنا عليكم من حجة ولا سلطان ولكن أنتم اتبعتمونا في ذلك فتستحقون ما أنتم فيه من العذاب.

    قالوا: فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ [الصافات:31-32] الإغواء هنا بالدلالة أي: دللناكم على طريق الغواية وطريق الشر فذهبتم إليه.

    إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ أي: كنا ضالين حين دللناكم على الشر ففعلتموه.

    فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ [الصافات:33-34] الجميع يعذبون يوم القيامة، فيعذب الذين أغووا وهم الظلمة الكبراء والذين غووا واتبعوا وهم الضعفاء، والكل كان لهم عقول وكانت في قلوبهم فطر ومع ذلك لم يستجيبوا إلى تحذير ربهم سبحانه، ولم يستجيبوا إلى دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام فاستحقوا ذلك.

    الكبر واحتقار الرسل هو سبب عدم سلوك طريق الهداية

    قال الله عز وجل: إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ [الصافات:34] لأنهم كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35] فقد كانوا يستكبرون على رسل الله عليهم الصلاة والسلام حين دعوهم إلى عبادة الله وحده، وهم إنما استكبروا واغتروا بما هم فيه من باطل.

    وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:36] فوصفوا النبي صلوات الله وسلامه عليه بأنه شاعر، وكذبوا وقد علموا أنه ليس بشاعر ووصفوه بالجنون عليه الصلاة والسلام وكذبوا وقد استيقنوا أنه أعقل العقلاء وأحكم الحكماء من البشر صلوات الله وسلامه عليه.

    قال سبحانه: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات:37] فقد جاء بما جاء به من قبله من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فصدق السابقين حين دعوا إلى التوحيد فكان مصدقاً لما بين يديه صلوات الله وسلامه عليه، قال الله عز وجل عن هؤلاء المجرمين: إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات:38-39] إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ أي: عذاب يوم القيامة وعذاب النار الذي كنتم به تكذبون، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76].

    هؤلاء أهل النار هذا موقفهم بين يدي الله عز وجل، وهذا مصيرهم إلى النار، أما المخلصون الذين أخلصوا لله سبحانه فقد استثناهم سبحانه، وبين أن لهم جنات النعيم، وأن لهم الرزق المعلوم والدرجات العالية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا كذلك نفعل بالمجرمين...)

    قال الله عز وجل: إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ [الصافات:34] لأنهم كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35] فقد كانوا يستكبرون على رسل الله عليهم الصلاة والسلام حين دعوهم إلى عبادة الله وحده، وهم إنما استكبروا واغتروا بما هم فيه من باطل.

    وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [الصافات:36] فوصفوا النبي صلوات الله وسلامه عليه بأنه شاعر، وكذبوا وقد علموا أنه ليس بشاعر ووصفوه بالجنون عليه الصلاة والسلام وكذبوا وقد استيقنوا أنه أعقل العقلاء وأحكم الحكماء من البشر صلوات الله وسلامه عليه.

    قال سبحانه: بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ [الصافات:37] فقد جاء بما جاء به من قبله من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فصدق السابقين حين دعوا إلى التوحيد فكان مصدقاً لما بين يديه صلوات الله وسلامه عليه، قال الله عز وجل عن هؤلاء المجرمين: إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات:38-39] إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ أي: عذاب يوم القيامة وعذاب النار الذي كنتم به تكذبون، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76].

    هؤلاء أهل النار هذا موقفهم بين يدي الله عز وجل، وهذا مصيرهم إلى النار، أما المخلصون الذين أخلصوا لله سبحانه فقد استثناهم سبحانه، وبين أن لهم جنات النعيم، وأن لهم الرزق المعلوم والدرجات العالية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا عباد الله المخلصين ... أولئك لهم رزق معلوم)

    قال سبحانه وتعالى: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات:40] أي: استثنينا هؤلاء من جملة المعذبين الذين يعذبون في النار، والمعنى: لكن هؤلاء ليس لهم النار وهذا استثناء منقطع، فإلا هنا بمعنى: ولكن، لكن عباد الله الصالحون أدخلناهم جنات نعيم.

    إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ المخلصَين والمخلصِين، هم مخلصَون استخلصَهم الله عز وجل أي: اجتباهم وانتقاهم من خلقه واصطفاهم فكانوا لله سبحانه عُبّاداً وعِبَاداً، وأخلصَوا له سبحانه تبارك وتعالى، فهذا فضل الله يجتبي ويختار ويصطفي من يشاء سبحانه وتعالى.

    والمخلصَين اسم مفعول، أي: أستخلصَهم الله وأخلصَهم ونقاهم، وهذه قراءة المدنيين نافع وأبي جعفر وقراءة الكوفيين كلهم عاصم وحمزة والكسائي وخلف يقرءون: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.

    وباقي القراء يقرءونها: (إلا عباد الله المخلصِين) باسم الفاعل، فهم مخلصَون وهم مخلصِون، مخلصِون: أخلصوا لله سبحانه، فلم يعبدوا إلا الله، وإنما أخلصَوا في دينهم وأخلصَوا في عبادتهم وفي توحيدهم فلم يشركوا بالله سبحانه وتعالى شيئاً، فاجتباهم الله فصاروا كذلك.

    فهم مخلصَون لأن الله أحبهم واختارهم، وهم مخلصِون في عبادتهم لله سبحانه.

    قال الله تعالى: أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [الصافات:41] أي: هؤلاء الذين شرفهم الله وأكرمهم لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ لهم رزقهم فيها بكرة وعشياً، والرزق في الجنة عظيم كثير، فكل في أي وقت، واشرب ما تشاء، وافعل ما تشاء، وهذا من فضل الله عز وجل على عباده المؤمنين.

    أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ أي: هؤلاء المخلصَون والمخلصِون لهم عطية معلومة لا تنقطع أبداً، ورزق لا ينفد، فهو عطاء من الله غير مجذوذ أي: غير منقطع، وهذا الرزق منه الفواكه ومنه اللحم كما قال الله: وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ [الواقعة:21]، ومنه الخير العظيم، فكل ما يشتهيه المؤمن في جنة الخلود يجده.

    قال الله تعالى: فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ [الصافات:42] فمن ضمن رزقهم عند الله عز وجل الفواكه وهي ما يتفكهون بها، والإنسان في الدنيا يحب أن يأكل الفاكهة إذا أكل القوت، ومعنى القوت ما يقيته ويقيم بدنه، وفي الجنة هم قد أحياهم الله عز وجل الحياة الدائمة التي لا تنغيص فيها، فأعطاهم الحياة وأعطاهم أقواتهم وأرزاقهم وفكههم بأعظم الفاكهة، قال: فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ .

    والحال أنه ما يكرمهم به سبحانه وتعالى من فضله وكرمه، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [الصافات:43] أي: التي ينعمون فيها، فهم عباد الله المنعمون في الآخرة، فِي جَنَّاتِ أي: في بساتين عظيمة عند الله سبحانه فيها النعيم المقيم.

    عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الصافات:44] أجلسهم الله سبحانه وتعالى على الأسرة، فلكل منهم عرش في جنة الخلود، والعرش سرير عظيم مثل عرش الملك، فجعلهم ملوكاً في الجنة وجعلهم عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ كل على كرسيه الذي يجلس فيه ينظر إلى صديقه وإلى رفيقه وإلى حبيبه، ينظر بعضهم إلى بعض، فلا يوجد تدابر في الجنة، فلا يوجد من يعطي الثاني ظهره، ولكن يخاطب بعضهم بعضاً، ويقبل بعضهم على بعض في جنة الخلود، ويتحركون بهذه الأسرة كيفما يشاءون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يطاف عليهم بكأس من معين)

    قال الله سبحانه: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الصافات:45] يطوف الخدام عليهم في جنة الخلود، يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الصافات:45] هذه قراءة الجمهور: (بكأس)، وقراءة أبي جعفر : (بكاس من معين) والكأس: الإناء الممتلئ من الشراب، فإذا كان فيه الشراب فهو الكأس، وإذا كان فارغاً فهو الإناء أو الوعاء أو القدح، وإنما ملئ من خمر الجنة، ففي الدنيا من شرب الخمر فإنها تؤذيه؛ لأنها رجس من عمل الشيطان؛ فهي تصرفهم عن الصلاة، وتنهاهم عن المعروف، وتدفعهم إلى المنكر؛ وتقطع أرحامهم، وتذهب أموالهم، وتجعلهم إخوان الشياطين.

    قوله: مِنْ مَعِينٍ المعين: العين الجارية، فخمور أهل الجنة ليست محتاجة لأن توضع في زجاجات أو أوعية، بل هي عيون في الجنة تخرج وتجري بذلك ولا تكدر أبداً، فقال: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الصافات:45] أي: هذا الذي في الكأس من عيون جارية.

    قال: بَيْضَاءَ [الصافات:46] أي: الشراب الذي في الكأس، فالكئوس بيضاء جميلة، وما فيها من خمور لونها أبيض وجميل.

    لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات:46] بخلاف خمور الدنيا فهي سوداء وكدرة، أما خمور الجنة فهي بيضاء وهي لذة للشاربين يستمتعون بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) وقال الله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15].

    كل هذه أنهار تجري في الجنة، ولا شيء يكدرها، لا تراب أو زبد، ولكنها تجري فيشرب منها أهل الجنة بكئوسهم، ولا يحرمون في الجنة من شيء أبداً.

    قال الله: لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات:47] الغول: ما يغتال الإنسان فيوجعه ويؤلمه، فالجنة ليس في خمرها غول.

    وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات:47] أي: لا يوجد من ورائها أمراض ولا أوجاع ولا أشياء يكرهها شاربها، وهذا تعريض بخمر الدنيا ففيها هذا كله، فالذين يشربون الخمور في الدنيا يعلمون مرارة مذاقها، كما أنه بعد أن يشرب الخمرة يذهب عقله، فيفرط في ماله ويفرط في عرضه ويفرط في دينه ودنياه، ثم يأتي الصداع بعد أن تذهب الخمر ويكثر بوله، أما خمر الجنة فلا وجع فيها ولا ألم ولا قيء ولا بول ولا شيء يزعج من يشربها.

    وقوله: وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ [الصافات:47] قراءة الجمهور على البناء للمفعول أما حمزة والكسائي وخلف فقرءوا: (ولا هم عنها ينزِفون) والمعنى نزف عقل الإنسان بمعنى ذهب، يقال: نزف وأنزف بمعنى ذهب، وأيضاً نزف الشيء بمعنى: فني ونفد، والمعنى: الخمر لا تنفد ولا تنزف منها العقول ولا تنزف عنها العقول، فتظل ثابتة فلا تتغير الأفهام، ولكن العقل ثابت واللذة من شرب الخمر موجودة، والنعيم نعيم مقيم.

    وخلاصة المعنى: لا فيها غول وأوجاع ولا شيء يكرهه الذي يشربها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف عين)

    قال: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ [الصافات:48] فعند كل من دخل الجنة زوجات خيرهن زوجته التي كانت في الدنيا، وله الحور العين في الجنة.

    وقوله: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ هي التي قصرت طرفها، والطرف: العين، فهي قاصرة الطرف أي: لا تنظر إلى غير زوجها، ولا تطلب غير زوجها، ولا تتمنى أكثر مما هي فيه من هذا النعيم مع زوجها هذا، بل إنها قصرت طرفها على زوجها لا تريد غيره ولا تنظر إلى سواه.

    وقوله: عِينٌ يقال: امرأة عيناء أي: واسعة العين، فعينها كبيرة جميلة حسناء، فهن قاصرات الطرف في غاية الجمال، قد قصرن طرفهن على أزواجهن: عِينٌ أي: ضخام العيون، جميلات حسناوات العيون.

    كَأَنَّهُنَّ [الصافات:49] أي: نساء الجنة الحور العين: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:49] قيل: شبه بيض النعامة، إذ إن النعامة تبيض البيضة وتكنها في الرمال وتغطيها حتى لا يسوء منظرها ولا يؤذيها شيء، فنساء الجنة مثل هذا البيض، يقال: كبيض النعام في الهيئة، وبيض النعام أبيض وفيه صفرة، وهذا أجمل ما يكون من ألوان النساء، وهو البياض الذي فيه شيء من الصفرة.

    وقيل: بل البيض المكنون أي: البياض الداخل، فعندما تسلق البيضة وتزال القشرة الخارجية يتجلى البياض الداخلي فتراه شيئاً جميلاً جداً ناعماً رقيقاً، وكذا نساء الجنة كهذا الذي تراه في الداخل.

    قوله: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:50] أي: أقبل أهل الجنة بعضهم على بعض، والإقبال هنا للملاطفة في الجنة والحديث الجميل، وعادة أهل الدنيا التسامح وخاصة عند الشراب، فأنت بعد أن تأكل وتتبع الأكل بشرب الشاي تحب أن تتكلم مع من حولك، وكذلك أهل الجنة فبعد أن أكلوا وشربوا يتسامرون ويتكلمون ويتحدثون.