إسلام ويب

تفسير سورة الصافات [6 - 12]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد زين الله سبحانه وتعالى السماء الدنيا بالنجوم والكواكب ليهتدي بها الإنسان في ظلمات البر والبحر؛ ولتكون رجوماً للشياطين الذين يسترقون السمع، وفي هذا دلالة على أن الأرض خلق السماوات والأرض أكبر من خلق هذا الإنسان الذي يستكبر ويعاند ويكابر ويتحدى الله عز وجل، فعجباً لهؤلاء الكافرين المستكبرين!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الصافات:

    إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ * فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ * بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ [الصافات:6-18].

    في هذه الآيات من سورة الصافات يخبرنا الله سبحانه وتعالى كيف أنه زين السماء الدنيا بزينة الكواكب، قال: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [الصافات:6]، فالكواكب والنجوم زينة للسماء الدنيا، كذلك فيها رجوم للشياطين، كذلك بالنجم هم يهتدون، يهتدي العباد فيعرفون طرق سيرهم شمالاً من جنوب، وشرقاً من غرب، فيعرفون الشمال والجنوب، والشرق والغرب، عن طريق النظر إلى الكواكب، والنظر إلى النجوم.

    زين الله عز وجل السماء الدنيا بزينة الكواكب، وجعلها حفظاً من كل شيطان مارد، فيلقي بالكوكب الشاهب المحرق على الشيطان الذي يسترق السمع من السماء، وكانت الشياطين قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم تسترق السمع من السماء في طرقها، يسمعون ما يقول الملائكة بعضهم لبعض: إن الله قضى بأمر كذا وكذا، ويكون كذا وكذا في الأرض، فتأخذ الشياطين ما تسمعه من الملائكة وتنزل به إلى الأرض، وتلقيه إلى الكهان كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

    ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كالسلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك، وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]).

    فالملائكة يأتيهم أمر الله عز وجل فيفزعون حين يسمعون ذلك خوفاً من الله سبحانه وتعالى، وتفزع الملائكة وتضرب بأجنحتها خضعاناً لأمر الله سبحانه وتعالى قال: (كالسلسلة على صفوان)، يسمع صوت عظيم جداً من ذلك، كضرب سلسلة على حجر أصم، ومعنى الصفوان: الحجر الأصم، ينفذهم ذلك، قال تعالى: إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ:23]، وفزع بمعنى: أزيل الفزع من قلوب الملائكة فيطمئنون ويسأل بعضهم بعضاً، ماذا قال ربكم؟ فيجيب من علم بأمر الله سبحانه، ويقول: الحق، ويقول: قال ربنا كذا وكذا، وأمر بكذا.

    فتسترق الشياطين السمع من السماء، واستراق السمع: من السرقة، بمعنى: يخطف السمع، يسمع ما يريد أن يأخذه قبل أن يحرقه الله سبحانه وتعالى، يسترق السمع من السماء، وينزل به إلى الأرض ليخبر غيره من شياطين الإنس والجن.

    فيقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث هنا: (ومسترق السمع هكذا واحد فوق آخر)، فوصف راوي الحديث أبو سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها، بعضها فوق بعض، (فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي به إلى صاحبه فيحرقه).

    إذاً: الشياطين تركب بعضها على بعض وأشار بيده هكذا، شيطان فوق شيطان، يركب بعضهم على بعض؛ حتى يتنصتوا إلى خبر السماء، ماذا تقول الملائكة، (ويسترقون) أي: يسرق الشيء الذي يصنعه، يخطفه وينزل به إلى الذي أسفل منه ويخبره أنه سيحصل كذا، وهذا يخبر الذي أسفل، والله يشاء ذلك، ويريد أن ينزل هذا الخبر إلى الأرض فتنة لأهل الأرض، ولكن الذي استرق السمع وسمع هذا الخبر، يرسل الله عز وجل عليه كوكباً شهاباً حارقاً فيحرقه، وقد يحرق الجميع سبحانه وتعالى، وقد يترك بعضهم يبلغ هذا الخبر إلى الأرض، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي به إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي به إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض، فتلقى على فم الساحر والكاهن، فيكذب معها مائة كذبة).

    فالشيطان يحدث الساحر ويحدث الكاهن سيحصل كذا في يوم كذا، ويكذب فوقها مائة كذبة، والشيطان يكذب على الإنسان، والإنسان يكذب ويزيد فيها أيضاً ويخبر الناس، قال: (فيصدق فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا، ويكون كذا وكذا، فوجدناه حقاً للكلمة التي سمعت من السماء).

    هذا لفظ حديث البخاري ، وروى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: (سأل أناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان)، الكاهن: هو الذي يخبر بأخبار غيبية، فيكون بعضها كالذي حدث به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنهم ليسوا بشيء -إنهم كذابون- فقالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة فيخلطون فيه أكثر من مائة كذبة).

    ولو أن الكهان كل الأخبار التي يخبرون بها كانت كاذبة لم يصدقهم أحد، ولم يذهب أحد يستشيرهم في شيء، ولما احتجنا أن يقول لنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تصدقوا كاهناً ولا عرافاً) ولكن لابد أن يبتلى العبد بشيء، أن يصدق هذا الكاهن في شيء؛ ليكون فتنة للناس، والإنسان إذا عرف أن فلاناً كذب، كل كلامه كذب، ولكن متى يحتمل أن يصدق هذا الإنسان؟ لما يتكلم بكلام يظهر أنه حق وكلام آخر يكون فيه كذب.

    فالله عز وجل يجعل هؤلاء فتنة للناس، أن ينزل الخبر من السماء مع هذا الجني، مع هذا الشيطان فيقرقره في أذن وليه كقرقرة الدجاجة، يعني: ينزل الشيطان ويقرقر مثلما الدجاجة تقرقر، كذلك هو في أذن وليه، يحصل كذا ويحصل كذا، ويحصل كذا، فيكذب الشيطان على الإنسان، والإنسان يكذب فوق ما سمعه، فيحدث الناس بهذا الشيء، فإذا قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تأتوا الكاهن ولا تصدقوا العراف)، ننفذ ما أمرنا به صلى الله عليه وسلم، وننتهي عما نهانا عنه صلوات الله وسلامه عليه، حتى ولو رأينا منهم خبر صدق في يوم من الأيام، فالمفترض علينا أن لا نصدق أحداً يقول هذا، فإنه لا يعلم الغيب، وقد عرفنا أن الشيطان يلقي إلى الكاهن الخبر الصادق مع مائة من الأخبار الكاذبة. قال الله عز وجل: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصافات:7] يعني: حفظ الله عز وجل السماء من أن يدخلها، أي: يدخل من أبواب السماء، يدخل إلى السماء الدنيا والسماء الثانية والثالثة لا يدخلها، ممنوع الشيطان من ذلك، يسترق السمع تحت السماء فقط ويختلس، أما أنه يخترق السماء هذا لا يكون أبداً، قال: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصافات:7]، والمارد: المتمرد العاتي الطاغي، الذي جاوز حده.

    وقوله تعالى: وَحِفْظًا [الصافات:7] أي: حفظنا السماء وحفظنا أخبارها، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصافات:7].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا يسمعون إلى الملأ الأعلى)

    قال الله تعالى: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى [الصافات:8]، هذه فيها قراءتان: قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف : لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى [الصافات:8]، وقراءة باقي القراء: (لا يَسْمَعون إلى الملإ الأعلى)، لا يَسَّمَّعُونَ [الصافات:8] أصلها: (لا يَتَسَمَّعون) وأدغمت، فالمعنى أنهم: منعوا من ذلك، والقراءة الأخرى: (لا يَسْمَعون) كأنهم يحاولون ولا يقدرون، هناك فرق بين معنى القراءتين.

    إذاً: قوله تعالى: لا يَسَّمَّعُونَ [الصافات:8] من كثرة ما أُلقي عليهم من الشهب فقطعوا الأمل من الاستماع إلى السماء.

    والقراءة الأخرى: (لا يَسْمَعُون): ما زالوا يحاولون ولكن مُنع عنهم ذلك، فكانت الشياطين قبل النبي صلى الله عليه وسلم الكثيرون منهم يصعدون إلى السماء ويسرقون أخبار السماء وينزلون إلى الأرض، ولكن لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم جُعلت الشهب تلقى عليهم من كل جانب، وقبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم كان يلقى عليهم الشهاب ويأذن الله عز وجل أن ينزل الشيء، ويريد سبحانه وتعالى ذلك ليبين الفرق قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وبعد مبعثه عليه الصلاة والسلام؛ لذلك تعجبت الشياطين لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وكانت الشياطين تسترق السمع.

    أما وبعد بعثته عليه الصلاة والسلام وجدوا الأمر خلاف ذلك، فقالوا: حصل شيء في الأرض، إن الشهب تأتي من كل جانب، وكانوا يسمعون وينزلون بالخبر من قبل، أما الآن ليسوا قادرين على ذلك، فعرفوا أنه حصل شيء في الأرض وهو مبعث النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    إذاً: لا يَسَّمَّعُونَ [الصافات:8] لا يقدرون على الاستماع، أو لا يفعلون ذلك من كثرة ما يصيبهم من الشهب التي تحرقهم. (ولا يَسْمَعون) فإن حاولوا الاستماع فلا يسمعون شيئاً من أخبار السماء، إلا أن يأذن الله عز وجل بشيء.

    وقوله تعالى: إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى [الصافات:8]، معناه: سكان السماء وأهلها من الملائكة، فالسماء الدنيا والتي تليها يسكن فيها ملائكة الله عز وجل وهم الملأ.

    وأصل الملأ: علية القوم، كما نقول: الملأ من القوم، وفي القرآن يذكر الله عز وجل الذين كذبوا المرسلين فينزل سبحانه: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ [الأعراف:60]، قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ [الأعراف:109]، إذاً: الملأ: أعلى الناس، أصحاب المناصب في الدنيا، لكن الملأ من أهل السماء بمعنى: أهل العبادة وأهل الطاعة، ملائكة الله عز وجل الذين قربهم واصطفاهم وأعلى شأنهم وأمرهم سبحانه وتعالى، فهم الملأ حقيقة.

    قال: لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ [الصافات:8].

    إذاً: الملأ الأعلى هم ملائكة السماء؛ لأنه هناك ملأ أعلى وهناك من هم دونهم، وملائكة الله عز وجل في كل مكان، في الأرض ملائكة، وبين السماء والأرض ملائكة، وفي السماء ملائكة، فكأن المقصد هنا: ملائكة السماء الذين يسمعون خبر الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (دحوراً ولهم عذاب واصب)

    قال سبحانه: دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِب [الصافات:9] يعني: الشياطين، والمدحور بمعنى: المطرود، ودحوراً بمعنى: طرداً، يطردهم الله عز وجل طرداً بما يلقيه عليهم من الشهب في السماء.

    فقوله: (دحوراً) أي: مطرودين خاسئين، وقوله تعالى: وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ [الصافات:9] أي: يعذب الله عز وجل هؤلاء الشياطين بالعذاب الواصب، والواصب: بمعنى اللازم الموجع المؤلم، ولهم عذاب شديد من الله تبارك وتعالى، ملازماً لهم لا يُرفع عنهم، فهم في النار يوم القيامة، يعذبهم الله سبحانه ولا يخرجون منها أبداً.

    وقوله تعالى: دُحُورًا [الصافات:9] مدحورين مطرودين أذلة، ودحرت الإنسان، بمعنى: طردته بإذلالٍ، إذاً: طرد الشيء مع إذلال الذي تطرده، هو الدحر.

    قال تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ [الصافات:10]، فاستثنى سبحانه وتعالى هؤلاء، من أنهم لا يسمعون، فلا يقدرون على السمع إلا من شاء الله عز وجل أن يسمع شيئاً، يخطف الخطفة فيسرق شيئاً يقدر عليه مما سمعه، ويهبط بهذا الشيء إلى الأرض على هذه الهيئة، هيئة الخطف، فقوله تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ [الصافات:10] أي: الأخذ السريع للشيء خلساً، ويهوي به إلى الأرض، ولذلك قال تعالى: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات:10]، خطف الشيطان خطفة، سمع شيئاً من خبر السماء وأراد أن ينزل به إلى الأرض فيأتيه الشهاب فيحرقه، وهنا تظهر إرادة الله سبحانه، إذ أراد الشيطان أن ينزل هذا الخبر إلى أهل الأرض فتنة لهم، فإذا لم يرد الله عز وجل أن ينزل ذلك يحرقه الشهاب قبل أن ينزل إلى الأرض بهذا الخبر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاستفتهم أهم أشد خلقاً أم من خلقنا ...)

    قال الله سبحانه تبارك وتعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا [الصافات:11] يعني: اسألهم.

    وقراءة الجمهور: فَاسْتَفْتِهِمْ [الصافات:11] وقراءة ورش عن يعقوب: (فاستفتهُم).

    قوله تعالى: أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا [الصافات:11] أي: من أقوى، هل هم هؤلاء الإنس، الذين هم ضعفاء في الحقيقة، أم من خلقنا؟ وقال الله عز وجل: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [النازعات:27-33]، من أشد خلقاً أنتم أم هذه السماء وما فيها من نجوم؟ فهل تستطيعون أن تصعدوا إلى السماء؟ وهل تستطيعون أن تغيروا مسار كوكب من الكواكب التي أراد الله عز وجل أن يسيرها على هذا المسار المحدد؟

    كذلك هنا يقول: فاستفتِ هؤلاء المجرمين، أي: اسألهم هؤلاء الكذابين أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ [الصافات:11].

    وقد خلق الله عز وجل السماوات وأحكم خلقها سبحانه وتعالى، واعترف الكفار واعترف الخلق بقوة هذه السماء وشدتها، وكذلك الأرض وكذلك الجبال، فقال سبحانه: إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ [الصافات:11]هؤلاء الضعفاء مِنْ طِينٍ لازِبٍ [الصافات:11] اللزوب بمعنى: اللصوق، أي: طين لاصق، تراب عليه ماء، فعندما تضع يدك عليه يلصق الطين فيها، فالإنسان خلق من صلصال، هذا الصلصال له صلصلة من ماء آسن منتن متغير، فالإنسان مخلوق من طين، مِنْ طِينٍ لازِبٍ [الصافات:11] أي: يلصق بعضه ببعض، والكفار كما في هذه الآية أعجبتهم قوتهم، وقالوا عن أنفسهم أنهم قادرون على أشياء كثيرة، وما كان ذلك إلا غباء من هؤلاء الكفار؛ ولذلك يقول الله تعالى عن هذا الإنسان: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:5-10].

    أليس الله أعطاه ذلك؟! وبعد ذلك يتكبر على خالقه سبحانه وتعالى!

    قال تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد:4-5]، هذه الآية نزلت في رجل من الكفار، كان معجباً بقوته وعضلاته، وكان يرى نفسه أنه قادر على أي حال، واسمه أبو الأشدين ، رجل من الكفار أعطاه الله عز وجل قوة، يتكبر بها على غيره، قالوا: كان هذا الرجل شديد البطش، شديد القوة، وهو رجل من بني جمح أبو الأشدين الجمحي ، وكانوا يأتونه بالأديم العكاظي، وهي قطعة من جلد شديدة يقف عليها هذا الإنسان، ولفرط قوته وجبروته يقول لهم: شدوها من تحت رجلي، فيشدونها من تحت رجليه فلا يستطيعون، فيتمزق هذا الأديم! فيتعجب من قوته، فصار هذا الإنسان يستكبر على الخلق، ويستكبر على الخالق سبحانه وتعالى، ونزل فيه قوله سبحانه وتعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد:4-5]، يقول كاذباً: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا [البلد:6]، يقول محدثاً الناس: أنا أنفقت في عداوة محمد صلوات الله وسلامه عليه مالاً عظيماً وهو كذاب في ذلك، فالله أعطاه قوة، وأعطاه مالاً، وهذا الرجل لما أنزل الله سبحانه وتعالى: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:30]، إذا بهذا الرجل ومثله أبو جهل لعنة الله عليهما يقولان: تسعة عشر! فيقولون أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، اسمعوا من ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم العدد، لا تقدرون عليهم فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟! أي: طالما هم تسعة عشر ملكاً على النار ألا يستطيع كل عشرة منكم أن يمسكوا ملكاً من الملائكة ويحبسوه ويمنعوه فلا ندخل النار، يقول ذلك وهو يعلم في نفسه أنه كذاب هو وأمثاله، لما كانوا يسيرون في الصحراء ويظهر لهم جني من الجن يزعجهم فيخافون ويرتعبون ويرجعون ويقولون: نعوذ برب هذا الوادي، يخافون من الجن، ويخافون من الشياطين، ومع ذلك يظهرون هذا الاستكبار وأنهم يقدرون على ملائكة الله سبحانه وتعالى!

    ويقول أبو الأسود بن كلدة الجمحي : لا يهولنكم تسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة وبالأيسر تسعة! وهذا إنسان أحمق غبي لا يفكر فيما يقول، لكن الحقيقة أنهم يتسلون بكفرهم الذي هم فيه.

    وفي رواية أخرى يقول: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني اثنين، أنا عليّ سبعة عشر ملكاً آخذهم وأمنعهم وأنتم عليكم اثنين.

    وقال أبو جهل : أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم تخرجون من النار؟

    فأنزل الله عز وجل: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا [المدثر:31]، نفتنهم بذلك حتى يقولوا ما لا يعلمون، يقولون: إنهم يمتنعون من دخول النار، وأحدهم يقول: أنا أضع يديّ على النار وأمنع دخول الناس فيها، ونعمل الذي نريده على هذه الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل عجبت ويسخرون ...)

    قال الله سبحانه عن هؤلاء: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12] مما تقوله لهم، وتذكرهم به.

    فقراءة الجمهور: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12]، وقراءة حمزة والكسائي وخلف : (بل عجبتُ ويسخرون) فالله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: تعجب من أمر هؤلاء، والله عز وجل يقول: وأنا أعجب لهؤلاء، والعجب من المخلوق، غير العجب من الله سبحانه وتعالى، العجب من المخلوق أن يندهش لشيء، ويتعجب الإنسان من إنسان آخر كيف يصنع ذلك؟! وكيف يصبر الله عز وجل على مثل هذا الإنسان؟!

    أما تعجب الله سبحانه إما أن يكون من كفر إنسان وصبر الله سبحانه وتعالى عليه، فهذا الإنسان يستحق أن يعاقب عقوبة شديدة، ولكن الله سبحانه وتعالى يعجب وهو أعلم سبحانه وتعالى، أن هذا مصيره إلى النار، فيعجب مما يصنعه هذا الإنسان، وقد يعجب من إنسان يفعل شيئاً طيباً وهو إنسان، والله يعجب ويضحك ويفعل ما يشاء سبحانه، فنؤمن بصفة الله على النحو الذي يليق به سبحانه وتعالى، فنقول: يعجب مع كمال علمه سبحانه وتعالى.

    إذاً: الفعل من الله عز وجل له معنى يليق به سبحانه وتعالى، والفعل من العبد على المعنى الذي يكون لهذا العبد، ولا نقول: يشبه الله المخلوقين في ذلك، حاشا له سبحانه، ولكن يضحك كما يشاء سبحانه، وهي صفة جلال وكمال لله، كذلك يعجب كما يشاء سبحانه، وهي صفة جلال وكمال لله، وكما قال هنا: (بل عجبتُ ويسخرون) أي: عجبت من أمر هؤلاء الكفار، كيف يسخرون مع قرب عذابهم الذي يأتيهم من الله سبحانه، كيف أنهم يستكبرون على الله سبحانه مع ضعفهم! عجبتُ لأمرهم، وفي العكس من ذلك في تعجب الله سبحانه وتعالى من الإنسان الصالح والإنسان الطيب، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (يعجب ربك من راعي غنم، في رأس شظية جبل، يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني! قد غفرت لعبدي).

    فالله عز وجل يعجب لهذا الإنسان الذي هو في رأس جبل، ومع ذلك إذا جاء وقت الصلاة قام يؤذن وأقام الصلاة، مع أنه يعلم أنه لا أحد يأتيه في هذا المكان، ولكن خوفه من الله وحبه لله سبحانه جعله يؤذن في مكان لا أحد يأتي إليه فيه، أذن وأقام وصلى، فعجبت ملائكته من ذلك، وعجب الله عز وجل لأمره، فإذا عجب الله من مثل هذا أثابه سبحانه وتعالى، وإذا عجب من مثل هؤلاء الكفار عاقبهم سبحانه بعقوبته.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.