إسلام ويب

تفسير سورة الصافات [1 - 7]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أقسم الله تعالى في أوائل سورة الصافات على إثبات ربوبيته من دون الأنداد التي اتخذها المشركون من دونه سبحانه، ثم دلل على ربوبيته بما جعل في هذا الكون من دلائل حكمته وأحديته وقيوميته، ولقد ظهرت في الآونة الأخيرة من بينات الإعجاز وبراهين الإيمان ما يزداد المؤمن به إيماناً، مصداقاً لقوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق).

    1.   

    دلالة قسم الله تبارك وتعالى على عظم المقسم عليه

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الصافات: بسم الله الرحمن الرحيم

    وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [الصافات:1-6].

    سورة الصافات: هي السورة السابعة والثلاثون من كتاب الله عز وجل، وهي من السور المكية.

    يقسم الله عز وجل فيها بقوله: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا [الصافات:1-3]، والراجح: أنها الملائكة، فيقسم الله عز وجل بملائكته المتصفين بهذه الصفات.

    قال: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) أي: تصف الملائكة عند ربها، ويقفون صفوفاً خاشعين بين يدي الله سبحانه تبارك وتعالى، فهي تصطف في عبادة الله، أو تصف أجنحتها خشوعاً لله سبحانه تبارك وتعالى.

    (فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) أي: تنزل الملائكة بآيات الله سبحانه تبارك وتعالى التي تزجر بها بني آدم عن معاصيهم وعن قبائحهم، فملائكة الله تزجر العباد بما يأمرهم الله عز وجل به من زواجر.. وآيات من كتابه، أو بأن يرسل ملكاً من الملائكة ليعاقب الناس على ظلمهم وعلى معصيتهم لربهم.

    ومن معاني الزاجرات: سوق السحاب من مكان إلى مكان، فتزجر الملائكة السحاب وتسوقها بأمر الله سبحانه من مكان إلى مكان.

    (فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) أي: التاليات القارئات لكتاب الله سبحانه تبارك وتعالى، فيقسم الله عز وجل بملائكته المتصفين بهذه الصفات، فهي تتلو كتاب الله كما كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ويقرأ عليه القرآن فيتعلم النبي صلى الله عليه وسلم منه، وكذلك كانت الملائكة تنزل على الرسل قبل النبي صلى الله عليه وسلم لتتلو ذكر الله وآياته سبحانه تبارك وتعالى عليهم.

    1.   

    إثبات إيمان المشركين بتوحيد الربوبية

    ثم يأتي بعد هذا القسم الجواب وهو قول الله: إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات:4]، فأقسم الله بملائكته سبحانه على أن الإله الذي يستحق العبادة

    هو إله واحد لا شريك له سبحانه، فهو الإله المعبود، وهو الرب الصانع الخالق، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة:7]، وهو المدبر الرزاق سبحانه تبارك وتعالى، فهذا هو الرب وهذا الإله، وقد كان المشركون يعتقدون أن الرب واحد، كما قال سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، فلا يوجد عندهم إشراك في ربوبية الله سبحانه، وأنه الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت، وأنه الذي ينفع ويضر، ولكنهم يعبدون آلهة من دون الله سبحانه تبارك وتعالى مع اعتقادهم أن الذي ينفع هو الرب الذي في السماء سبحانه تبارك وتعالى، ولكنهم عبدوا غير الله سبحانه بسبب الهوى؛ لأن كل إنسان لا يريد أن يستمع من غيره عندما يأمره ويقول له: لي إله، وإلهه يأمره بأن يأمره؛ ولأنه ليس أفضل منه في اعتقاده سبحانه، وهم يعتقدون بأنهم سيكونون مأمورين من قبله صلى الله عليه وسلم، فاستكبروا على الحق الذي جاءهم من عند الله سبحانه، وحالهم كما وصف الله سبحانه: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31] أي: ألم يجد ربك غيرك ليبعثه؟ ولماذا لم يبعث أحداً غيرك أعظم أو أغنى أو أقوى منك كـأبي جهل أو عروة الثقفي أو غيرهم؟ فبين الله سبحانه أن غيرتهم وحسدهم من النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي دفعهم إلى البعد عن دين الله سبحانه.

    فقال الله سبحانه: (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَواحِد) يعني: الذي يستحق العبادة إله واحد سبحانه تبارك وتعالى، وهذا الذي تعجب منه المشركون ولا عجب فيه، فإذا كنتم تقولون: إن الرب الذي يخلق ويرزق وينفع ويضر رب واحد فلم لا تعبدون الرب الواحد سبحانه؟! وكيف تعبدون غيره ممن لا ينفع ولا يضر؟! وكيف يأتي أحدكم إلى الصنم وهو يعتقد أن الصنم لا ينفع ولا يضر ثم يقول له: اعمل لي كذا، وأعطني كذا، ويعبده من دون الله سبحانه تبارك وتعالى؟! أي عقل يدفعهم إلى ذلك؟! ولذلك قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، وكانت هذه مغالطة منهم لأنفسهم وغيرهم، فالإنسان إذا لم يعرف الرد على خصمه، لجأ إلى التحريف في الكلام كما هو الحال في هذه الآية، فيقولون: نحن نعبد الله مباشرة دون وسائط فلابد من الوسائط بيننا وبين الله سبحانه تبارك وتعالى، فنحن نعبد هذه الأصنام لكي تقربنا إلى الله عز وجل، وهي حجة سخيفة وغبية، بل عليه اللجوء إلى الله سبحانه دون وسائط، وعليه التقرب إليه والدعاء له سبحانه، ثم هذا الصنم الأصم الأبكم هل يصلح أن يكون واسطة بينك وبين الله سبحانه؟!

    1.   

    إنه فكر وقدر

    ثم عندما يطوفون بالبيت كانوا يطوفون عراة ليس عليهم ثياب، إلا إذا كان من أهل مكة ومن الحمس الذين فيها فيحق له أن يعطيهم من ثيابه فيلبسونها، وهم يحتجون على صنيعهم هذا بأنهم عصاة مذنبون فلا يستطيعون عبادة الله بهذه الثياب الملوثة بالأقذار والمعاصي، والحق أن هذا كلام فارغ لا يعقل، ومع ذلك يصدق بعضهم بعضاً؛ لأن الكفر جمعهم، وجمعتهم كذلك عداوتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فهم مضطرون أن يصدق بعضهم بعضاً في الظاهر، كما زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ساحر وكذاب مع أنهم في أنفسهم يعلمون أنه ليس بساحر أو كذاب، وقد كان أكثر من دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الوليد بن المغيرة ، فقد قال لهم: أنا عرفت شعر العرب ونثرها، وعرفت لغة العرب، وعرفت كلام الكهنة والسحرة فلم أجده من هؤلاء، فاحتال عليه أبو جهل وقال له: لقد تركت قومك يجمعون لك المال، فقال: لماذا يجمعون لي المال؟ فقال: لأنهم يزعمون أنك تريد أن تتبع محمداً ليعطيك من المال؟! فإذا بالنعرة تأخذه، وأبو جهل يستغل الفرصة ويقول له: قل فيه شيئاً، وكان قد قال الوليد بن المغيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن القرآن العظيم: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، لما قال ذلك، فلما أثاره أبو جهل على النبي صلى الله عليه وسلم قال ما قاله، فيقول الله سبحانه ذاكراً صفة هذا الرجل: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر:18-24]، وهو الذي يقول: بأنه عرف كلام السحرة والكهنة، وهذا ليس بساحر أو كاهن، ثم في النهاية يقول مجاملة لقومه؛ لكي لا يقولوا عنه: إنه يريد أن يتبع النبي صلى الله عليه وسلم لكي يعطيه مالاً: (إن هذا إلا سحر يؤثر)! فالكفار يقولون بألسنتهم ما لا يعتقدونه في قلوبهم، وهم كذلك في كل زمان ومكان، وقد حذرنا الله من الكفار بقوله: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، فالله تعالى هو الذي خلقهم، وهو أعلم بما في نفوسهم، ومع ذلك يقع المسلمون ضحايا لتصديق هؤلاء الكفار فيما يكذبون وفيما يقولون عن دين الله سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما ...)

    قال تعالى: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ [الصافات:5].

    الرب: هو الخالق سبحانه، والرب: هو المالك الذي ملك المخلوقات ودبر أمرها.

    (وَمَا بَيْنَهُمَا) أي: كل شيء بين السماوات والأرض، فهو خالقه ومدبره.

    (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ)، فهو رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق سبحانه وتعالى كذلك.

    وقد ذكر الله عز وجل المشارق هنا، وذكر أيضاً في كتابه المشرق والمغرب وكرر ذلك فقال لنا في سورة المزمل: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:9]، وقال لنا في سورة الرحمن: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:17-18]، وقال لنا سبحانه: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ [المعارج:40]، وهنا قال لنا: (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) سبحانه تبارك وتعالى.

    والحق أن القرآن كلام عظيم، وهو كلام رب العالمين لا يتناقض أبداً، ومن توهم فيه التناقض فإنما هو لقصر فهمه وتفكيره، لكن العلماء ينظرون في هذا القرآن العظيم فيجدونه بليغاً فصيحاً قوياً متيناً، والدليل على ذلك هذه الآيات العجيبة فمرة يقول: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)، ومرة يقول: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)، ومرة يقول: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)، وكل هذا صحيح، فالمشرق: هو مكان الشروق، والمغرب: هو مكان الغروب، فهناك مشرق ومغرب.

    أما قوله: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن:17]، فإنك إذا تتبعت فصول السنة ومشرق الشمس في الشتاء في أقصر الأيام، ثم مشرق الشمس في الصيف في أطول الأيام، فستجد أن مشرقها في أطول يوم في السنة غير المشرق الذي تشرق فيه في أقصر يوم في السنة، فكأن المشرق مشرقان مختلفان ينبني عليهما طول اليوم والليل وقصرهما، فحسن إطلاق لفظ المشرق والمغرب بالمثنى في قوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن:17].

    أما إطلاق لفظ الجمع في قوله تعالى: بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [المعارج:40]، فباعتبار أن ما بين أقصر الأيام وأطول الأيام تشرق الشمس كل يوم في زاوية معينة تطلع منها، وتغرب من زاوية أخرى ينبني عليها اختلاف الأيام في الطول والقصر في العام كله، فتشرق الشمس على مكان دون الآخر، فالأرض لها مشارق ومغارب، وللمجموعة الشمسية مشارق حولها، على كل كوكب من هذه الكواكب مشرق ومغرب تشرق فيه، فسبحان الله المدبر الحكيم! وقد اكتشف علماء الفلك هذه الحقيقية بعد أن جاءت في القرآن قبل مئات السنين، فتبارك الله رب العالمين، فإن الإنسان إذا تفكر في القرآن عرف الإتقان والإعجاز الذي فيه، وكيف أن الله يذكر المشرق والمغرب تارة بلفظ الإفراد وتارة بلفظ التثنية والجمع وهو يعلم العلة والحكمة في ذلك، فعندما يقول سبحانه في سورة المزمل: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:9]، ناسب إفراد الله سبحانه تبارك وتعالى بالعبودية أن يذكر مشرقاً واحداً ومغرباً واحداً، وهو جنس لمكان الشروق والغروب.

    وفي سورة الرحمن يقول تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ [الرحمن:33]، يخاطب الاثنين، وهو يقول في كل السورة مخاطباً الإنس والجن: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا [الرحمن:13]، فناسب أن يذكر المشرق والمغرب بلفظ المثنى فقال: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [الرحمن:17].

    وهنا يقول سبحانه: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)، فلأنهما جمع قال: (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ)، فجمع فناسب ذلك.

    وفي سورة المعارج يقول الله سبحانه: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ [المعارج:40-41] أي: أمثال هذه المجموعات من الكفار والبشر الذين يكيدون للنبي صلى الله عليه وسلم، فناسب ذكر المشارق والمغارب باعتبار سياق الجمع.

    والحاصل: أننا نجد إعجاز القرآن في الحقائق العلمية التي لا تتناقض، وهي مع ذلك في سياق عظيم بديع يلائم الآيات السابقة واللاحقة في السورة التي يذكرها الله سبحانه تبارك وتعالى.

    ولذلك نقول: إن الذي يتأمل في هذا القرآن ويتعمق فيه يعرف قدر هذا الكلام العظيم الذي لا يدانيه كلام الإنس والجن لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله، فعندما تقرأ هذا القرآن العظيم.. الفصيح.. البليغ، وهذا السياق اللغوي الرصين المتين العظيم الجميل، تتعجب من وجوه إعجازه! وهذا من ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب)

    قال سبحانه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [الصافات:6] فيخبر الله سبحانه تبارك وتعالى عن السماء الدنيا، وهي أقرب السماء إلينا، وعدد السماوات سبع طباقاً بعضها فوق بعض، والأرض لا تساوي شيئاً بجوار هذه السماء العظيمة (والسماوات كلها بجوار كرسي الله عز وجل كحلقة في فلاة)، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك الكرسي بجوار عرش الله سبحانه تبارك وتعالى، وقد زين الله عز وجل السماء الدنيا بزينة وهي الكواكب.

    فخلق الله عز وجل النجوم زينة للسماء، وجعلها هداية للبشر يعرفون بها الطريق، فيعرف بها الشرق من الغرب، وكذلك دلالة النجم الفلاني على أن الطريق من هذا المكان، فجعل الله سبحانه تبارك وتعالى النجم هداية للناس كما قال: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، وهذه ثلاث فوائد خلقت من أجلها النجوم، فجعلها الله عز وجل زينة للسماء، وجعل منها ما يقذف ويرمى به الشياطين، وجعلها هداية للناس يعرفون بها الشرق والغرب والشمال والجنوب، ويعرفون الطريق بالنظر إليها، فمن ادعى فوق ذلك فقد ادعى ما ليس له به علم، ومن زعم أنه بالنجوم يعرف الأقدار فقد كذب على الله سبحانه تبارك وتعالى، وادعى غيباً لم يخبره به أحد، ووقع في الكفر بزعمه أنه يعلم شيئاً من الغيب.

    فقوله: (إِنَّا زَيَّنَّا) ذكر الله عز وجل هنا نون العظمة؛ لأن السماء بنجومها عظيمة جداً، ففيها الشهاب الثاقب وما يدل على عظمته، فعبر بـ(إِنَّا) سبحانه؛ دلالة على العظمة.

    وقوله: (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) هذه قراءة حفص عن عاصم وقراءة حمزة .

    وقرأها شعبة عن عاصم بفتح الباء: (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبَ).

    وقرأها باقي القراء بكسر الباء دون تنوين: (بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ).

    ولكل وجه معنى، فمن قرأها: (بِزِينَةٍ) كما هي قراءة حفص وحمزة ، (الْكَوَاكِبِ) فقال: بأن الزينة هي الكواكب، فجعلها بدلاً مما قبلها.

    ومن قرأها بقراءة شعبة عن عاصم : (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبَ)، جعلها منصوبة على المحل الذي قبلها، فكأنه قال: إنا زيناها زينة وبدل هذه الزينة قال: الكواكبَ، فهي معطوفة أو منصوبة على المحل الذي قبلها، أو بتقدير: أعني، (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ) أقصد وأعني: (الْكَوَاكِبَ) فهي مفعول على هذا الفعل المضمر، أو أنها بدل اشتمال من السماء.

    وباقي من القراء يقرءونها على الإضافة: (بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ) فيضيف الكواكب إلى الزينة.

    والحاصل: أن الله قد زين السماء الدنيا بهذه النجوم العظيمة التي يراها الإنسان على بعد بعيد جداً في السماء وهي صغيرة، فيظنها نقط في السماء وهي أكبر من الأرض بملايين المرات؛ لأن البعد الذي بيننا وبين السماء يصل إلى ملايين الكيلومترات، حتى إن شعاع النجم يستغرق للوصول إلى الأرض أربع سنين ضوئية، بينما تصل أشعة الشمس إلى الأرض خلال ثمان دقائق؛ ولذلك أقسم الله عز وجل بقوله: فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة:75]، وأنت تستطيع رؤية النجم وقد استغرق أربع سنوات ضوئية! فيقسم الله عز وجل بالموقع الذي كان فيه هذا النجم قبل أن يصل إليك، فهذا أمر عجيب وأعجب منه دقة التصوير القرآني لهذه الحقائق، ففيه دلالة باهرة على أنه كلام رب العالمين سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وحفظاًَ من كل شيطان مارد)

    ثم قال تعالى: وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصافات:7] أي جعلنا هذه الكواكب تحفظ السماء من استراق الشياطين للسمع.

    قال: (شَيْطَانٍ مَارِدٍ) الشيطان المارد: هو العاتي.. الشديد.. الطاغي.. الذي خرج عن حدود أمثاله، والذي يريد أن يتسمع ويتصنت على أخبار السماء، فأراد أن يتعالى بعلمه لخبر السماء، فالله عز وجل عندها يقذفه بالشهاب الثاقب كما سيأتي في الآيات بعدها.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.