إسلام ويب

تفسير سورة الدخان [17 - 24]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أكثر قصة كررت في القرآن الكريم هي قصة موسى عليه السلام مع فرعون وقومه، ولم يأت هذا التكرار عبثاً، وإنما لحكمة يريدها الله عز وجل، ذلك أن هذه القصة اشتملت على الكثير من الفوائد والعبر والدروس التي تظهر فيها قدرة الله عز وجل في إهلاك الظالمين، وحفظه سبحانه لأنبيائه وعباده الصالحين، وغير ذلك من الفوائد العظيمة التي لا حصر لها؛ ولذلك أكثر الله عز وجل من تكرار هذه القصة للاعتبار بها.

    1.   

    خصائص السور المكية

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    سورة الدخان من السورة المكية، ومن خصائص السور المكية: إقرار أمر العقيدة، وبيان الحكم والمواعظ من قصص الأنبياء مع أقوامهم.

    فقد جاء أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام إلى أقوامهم فدعوهم إلى الإيمان بالله، فكفروا وكذبوا وأعرضوا، فجاءهم العذاب من عند الله.

    وقصة موسى مع فرعون تكررت في القرآن على صور شتى، وفي كل موضع يذكر الله عز وجل العظة والحكمة المراد بها، وفي كل موضع تجد السياق متفقاً مع باقي السورة، وموافقاً لها في فواصلها، وفي طولها وقصرها.

    وذكر قصة موسى عليه السلام في مواضع كثيرة من كتابه سبحانه وتعالى من بلاغة القرآن وفصاحته، وحسن سياقه، وحسن إيراده لهذه القصص العظيمة، متوخياً العبرة في كل موطن منها، فإذا ساقها بطولها في سورة طويلة كسورة الأعراف فإنه يسوق القصة ويذكر ما وراء ذلك من عبر فيها، وإذا ساقها باختصار فإنه يشير إليها إشارة، كسورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] أو غيرها من السور التي يشير فيها إشارة إلى موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وفي كل موضع يذكر فيها العبرة، وهذا من تفنن القرآن العظيم في ذكر هذه القصة، ففي كل موضع تأخذ منه عبرة من العبر، وتجدها متسقة مع السياق الذي تدل عليه، أو الذي تساق فيه.

    وذكر سبحانه وتعالى هنا أن الأقوام السابقين كذبوا، ومن هؤلاء قوم فرعون، وقد قال سبحانه للمشركين: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [الدخان:37].

    فهذه صورة من صور إجرام السابقين مع أنبياء الله المرسلين عليهم الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون...)

    قال الله تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ [الدخان:17] أي: قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا عنه: ساحر، وزعموا وافتروا عليه أنه يعلمه بشر، فقد كُذِّب الرسل الأولون قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا أي: ابتلينا وامتحنا واختبرنا السابقين بما أرسلنا إليهم من رسل، وأنزلنا من كتب، وامتحناهم بالأوامر والنواهي.

    وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ ، والفتنة: هي الابتلاء والامتحان من الله عز وجل، فقد أعطى الله فرعون الملك، ثم أرسل إليه موسى عليه الصلاة والسلام ليدعوه إلى الله سبحانه، فتكبر فرعون حتى إنه جعل الناس يعبدونه من دون الله، وزعم أنه إله وأنه هو ابن الآلهة، حتى قال للناس في النهاية: أنا ربكم الأعلى، فكأنه كان أمام الناس يعلي نفسه شيئاً فشيئاً إلى أن جعل نفسه إلهاً ورباً، فعبده الناس من دون الله، وأنكر الرب سبحانه وتعالى، وقال: أنا هذا الرب فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [الزخرف:54] ففتنه الله عز وجل بالملك، وفتن قومه بما آتاهم من مال ورئاسة وغيرها، وابتلاهم بأن أرسل إليهم موسى عليه الصلاة والسلام.

    إكرام الله عز وجل لموسى عليه السلام

    قال تعالى: وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ وهذا الرسول الكريم هو موسى عليه الصلاة والسلام، فقد كان كريماً على الله سبحانه وتعالى، فقد أحبه الله وجعله واحداً من الخمسة أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو كريم على ربه سبحانه وتعالى، وكان كذلك كريماً في قومه، ومن أوسطهم نسباً، وكان من أشرف قومه عليه الصلاة والسلام، فأكرمه الله عز وجل بالنبوة والرسالة، وأكرمه وهو صغير بمعجزات، فنجاه من اليم، ورباه في بيت فرعون، فكان معززاً مكرماً من صغره صلوات الله وسلامه عليه، ولم يقدر أحد أن يصل إليه بشيء.

    وأيضاً من كرمه على الله أن كلمه الله سبحانه وتعالى، ومن كرمه على الله أن أعطاه الله عز وجل الأخلاق الحسنة: من التجاوز والصفح عمن يظلمه، ومن كرمه على الله أنه كان في لسانه لثغة فدعا ربه أن يزيلها فاستجاب له ربه سبحانه وتعالى، قال تعالى حاكياً دعاء موسى له: قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي [طه:25-30].

    فأخبر الله عز وجل أنه استجاب له ذلك كله فقال له: يا موسى لقد استجبنا لك هذا الذي سألته كله، ونخبرك أنا قد مننا عليك من قبل إذ نجيناك وقد كنت في اليم، وذكر الله عز وجل ما أكرم به موسى عليه الصلاة والسلام من صغره إلى أن صار رسولاً عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أن أدوا إلي عباد الله...)

    لقد أرسل الله موسى إلى فرعون وقومه، قال: أَنْ أَدُّوا [الدخان:18] يعني: بأن أدوا إلي عباد الله، فهو مرسل إلى بني إسرائيل ومرسل إلى فرعون لينهاه عما هو فيه من كبر، وعما هو فيه من دعوة أنه الإله والرب.

    قال تعالى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:45-44].

    يعني: أن فرعون طغى وتكبر، ومع ذلك فإن الله عز وجل يأمرهما أن يقولا له القول اللين، لعله يستجيب، وهذه عظة لنا أن تكون الدعوة بالقول اللين، كما قال تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).

    فأمر موسى عليه الصلاة والسلام وهو كليم الرحمن وهو الكريم على الله أن يذهب إلى هذا الحقير فرعون الملعون، ويكلمه كلاماً ليناً؛ لعله يستجيب لدين الله عز وجل، ولعله يطيع، والله يعلم أنه لن يستجيب إلا حين يأتيه العذاب، فلا يستجاب له في دعائه.

    فقوله تعالى: أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أي: أن أدوا إلي بني إسرائيل، وقد كان بنو إسرائيل في مصر مستضعفين مستذلين، يسخرهم فرعون وقومه في الأعمال الشاقة، وكان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، أي: يستبقيهن خادمات في بيوته، وبيوت جنوده، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص:4].

    ثم قال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [القصص:5-6].

    ولا يغني حذر من قدر، فقد قدر الله عز وجل على فرعون الهلاك، فأتاه الهلاك من حيث يظن أنه آمن، فقد قال لقومه: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:54-56] يعني: نحن قوم كثيرون، وهؤلاء حفنة قليلون، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ، فنريد أن نخرج إليهم لنقتلهم، أو نرجعهم للخدمة عندنا مرة ثانية.

    الآيات التي ابتلي بها فرعون وقومه

    لقد طلب موسى عليه الصلاة والسلام من فرعون أن يترك بني إسرائيل ليخرجوا معه، ويذهب بهم إلى ديار الشام، فأبى فرعون، فابتلاه الله وقومه بالسنين ونقص من الثمرات؛ لعلهم يذكرون، قال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133]، فابتلاهم الله بآية وراء آية، فكانوا يجأرون إلى موسى ويطلبون منه أن يدعو ربه، ويقولون له: لئن كشفت عنا الرجز -أي: العذاب- إننا لمؤمنون، وإننا لمهتدون، فيدعو لهم موسى فلا يستجيبون، حتى أتتهم تسع آيات معجزات على يد موسى عليه الصلاة والسلام فلم يستجيبوا له، وفي النهاية قال موسى: أدوا إلي عباد الله وكفاكم هذه الابتلاءات التي ابتليتم بها، فأداهم إليه فرعون من البلاء الذي يأتيهم، فقال له فرعون: خذ بني إسرائيل واخرج، ثم ندم فرعون على ذلك؛ لأنه لا يوجد من يخدم القوم، فغدر فيما وعد به، وأخلف ما وعد به موسى، فقال له موسى عليه الصلاة والسلام: أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ أي: أد إلي بني إسرائيل فإنهم كانوا وديعة عندك، فهات هذه الوديعة وأرجعها إلي، فأنا أمين عليهم، ومن أحق بهذه الصفة من موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأن لا تعلوا على الله ...)

    قال الله تعالى: وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [الدخان:19] أي: لا تتكبروا على الله، إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ أي: بحجة، وهذا من جمال التعبير؛ للمناسبة بين العلو وبين السلطان، أي: إن معي حجة عالية تغلبكم، فأنتم تريدون أن تتكبروا وتستكبروا فأنا معي السلطان من الله، وهي الحجة القاهرة الغالبة التي يغلبك الله عز وجل بها.

    فقوله تعالى: وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ أي: لا تردوا أمر الله سبحانه، ولا تقتلوا عباد الله ظلماً وبغياً، ولا تفسدوا في الأرض، إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي: بحجج من الله سبحانه وتعالى بينة واضحة لديكم.

    تفسير قوله تعالى: (وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون)

    قال الله تعالى: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ، وإني عذت أي: استجرت واعتصمت بالله ولجأت إليه سبحانه، ثم قال: وَرَبِّكُمْ أي: أن فرعون كان يقول: أنا ربكم، فقال: ربي وربك، ورب هؤلاء جميعهم هو الله، وهذا من شجاعة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام بتثبيت الله عز وجل له، فقد كان موسى خائفاً، وطلب من ربه سبحانه أن يثبته، قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45] أي: أنا وأخي نخاف من فرعون، وهذا خوف جبلي طبعي، فكل إنسان يخاف حتى الرسل عليهم الصلاة والسلام.

    فقال تعالى: لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، فطمأن الله موسى وهارون، ولذلك ذهب موسى عليه الصلاة والسلام بمنتهى الشجاعة بتثبيت الله عز وجل له إلى فرعون وقال له ما أمره الله عز وجل به، قال الله عز وجل: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى [طه:68]، فأتى التثبيت من الله عز وجل؛ لأن هذا الموقف من المواقف المرعبة التي ترعب الإنسان وتخيفه وتخيف أيضاً الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ولكن الله يثبتهم فيثبتون، فكأن الله سبحانه يقول لعباده: لا تخافوا، فكما ثبت موسى وثبت غيره فكذلك أثبتكم إذا التجأتم إلي واعتصمتم بي.

    قال تعالى: وَإِنِّي عُذْتُ ، عذت تقرأ بالإدغام وبعدمه، الإدغام قراءة أبي عمرو وقراءة هشام عن ابن عامر وقراءة حمزة والكسائي وخلف وأبي جعفر إني عذت بربي وربكم أن ترجمون، وباقي القراء يقرءونها بعدم الإدغام: إني عذت، وكذلك هنا أن ترجمون في حال الوصل يقرؤها ورش : أن ترجموني بالياء في آخرها، ويعقوب يقرؤها وصلاً ووقفاً بالياء، فيقول: وإني عذت بربي وربكم أن ترجموني، وكذلك قوله تعالى: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِي، وباقي القراء يقرءونها في الوصل بالكسرة، وفي الوقف بالسكون: أن ترجمونْ.

    قوله تعالى: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ الرجم هنا له معنيان: إما الشتم والأخذ باللسان، وإما الضرب والرمي بالحجر والإيذاء للجسد بالقتل ونحوه، فكأن موسى يقول لهم وهم يهددونه بأنهم سيسبونه ويشتمونه ويرمونه بالحجارة ويقتلونه: إني عذت بربي أي: أنا لست خائفاً منكم؛ لأني ملتجئ إلى ربي سبحانه، وهو يعصمني ويحميني سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون ... إنهم جند مغرقون)

    قال الله تعالى: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ [الدخان:21] أي: وإن لم تؤمنوا فابعدوا عني وذروني أدعو إلى ربي، واتركوني آخذ قومي وأخرج من هنا، وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ، وهذه الآية يقرؤها ورش عن نافع : وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلوني مثل: ترجموني، هذا في حالة الوصل، وأما في الوقف فيقرؤها بالسكون على النون، ويعقوب يقرؤها بالياء: فاعتزلوني وصلاً ووقفاً.

    فقوله: وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي أي: إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله وقد أتيتكم بالبراهين فاعتزلون، أي: دعوني ولا تؤذوني، وذروني أخرج من هنا، فلما استيئس موسى من فرعون وقومه أن يؤمنوا بعد كل هذه الآيات دعا ربه سبحانه، فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ [الدخان:22] أي: إن هؤلاء قوم أجرموا في حق الله عز وجل، وفي حق موسى النبي عليه الصلاة والسلام، وفي حق بني إسرائيل.

    فهؤلاء قوم مجرمون؛ لأنهم أجرموا وأفسدوا وكفروا، فجاء الجواب من الله: فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الدخان:23]، والسرى: المشي والسفر بالليل، فقال هنا سبحانه: فأسر من أسرى، وأيضاً من سرى، فهي ثلاثية ورباعية، وفيها قراءتان أيضاً: قراءة الجمهور: فأسرِ بهمزة قطع من الرباعي من أسرى، وقرأها من الثلاثي فاسر نافع وأبو جعفر وابن كثير .

    فقوله: فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يقول الله عز وجل لموسى: أسر، أي: اخرج بالليل أنت وقومك، وهذا لما أذن لهم فرعون، وأخبر الله موسى بأن فرعون سينكث ما وعدكم به، وسيخلف وعده معكم، فاخرجوا. فأمره الله أن يتجه إلى البحر الأحمر، فلما وصل موسى وقومه إلى ساحل البحر، لحقهم فرعون وجنوده، فأصاب بني إسرائيل الرعب الشديد، وقالوا له: البحر من أمامنا وفرعون من خلفنا يوشك أن يصل إلينا ويدركنا، وهنا يأتي أمر الله سبحانه: فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ [الدخان:23-24]، وقال لقومه عندما أدركهم فرعون: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] أي: لا تخافوا إن ربي سيهدين، وهو معي سبحانه وتعالى، هو وربي الذي أمرني أن أمشي إلى هذا المكان.

    وجأر بنو إسرائيل بالدعاء إلى الله، وهنا جاء أمر الله سبحانه، قال تعالى: اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ [الشعراء:63-64] أي: حتى يروا هذه المعجزة وهذه الآية التي حدثت، لعلهم يعتبرون بها، وكانت آية أخرى من الآيات التي يرونها أمامهم، فإن موسى لما ضرب بعصاه البحر انفلق البحر وقد كانت عصا موسى آية من الآيات، فإذا ألقاها كانت حية تسعى، وألقاها أمام السحرة فإذا هي تلقف ما يأفكون، وضرب بها الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عيناً، وضرب بها البحر فيبس البحر، وقد قال له الله: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:17-18] يعني: أمشي عليها، وأهش بها وأضرب بها الشجر حتى يسقط الورق فتكأله الغنم، وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:18] أي: أستخدمها في أشياء أخرى، فأمره الله بإلقائها، فألقاها فإذا هي حية تسعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه:67]، وهذا أمر الله: إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [مريم:35].

    ثم قال لموسى عليه الصلاة والسلام: هذه عصاك فخذها، وهي على الأرض قد صارت ثعباناً، فأمسك موسى هذا الثعبان فرجع عصاً مرة ثانية، وكأن الله عز وجل يمرن موسى حتى لا يفزع أمام فرعون حين يلقيها فتصير ثعباناً، فلما كان أمام فرعون ألقاها وهو رابط الجأش ثابت، وهنا أمره الله بأن يضرب بالعصا البحر، فكانت آية عجيبة جداً، فقد ضرب بهذه العصا البحر العظيم العميق فانفلق البحر قسمين، ووقف الموج كأنه الثلج، وصارت الأرض أمامه يابسة، فنزل موسى وقومه في هذه اليابسة، ومروا منها، وأراد الله عز وجل أن يرى فرعون هذا الذي حدث من أن الأرض أمامه صارت يابسة، لعله يؤمن ويرجع عما هو فيه.

    قال تعالى: وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ [الشعراء:64] أي: قربنا هؤلاء الآخرين، وبدأ موسى يدخل في هذا البحر الذي صار طريقاً يابساً، وكان قوم موسى في غاية الرعب ينظرون وراءهم، وموسى في غاية الاطمئنان بربه سبحانه وتعالى، فلما كان موسى وقومه في وسط البحر وصل فرعون ومن معه إلى أول البحر، فرأوا آية من الآيات ولكن فرعون بطغيانه ظن نفسه آمناً، وكم أُخذ آمن من مأمنه، وقد أخذه تعالى من قصره من وسط جنوده حتى يغرقه في هذا المكان، وهو يرى الآيات البينات أمامه، قال تعالى: وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ [الشعراء:64-65]، فلما خرج موسى وقومه من الناحية الأخرى وصار فرعون وجنوده في وسط البحر جاء أمر الله عز وجل، فانطبق البحر عليهم، وأغرق الله عز وجل فرعون وجنوده، ومضى مثل الأولين، فجأر فرعون وصاح وصرخ ودعا: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] يعني: الآن صدقت وآمنت، ولم يقل: آمنت بالله، وإنما قال: (آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)، وكأنه يقول: نجني كما نجيتهم، فإيماني مثلهم، وبعد ذلك يرجع إلى كفره لعنة الله عليه، فقال له الله عز وجل: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92] أي: سننجي بدنك فقط؛ حتى يرى الناس أن هذا هو فرعون الذي زعم أنه رب الناس.

    وهنا قال الله سبحانه: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا [الدخان:24] أي: واترك البحر ساكناً على ما أمر الله سبحانه وتعالى، فإن العصا ليست هي التي فلقت البحر، ولكنه أمر الله سبحانه، وهذا إنما هي سبب من الأسباب.

    قال تعالى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ (ورهواً) أي: يابساً وساكناً كالجوبة، أي: كالحفرة، فإن الموج انحسر شمالاً حتى صار البحر كالحفرة في الأمام ومر موسى ومن معه، وأطبق البحر على فرعون وجنوده، فكان هذا آية من الآيات العجيبة جداً.

    وعندما يتفكر الإنسان في قدرة الله سبحانه وتعالى يعلم أن هذه العقوبة ليست خاصة بفرعون وجنوده، والدليل على ذلك هو ما حدث في تسونامي في بلاد المسلمين من بلاد أندونيسيا، فقد كان الصيادون على شاطئ البحر يصطادون، وكان في هذه الشواطئ النساء العرايا، وكان فيها بلاء، فإذا بأمواج البحر تنحسر على بعد اثنين كيلو، فوجدوا أمامهم السمك على الأرض اليابسة، فجروا وراء السمك، ودخلوا اثنين كيلو في البحر وراء السمك حتى يأخذوها، ونسوا ما حصل لفرعون، فلما وصلوا إلى السمك جاءهم الطوفان العجيب، فأخذهم وارتفع بهم وأهلكهم ودمرهم، وجاءهم أمر الله سبحانه وتعالى، وقد ظنوا أنهم في أمان؛ لأن البحر صار يابساً، فنزلوا ليأخذوا ما فيه، فإذا بالأمواج تأتي عليهم، وكما صنع بفرعون وجنوده صنع بهؤلاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فليعتبر الإنسان من القصص القرآنية، وليعلم أن قصة فرعون ليست للتسلية، وإنما ليعتبر أولو الألباب، أي: إذا صنعتم صنيعهم أصابكم البلاء من الله كما أصابهم، فلا تعلوا على الله، ولا تبتعدوا عن دين الله، واحذروا من الفساد، ومن العلو والاستكبار، فإن الله عز وجل لما أخذ فرعون وقومه جعلهم عبرة، كما قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9].

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.