إسلام ويب

تفسير سورة الجاثية الآية [14]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مؤامرة أهل الكفر والإلحاد على المسلمين مستمرة حتى قيام الساعة، والمسلمون إن تمسكوا بدينهم وطبقوا شرع الله في خلقه عزوا وسادوا، وإن خالفوا دينهم ورجعوا إلى حكم الديمقراطية وغيرها من القوانين الوضعية، أذلهم الله، وسلط عليهم من يستبيح بيضتهم ويذيقهم أنواع النكال، حتى يرجعوا إلى دينهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله....)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الجاثية:

    قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الجاثية:14-17].

    لما ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة في هذه السورة شيئاً من قدرته سبحانه وبديع خلقه، في السموات وفي الأرض وفي الرياح وفي الرزق الذي يعطيه العباد، وفي أنفسهم وفي البر وفي البحر، وغير ذلك من الآيات في السموات وفي الأرض، أخبر أنه سخر ذلك كله جميعاً منه سبحانه وتعالى،وذلك فيه آيات لقوم يتفكرون في هذه المخلوقات فيعرفون قدرة الخالق سبحانه وتعالى.

    ذكر الله ذلك ليبين قدرته أنه على كل شيء قدير، ومع قدرته العظيمة جعل عباده منهم المؤمن ومنهم الكافر، ومع قدرته على الجميع سبحانه ابتلى هؤلاء بهؤلاء، ابتلى المؤمنين بالكفار، وأمر المؤمنين أن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، والكافرون يعرضون ويجحدون ويكذبون، بل ويتسافهون بالقول على المؤمنين.

    سبب نزول قول الله تعالى (قل للذين آمنوا يغفروا... الآية)

    وهذه السورة كما ذكرنا سورة مكية، قيل: إلا هذه الآية: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الجاثية:14].

    قيل في سبب نزولها: إنها نزلت في عمر رضي الله عنه في المدينة، وقيل: بل في مكة، حيث إن عمر رضي الله عنه سمع رجلاً من قريش يشتم النبي صلى الله عليه وسلم فهم أن يبطش به رضي الله عنه، فنزل قول الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ .

    وقيل: بل في المدينة في غزوة بني المصطلق، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكان، وعبد الله بن أبي بن سلول المنافق كان في المكان نفسه وأرسل غلاماً له يستقي له من الماء، فلما وصل إلى مكان الماء تأخر على سيده عبد الله بن أبي بن سلول ، فسأله عبد الله بن أبي عن سبب تأخره، فقال: كان هناك على الماء غلام عمر رضي الله عنه أبى أن نسقي حتى يملأ للنبي صلى الله عليه وسلم ويملأ لـعمر رضي الله عنه، فتغيظ هذا الرجل المنافق وقال: ما هذا إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، يشتم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يعني: جاءوا لنا فقراء من مكة لا يجدون شيئاً، والآن في المدينة يسابقوننا ويسقون قبلنا ويأخذون أشياءنا! فلما قال ذلك ووصل الخبر إلى عمر رضي الله عنه أراد أن يقتل عبد الله بن أبي بن سلول ؛ لكونه يشتم النبي صلوات الله وسلامه عليه وكاد يفعل، فأنزل الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ وعلى كونها مكية قيل: هي منسوخة، وعلى كونها مدنية قيل: أيضاً إنها منسوخة، نسختها آية السيف، وذلك حين أمر الله عز وجل بالجهاد، قال تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5] فأمر الله المؤمنين بجهاد الكافرين، فقالوا: هذه الآية نسخت كل ما كان فيه من موادعة مع الكفار ومن متاركة وتفويت لهم، فقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا يعني: يتركونهم كأنهم لم يسمعوا ما قالوه، وقيل: بل إذا كان يرجى من هؤلاء الإسلام فيتجاوز عنهم ليدعوا إلى الله عز وجل، وهذا المعنى صحيح، ولا ينافيه أن يكون الأمر بعموم ما نزل بعد ذلك، وهو أمر الله عز وجل المبين بأن يقاتلوا المشركين وأن يجاهدوهم في كل مكان.

    فقال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا فالإنسان إذا دعا إنساناً قد يكون هذا المدعو يجادل بحق ويجادل بباطل، ولكن يرجى منه خير، فيجادل ويفوت عليه شيء، ويتنزل معه في مقام المناظرة.

    كما فعل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما كان يدعو عباد الكواكب إلى الله سبحانه وتعالى وقال: هذا ربي، ومستحيل أن إبراهيم يشرك بالله ويقول: الكوكب ربي، ولكن مقام المناظرة مع هؤلاء يجعله يقول لهم: هذا ربي بزعمكم أنتم؛ لأنكم تعبدون الكواكب، قال تعالى: هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76] أي: لا يصلح أن يكون رباً.

    إذاً: هذا المقام مقام مناظرة وليس مقام نظر، فمقام النظر: هو أن الإنسان يتحير ويفكر هل هذا هو الرب أم لا؟ فهو متشكك، هذا مقام النظر، ومستحيل أن يكون إبراهيم في هذا المجال أو هذا المقام، إنما المقام مقام مناظرة، وإبراهيم مستيقن ما يقول، ولكن يجادل الخصم ويقول له: فرضنا جدلاً أن الذي تقوله أنت صحيح، فإبراهيم يقول: هذا ربي بزعمهم فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام:76-77].

    فلما غاب القمر وظهرت لهم الشمس قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ [الأنعام:78] هذا أكبر شيء تزعمون أنه رب فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام:78] أي: الذي تقولونه هذا كله هجس، وكله عبادة فارغة وليست عبادة حقيقية، وأنا بريء من هذا الشرك الذي أنتم تشركونه، فظهرت حقيقة مناظرة إبراهيم لهؤلاء، أنه ما كان يناظر ليصل هو إلى شيء، ولكن يريد أن يوصلهم إلى ما هو فيه من عبادة الله عز وجل.

    فإذا كان هناك مؤمن يدعو إلى الله ويدعو إنساناً كافراً لا يتوقع أنه مجرد ما يقول له: قل: لا إله إلا الله، سيقول: لا إله إلا الله، ويدخل في الدين؛ لأن الكفار كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] فقيل للمؤمنين: اصبروا على هؤلاء واتركوهم، واسمعوا منهم وادعوهم إلى الله عز وجل، بل وقال للمؤمنين: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108] إذاً: المؤمن يتأدب في دعوته، فإذا جادل ودعا إلى الله لا يصل الأمر إلى أن يشتم آلهة هؤلاء، فقد يشتمونه ويشتمون دينه، إذاً: تأدب أنت حتى يعاملك هو أيضاً بهذه الصورة، فإذا كنت ترجو من إنسان خيراً لتدعوه إلى الله سبحانه وتعالى فاصبر في وقت الدعوة إليه.

    ذكر ما جاء من دعوة إبراهيم لقومه إلى ترك عبادة الكواكب

    كما فعل إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما كان يدعو عباد الكواكب إلى الله سبحانه وتعالى وقال: هذا ربي، ومستحيل أن إبراهيم يشرك بالله ويقول: الكوكب ربي، ولكن مقام المناظرة مع هؤلاء يجعله يقول لهم: هذا ربي بزعمكم أنتم؛ لأنكم تعبدون الكواكب، قال تعالى: هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ [الأنعام:76] أي: لا يصلح يكون رباً.

    إذاً: هنا المقام كما يقولون مقام مناظرة وليس مقام نظر، فمقام النظر: هو أن الإنسان يتحير ويفكر هل هذا هو الرب أم لا؟ فهو متشكك، هذا مقام النظر، ومستحيل أن يكون إبراهيم في هذا المجال أو هذا المقام، إنما المقام مقام مناظرة، وإبراهيم مستيقن ما يقول، ولكن يجادل الخصم ويقول له: فرضنا جدلاً الذي تقوله أنت صحيح، فإبراهيم يقول: هذا ربي بزعمهم فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [الأنعام:76-77].

    فلما غاب القمر وظهرت لهم الشمس قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ [الأنعام:78] هذا أكبر شيء تزعمون أنه رب فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام:78] أي: الذي تقولونه هذا كله هجس، وكله عبادة فارغة وليست عبادة حقيقية، وأنا بريء من هذا الشرك الذي أنتم تشركونه، فظهرت حقيقة مناظرة إبراهيم لهؤلاء، أنه ما كان يناظر ليصل هو إلى شيء ولكن يريد أن يوصلهم إلى ما هو فيه من عبادة الله عز وجل.

    فهذه المناظرة كما ذكرنا، فإذا كان إنسان مؤمن يدعو إلى الله ويدعو إنساناً كافراً لا يتوقع أنه مجرد ما يقول له: قل: لا إله إلا الله سيقول: له لا إله إلا الله ويدخل في الدين؛ لأن الكفار كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] فقيل: للمؤمنين اصبروا على هؤلاء واتركوهم، واسمعوا منهم وادعوهم إلى الله عز وجل، بل وقال للمؤمنين: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108] إذاً: هنا المؤمن يتأدب في دعوته، فإذا جادل ودعا إلى الله لا يصل الأمر إلى أن يشتم آلهة هؤلاء، فقد يشتمونه ويشتمون دينه، إذاً: هنا تأدب أنت حتى يعاملك هو أيضاً بهذه الصورة.

    فإذا كنت ترجو من إنسان خيراً لتدعوه إلى الله سبحانه وتعالى فاصبر في وقت الدعوة إليه.

    حكم من يسب النبي صلى الله عليه وسلم

    إذا كان الكافر لا يرجى منه خير، وبدأ بالسفاهة والشتم والبذاءة فحكمه حكم المرأة الكافرة، تزوجها رجل أعمى ضرير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تسب النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الفأس وضربها في بطنها فقتلها وأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمها، فهذه لا قيمة لها؛ لأنها تسب النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه بغير حق، ولم يفعل بها شيئاً صلوات الله وسلامه عليه حتى تشتمه، فقتلها زوجها فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمها.

    إذاً: الإنسان الذي يتطاول على النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان مسلماً فقد ارتد بذلك ويستحق أن يقتل، فإذا كان كافراً حربياً فحكمه الشرعي أنه يستحق القتل بما فعل مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، هذا حكم من يسب النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأمر الله عز وجل بجهاد المشركين جهاد ابتداء بدعوتهم إلى الله عز وجل، فإذا قاتلوكم فقاتلوا هؤلاء في سبيل الله سبحانه وجهاداً في سبيله، ولا نحكم عليهم بقول الله تعالى: (( يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ))؛ لأنهم يتطاولون على الله سبحانه، ويتطاولون على دين الإسلام، ويتطاولون على النبي صلى الله عليه وسلم، فهل من اللائق أن نعاملهم بالحكمة والموعظة الحسنة، أي: حكمة هذه وهم يسبون الله ويسبون رسول الله بدعوى الحرية والكذب الذي يقولونه، فهؤلاء لا يستحقون إلا السيف، ولو كان في المسلمين أمة تعرف ربها سبحانه وتجاهد في سبيل الله عز وجل، لما سكتوا لأحد أبداً يسب الله أو يسب دين الإسلام أو يسب النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولخاف العالم كله من المسلمين حين يقومون وحين يثأرون لله عز وجل ولرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وليس من اللائق أن يقال من باب الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم: لماذا تشتمون النبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا رجل ميت! فإن هذا لا يقال في سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، بل هو إجرام في الكلام على النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلا يقال عنه صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأنه إذا كان الشهداء أحياء عند ربهم، فكيف بسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه النبي عليه الصلاة والسلام؟ فهو سيد خلق الله عز وجل، وسيد الأنبياء، قال: (أنا سيد ولد آدم) صلوات الله وسلامه عليه.

    وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد عليه) وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الأرض تأكل أجساد الخلق، فقالوا: كيف وقد أرمت؟ يعني: أنت مت كيف سترد السلام؟ قال: (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء).

    إذاً: جسده في الأرض باق صلوات الله وسلامه عليه، وروحه يردها الله عز وجل إليه في الحياة البرزخية بما يشاء سبحانه وتعالى وكيف شاء، ليس على هيئة ما يكون في الدنيا، ولكن على شيء يعلمه الله سبحانه وتعالى، ويبلغه السلام لمن يسلم عليه وممن يصلي عليه، وخاصة في يوم الجمعة، إذ يبلغه صلاة الناس وتسليمهم عليه صلوات الله وسلامه عليه.

    هذا النبي صلى الله عليه وسلم هل يدافع عنه بهذا الكلام الفارغ فيقال: هذا رجل ميت؟ ويقول: (اذكروا محاسن موتاكم) ألا لعنة الله على الكاذبين وعلى المجرمين الذين يدافعون عن أولياء القبور وعن الأضرحة دفاعاً كبيراً، وإذا تكلموا عن النبي صلى الله عليه وسلم تكلموا بكلام خائب لا معنى له، ثم يرجعون ويعتذرون ويقولون: لم نقل هذا الشيء كعادتهم، يقولون كلاماً سيئاً في دين الله عز وجل وبعد ذلك يتنصلون ويقولون: لم نقل شيئاً من ذلك؛ خوفاً من أن ينتشر عنهم، وتقوم قائمة الناس عليهم بسبب هذا الكلام السيء الذي يقال.

    إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، وقد جعل الله عز وجل دينه الدين الخاتم، وأمره أن يدعو الخلق بالحكمة والموعظة الحسنة، فإذا استجابوا للنبي صلى الله عليه وسلم فبها ونعمت، وإذا لم يستجيبوا ولم يقاتلوا تركهم صلوات الله وسلامه عليه ودفعوا الجزية وسكت عن ذلك، أما إذا حاربوه صلوات الله وسلامه عليه فلابد من مقاتلتهم كما أمر الله سبحانه وتعالى.

    مؤامرة الكفرة على المسلمين في نشر الديمقراطية

    اليوم أصحاب الحريات وأصحاب الديمقراطيات يريدون أن ينشروا دينهم (الديمقراطية) التي يدعون إليها بالسيف، وبالسلاح، وبالدبابات والطائرات، وحجتهم أن الإسلام انتشر بالسيف، فيريدون نشر الديمقراطية في العراق بالسفن والطائرات والصواريخ والقنابل الذرية، فيرتكبون الجرائم في أفغانستان والعراق وفي بلاد المسلمين، ثم يحتجون بأن الإسلام، أن فيه جهاد.

    فأهل الإسلام لم يعرفوا دينهم الحق؛ لأنهم لو عرفوا الحق لما قالوا: لا جهاد في الإسلام، والجهاد يكون فقط عندما يداهمنا العدو فنجاهده جهاد دفع فقط وليس جهاد ابتداء، ونحن لا ننشر ديننا بالسيف، وبالتالي يقومون بتعبئة الأفكار تعبئة خاطئة حتى كادوا يلغون آيات الجهاد في كتاب الله، وهذا الذي طلبه المجرمون الأمريكان من المسلمين العرب، طلبوا منهم أن يلغوا من المصاحف آيات الجهاد، وأن يدرسوا الطلاب في المدارس الأخلاق!

    حتى في الأزهر يكادون يفعلون ذلك، فقد صاروا أذناباً وأذيالاً للمنافقين، يدافعون عن أنفسهم بغير دين الله عز وجل، ويطلبون من الكفرة أن يدافعوا عنهم وأن يحموهم، فلذلك تجردوا من دينهم فإذا بهؤلاء يسبونهم ويسخرون منهم، فلا أحد من هؤلاء الكفار يجرؤ أن يشتم اليهود أو يشتم السامية أو يتكلم عن المذابح التي عملها هتلر فيهم، ولو أن أحداً تجرأ أن يقول ذلك لثارت وقامت عليه الدنيا، ولعله يسجن في بلاد الكفار؛ لأنه شتم اليهود، ويضيقون عليهم في أرزاقهم، ويفصل أساتذة من الجامعة لكونهم فقط قالوا: إن هتلر لم يقتل ستة مليون من اليهود ولا غيرهم، ولا يبلغ اليهود هذا العدد حتى يقتل منهم هذا العدد الهائل.

    وهذا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يسب لولا أن عوام المسلمين ثاروا لم يتكلم أحد، فكل مسلم ثارت فيه الحمية وثار فيه الغضب لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما استطاع المشايخ أن يتكلموا قبل ذلك، ولكن تكلم المشايخ لما وجدوا الناس ثارت في نفوسهم حمية الحق، وتكلموا وغضبوا لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من تكلم فأحسن، ومنهم من خاب وخسر وقال: قاطعوا هذه الجريدة التي أساءت لنا فقط، ولماذا لا نقاطع الدولة التي سمحت بذلك، والدول التي دافعت عن ذلك، والجرائد التي في الدول الأخرى التي فعلت هذا الشيء؟!

    هذا شيء عجيب جداً في الردود الخائبة الضعيفة التي يقولونها ويزعمون أنهم يدافعون عن دين الله سبحانه وتعالى.

    تجارب تراها في حياتك تعلمك أنه يستحيل أن يدافع عن الإسلام إلا أهل الإسلام، المتمسكون بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما أن تنتظر من علمانيين أو منافقين أو ديمقراطيين أو غيرهم أن يدافعوا عن هذا الدين، فهم لا يطلبون الدين أصلاً؛ لأن الدين منظر فقط أمام الناس، كوننا نحن من العرب ومن المسلمين.

    وإذا جاءهم وقت من الأوقات يفتخرون فيه بالقومية العربية قالوا: نحن قوميون، نحن عرب، ويتكلمون عن الإسلام على حياء، ويجعلونه إسلاماً ديمقراطياً لكي نظهر بإسلام بثوب جديد، غير الإسلام الذي عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم!

    والديمقراطية عند الغرب تعني: حكم الشعب نفسه بنفسه، إن الحكم إلا للشعب، وعندما ينزل إليهم رسول من السماء يقولون: سنحكم فيك الشعب!

    والله سبحانه وتعالى يقول: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف:40] فالدولة الدينية التي يحكمها شرع الله سبحانه وتعالى، من المؤسف جداً أن نقول: سنحكم الأغلبية من الشعب ونقول: تعالوا هل تريدون إسلاماً أم لا تريدونه؟

    فإذا قالوا: نريد إسلاماً، أخذنا الإسلام ليس إرضاء لله، وإنما لأن الناس يريدونه، وإذا كان هذا حال المسلمين اليوم فلا يرجى منهم أن يدافعوا عن دين الله ولا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    الدعوة إلى العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

    لابد من التربية على حب الله، وعلى حب كتابه، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدعوة إلى دين الله الدعوة الحق، ليست الدعوة للديمقراطية، ولا للافتخار بما تأتي به أوروبا، وترك ما جاء به كتاب الله عز وجل وراء الظهور، بأنه رجعية وأنه أشياء قديمة لا تصلح لهذا الزمان، فالإسلام هو الدين الذي جعله الله عز وجل يبقى إلى قيام الساعة، وينزل المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ليحكم بهذا الدين ولا يسعه أن يحكم بغيره، وكان قبل ذلك لما أرسل إلى بني إسرائيل أراد أن يحكمهم بالتوارة، فلما رفع عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأخبرنا الله سبحانه بقوله: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [النساء:159].

    أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن المسيح سينزل قبل قيام الساعة ويكون من علاماتها، ويؤم المسلمين رجل منهم، يكون إماماً للمسلمين حين ينزل المسيح، والمسلمون يريدون الصلاة، ويتقدم إمام المسلمين ليصلي بالناس والمسيح وراءه، ثم يقتل الخنزير ويكسر الصليب ولا يقبل الجزية، ويقتل المسيح الدجال ويحكم الخلق بكتاب الله العظيم.

    فالقرآن العظيم فيه نبأ من قبلكم، وحكم ما بينكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما يكون بعدكم، هذا القرآن العظيم الذي نزل من عند رب العالمين أمرنا الله بتحكيمه، قال تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:49].

    فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يحكم بهواه ولا برأيه، وإنما بكتاب رب العالمين سبحانه وتعالى، فلابد أن يعرف المسلمون أن هذا القرآن العظيم نزل من السماء ليحفظ في الصدور، وليعمل به، وليحكم به بين الناس، فيستيقظون بذلك ويحكمون شرع الله، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96]، ولخاف الخلق كلهم من المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، فمن جنود الله عز وجل الرعب يلقيه الله في قلوب الأعداء.

    فلو أن المسلمين تمسكوا بكتاب الله عز وجل لألقى الله عز وجل الرعب في قلوب أعدائهم، ولكن لما تركوا دينهم وراءهم، بل بدءوا هم بالسخرية من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وتركوا القرآن وراءهم وقالوا: رجعية، وقالوا: نريد أن نأخذ بالأشياء الحديثة الآن، ولا يوجد شيء في كتاب الله يأمر المرأة بالحجاب، ولا يوجد شيء في كتاب الله يأمر المرأة بالنقاب، فبدءوا يلغون دين الله؛ استحقوا تسلط الكفار عليهم، وتركهم الله عز وجل، وبلغ الأمر إلى أن يسخر منهم الكفار، ويصورون رسولهم صلوات الله وسلامه عليه بصور بذيئة، والمسلمون أقصى ما يملكون أن يسكتوا ولا يقدرون على شيء، وينظرون إلى أسلحة الكفار فيخافون منهم، يقولون: سنقاطع تجارة الكفار، ويقولون لهم: سنسلط عليكم مركز التجارة العالمي، وسنسلط عليكم كذا وكذا، فيخافون من هؤلاء، ومنهم من يقول: نشجب ونقاطع هذه الجريدة التي فعلت هذا الشيء، نقول: والدولة التي وراء هذه الجريدة أيضاً، والكفار الذين يدافعون عن ذلك، لكن تراهم يخافون من هؤلاء.

    نسأل الله عز وجل أن يثبت الإسلام في قلوب المسلمين، وأن يعيد المسلمين إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وأن يلعن الكفرة والمجرمين، ويسلط عليهم من ينتقم منهم ويثأر لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3048115269

    عدد مرات الحفظ

    738623891