إسلام ويب

تفسير سورة الأحقاف الآية [20]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أحل الله سبحانه وتعالى الطيبات من الرزق ونهى عن الإسراف، فعلى المسلم ألا يأخذ كل ما أبيح له؛ لأنه قد يتعدى بذلك إلى الحرام، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أسوة حسنة، وأما الكفار فإنهم يذهبون طيباتهم في الدنيا، وليس لهم في الآخرة شيء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار ... )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحقاف: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ * وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأحقاف:20-21].

    يذكر الله عز وجل عباده بهذه الآية وما يليها بيوم القيامة، وما يكون في هذا اليوم من سؤال عما أنعم الله عز وجل به على العباد، وعما فعلوه في هذه النعمة، وهل شكروا النعمة وذكروا صاحب النعمة، أم أنهم كفروا ربهم سبحانه واستوجبوا على أنفسهم منه النقمة.

    فقوله تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ، أي: يزال عنهم الغطاء، فيرون أمامهم نار جهنم ماثلة، فيعرضون عليها، ويؤمرون بدخولها، وذلك جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ:26]، ويقال: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [الحج:10].

    ويقال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا .

    أي: قد فعلتم ذلك، فالإنسان يستغل هذه الدنيا إما فيما ينفعه أو فيما يضره، والنفع إما يكون عاجلاً أو آجلاً، والمضرة كذلك، فالإنسان الذي يجلب لنفسه الضرر في الدنيا عندما يستغل في الباطل فإنه يدين على نفسه الشؤم فيها بمعصيته لله سبحانه، ثم عقوبته يوم القيامة، وهذا الإنسان من الخاسرين.

    وأما المؤمن فيطلب الراحة الأبدية والنعيم المقيم ولو بمضرة عاجلة، فمهما أصيب الإنسان المؤمن في الدنيا ببلاء لو قيس بما يكون يوم القيامة من عذاب ومن صعوبات ومشقة وحساب وعرض، فإن الذي يكون في الدنيا يسير؛ ولذلك فالصادقون نظروا في هذه الآية فعملوا بما أمر الله عز وجل به، وتذكروا هذا اليوم، وتذكروا أنهم إن أذهبوا طيباتهم في هذه الحياة الدنيا، واستغلوا الدنيا وأخذوا كل ما يريدون، ونالوا كل ما يشتهون فإن ذلك لا ينفعهم بل يضرهم، ولا شك أن الإنسان الذي ينكب على الملذات لن يكفيه أن يأخذ من الحلال فهو طماع، والطماع لا يكتفي بالحلال، بل لا بد أن يقع في الشيء الذي فيه شبهة، ثم يتعدى بعد ذلك إلى الحرام، لذلك على الإنسان المؤمن أن يربي نفسه ويهذبها ويؤدبها، ولا يأخذ كل ما أحل له، فإذا أخذ كل الحلال تعدى بعد ذلك إلى الحرام، ولكن ليجعل بينه وبين النار حاجباً وستاراً من الحلال حتى يترك الحرام، ولذلك أدبنا ربنا سبحانه بعبادته، فجعل شهراً في العام تصوم فيه، تصوم عن الحلال، فالطعام والشراب حلال لك في غير وقت الصيام، وفي وقت الصيام يصير محرماً عليك لا يجوز لك أن تأكل ذلك، فتتمرن على أنه ليس كل شيء تشتهيه لا بد أن تأكله، تأديباً وتهذيباً لنفس الإنسان وليس تعذيباً لها، وإنما ليربي نفسه.

    فهنا يقول الله عز وجل مذكراً عباده: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا .

    اختلاف القراءات في قوله تعالى: ( أذهبتم )

    وهذه الكلمة فيها قراءتان: (أذهبتم) على الإخبار، و(أأذهبتم) على الإنشاء والاستفسار والاستفهام يوم القيامة.

    فقوله تعالى: (أذهبتم) تقرير لهم، أي: قد فعلتم ذلك، فأذهبتم الطبيات واستمتعتم بالدنيا وبكل ما فيها من محرمات وأخذتموها، فاليوم ليس لكم جزاء إلا النار.

    والقراءة الأخرى: ( أأذهبتم ) استفهام توبيخي وإنكار على هؤلاء، أي: قد أعطيناكم الدنيا لتعبدوا الله، وقلنا لكم: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].

    فالقراءة الأخرى: ( أأذهبتم طيباتكم )، أي: هل فعلتم ذلك؟ والجواب: أذهبوا طيباتهم في هذه الحياة الدنيا، وقراءة الاستفهام أيضاً فيها وجوه للقراء في قراءتها.

    فالقراءة: ( أأذهبتم طيباتكم ) هذه قراءة ابن ذكوان وقراءة روح عن يعقوب .

    وتقرأ: ( آذهبتم ) بالمد والتسهيل، وهذه قراءة ابن كثير وقراءة رويس وقراءة هشام بخلفه. وفي قراءتها وجوه لـهشام ، أيضاً ابن كثير يقرؤها: ( اأذهبتم ) بالتسهيل بغير مد فيها، وكذلك رويس، فتكون القراءات فيها: ( اأذهبتم طيباتكم ) قراءة ابن كثير ورويس، والقراءة: ( آأذهبتم طيباتكم ) قراءة أبي جعفر وقراءة أيضاً هشام بخلفه، وهناك وجه ثالث لـهشام فيها، وقرئت ( أأذهبتم طيباتكم ) بهمزتين وهي قراءة ابن ذكوان وقراءة روح عن يعقوب .

    وباقي القراء يقرءونها: (أذهبتم).

    وقوله تعالى: طَيِّبَاتِكُمْ أي: ما أنعمنا به عليكم في هذه الحياة الدنيا، فأخذتم المال فأنفقتموه في الحرام، وشربتم به الخمور، وأكلتم به الخنازير، ووقعتم فيما حرم الله عز وجل من أخذ المال من الباطل، فضيعتم هذه الدنيا في الباطل.

    فيسأل الإنسان عن عمره وعن شبابه وعن ماله وعن علمه يوم القيامة، يسأل عن عمره فيما أفناه، والعمر من طيبات الله عز وجل التي أنعم الله بها على العبد، فقد أعطاك عمراً، وأعطاك شباباً وصحة وقوة.

    وعن شبابه فيما أبلاه، أي: أين أبليت هذا الشباب وأفنيته وضيعته؟ فهل عملت بالطاعات أم عملت بالمعاصي؟ ويسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ ويسأل عن العلم الذي تعلمه ماذا عمل به؟ هل عمل بطاعة الله عز وجل، أم عمل بمعصية؟ نسأل الله العفو والعافية ومغفرة الذنوب.

    فقوله تعالى: طَيِّبَاتِكُمْ أي: ما أعطيناكم من أشياء لتستغلوها في عبادة الله سبحانه أذهبتموها في حياتكم الدنيا، وأفنيتم شبابكم وأعماركم في الكفر وفي المعاصي، وضيعتم هذه الطاقات التي كان من الممكن أن تنتفعوا بها لتدخلوا الجنة، ضيعتموها في الدنيا، فاذهب الإنسان عمره، وضيع ماله، وضيع شبابه، وأفنى جسده بمعصية الله، وأذهب عقله بشرب الخمور وشرب ما حرم الله سبحانه وتعالى عليه، وأذهب ماله في شراء الخبيث، وفي التفريط على نفسه في المعاصي وفي الذنوب.

    كذلك: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا .

    أي: أخذتم كل ما طاب لكم واستمتعتم وجعلتم الدنيا للدنيا وتستعدوا بها للآخرة، فيوم القيامة تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ .

    فقوله تعالى: عَذَابَ الْهُونِ أي: العذاب الذي يهينكم، وهو عذاب الهوان والذل والصغار، فالإنسان الذي كان كبيراً في الدنيا وكان مستمتعاً فيها ومغروراً بها يهان يوم القيامة، ويعذب ويذل ويعرض على النار أصغر الصاغرين، ويكون أسفل السافلين في نار الجحيم والعياذ بالله، ويقال لهم: فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ أي: عذاب الهوان والصغار باستكباركم، فمن كان في الدنيا مستكبراً متعالياً رافعاً أنفه شامخاً في السماء مستكبراً على خلق الله، فإنه يذل يوم القيامة، ويعرض المستكبرون على أشد النار سعيراً أمثال الذر من الصغار، كما ثبت من ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى: تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ .

    أي: عذاب الخزي وعذاب الفضيحة والصغار والذل، والسبب: بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وبئس الاستكبار والاستعلاء على أهل الأرض؛ إذ يستعلون على خلق الله عز وجل ويتكبرون عليهم بغير الحق، ولا يوجد استكبار على الخلق بحق، ولكن هذا الإنسان ظن بنفسه أنه أعلى من غيره، فظنه باطل وهو يعلم ذلك في نفسه، وهو يعلم أن كل إنسان مخلوق من طين، لكنه يستكبر، وهو يعلم أن هذا الاستكبار ليس حقاً له، فالمعنى: فاستكبرتم في الأرض بغير الحق، وبما كنتم تفسقون في أفعالكم بغياً وظلماً وعناداً وخروجاً عن طاعة الله سبحانه، وهذا يفسر الخروج عن الطاعة.

    بيان حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد نزول هذه الآية

    هذه الآية جعلت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يخافون من العرض يوم القيامة ومن الحساب، فيضيقون ويقللون على أنفسهم خوفاً من العرض يوم القيامة، وإن كان الله الكريم سبحانه قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31].

    وقال تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32].

    وهذا من كرم الخالق سبحانه وتعالى أن نأكل ونشرب، لكن لا نسرف، فالإنسان لا يأكل من أجل أن يموت، وإنما يأكل من أجل أن يعيش فيعبد الله سبحانه وتعالى، إذاً: فكل واشرب ولا تسرف إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ .

    والله سبحانه وتعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فإن أعطاك أكلاً أكلت، وإن أعطاك الشراب شربت، وإن أعطاك مالاً اشتريت به ملابس طيبة، ولم يأمرك أن تمشي في ثياب مرقعة، ولم يقل لك: اترك هذا المال ولا تتنعم به، ولكن بالقدر الذي لا يكون فيه استكبار، ولا يكون فيه تعاظم على خلق الله سبحانه وتعالى، إذاً: فالإنسان يأكل ويشرب ويلبس دون أن يستكبر على خلق الله سبحانه، فإن وجد الغالي ووجد ما هو دونه أخذ الوسط، فيكون في الوسط دائماً، ولا يأخذ الغالي دائماً وإن كان حلالاً؛ لأن ذلك يدفع الإنسان إلى الاستكبار في النهاية، ولكن يأخذ هذا ويأخذ من هذا وخير الأمور أوسطها، وقد عاش في الدنيا صلوات الله وسلامه عليه وهي ضيقة عليه وعلى أصحابه، ولما فتحت له الدنيا لم يتركه الله فيها، بل قبضه سبحانه وتعالى ولم يتنعم بشيء منها، فالصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أكلوا الخبز المرقق، وكان أحدهم يأكل منه ويبكي، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم كيف خرج من الدنيا وما ذاقه، ومع ذلك أكلوا ولكن لم يسرفوا، فرضوان الله وتعالى عليهم.

    فهذا عمر رضي الله عنه يروي عنه الإمام مسلم أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في مشربة له حين هجر نساءه صلوات الله وسلامه عليه، وذلك لما ضقن بقلة النفقة، فطلبن من النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة في النفقة وذلك حين فتح الله عليه، فلما شددن ضاق ذرعاً بهن صلى الله عليه وسلم فتركهن وهجرهن شهراً صلوات الله وسلامه عليه، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم أدب نساءه في طلبهن كثرة النفقة منه صلوات الله وسلامه عليه، وخرج إلى مشربة له صلى الله عليه وسلم، والمشربة هي الغرفة العالية، فاعتزل نساءه صلى الله عليه وسلم فيها، وحلف أن يعتزلهن شهراً صلوات الله وسلامه عليه، وذلك بسبب طلبهن الزيادة في النفقة، وبسبب الغيرة التي كانت بين نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فقد دفعتهن إلى أن يكن حزبين: حزباً مع السيدة عائشة رضي الله عنه، وحزباً آخر مع غيرها من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فاعتزلهن صلى الله عليه وسلم تأديباً لهن لما حدث ذلك، وإذا بالصحابة رضوان الله عليهم يحزنون لضيق النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان أهم شيء عندهم هو سروره، ويكرهون أن يغتم صلى الله عليه وسلم، فلما وجدوه اعتزل نساءه صلى الله عليه وسلم خافوا أن يكون قد طلق نسائه، فجلسوا في المسجد يبكون، وقد حذر عمر بن الخطاب ابنته حفصة من إغضاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: سليني من مالي ما شئت، ولا تطلبي من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يغرنك أن زوجك النبي صلى الله عليه وسلم وأن جارتك أوضأ منك، فالسيدة عائشة أجمل منها.

    وكان الصحابة في ذلك الحين يتحدثون أن ملك غسان يجهز جيشاً للقدوم على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكانوا لا يخافون من أحد من العرب مثل خوفهم من غسان وملك غسان؛ لقوتهم، وفي يوم من الأيام كان عمر رضي الله عنه في بيته فطرق صاحبه البيت عليه بالليل، وذلك في وقت ما كان يذهب إليه فيه، فقام عمر بن الخطاب خائفاً وقال: ماذا حدث؟ أجاء ملك غسان؟ قال: لا، أشد من ذلك، فقد كان فغضب النبي صلى الله عليه وسلم أشد عند الصحابة من قتال الأعداء، فقال: أشد من ذلك، فارق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، فقال عمر بن الخطاب : هذا ما كنت أخشاه، وذهب إلى المسجد، فوجد الصحابة عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم جالسين منهم من يبكي ومنهم من يفكر، فـعمر بن الخطاب سأل: ماذا حدث؟ قالوا: طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، فستأذن عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأذن له، فاستأذن مرة ثانية ومرة ثالثة، ثم أذن له، فدخل على النبي صلوات الله وسلامه عليه فالتفت فلم ير شيئاً يرد البصر إلا أهباً -والأهب: الجلود التي لم تدبغ بعد- قد سطع ريحها، وتلطف مع النبي صلى الله عليه وسلم في الكلام وما زال يكلمه حتى ضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ضمن ما ذكر أنه قال: يا رسول الله! كنا قوماً في قريش وكنا نغلب نساءنا، يعني: لما كنا في مكة كنا نغلب نسائنا، ولما جئنا المدينة وجدنا الأنصار تغلبهم نساؤهم، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر : يا رسول الله! لو رأيتني وقد ذهبت إلى حفصة وقلت لها: لا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أضحك النبي صلى الله عليه وسلم قال: أطلقت نساءك؟ قال: لا، فكبر عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فسمعه أهل المسجد، فعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلق نساءه، فقال عمر بعد ذلك: يا رسول الله! أنت هنا وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير، فاستوى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا).

    فالله سبحانه وتعالى أعطى كسرى وأعطى قيصر ليس لأنه يحبهم، ولكن عجل لهم طيباتهم في هذه الدنيا؛ حتى لا يكون لهم عند الله شيء يوم القيامة.

    فقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: استغفر لي، فقال: (اللهم اغفر له).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم أدب عمر رضي الله عنه بذلك.

    يقول حفص بن أبي العاص : كنت أتغدى عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أي: يفطر مع عمر ، وكانوا يأكلون وجبتين في اليوم: الغداء -أي: الإفطار- والعشاء.

    قال: كنت أتغدى عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخبز والزيت، والخبز والسمن، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأقل ذلك اللحم الغليظ، وهو اللحم الطري.

    وكان عمر رضي الله عنه يقول: لا تنخلوا الدقيق؛ فإنه طعامٌ كله، فجيء بخبز متفلع غليظ فجعل يأكل رضي الله عنه ويقول: كلوا.

    هذا هو عمر أمير المؤمنين، وأمير الدولة الإسلامية رضي الله تبارك وتعالى عنه يأكل ذلك ويقول لمن حوله: كلوا، قال: فجعلنا لا نأكل، فقال: مالكم لا تأكلون؟ فقلنا: والله يا أمير المؤمنين! إنا نرجع إلى طعام ألين من طعامك، فقال عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه: يا ابن أبي عاصم، أما ترى بأني عالم لو أمرت بعناق سمينة فيلقى عنها شعرها، ثم تخرج مصلية كأنها كذا وكذا. يأدبهم عمر بذلك رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وقال: أما ترى بأني عالم لو أمرت بصاع أو صاعين من زبيب، فأجعله في سقاء ثم أشن عليه من الماء، فيصبح كأنه دم غزال، فقلت: يا أمير المؤمنين! أجل، ما تنعت: العيش، أي: ما تنعته هو العيش، فقال عمر : أجل، والله الذي لا إله إلا هو لولا أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة لشاركناكم في العيش، ولكني سمعت الله تعالى يقول لأقوام: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا .

    إذاً: فـعمر كان خائفاً من هذه الآية أنه لو أخذ كل الطيبات في الدنيا لم يبق له شيء يوم القيامة، وهذا من التهذيب للنفس، ولم يأمرنا ربنا سبحانه بذلك، وإنما تكرم وقال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31]، فنهانا عن الإسراف.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.