إسلام ويب

تفسير سورة الأحقاف [12 - 14]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله عن كفار قريش أنهم من شدة عنادهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يستدلون بدخول الضعفة في دينه على أنه ليس ديناً حقاً، فلو كان هذا الدين من عند الله لما سبق إليه الضعفاء والمساكين كما يزعمون، ولكن الله يخبر أن هذا هو دين الهداية والإيمان، ولا يناله إلا من أراد الله هدايته، وعلم استقامته، ورأى أنه أهل لذلك، وقد وعد الله المهتدين المستقيمين على الدين بالهداية والبشرى في الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قول الله عز وجل: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحقاف: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ * وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأحقاف:11-14].

    ذكر الله سبحانه وتعالى قول الكافرين للمؤمنين بسبب اتباعهم لكتاب الله عز وجل: لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ أي: أن هذا الدين ليس خيراً، ولو كان خيراً لكنا نحن الذين سبقناهم إليه.

    فلما قالوا ذلك قال الله عز وجل عنهم: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ أي: بهذا القرآن وبهذا الدين العظيم فسيفترون ويقولون: هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ، فلأنهم لم يدخلوا في هذا الدين عادوه، وكما ذكرنا أن العادة في الإنسان أنه إذا جهل شيئاً عاداه، فكل من جهل شيئاً فلا يحب أن يوصف بأنه جاهل به فيعاديه.

    وهؤلاء لم يحاولوا الاطلاع على هذا الدين، ولم يحاولوا أن يفهموه بقلوبهم وعقولهم وبصائرهم، ولكنهم سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا بهم يعادونه ويقولون: سيأخذ منا ملكنا ورئاستنا، ويريد أن يكون هو المتبوع فينا، إذاً: لا نريد منه ذلك، فقالوا عما جاء به صلى الله عليه وسلم: هذا إفك، أي: كذب مفترىً مختلق، هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ، أتي به من كلام السابقين الماضيين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماماً ...)

    قال الله عز وجل: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أي: من قبل هذا القرآن، فليس القرآن أول كتاب نزل من السماء، بل إن الكتب السماوية نزلت قبل ذلك، وليس النبي صلى الله عليه وسلم بدعاً من الرسل، ولا هذا الدين بدعاً من الدين، فالدين عند الله الإسلام الذي جاءت به الرسل جميعهم عليهم الصلاة والسلام.

    وكان قبل هذا القرآن كتاب موسى لبني إسرائيل أنزله الله على نبيهم موسى عليه السلام، والفرق بين موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما أن موسى أرسل لبني إسرائيل خاصة، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الخلق عامة، وهذا فرق بينه وبين جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ففضل صلى الله عليه وسلم على الجميع بأنه أرسل إلى الثقلين: الإنس والجن، وإلى الخلق جميعهم إلى قيام الساعة، ولا نبي بعده صلوات الله وسلامه عليه، حتى حين ينزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام ليقتل الدجال فإنه يحكم بشرع النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويكون تابعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى ، وهو كتاب شريعة.

    وكثيراً ما يذكر الله سبحانه موسى وكتابه إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وكما ذكرنا أن بين موسى ومحمد عيسى عليه الصلاة والسلام، ولكن كتاب عيسى ليس كتاب تشريع، وكتاب موسى عليه الصلاة والسلام كتاب تشريع.

    ولذلك فإن المفترض أن يعمل النصارى بالكتابين: كتاب موسى وهو التوراة الذي يسمونه بالعهد القديم، فهو عندهم كتاب الشريعة، وكتاب عيسى وهو الإنجيل، وهو كتاب مواعظ وليس كتاب حكم.

    وفي الكتابين البشارة بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد قال المسيح عيسى فيما أثبت الله عز وجل في كتابه: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]، فجاء عيسى صلوات الله وسلامه عليه ليصدق التوراة كتاب موسى السابق، ويبشر بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي يأتي من بعده.

    وقوله تعالى: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أي: إماماً يقتدى به، فجعل الله لبني إسرائيل كتاب التوراة نوراً وإماماً يتبعونه ويعملون بما فيه حتى يصلوا إلى رحمة الله عز وجل، فمن رحمة الله عز وجل أن أنزل الكتب من السماء شريعة للعباد؛ ليعرفوا منهج الله سبحانه ويتبعوه، فـ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً ، وهذا القرآن العظيم: كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ .

    وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ ، إما مصدق للكتب السابقة أنها نزلت من عند رب العالمين، أو أنه (مصدق لساناً) أي: رسول ينطق باللسان العربي صلوات الله وسلامه عليه، فيصدقه فيما يقول أنه رسول ويثبت ذلك، فهو كتاب مصدق للكتب السابقة، ومصدق للنبي الأمي الذي يتكلم باللسان العربي صلوات الله وسلامه عليه، مُصَدِّقٌ لِسَانًا حال كونه لساناً عربياً، أو حال كون الرسول ينطق باللسان العربي صلوات الله وسلامه عليه.

    إن هذا القرآن ينذر الله عز وجل به الظلمة الكفرة الذين ظلموا أنفسهم وأشركوا بالله سبحانه، ويبشر الله عز وجل به المحسنين الذين عبدوا الله سبحانه وتعالى ابتغاء رضوانه ورحمته، واتقاء ناره وعذابه، ولهذا قال: وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ ، وهنا قرئت (لينذر) بالغيب وبالخطاب.

    فقرأها (لتنذر): نافع ، وأبو جعفر ، والبزي عن ابن كثير ، وابن عامر ، ويعقوب يقرءونها بتاء المخاطب، والمعنى: لتنذر يا محمد عليه الصلاة والسلام، وباقي القراء يقرءونها (لينذر)، والمعنى: أن هذا القرآن ينذر الله عز وجل به الظلمة الذين ظلموا، وأعظم الظلم: الشرك بالله سبحانه وتعالى، وأول الظلمة المشركون والكفار.

    وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ أي: بشارة يبشرهم الله عز وجل بها، ويخبرهم بما يسرهم ويفرحهم وبما يغبطون عليه في مستقبلهم عند رب العالمين سبحانه، فإذا أحسنوا فلهم جنة الله، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ...)

    قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13]، تقدم في الشورى ذكر الله عز وجل نحو ذلك، وهنا يذكر أن الاستقامة هي الإيمان بالله والاستقامة على طريق الله سبحانه، فهؤلاء وحدوا الله سبحانه وتعالى، ثُمَّ اسْتَقَامُوا ، وكأن هذا هو ترتيب من الله سبحانه فلا يكون العمل إلا بعد الإيمان، فيعمل المؤمن بما آمن به وصدقه وأيقن أنه حق، وفي هذا بيان أنه لا يقبل عمل أصلاً إلا بهذا الإيمان، فأول ما يبدأ به هو الإيمان والتوحيد، ومهما عمل العبد من عمل فهو غير مقبول إلا أن يكون معه أصل الأصول وهو الإيمان بالله سبحانه.

    وقد جاءت (ثم) للتراخي، لتدل على أن هؤلاء آمنوا، فتعلموا، فعملوا واستقاموا على دين الله عز وجل، فكلما تعلموا شيئاً عملوا به، فكانوا مستقيمين على طريق الله سبحانه، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ، فهذا هو التوحيد والإيمان والتصديق.

    فالكفار يقولون: الله هو الخالق، وهو الرازق، والذي نعبده من الأصنام والأوثان إنما ذلك لتقربنا إلى هذا الخالق، سبحانه وتعالى عما يشركون وعن ما يقولون علواً كبيراً.

    والمؤمنون قالوا: إن الذي خلقنا والذي هدانا هو الذي يستحق أن نعبده سبحانه، قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا على طريق الله، عابدين ربهم سبحانه، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، والخوف دائماً يتعلق بالمستقبل، فقد يخاف المؤمنون أن يحصل لهم ما يكرهونه فالله يطمئنهم بأنهم سيدخلون الجنة خالدين فيها ولن يدخلوا النار، فالخوف دائماً يحصل مما سيأتي في المستقبل، والحزن يكون على شيء يحبه الإنسان قد فاته وضاع منه ولم يستطع الوصول إليه، فقال الله لهم: لا حزن على ماض ولا خوف من مستقبل، وطمأنهم الله عز وجل بأن حياتهم كلها في أمن وأمان، وفي جنة الخلود في دار السلام، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي: ولا أي خوف.

    والآية يقرؤها يعقوب هنا: ( فلا خوفَ عليهم ولا هم يحزنون ) ، ويقرؤها حمزة: ( فلا خوفٌ عليهُم ولا هم يحزنون)، وباقي القراء يقرءونها: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ، والمعنى: لا تخافوا على ما سيحصل لكم فإنه لن يكون إلا كل خير، ولا تحزنوا على شيء يفوتكم أبداً.

    فالجنة دار من يدخلها ينعم ولا يبأس أبداً، ويحيا ولا يموت أبداً، وينعم في دار الخلود بما يعطيه الله عز وجل من فضله ومن كرمه.

    وكما ذكر الحث على الإيمان والاستقامة في كتاب الله سبحانه وتعالى، فإنه قد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً، فقد روى الإمام مسلم من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: (يا رسول الله! قل لي في الإسلامي قولاً لا أسأل عنه أحداً من بعدك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قل آمنت بالله ثم استقم)، وهذا ما تضمنته هذه الآية، أي وحِّد ربك سبحانه وتعالى واعمل واستقم على طريق الله فلا تشرك به شيئاً، ولا تعصه، واعمل بما أمرك به، واستقم على شريعته فلا تزغ ولا تنحرف عنها.

    وعنه رضي الله عنه كما في الحديث الذي رواه الترمذي : قال: قلت: (يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به -أي: أتمسك به-، قال: قل: ربي الله ثم استقم قلت: يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف علي؟) والمعنى: إذا آمنت وأسلمت وسرت في طريق الله عز وجل فما الذي تخافه علي أثناء وجودي في هذه الدنيا؟ قال: (فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه وقال: هذا) يخاف عليه لسانه.

    إن الإنسان المسلم إذا استقام على طريق الله سبحانه فليحذر من لسانه؛ فإنها هي التي تنحرف به عن طريق الله سبحانه وتعالى، فيقع في الشرك والمعاصي وفي آفات اللسان من غيبة ونميمة وكذب وبهتان وإفكٍ وافتراء.

    وجاء أيضاً في حديث ثوبان عند ابن ماجة وهو حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة، (ولن تحصوا)، أي: اعملوا الخير الذي يمكن أن تعملوه ولا تقعدوا عن عمل الخير لأجل أن تبحثوا عن كل خير، فالذي تطيقونه قوموا به، وكلما قمتم بعمل جاء عمل خير آخر، ولن تقدروا على كل الأعمال الصالحة مرة واحدة، ولكن بحسب ما تطيقونه.

    قال: (واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة)، وهذا من رأفة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]، عليه الصلاة والسلام، فأحكام الدين وتكاليفه كثيرة ولا يمكن أن يعمل الإنسان كل خير وليأخذ ما يأتيه من خير، وليعمل به، قال تعالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة:63]، وقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7]، وقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وأفضل العمل الذي تتمسك به فيدلك على غيره هو الصلاة.

    قوله: (ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) أي: الذي يحافظ على الوضوء لكي يحافظ على الصلاة، ولذلك جاء في الحديث: (الطهور شطر الإيمان).

    فإذا حافظ الإنسان على الوضوء والصلاة أزداد قرباً من الله، وكلما ازداد قرباً من الله دله الله عز وجل على الخير وفتح عليه أبوابه، وكان من المؤمنين الذين استقاموا على صراط الله، والذين يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التوبة:21-22].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها ...)

    يقول الله تعالى: أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ [الأحقاف:14]، وهي دار السلام، ودار رب العالمين سبحانه، وقد خلقها الله عز وجل للمؤمنين، وكل شيء ملكه ولكنه أكرم هؤلاء فجعلهم كأنهم أصحاب الجنة الحقيقيون، وكأنهم ملكوها.

    أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ أي: لا يفنون أبداً، ولا يكتب عليهم الموت فيها، وذلك الجزاء من جنس عملهم الصالح، خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ، فكل من يسمع مثل هذه الآيات ومثل هذه الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف أن الجنة عظيمة، وأنها غالية عالية، قال صلى الله عليه وسلم: (الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).

    فعلى المؤمن أن يتصبر إذا خاض في الدنيا، ويمني نفسه بذلك اليوم الذي لا خوف بعده، فإذا فاته شيء في الدنيا أو أصابه قدر من الأقدار فعليه أن يمني نفسه بدخول الجنة غداً إن شاء الله، فهي لا خوف فيها ولا حزن، ولا كدر من أكدار الدنيا.

    وهذا هو الذي يجعل الإنسان المؤمن يتصبر على الدنيا؛ فالجنة قريبة مهما عشنا في هذه الدار، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين)، وهذه الستون أو السبعون سنة التي عاشها الإنسان لا تساوي شيء إذا قرنها بيوم من أيام يوم القيامة مقداره ألف سنة، قال الله تعالى: إِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47].

    فاليوم الواحد عند الله عز وجل كالعمر الذي تعيشه في الدنيا عشرون مرة، والجنة أعلى من ذلك وأعظم، فإذا منّى الإنسان نفسه بها فإنه سيتصبر على طاعة الله عز وجل، ويتصبر عن معصية الله عز وجل، ويصبر على قضاء الله وقدره، يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200].

    والمعنى: اصبر فإذا لم تستطع أن تصبر فصابر، والمصابرة فيها مفاعلة بأن يضغط على نفسه ويجرها إلى الصبر، كقولك: قتل فلان أي: انتهى من عملية القتل، وأما قاتل فإنه ما زال يحاول أن يقضي على خصمه فهو يتقاتل معه، وكذلك اصبر، ومنّي نفسك بالجنة حتى تصابر، قال تعالى: وَرَابِطُوا أي: اربط نفسك في طريق الله عز وجل على طاعته، فكأن النفس شرهة تتمنى الأماني وتريد اللعب واللهو فتحتاج إلى أن تربطها على طاعة الله، وعلى الجهاد في سبيل الله سبحانه.

    قال الله تعالى: وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ أي: واتقوا عذاب الله سبحانه، وأخلصوا له العمل، واتقوا الشرك به، لََعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200].

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده المفلحين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.