إسلام ويب

أحوال الناس في رمضانللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تتفاوت أحوال الناس في رمضان كما تتفاوت في سائر مواسم الطاعات، فمن الناس من يستغل رمضان للإكثار من الخيرات، وكبح جماح النفس عن المعاصي والمنكرات، ومنهم من يدخل عليه رمضان ويخرج عنه وهو مازال في حيرته وتخبطه ومقارفته للمنكرات، وبذلك يتجلى في حقه معنى الحديث: (... رغم أنفه من أدركه رمضان ولم يغفر له ..)

    1.   

    قصة تائب إلى الله

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    ما أحسن الرجوع إلى الله! كلمة عظيمة رددها أخونا فهد بن سعيد ثلاث مرات، وهي كلمة ذات معنى؛ لأنها تخرج بعد معاناة؛ معاناة رجل عاش فترة من الزمن في ظل البعد عن الله، ثم رجع إلى الله فذاق لذة الرجوع إلى الله، وليس من ذاق كمن لم يذق، هذا الرجل يقول: الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني، هو يشعر الآن بنعمة الحياة في ظلال الإيمان، والله يقول: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122]

    هل يستوي هذا وهذا؟ لا يستوون أبداً، ويقول عز وجل: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:21-22].

    فالذين قبروا في قبور الشهوات لا يسمعون أبداً، والذين يريد الله حياتهم يقول الله: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ [الأنفال:23]، وقال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [الأنفال:21]، ثم قال فيهم: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [الأنفال:22].

    الهداية بعد الضلال حياة

    يقول هذا الرجل: الحمد لله الذي أحياه بعد ما أماته، أحياه الله بالهداية وبالتوبة والإيمان والالتزام بعد ما كان ميتاً، بماذا؟ ميتاً بالطرب وبالعود والغناء والبعد عن الله عز وجل.

    وهذه يعتبرها الناس هي الحياة، والله إنها ليست حياة .. إنها ذلة وخسارة وندامة في الدنيا والآخرة، إنما الحياة الحقيقية هي حياة القلب، ليست الحياة -أيها الإخوة- كما هي في مفهومنا تردد الأنفاس وجريان الدم، فهذه حتى الصراصير تعيش هذه الحياة، وحتى الذباب والحشرات تعيش هذه الحياة، إن الحياة حياة القلب وحياة الدين، فمن أحياه الله فقد حيا الحياة الحقيقية، ومن هو ميت فليطلب الحياة، يقول الشاعر:

    الناس صنفان موتى في حياتهم     وآخرون ببطن الأرض أحياء

    فالذين ماتوا وهم على قلوبٍ حية هم أحياء إلى يوم القيامة، وأما الذين ماتوا وقلوبهم ميتة فهم أموات، وأولئك لا يزالون أحياء ...

    وأرواحهم في وحشة من جسومهم     وأجسادهم قبل القبور قبور

    ولازلت أذكر حين قرأت في جريدة الرياض في تحقيق صحفي أُجري مع الأخ: فهد بن سعيد قبل سنوات، قرأت في الجريدة التحقيق فقال بعد توبته: الحمد لله الذي أحياني حتى هداني، ولو أني مت في حياتي الأولى لكانت موتتي موتة حمار! نعم، لقد صدق، بل ألعن من الحمار، الحمار موتته لا يوجد بعدها شيء، إنما يسحبونه برجله وتأكله الأرض وانتهى، لكن الفاجر الذي يموت وهو على غير دين يتمنى يوم القيامة أنه كان حماراً، يقول الله سبحانه وتعالى: يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:40] فماذا يقدم الذي ليس عنده دين؟ هل يقدم سلسلة أغاني؟ أم يقدم كراتين دخان؟ أم يقدم مكتبة أشرطة غنائية، ومجلات، وجرائد نسائية؟ يقدم له زور وفجور وزنا وخمور وضلال؟! فليس لديه شيء يلقاه إلا ما قدم من العمل .. يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:40].

    الذي يموت على الضلال يتمنى أن يصير تراباً يوم أن تتحول الحمير والحيوانات إلى تراب، فيقول: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً [النبأ:40] أي: حماراً أو أي حيوان يحول إلى تراب، لكم الفاجر والكافر والضال عن الله يحول إلى النار وبئس القرار.

    1.   

    أهمية الثبات على دين الله

    إن الثبات -يا إخوان- يحتاج إلى مبادرة من الإنسان نفسه، لا تطلب الثبات من الآخرين وأنت مقصر؛ لأن الثبات خاص بك، وهو داخل في دائرة اختصاصك، واثبت إلى آخر لحظة، حتى لا تموت موتة حمار، انتبه أيها الإنسان! اثبت ثباتاً؛ لأن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه -وهو صحابي جليل- بات ليلة عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدم له ماء في إناء صغير يقول: (ففتح النبي صلى الله عليه وسلم الباب فوجدني أستمع إلى ذكره وهو يتقلب في فراشه وهو يقول: لا إله إلا الله، قال: يا ربيعة، ماذا جاء بك؟ قلت: أتسمع إلى الأذكار التي تقولها، قال: سلني يا ربيعة) يقول: اطلب مني شيئاً، وكانت همم الصحابة في السماء يعيشون بعد هذه الدنيا، ولو أن رجلاً منا كان مكان ربيعة لقال للنبي: أعطني أرضية، أو سيارة، أو وظيفة، أو شيئاً من الدنيا .. (قال: يا رسول الله! دعني أفكر في الطلب، ففكر، ثم جاء فقال له: سلني يا ربيعة قال: أسألك مرافقتك في الجنة) الله أكبر! هذه الرحلة البعيدة، نحن في هذه الدنيا لا نفكر في هذه الأمور، ولكن هذا الصحابي نظرته بعيدة، فقال صلى الله عليه وسلم: (أو غير ذلك يا ربيعة ؟ قال: ما هو إلا ذاك، قال: فما حملك على هذا؟ قال: نظرت إلى الدنيا وسرعة زوالها وانقضائها، ونظرت إلى الآخرة وعظمتها وبقائها، فآثرت ما يبقى على ما يفنى، قال: يا ربيعة، أعني على نفسك بكثرة السجود) دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لوحدها لا تكفي، لا بد من شيء من العبد نفسه، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (أعني على نفسك بكثرة السجود) قال العلماء: أي الصلاة.

    فلماذا نص النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة فقط ولم يقل: أعني على نفسك بكثرة العبادة؟

    قال العلماء: لأنها غالب عمل المؤمن، وإلا فإن مع الصلاة زكاة، ومع الزكاة صيام، ومع الصيام حج، ومع الحج بر، وكل الإسلام، لكن عبر النبي صلى الله عليه وسلم بالسجود وهو جزء من الصلاة؛ لأن غالب عمل المؤمن صلاة، فإنه يصلي في كل يوم خمس صلوات، ولا يصوم في السنة إلا مرة، ولا يزكي في العام إلا مرة، ولا يحج إلا في العمر مرة؛ لأن الصلاة هي لب أعمال الإسلام، وهي ركن الدين الأعظم، وهي عمود الإسلام، وهي قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم، فنحن ندعو لأخينا ونقول: اللهم ثبتنا وإياه وجميع إخواننا المسلمين، وأيضاً ندعوه هو ونقول له: اثبت، ولكن كيف تثبت؟

    وسائل الثبات على دين الله

    أولاً: اتق قرناء السوء؛ الذين عندما تراهم كأنما ترى شيطاناً رجيماً، يريد أن يردك إلى ما كنت عليه سابقاً، فقل: أعوذ بالله منك، واتركه.

    ثانياً: ابحث لك عن قرناء صالحين، وعن أناس طيبين من المؤمنين واجلس معهم.

    ثالثاً: اجعل لك ورداً من كتاب الله تعالى، ولو تأخرت الشمس عن شروقها لا يمكن أن تتأخر عن هذا الورد، كل يوم اقرأ جزءاً من القرآن قراءة تفهم وتدبر.

    رابعاً: اجعل لك ورداً يومياً من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن تقرأ ولو حديثاً واحداً يومياً.

    خامساً: حافظ على الطاعات.

    سادساً: ابتعد عن المعاصي والمنكرات.

    فالله يثبتك، وهذه ستة مثبتات.

    1.   

    أدلة مشروعية الصيام

    أما موضوع الدرس فهو (الخسران المبين)، ولكن لما كنا في شهر رمضان فإنني آثرت أن يكون الحديث عن أحوال الناس في شهر رمضان؛ لأنه مناسب أن أحدث الناس في شيءٍ هم فيه.

    هذه عملية تشخيص وتصوير لأوضاع الناس، بحيث يعرف كل واحد منا أين موقعه ومركزه؟ فإن كان محسناً فليحمد الله ويثبت، وإن كان مسيئاً فليتدارك رمضان فإنه بقي علينا من رمضان الثلث، فقد ذهب رمضان وبعض الناس لا يزال يهنئ برمضان، فقد ذهبت الأيام الأولى بسرعة، وسينتهي بقية الشهر، فمن فاته شيء من عدم الاهتمام والتدارك، فعليه أن يتدارك نفسه في نهاية الشهر أو مع ما بقي من الشهر، ومن كان قد أحسن فليسأل الله القبول، ويسأل الله الاستمرار والثبات إلى نهاية الشهر.

    شهر رمضان -أيها الإخوة- عبادة من أزكى العبادات، وقربة من أعظم القربات، وهو ركن من أركان الإسلام، ومبنىً من مبانيه العظام، دل على مشروعيته الكتاب والسنة والإجماع.

    قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:183-184]، هذه آيات فرضية الصيام، ابتدأها الله عز وجل بالنداء الحبيب الذي يحبه كل مؤمن وهو: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:183]، وهذا النداء مشعر بعدة معانٍ، يقول ابن مسعود : [إذا سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك؛ فإنه إما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه].

    والنداءات في القرآن الكريم جاءت على أربعة أصناف:

    النداء الأول: نداء عام لجميع الناس، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1] .. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً [لقمان:33] فهذه آيات قوة ووعيد؛ لأن الناس فيهم البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فجاء خطاب عام.

    النداء الثاني: جاء لفئة معينة من البشر وهم أهل الإيمان -جعلنا الله وإياكم منهم- فأعظم نعمة أنك مؤمن، وإذا كُنت مؤمناً فالله عز وجل وليك؛ لأن الله يقول: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257]، وهل يضيرك شيء والله وليك؟ وهل تجوع والله وليك؟ وهل تعرى والله وليك؟ هل تترك أولادك جائعين وأنت وليهم؟ هل تدعهم عطاشاً وأنت وليهم؟ أبداً، فكيف إذا كان الله ولي الذين آمنوا؟! وبعد ذلك الله مع المؤمنين ويرعاهم وأعد الجنة لهم.

    فإن رزقك الله الإيمان فهي أفضل نعمة يمنها الله عليك، ولهذا قال الله تبارك وتعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس:58] فلتفرح بنعمة الإيمان، وبعد ذلك يقول: ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحجرات:7-8] فنعمة الإيمان هي أعظم نعمة يمنها الله عليك أيها الإنسان، فلذا يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:6] فهو خطاب خاص بأهل الإيمان.

    النداء الثالث: نداء خاص بالكفار، وقد جاء مرة واحدة، وهو على سبيل الخبر عما سيكون يوم القيامة، قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ [التحريم:7] لأن المعاذير يوم القيامة تظهر بشيء عجيب! إذا وقف الناس في عرصات القيامة ورأوا النار تزفر وتمد أعناقها، لها عينان تنظران، ولها لسان تتكلم به وتأخذ شخصاً بعد شخص إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان:12-14] فهنالك تتفتق قرائحهم، وتظهر أشعارهم وبياناتهم في أعذار طويلة؛ لكن الله يقول: لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ [التحريم:7].

    يأتي المرابي فيقول: البيع مثل الربا، البيع والربا سواء بسواء، يقول الله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275].

    يأتي الثاني ويقول: يا رب! الزنا مثل الزواج عملية جنسية، لكن ليس عندي حق الزواج، فيقول الله عز وجل: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور:2] .. وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] فكل إنسان يبحث عن عذر، فقال الله: لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ [التحريم:7] وقال: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:52] فالأعذار تأتي كثيرة لكن ينساها الشخص، ومتى تأتي؟ عند الحاجة.

    مثلاً: أنت تمشي بسرعة ولا تعلم أن هناك من يرصد سيرك وسرعتك، وإذا بشخص يوقفك ويقول: لماذا تسرع سرعة جنونية؟ ماذا تقول له؟ سوف تكذب سبعين كذبة، فتقول له: عندي رحلة في المطار، وأنت ليس عندك رحلة، وعندي مريض ينتظرني، لكنه سوف يكذبك ويقول: ليس عندك عذر لابد أن تخرج الجزاء هنا، وتكذب من أجل (ثلاثمائة ريال) لا تريد أن تدفعها، فأهل النار يعتذرون ليس من أجل المال، ولا من أجل السجن، لكن من أجل نار تأكل العظام وتفتتها، نار تشوي الوجوه، ليست نار يوم ولا نار سنة ولا نار مائة سنة .. لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً [النبأ:23] .. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود:107] عذاب مقيم؛ فراشك ودفاك وطعامك وشرابك وظلالك كله نار، وكل شيء نار -والعياذ بالله-، فتأتي أعذار ليس بعدها أعذار، ويكلم الله أهل النار وهم فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التحريم:7].

    فالله عز وجل لا يظلم، فعنده قواعد العدل كاملة، لا يأخذ أحداً بجريرة آخر، يقرر كل شخص على معصيته، هذا كتابك اقرأ كتابك أنت بنفسك، وبعد ذلك شهودك ليس من الجماعة ولا من الأقارب بل من نفسك، فعينك تشهد عليك، ولسانك يشهد عليك، وأذنك تشهد عليك، فإذا رأيت نفسك تشهد على نفسك فتقول لنفسك أيها الإنسان: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:21].

    النداء الرابع: نداء موجه لفئات خاصة، وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قال الله عز وجل: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ [المائدة:68]، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171] إلى آخر ما فيه.

    فنداء الإيمان الذي يأتيك من رب السماوات والأرض من عالم الخفيات ومن ملك الملوك وجبار السماوات والأرض، شرف كبير أن الله يناديك وأنت لا تستجيب لربك! يناديك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:6] يقول الصحابي: أرعها سمعك، انتبه كأنك تقول: لبيك يا رب وسعديك، ماذا تريد مني؟ أنا عبدك، أنا خاضع بين يديك، أنت مولاي وأنا عبدك، ماذا تريد يا رب؟

    قال العلماء: (يا أيها الذين آمنوا) تشعر بثلاثة معان:

    الأول: عظمة المنادين ومحبة الله لهم أنه اختصهم بلفظ الإيمان.

    الثاني: عظمة الأمر المأمور به بعد هذا اللفظ، فإنه لم يقل لهم: (يا أيها الذين آمنوا) إلا لشيء مهم يطبقونه؛ لأنهم مؤمنون.

    الثالث: أن مقتضى إيمانهم يدفعهم، كأن هناك إلهاماً لمشاعرهم، وتحريكاً لأحاسيسهم؛ وأنا أقول لكم: (يا أيها الذين آمنوا) فمقتضى إيمان المؤمن أنه ينفذ أمر الله تبارك وتعالى، يقول الله وهو يستثير فيهم كوامن الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183] ومعنى (كتب) أي: فرض وأوجب وألزمتم به، والكتابة في الشرع تعني أعلى درجات الإلزام، أي: فرض، وجب، ألزم، هذه أوامر، لكن (كتب) هذا شيء لا بد منه.

    1.   

    مشروعية الصوم على من قبلنا من الأمم

    ثم جاء الأمر من الله عز وجل بنوع من التدليل والتلطيف للمؤمنين أن هذه القضية ليست خاصة بكم؛ حتى لا تقولوا: لماذا يا رب كتبت علينا الصيام ؟! فقال الله عز وجل: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 83] فما كتبنا الصيام على أمة محمد فقط، وأنتم يا أمة محمد أحسن الأمم، وأنتم أفضل الأمم؛ لأن نبيكم أفضل الأنبياء، وكتابكم أعظم الكتب، وأنتم آخر الأمم، ودينكم آخر الأديان، يقول عليه الصلاة والسلام: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة) أول نبي يدخل الجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأول أمة تدخل الجنة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأول شافع ومشفع يوم القيامة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب اللواء يوم العرض هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وصاحب الحوض المورود هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فكرامته عند الله وكرامة أمته عند الله جعل لها هذه المنزلة، فدين الله في حقكم ميسر فلا تتخيلوا أن الله كلفكم بشيء لم يكلف به الأولين؛ بل إن تكليف الله لكم بالصيام أخف من تكليف الله عز وجل لغيركم من الأمم، فقد كانت الأمم السابقة يصومون ولكن بطريقة أشد من صيامنا، كان إمساكهم الإمساك عن الطعام والشراب والنكاح والكلام، من أول ما يمسك حتى يفطر فلا يقل كلمة واحدة، وإذا قال كلمة انتقض صومه وعليه أن يقضي يوماً.

    ورفع الله عنا هذا التكليف وأباح لنا الكلام؛ لكن أباح لنا الكلام بذكره وشكره، وتلاوة كتابه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلام الذي يحبه الله فيما يعود علينا بالنفع في الدين والدنيا، ولكن بقي الكلام المحرم محرماً؛ فالغيبة تبقى محرمة، والنميمة تبقى محرمة كما هي في شعبان وهي في رمضان أشد حرمة، ولهذا جاء في الحديث: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) ولكنَّ كثيراً من الناس استخدموا هذه النعمة -وهي الكلام- في المعاصي، فتجد الرجل يجلس من بعد العصر حتى المغرب في متجره وهو يتكلم في الغيبة والنميمة، والمرأة تجلس طوال اليوم في الغيبة والنميمة، فأين استغلال هذه النعمة فيما أباحه الله عز وجل؟

    فالله يقول: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183] الذين من قبلنا من الأمم السالفة كان الله عز وجل يفرض عليهم في صيامهم أشياء كثيرة من ضمنها الإمساك، اسمعوا ماذا يقول الله عز وجل عن مريم عليها السَّلام؛ ومريم امرأة صالحة كانت تعبد الله عبادة منقطعة النظير، في بيت المقدس؛ لأن أمها لما حملت بها ووضعتها نذرتها لله، فقالت كما قال الله عنها: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران:35-36] فالله عز وجل استجاب دعوتها فأعاذها وأعاذ ذريتها من الشيطان الرجيم.

    فكانت امرأة محروسة بأمر الله، وكانت متعبدة وذاكرة وتالية وقائمة وقانتة لله في عبادة عظيمة ليس لها نظير، وأراد الله أن يجري عليها سنة من سننه وآية من آياته في أن تحمل من غير زوج، وهذا شيء ليس معتاداً لدى البشر، إذ لا يمكن أن يكون ولد إلا بزوج، ولكن الله عز وجل يفعل ما يشاء ويختار، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يخلق ما يشاء من غير أسباب، خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق حواء من أب من غير أم، خلقت من ضلع آدم الأيسر، وخلق سائر البشر من أم وأب، وخلق عيسى من أم بلا أب.

    ولهذا قال الله للذين قالوا من النصارى: كيف يكون من غير أب؟ قال الله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:59] كيف تستبعدون أن يخلق الله بشراً من أم بلا أب ولا تستبعدون أن يخلق الله بشراً من غير أم ولا أب فهذا أكثر في الاستبعاد ولكنه موجود.

    فأراد الله أن يجري عليها هذا الشيء فحملت، قال الله عز وجل: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً [مريم:16] أي: ذهبت إلى مكان بعيد باتجاه المشرق.

    وقيل في التفسير: إنها كانت حائضاً فأرادت أن تتطهر منه، فذهبت إلى مكان وكانت امرأة عفيفة متسترة، فاتخذت من دونهم حجاباً لكي لا يراها أحد .. فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً [مريم:17] أرسل الله لها جبريل وتمثل لها بشراً سوياً، فنفخ في جيب درعها ( الثوب) فحملت، فلما قرب منها وهي امرأة طاهرة وعفيفة ظنت أنه يريد منها فاحشة أو شيئاً فقالت: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنتَ تَقِيّاً [مريم:18] استعاذت منه، وهكذا شأن المؤمنة والمؤمن.

    وهذا يوسف عليه السَّلامُ لما دعته امرأة العزيز قال: مَعَاذَ اللَّهِ [يوسف:23] أي: أعوذ والتجئ بالله، وكذلك المؤمن إذا سمع مكالمة من خبيثة، أو رأى نظرة من خبيثة، أو جاءته رسالة من خبيثة، عليه أن يقول: معاذ الله ! أعوذ بالله، وكذلك المؤمنة إذا جاءها شر من خبيث، أو سمعت مكالمة، أو رسالة من خبيث، فعليها أن تقول: أعوذ بالله منك.

    فقالت: إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً [مريم:18] فقيدته بالتقوى؛ لأن التقي لا يفعل هذا الشيء، فهذا فعل الأشقياء والمجرمين والمنحرفين عن منهج الله عز وجل، فإن كنت تقياً فابتعد.

    فقال لها مباشرة بعد ذلك: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً [مريم:19] قال: أنا مرسل من الله لأعطيك غلاماً .. قالت: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً [مريم:20] تقول: ليس عندي زوج، ولست بزانية، كيف يكون لي ولد؟ فبين لها الحكمة: قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ [مريم:21] هذا هو السبب الذي أراد الله من خلق عيسى عليه السَّلامُ أن يكون آية على كمال قدرة الله، على خلق الأشياء من غير أسباب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً [مريم:21-22].

    قال المفسرون: إن حملها كان في نفس الوقت، حملت ووضعت في نفس اللحظة، هذا الذي يرجحه ابن عباس ؛ لأنه ليس حملاً طبيعياً بأن حملته (تسعة أشهر) ولكن حملته فوضعته، كما قال الله عز وجل: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً [مريم: 22] والفاء للتعقيب فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً [مريم: 23] المخاض: آلام الولادة، فلما جاءها المخاض وجدت في نفسها من الآلام ما لا تستطيع حمله الجبال؛ لأنها حرة وطاهرة وعفيفة، والحر والطاهر لا يرضى أن يكون له شيء من هذه الأمور، كيف يقابل الناس؟ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً [مريم:23] فتتمنى الموت قبل الوضع (وكنت نسياً منسياً) قبل هذا الوضع، ولكن الله عز وجل لا يتخلى عنها؛ لأنها صالحة والله لا يتخلى عن العبد المؤمن إذا كان صادقاً معه، مهما حاك الناس حوله من الترهات، ومهما ألصق الناس به من الأكاذيب والافتراءات، فإذا كان صادقاً ومخلصاً فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، فأجرى الله الدفاع عنها في هذا الموقف الحرج على يد هذا الطفل الصغير، قال تعالى: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً [مريم:24] لا مجال الآن للحزن؛ فإن الله قد جعل تحتك سرياً، والسري: النهر الصغير الجاري العذب، قال: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً [مريم:25].

    يقول المفسرون: كانت نخلة يابسة ناشفة لا يوجد فيها ثمر، والله عز وجل أجرى لها الماء من أسفل والثمر من أعلى، فكانت تهز فينزل عليها الرطب الجني.

    يقول العلماء والأطباء: إن أفضل طعام تتناوله المرأة في ساعات المخاض هو الرطب، فلا تعطها براً وسمناً ورزاً ولحماً، لكن أعطها رطباً تلد بإذن الله، ولا تعطها إبر طلق، لماذا؟ لأن الرطب فيه سعرات حرارية كثيرة تمد المرأة بطاقة تمكنها من عملية المخاض والولادة في حالة سعيدة ولا تحس بالآلام بإذن الله، ما عليك إلا أن تقرب لها الرطب وتقول لها: كلي، فالحبة أحسن من عشر إبر. لكن بعض النساء حين تشعر بأي ألم تقول: الدكتور، المستشفى، حتى بعض النساء نست الله، وكانت المرأة في الماضي تقول: يا ألله! يا رب! يا رحمان! يا رحيم! وأما الآن فتقول: يا دكتور! يا دكتورة! فتعرضوا في بطونهم فلا يخرج إلا بعملية جراحية، ويخرجونه من بطنها، لماذا؟ لأنهن تركن الاعتماد على الله عز وجل.

    من الذي كان يخلص نساء المسلمين من آدم عليه السَّلام حتى زماننا إلا رب العالمين، بعض النساء تلد وهي ترعى وتأتي والمولود على ظهرها تحمله، والبعض تلد وهي تجمع الحطب، والبعض تلد وهي في الحقل والزرع، فالله عز وجل معهن؛ لأنهن مع الله، ويوم أن تركنا الاعتصام بالله وكلنا الله إلى أنفسنا، فتجدها من أول ما تحمل حتى تضع وهي مريضة، وبعضهن تسقط وهي جالسة، لكن يقولوا: اجلسي ....، لأنها لو مشت خطوتين أسقطت لعدم وجود الصلة القوية والعلاقة العظيمة بالله عز وجل، فهنا يقول الله عز وجل أن عيسى قال لمريم: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً [مريم:25-26] كلي من الرطب واشربي من الماء، وقري عيناً تمام البسط؛ لأن الذي لا يقر عينه يتوقع المصيبة من كل جانب.

    يقول المفسرون: كيف تقر عيناً من هي بمثل هذه المصيبة؟

    قال العلماء: قري عيناً بأن جعل الله أمره فيك ونفذ إرادته عليك، وكنت أنت موضعاً لتنفيذ آية من آيات الله .. اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124]، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار [القصص:68] اختار مريم من بين نساء العالمين ليكون مولودها آية من آياته.

    ثم قال لها وكأنها تسأل: كيف أقول للناس؟ وكيف أقابلهم؟ وبأي عذر أعتذر لهم؟ وكيفما اعتذرت هل يصدقها الناس؟ هل أحد يصدق امرأة في الدنيا أنها حملت من غير زوج؟ لا أحد يصدق أبداً، ولو كانت أطهر الناس فلابد أن يتهموها في عرضها، قال الله: لا مجال للاعتذار للناس؛ فالناس مهما تعتذرين فلن يصدِّقوا، لكن إذا رأيتيهم أخبريهم وقولي لهم: إني صائمة. لكي يقصروا الخطابات، فلا داعي للكلام والأخذ والرد، قال تعالى: فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً [مريم:26].

    هذا الشاهد: أن الصوم كان الكلام ممنوعاً فيه .. فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً [مريم:27] جاءت بالولد تحمله وهو يرضع من ثديها، فلما رأوه تذكروا وضعها وأسرتها وأخاها من أعظم الناس عبادة، وأمها كانت من أعظم الناس عبادة، وأخوها هارون عابد في بيت المقدس وهي عابدة في بيت المقدس، وتأتي بهذه الفرية العظيمة! فقالوا: يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً [مريم:27] لقد جئت بمصيبة عظيمة لا يأتي بها أحد على أهله .. كيف وبعض النساء يتمنى أبوها وأخوها وأهلها أن يذبحوها ويقبروها قبل أن تولد في الحياة؛ لأنها أدخلت عليهم فضيحة ومصيبة، والله -أيها الإخوة- إنها من أعظم الفضائح أن تجر المرأة على أهلها عاراً، فيتمنى الإنسان أن يذبح ولا يسمع أن ابنته جرت عليه فضيحة، لماذا؟ لأن العرض مثل التاج على رأسك، والتاج زجاجي أي شيء يكسره، ولذا ندعو الأب بأنه إذا كان عنده بنات فإنه يزوجهن في أسرع وقت، لكي يبقى تاجك على رأسك، أما أن تجعل تاجك من زجاج وتظل ترجم الناس فسوف يرجمونك ويسقط تاجك. كيف ترجم الناس؟ عندما تكون ابنتك عمرها عشرين سنة أو خمساً وعشرين سنة، وأكثر من ذلك، وكل يوم عندك خطاب ولكن لا تريد أن تزوجها بسبب الراتب، وتقول: راتبها (سبعة آلاف) لن أدعه لزوجها، والله لا أجعلها له! فأنا الذي تعبت عليها، وأريد أن أسترد تعبي، وأريد أن أعوض، وكأن المسألة تجارة فقط.. تعبت عليها لكي تعوض من زوجها، أو من أجل أن تسعدها، وتنام قريرة العين، وتعيش هادئة البال مع زوج وأطفال؟! ابنتك فلذة كبدك وقطعة منك، فكيف تمارس معها هذه التجارة، لا يجوز لك، وبمجرد أن تبلغ سن الخامسة عشرة فابحث لها عن زوج، كما كان يفعل السلف، ومتى يأتيك صاحب الدين فلا تتردد في تزويجه؛ لأنها تقطف عندما تنضج، فإذا نضجت ولم يقطفها أحد سقطت، ولا أحد يأخذها، وتصبح نفايات، فالمرأة مثل الثمرة -يا أخي- فانتبه لنفسك.

    فهذه المرأة الطاهرة مريم يقال لها: يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً [مريم:28] ذكَّروها بأخيها هارون، وهارون ليس هو (هارون بن عمران) أخو موسى؛ فإن بينهم أكثر من (ستمائة سنة) لكن هارون عابد من العباد كان في بيت المقدس، وكان يشبه به كل شخص صالح، فإذا رأوا رجلاً صالحاً قالوا: أخو فلان، يا أخا الشجاع، أو يا أخا العابد، أو يا أخا فلان (يا أخت هارون) أي: يا شبيهة هارون في العبادة مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ [مريم:28] ما كان أبوك يعمل هذه الفضيحة وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً [مريم:28] أي: زانية.. فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ [مريم:29]؛ لأنها لا تتكلم، فهذه مصيبة ثانية تعملها وتقول: كلموه، فهم استغربوا وقالوا: تفعلين الفاحشة وتشيرين إلى الطفل! قال تعالى: قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً [مريم:29] تشيرين إلى طفل يرضع في المهد وتريدين منا أن نكلمه! فتكلم مباشرة وترك الثدي، وقال لهم: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم:30] فأول كلمة قالها عيسى نسف بها عقيدة النصارى الذين هم الآن في الأرض أكثر من ألف مليون نصراني يعتقدون أن عيسى ابن الله!! فهو ينسف عقيدتهم ويكذبهم ويقول لهم محدثاً عن نفسه، وهو أعرف الناس بنفسه: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً [مريم:30-33] قال الله: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ [مريم:34-35]؛ لأن صفة الولد صفة نقص في الرب وصفة كمال في العبد، فالآن الذي ليس عنده ولد يقولون له: فلان مقطوع أو مبتور، وإذا مات نسيه الناس، لماذا؟ لأنه يحتاج ولداً، فلا بد له من ولد، فإذا كان عندك أربعة أو خمسة أو عشرة أولاد قالوا: ما شاء الله؛ لأنه إذا كبر قاموا معه، وإذا عمي قادوه، وإذا ضعف قووه، وإذا افتقر أعطوه، وإذا مرض عالجوه، وإذا احتاج أعطوه، ولكن الله لا يحتاج إلى الولد، فصفة الولد لله صفة نقص، أما صفة الولد في العبد فهي صفة كمال، ولو أن الله يحتاج إلى الولد سيصير عند الله حاجة، والله لا يحتاج، يقول الله عز وجل: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:90-95].

    1.   

    الحكمة من مشروعية الصيام

    إذاً: الأمم السابقة كانت تصوم، كما قال الله: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] فقد ذكر الله عز وجل الحكمة من تشريعه لهذا الصيام فقال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] لم يفرض الله عز وجل الصيام لمصلحة له، فالله غنيٌ عنا وعن صيامنا وعبادتنا، ولو صام أهل الأرض كلهم ما زاد في ملك الله شيء، ولو أفطر أهل الأرض كلهم ما نقص من ملك الله شيء؛ لكن الصيام شرع لنا لكي نتقي، وترتفع أرصدة التقوى في قلوبنا، ونشعر بحسن العلاقة مع الله، ولذا ترون الناس في رمضان أحسن حالاً منهم في غير رمضان، فعندما يصوم الناس ترتفع درجات التقوى عندهم؛ فيصلون في المساجد، ويقرءون القرآن، ويتصدقون، ويحبون الله، ويذكرون الله، لماذا؟ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] لأنهم صاموا فاتقوا الله.

    ثم قال عز وجل وهو يلطف الأمر حتى لا ينزعج أصحاب البطون فقال: أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184] أي: ما جعلناها سنة كاملة، ولا عشرة أشهر، ولا ستة أشهر من السنة، أي: ما جعل النصف صيام والنصف إفطار، وإنما هو شهر من اثني عشر شهراً، وكذلك هذا الشهر نصفه إفطار والنصف الآخر صيام، اثنتا عشرة أو ثلاث عشرة ساعة إمساك وبقية الليل من المغرب إلى الفجر أكل، فماذا بقي علينا من التعب؟

    هذا في الماضي، أما الآن فلا ندري بالصيام، وما نصوم إلا من العصر إلى المغرب فقط؛ لأننا نتسحر ونصلي الفجر وننام إلى الظهر، ونقوم نصلي الظهر وننام حتى صلاة العصر، ثم نصوم إلى صلاة المغرب، فلا يبقى من صيامنا إلا من صلاة العصر إلى صلاة المغرب فقط، ثم بعد ذلك نفطر؛ لأن الصائم النائم لا يحس بألم، هل تحس بالجوع وأنت نائم؟ هل تحس بالعطش وأنت نائم؟ ولذا حين يستيقظ أحدنا في العصر ويذهب يصلي لا يزال السحور في بطنه ما ذهب منه شيء؛ لأنه لم يتحرك ولم يذهب، ولا يزال الماء في بطنه؛ لأنه لم ينزل منه قطرة عرق، وعندما يفطر يقول: والله إنني شبعان، والله ما كأني صائم؛ لأنك نائم طوال يومك، ما صمت إلا من العصر إلى المغرب، ولو أنك من الصباح في شغل فإنك صائم، لكن الأجر كامل إن شاء الله، ولا يتصور أحد أنه ليس له أجر، فالصيام صيام شرعي وأجره كامل، لكن رحمة من الله أن الله لطف بنا -أيها الإخوة- فنحن في نعمة.

    قلت لأحد كبار السن في مكة : كيف كان صيامكم؟ فقال: والله ما كانت تأتي علينا الساعة (العاشرة) في أول النهار إلا وقد ذبل أحدنا كما تذبل الشجرة، وأصبح الشخص منا لا يوجد في فمه قطرة ريق، وإن لسانه كالسفنجة من العطش، فلا يستطيع أحدنا أن يتكلم بكلمة واحدة من شدة الجوع والعطش.

    قلت: ماذا تعملون؟

    قال: كل في شغله، هذا في مزرعته، وهذا معه إبله وغنمه، وهذا في سوقه.

    قلت: لماذا لا تنامون كالناس وتشتغلون في الليل؟

    قال: إذا نمنا نامت أرزاقنا، ولا يوجد عمل في الليل، فالليل من المغرب إلى قبل العشاء قليل على سرج بسيطة بزيت بسيط من القاز ندخره كما ندخر الذهب الأصفر، وبعد ذلك نطفئها والكل ينام؛ لعدم وجود النور، وأما الآن قد حولنا الليل نهاراً والنهار ليلاً، حتى العمال الآن في المباني معهم كشافات كأنها شمس، ويعملون من بعد المغرب إلى الفجر ثم يذهبون ينامون إلى المغرب، وقالوا: هم صائمون، فبعضهم يصلي، وبعضهم لا يصلي.

    فهي أيام معدودة على الذين كانوا يتعبون فيها، أما نحن -ولله الحمد- اليوم فهي ساعات معدودة في حياتنا.

    ثم قال عز وجل بعد ذلك رحمة بالأمة: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184] مع أنها مبسطة ومكتوبة كما كتبت على الذين من قبلكم إلا أن الرحمة لا زالت تلاحق الإنسان في كل حالاته، فالمريض له عذر خارج عن إرادته، لأنه مرض بقدر الله، فما دام أن مرضه كان بقدر الله فالله رفع التكليف عنه، قال تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].

    قوله تعالى: أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة:184] كان الناس يسافرون في طلب الأرزاق والمعايش، فليسوا كحالنا، فالذي لا يتحرك ولا يسافر يموت جوعاً، فيغربون ويشرِّقون، ويذهبون إلى اليمن والشام والعراق ، وغيرها، ويذهبون إلى كل أرض من أجل لقمة العيش، والذي يجلس لا يلقى شيئاً.

    يقول الشافعي رحمه الله:

    سافر تجد عوضاً عمن تصاحبه     وانصب فإن لذيذ العيش في النصب >
    <
    إني رأيت وقوف الماء يفسـده     إن سار طاب وإن لم يجر لم يطب >
    <
    والشمس لو بقيت في الفلك واقفة     لملَّها الناس من عجمٍ ومن عرب >
    <
    والتبر كالترب ملقىً في أماكنه     والعود في أرضه نوع من الخشب >
    <
    لما تغرب هذا عز مطلبه     وإن تغرب هذا عز كالذهب >

    فالعود الموجود هنا يباع بالأوقية، لكن في بلده مثل الخشب، لكن عندما أتى إلى الرياض أصبحت الأوقية بمائة أو بمائة وخمسين، ولو أنه بقي في بلده لم يشتره أحد، وهكذا السفر كان في حياة الناس ضرورياً من أجل المصالح، فالله رفع عن الناس الحرج في السفر؛ لأن المسافر لا يجد وسيلة للراحة، قال الله تعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] هذه -أيها الإخوة- مقدمة عن أصل مشروعية الصيام.

    1.   

    معاني الصيام

    من الناس من ساء فهمه للصيام؛ وهذا نتيجة البعد عن حقائق الدين وأسرار الإسلام، إذ لم يفهم الكثير من الناس من الدين إلا المعاني الظاهرة والصور الباهتة الميتة، كما يفهم من الصلاة أنها قيام وقعود وركوع وسجود، ولكن قلبه في وادٍ والصلاة في وادٍ آخر، فهذا لم يعرف الصلاة حقيقة، فتراه يصلي وهو يحك ظهره، وينقر أنفه، ويحرك ساعته، فإذا سجد رمى بنفسه على الأرض، حتى في التراويح ترى أكثر الناس لا يصدق أنه أكملها، ولكنه يخرج بعد التراويح الساعات وهو في الأسواق يعرض ويدور، ولا يشعر بتعب، لكن نصف ساعة هنا كأنها عشرون ساعة، ويخرج ويصيح على الإمام، ويقول: زودها يقرأ صفحة، يريد أن يكسر أرجلنا، هذا منفر عن الدين! إذاً لماذا تقف في المعرض ثلاث ساعات خلف المرأة وهي التي تقودك بأنفك تريد أحذية، فهذه أحذيه ليست جميلة، فيذهب من معرض إلى معرض، وآخر شيء تقول له: والله ما وجدت شيئاً جيداً الليلة؛ لكي تخرج الليلة المقبلة، ثلاث ساعات وراء أحذية لا تمل، وأما نصف ساعة وراء الإمام في روضة من رياض الجنة، تسمع كلام الله والملائكة معك والله يرضى عنك، ويكتب لك حسنات، وما أن ينتهي منها كأنه طائر في قفص!! لماذا؟ لضعف الإيمان، ولعدم فهم الحقيقة الشرعية للصلاة، فالصلاة هي حركة القلب قبل أن تكون حركة البدن.

    والصيام له معانٍ عظيمة في الإسلام، ليس مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، فإن الامتناع عن الطعام والشراب والنكاح صورة من صور العبودية والتذلل والاستسلام، أما المعاني الحقيقية فهي أبعد من ذلك، ومنها ما قد ذكرها الشيخ سلمان العودة حفظه الله ووفقه في وقفاته المباركة ثلاثون وقفة في رمضان التي هي الآن تقرأ في المساجد.

    للصائم فرحتان

    من المعاني يقول النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث في الصحيحين : (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه).

    كلنا -أيها الإخوة- نشعر بالأولى، أليس كذلك؟ وأسأل الله كما أشعرنا بالأولى أن يشعرنا بالثانية، فكما فرحنا في الفطر أن نفرح بلقاء الله عز وجل، ولا يوجد شخص في الدنيا عند الإفطار وهو غضبان، فإنهم كلهم مسرورون، حتى الغضبان يضحك في تلك اللحظة، لماذا؟ لأنها ساعة فرحة، وليس من الجوع، فهل ترون أحداً في ساعة الإفطار في الشوارع؟ تكون مقفلة، والدكاكين مقفلة، والسيارات موقفة، وعجلة الحياة كلها موقفة، والناس على السفرة ليس بسبب الجوع، بإمكان الشخص أن يصبر ثلاث ساعات أو أربع ساعات، لكنه يريد أن يلحق تلك اللحظة وهي لحظة الفرحة، ولذا إذا أفطر أهله؛ لأنه تأخر في مكان أو شيء، وجاء بعدهم بنصف ساعة وقدموا له فطوراً فما كأنه أفطر، يقول: فاتتني. ما هو الذي فاته؟ هل فاته التمر؟ التمر موجود، هل فاتته الشربة؟ الشربة موجودة، إنما فاتته اللحظة، (وفرحة عند فطره) ما هي فرحة الإفطار؟

    يقول العلماء: إنها فرحة التوفيق لأداء هذه العبادة، فرحة أن الله عز وجل قبل منك هذه العبادة، فرحة أنك أفطرت بأمر الله، فالله أمرك أنه بمجرد غروب الشمس أن تفطر، يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم) وقال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، أنت تمسك بأمر الله وتفطر بأمر الله، فهي فرحة عند الفطر.

    وفي هذا الحديث يقول الشيخ سلمان في كتابه: إن هذا الحديث له بشرى بسعادة الدارين: سعادة الدنيا، وسعادة الآخرة؛ فسعادة الدنيا تحققت بالفرحة عند الإفطار، هل يجدها الذي لم يصم؟ لا يجد هذه الفرحة، فبعض النساء حائض وأفطرت بعذر شرعي، وبعض الناس مريض أفطر بعذر شرعي، فإذا جاء الفطور ودعوه وقالوا له: تعال كُلْ. فيأتي يأكل، لكن هل هو فرحان؟ يقول: والله فاتني ليتني صمت، والمرأة تقول: الله يعينني على هذه الأيام، الحمد لله على كل حال، وتجدها منكسرة القلب وغضبانة ومهمومة وتقول: لو أني صائمة.

    وبعض النساء من مبالغتها تصوم وهي حائض، وتقضي كذلك، لكن تقول: أريد أن أصوم ولو أنها حائض، رغم أنه لا يجوز أن تصوم وهي حائض؛ لأن عليها أن تفطر ولو لم تأكل شيئاً فإنها مفطرة، حتى لو قالت: أنا سأصوم؛ لأن الصيام ليس فقط مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، فهي مفطرة بعذر الحيض، وعليها أن تقضي هذه الأيام. فهذا معنى من معاني الصيام.

    الصوم عمل قلبي

    من المعاني -أيها الإخوة- التي يغفل عنها كثير من الناس وهو أن الصيام فيه ارتباط وثيق بقضية الإيمان بالله عز وجل، فإن الصوم عمل قلبي سري لا يطلع عليه إلا الله، إذ بإمكان الإنسان أن يظهر أنه صائم أمام الناس لكنه يفطر خفية، فلا يعلم أنك صائم أو غير صائم إلا الله عز وجل، فيوم أن تمسك بالصيام في السر والجهر ومع الناس ومع نفسك وفي كل لحظاتك، علام يدل هذا؟

    يدل على أنك مؤمن بالله، وتشعر بمراقبة الله، وهذه المرتبة تسمى مرتبة الإحسان، وهي: أنك تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فهذه نعمة من الله، بأنك تلتزم بالصيام بأمر الله عز وجل فتشعر في قلبك بالمراقبة لله، ويتحقق لك بهذا الإيمان وهو من أعظم ما يملكه الإنسان في هذه الحياة.

    التطلع والرغبة إلى الدار الآخرة

    كذلك التطلع والرغبة فيما عند الله في الدار الآخرة، فإن الإنسان لا يترك شيئاً إلا مقابل شيء آخر، فالإنسان يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله، ولذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي)، من أجل الله لكي يعوضك الله في الآخرة .. هل هناك جوائز للصائمين في الدنيا؟ هل يوجد رواتب للصائمين في الدنيا؟ ولذا جعل الله عز وجل باباً في الجنة اسمه (الريان) والحديث في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: (إن في الجنة باباً يقال له: الريان، لا يدخله إلا الصائمون) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن يدخلون هذا الباب.. واسمه يشعر الإنسان بالنعمة، من الري وهو: الخير الكثير، الذي يشمل المؤمن في الدار الآخرة.

    فعندما يصوم الإنسان يتطلع إلى ما عند الله تبارك وتعالى في الدار الآخرة من الثواب والجزاء الجزيل عند الله عز وجل.

    بالصوم يظهر الانقياد والتسليم لله تعالى

    من المعاني: أن الصوم يظهر فيه الانقياد والاستسلام على أعظم صورها؛ إذ أنه لا يوجد تفسير منطقي عقلي لعملية الإمساك عن الطعام والشراب، لماذا نمسك من الساعة كذا إلى الساعة كذا؟ لا نعرف، فالله أمرنا، ونحن عبيده، ومقتضى العبودية أن العبد يسير في أمر سيده ومولاه، إذا كان عندك عبد فتقول له: يا عبد! اذهب وأحضر لي هذه؟ فإذا قال لك: لماذا؟ تضربه على وجهه، وتقول: اذهب، ولا تتدخل. ترسل العبد وتقول: هذه مائة ريال اذهب وأحضر لنا مقاضي، يقول لك: لماذا المقاضي؟ تقول له: عندنا ضيوف، يقول: من هم الضيوف؟ تقول: آل فلان، يقول: لماذا تعزمهم؟ أوه طولتها، لا تتدخل أنت في هذه الأمور!

    فالله تبارك وتعالى سيدنا ومولانا وخالقنا وبارينا، ونحن عبيده يأمرنا ولا يحق لنا أن نسأله، ولهذا يقول الله عز وجل: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، أمرنا أمراً (صوموا) ونحن نستسلم الآن، نؤدي عمرة في رمضان ونطوف في البيت فنسأله: لماذا نأخذ عمرة؟! ولماذا نطوف بالبيت؟! لا ندري، الله أمرنا، وقال: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، نسعى بين الصفا والمروة، لماذا نسعى؟ لماذا نهرول في منطقة معينة؟ الله أمرنا، فلا نقول: لماذا صلاة العشاء أربع ركعات، وصلاة المغرب ثلاث ركعات، وصلاة الفجر ركعتان؟ لماذا لا يكون الفجر والمغرب أربع ركعات، والعشاء لا يكون ركعتين بسبب أننا متعبين؟ لا.. لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء:23] ليس عملنا هذا، الأمر أمر الله والشرع شرع الله، ونحن عبيد الله، ولا يسع المسلم إلا أن يقول: آمنت بالله، رضيت بالله، مهما أمر الله نحن ننفذ أمر الله تعالى.

    فالاستسلام والخضوع والانقياد لله عز وجل يظهر بصورة واضحة فيما يتعلق بتنفيذ الإنسان للصيام.

    الصوم رابط اجتماعي بين الأمة

    وفي الصوم معنىً عظيم وهو: الترابط الجماعي بين الأمة؛ لأن المجتمع دائماً إذا تعارف على طاعة وعلى ترك معصية، يسهل على الناس كلهم أن يمارسوا الطاعة أو يتركوا المعصية، فالصائمون في المملكة العربية السعودية لا يجدون أي صعوبة في الصوم في رمضان؛ لأن المجتمع كله صائم، وحتى الكافر صائم؛ لأنه لا يستطيع أن يدخن أو يأكل في المطعم .. لماذا؟ احتراماً لمشاعر البلد وأهلها.

    لكن لو أنك تعيش في بلد من البلدان التي لا تقيم وزناً للصيام مثلاً، وكنت صائماً ذلك اليوم، وإذا بالمطاعم يؤكل فيها في نهار رمضان ويشرب، فإنك سوف تعاني معاناة لا يعلمها إلا الله، ولا يأتي المغرب إلا وقد تقطع قلبك؛ لأن الناس مفطرون وأنت صائم، لكن عندما يكون الناس صائمون وأنت صائم فلا تشعر بشيء، وهكذا يقول العلماء: إن المجتمعات يجب أن تتماسك كلها في تنفيذ أمر الله، ومجتمع لا يوجد فيه زنا لا تجد شخصاً يفكر في الزنا، وكذلك مجتمع لا يوجد فيه خمر ولا ربا؛ لأنه لا أحد يفكر في الربا، وأما إذا أبيح الربا فيصعب على الإنسان أن يترك الربا وهو يرى الناس يرابون، وإذا أبيح الزنا ورأى الناس كلهم يزنون وهو لا يزني يصعب عليه، فممكن أن يقع في الزنا، وإذا رأى الخمور تشرب كما يشرب العصير في بعض البلدان، فيمكن أن يقع في شرب الخمور، ولذا جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أوامر الإسلام، بل عده بعض العلماء ركن من أركان الدين، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام الدين، وهو صمام الأمان للأمة، فلا يبقى للأمة كيان إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو إظهار شعائر الله، وقمع المعاصي والمنكرات؛ لأن المعاصي إذا ظهرت وانتشرت واستمرأها الناس وأحبوها ستكون النفوس مريضة، وتحب المعاصي والشرور، ولكن عندما يرى الناس أن المعاصي محظورة وأن الذي يعملها يجلد ظهره، والذي يسرق تقطع يده، فكل شخص يقف عند حده، فالصوم يظهر لنا منه الترابط الذي يجب أن يكون في المجتمع والتعاون والتكاتف على تنفيذ أمر الله عز وجل، وترك معصية الله تبارك وتعالى.

    رمضان شهر تلاوة القرآن

    ومن أسرار الصوم ومعانيه: أنه شهر التلاوة للقرآن الكريم، فهو شهر القرآن؛ لأنه أنزل فيه، قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185]، فشهر رمضان شهر مذاكرة القرآن ومدارسته، وكثرة تلاوته، فاعرض نفسك على القرآن، (كان صلى الله عليه وسلم يعرض القرآن على جبريل في رمضان في كل عام مرة، إلا في السنة التي مات فيها عرض عليه القرآن مرتين) فالمطبق الأول للقرآن هو النبي صلى الله عليه وسلم، كما قالت: عائشة رضي الله عنها (كان خلقه القرآن)، ولكن الناس الآن يفهمون شيئاً آخر؛ يفهمون أنها التلاوة المجردة من التطبيق، فتجد الشخص يقول: ختمت القرآن مرتين، ختمت القرآن أربع مرات؛ ولكن هل وقفت على حدوده؟ إذا قرأت آية الربا فهل أموالك في البنوك الربوية؟ فإن قال: نعم. فكيف يكون مالك في البنك الربوي وأنت قرأت قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:278] لماذا لم تقف عندها؟

    وكذلك هل تصلي مع الجماعة في أوقاتها، أم لا؟ هل عينك تنظر إلى الحرام؟ هل أذنك تسمع الحرام؟ هل لسانك يتكلم في الغيبة والنميمة والحرام؟ فاسأل نفسك فإنك تقرأ القرآن وكله أوامر ونواهٍ، فقف عند أوامر الله وحدوده، واعرض نفسك عليها، فإن كنت مطبقاً فالحمد لله، وإن كنت غير ذلك فتب إلى الله عز وجل.

    فهذا معنى شهر التلاوة، أما أن تتلو القرآن وتكرر تلاوته مرة أو مرتين أو أكثر ولم تعمل بأوامره ولم تنته بنواهيه فلا؛ لأن الله عز وجل أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً، ولكن من فضل الله علينا أن الله جعل التلاوة عملاً بعد العمل به.

    والقرآن يعذب صاحبه الذي لا يعمل به.

    وعالم بعلمه لم يعملن     معذبٌ من قبل عباد الوثن >

    الصوم كفارة للمعاصي

    من معاني الصوم: أن الصوم كفارة لجميع الذنوب الماضية، كما جاء في الصحيحين يقول عليه الصلاة والسلام: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) ألست بحاجة إلى أن يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك؟! وكم هي ذنوبنا! فوالله لو كانت للذنوب روائح ما جلس أحد بجوار شخص منا، فإننا مذنبون ذنوباً كثيرة جداً، وليس تواضعاً بل حقيقة، فَكِّر حتى في صلاتك، فبعضهم يصلي صلاة ذنب، أي: طاعاتنا أحياناً تكون معصية؛ لأننا نمارسها بطريقة غافلة لاهية، بعيدة عن الخشوع وعن الخضوع لله عز وجل، فالمعاصي والذنوب لو كان لها روائح لفرَّ الناس منا، ألا نريد أن يغفرها الله لنا أيها الإخوة؟ بلى والله كلنا نريد ذلك، وكيف تغفر؟ بصيام رمضان إيماناً واحتساباً.

    قال العلماء: (إيماناً) أي: تصديقاً وجزماً أن هذا فريضة من فرائض الله و(احتساباً): أي: طلباً للأجر والمثوبة من عند الله، فتمارس الصيام وتتشوق إلى ممارسة هذه العبادة، لماذا؟ لأنك تحتسب أجرها عند الله، وتفرح بثوابها يوم لقاء الله؛ لأن الله عز وجل جعل الصوم له وجعل ثوابه عنده، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) والحديث صحيح، فعملك لك؛ فصلاتك وزكاتك يعطيك الله بعملك، وكل شيء، إلا الصوم فلا يعطيك الله بما عملت، وإنما يعطيك جزاءً من عنده من غير حساب؛ لأنه جزء من الصبر، والله يقول: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].

    فكيف يجزي ربنا عن الصوم؟ يجزي جزاءً عظيماً يضاعفه لمن يشاء.

    نسأل الله أن يجزينا وإياكم وإخواننا وآباءنا وأمهاتنا وجميع المسلمين جزاءً تقر به أعيننا، ندخل به الجنة وننجو به من النار.

    هذه -أيها الإخوة- بعض معاني الصيام.

    1.   

    أصناف الناس في رمضان

    فقد نظرت إليهم وتأملت حالهم فوجدتهم لا يعدون خمسة أصناف:

    الصنف الأول: الرابحون في رمضان

    هذا الصنف موفق ورابح وناجٍ، قل ما شئت من العبارات، فهو يفرح برمضان وينتظره انتظار الملهوف، ويعد الأيام والليالي حتى يأتي رمضان فتقر عيناه برمضان، ويتمنى أن تكون السنة كلها رمضان، وإذا خرج رمضان فكأنه في عزاء، وإذا جاء رمضان فكأنه في عيد، ويستقبله أحسن استقبال، وكيف يستقبله؟ لا يستقبله بالطعام، ولا يستقبله بالسهرات، وإنما يستقبله بالتشمير عن ساعد الجد.

    فيراجع نفسه ويتوب إلى الله من جميع الذنوب والخطايا، ويكثر من عبادة ربه، ويبحث عن إمام يطول الصلاة ويخشع فيها ويخضع، ثم يصلي معه من أول ركعة إلى آخر ركعة، حاضر القلب، مستقر الذهن، واقف القدم، يمارس العبادة بنشاط وهمة عالية، ولا يأتيها وهو كسلان؛ لأن الكسل من صفات المنافقين، يقول الله عز وجل: وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى [التوبة:54].

    فإذا سلّم الإمام من الركعتين فقم بعده بنشاط، ولا تتأخر إلى أن يقرأ الإمام نصف الفاتحة أو الفاتحة كلها وبعضهم يتأخر إلى قرب الركوع وبعد ذلك يقوم، لماذا لا تقوم؟ قم، فالله يعينك ولا تتعب، وماذا تخسر؟ بالله كم خسرت أو كسبت يوم جلست وظهرت لك عضلة في ظهرك أو في رجلك؟ لا، هي كلها من الشيطان ويريد أن يفوت عليك الأجر، فقل: أعوذ بالله وقم، فلا يتلاعب بك الشيطان فتتكاسل عن الصلاة، فإذا سلم الأمام سلمت، وإذا قام إلى الصلاة قمت، ولا تتأخر، فإن القلب دال على الجسد، فإذا كان القلب قوي العزيمة فالجسد لا شك أنه سيكون قوي العزيمة وعالي الهمة، أما إذا كان القلب مريضاً ضعيف الإرادة فالجسم لا شك أنه سيكون مثله، نسأل الله السَّلامة والعافية.

    وكذلك عليك -يا أخي- أن تتم الصلاة مع الإمام، أما أن تصلي ركعتين ثم تخرج إلى الدنيا فلا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة، من صلى مع الإمام حتى يسلم آخر تسليمه من الوتر كتبت له كأنه قام الليل كله، فلو خرجت وتركت الإمام فليس معك إلا ما صليته.

    هذا هو الصنف الأول الذين يفرحون في رمضان ويشمرون عن ساعد الجد، ويفرحون بتنظيم أوقاتهم في كثرة الصلاة، الصلاة المفروضة، والتراويح مع الإمام، وبعد ذلك كثرة التلاوة، تلاوة منقطعة النظير، إذا سألت عنه في المسجد وإذا هو يقرأ، كان السلف رضوان الله عليهم إذا دخل رمضان يمتنعون عن مدارسة العلم، ويعكفون على قراءة القرآن باستمرار، حتى أثر أن الشافعي كان يختم القرآن في رمضان ستين ختمة، مرة في الليل ومرة في النهار، فمتى كان يأكل؟! ومتى كان يشرب؟! ليس كأمثالنا، نحن الآن حمير مقاضي، يأخذ الشخص منا الكراتين في المساء، وإذا به في الصباح ينزلها (قمامة) ويأكل منها الثمن والثمن كثير، بينما كان الأولون لا يعرفون هذا كله، يقول الإمام الشافعي : من اشتغل عن العلم بشراء بصلة لم يتعلم.

    فتجد الأكل والشرب والمقاضي مصيبة الناس في هذا الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    فهذا يشمر عن ساعد الجد ويبحث عن أول شيء تلاوة القرآن باستمرار، قال لي أحد الشباب: كم؟ قلت: أتصور أن في كل ثلاثة أيام مرة، خصوصاً شبابنا ومدرسينا في هذا الشهر في إجازة وليس عندهم شيء إلا قراءة القرآن.

    فعليهم أن يقرءوا القرآن، فينام إلى الساعة العاشرة صباحاً مثلاً، ثم يستيقظ فيصلي الضحى، ثم يقرأ القرآن إلى الظهر، ثم يذهب إلى المسجد فيصلي الظهر ويجلس يقرأ حتى صلاة العصر، ثم يصلي العصر ويقرأ حتى صلاة المغرب، فيصلي المغرب ثم يأكل طعام العشاء ويصلي العشاء، وصلاة التراويح، ثم يقرأ القرآن طوال الليل؛ لأن هذا الشهر شهر القرآن. يقول الشاعر:

    اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً     فإنه شهر تسبيح وقرآن

    فهذا شهر القرآن نزل فيه القرآن فلابد أن نقرأ فيه القرآن.

    وهذا المشمر شمر في اختزان شيء من مصروفاته الشهرية، وصرفها على الفقراء والمساكين والجيران، وتفقد حالهم ومن يهمه أمرهم، وأهدى لهم، واشترى لهم المقاضي، وأملأ ثلاجاتهم بالخيرات، وبعد ذلك أخذ عمرة في رمضان؛ لأن الحديث في البخاري يقول عليه الصلاة والسلام: (عمرة في رمضان تعدل حجة معي) أي: مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذا أردت أن تحج مع النبي صلى الله عليه وسلم فاعتمر في رمضان، فإنها لا تكلف عليك إلا القليل.

    والمشمر في هذا الشهر يشغل ليله بمدارسة العلم، وبزيارة أهل العلم والفضل، وبزيارة الأقارب والأرحام والجيران، فهؤلاء الرابحون في رمضان، ولكنهم قليل، والذي يؤسفنا أنهم قليل.

    الصنف الثاني: الخاسرون في رمضان

    وهم قسم خاسر -والعياذ بالله-، وهم الذين يكرهون رمضان، فإذا جاء رمضان فكأنه ضُرب وجهه بعصا، يقول: أتاك رمضان!

    فقد ذكر ابن الجوزي قصة لمغفل في كتاب الحمقى والمغفلين، قال: كان له حمار مريض، فلما مرض الحمار وهو يريد أن يشفى بأي وسيلة؛ لأن الحمار كان ثمنه مرتفعاً كالسيارات الآن، فنذر لله أن يصوم سبعة أيام إن شفي الحمار، فشفي الحمار وأصبح يمشي، فوفى بنذره وصام سبعة أيام، فلما انتهت السبعة الأيام مات الحمار، قال: فعلتها بي يا ربي!! والله لأخصمنها من رمضان القادم!!

    هو أصلاً لم يصم لله وإنما صام للحمار، ويوم أن مات الحمار قال: سوف أخصمها من رمضان القادم. كيف المسألة؟ حسابات تجارية!

    فهؤلاء الخاسرون يدخل عليهم رمضان فيضيقون منه ضيقاً لا يعلمه إلا الله، فيعد أيامه ولياليه كأثقل ما تكون، وكل يوم يسأل عن التاريخ ويصيح.

    وحكي: أن أعرابياً دخل عليه رمضان، فقيل له: دخل رمضان، فقال: والله لأقطعن شمله بالأسفار. فسافر لكي يقطع رمضان، وهو لم يعرف أنه سيقضي، قال تعالى: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184] وإذا عنده إيمان فهو أصلاً ملزم بالقضاء، فالسفر يجب أن يكون سفر طاعة، أما سفر المعصية فليس بسفر.

    فهؤلاء الخاسرون الذين يستثقلون رمضان، وتطول عليهم أيامه ولياليه، وينتظرون وصول ليلة العيد على أحرِّ من الجمر؛ لأنهم حجزوا عن الشهوات والملذات والمحرمات، وخاصة الذي يمارس المحرمات فلا يستطيع أن يمارسها في رمضان، فتجده لا ينتظر إلا انتهاء رمضان؛ لكي يرجع إلى المحرمات التي كان عليها.

    ولذلك أثقل على نفسه؛ لأنه لم يعتد الصلاة في المسجد، لكنه عندما تسحر وأذن المؤذن ذهب إلى المسجد وهو كسلان، وكذلك صلاة المغرب، فهو يترقب انتهاء رمضان فيعاهد إبليس على أَنْ لا يدخل المسجد؛ لأنه عبد إبليس، فلا يحب الله ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا خاسر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصعد المنبر: (رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه، خاب وخسر، قالوا: من هو يا رسول الله؟! قال: من أدرك رمضان ولم يغفر له) أي: دس أنفه في الرغام، وهو التراب الدقيق الذي يأتي في الطرقات الرملية.

    فلا يغفر لمن أدرك رمضان إلا لمن صامه إيماناً واحتساباً وليس تثاقلاً، وإنما إيماناً ويحتسب ثوابه عند الله وليس مهموماً في رمضان.

    فهؤلاء هم الخاسرون، نسأل الله أَلا يكثرهم في المسلمين.

    الصنف الثالث: من ضيعوا رمضان بالإكثار من الشراب والطعام

    وهم عباد الشهوات والبطون، الذين يفرحون في رمضان بسبب أنه موسم للأكلات وتعدد الأصناف من الطعام، فهذا يقول: أتاك شهر الخير، فيقول: الحمد لله دخل شهر البركات، شهر السنبوسة والشربة والكنافة والكبسة، ويعدد لك أشهى وألذ المأكولات.

    فالله عز وجل شرعه من أجل أن نصوم ونجوع ونعطش، لكي نحس بأن هناك من الناس من هو جائع طوال العام، ومساكين طوال العام، فنأخذ من أقواتنا ونشاركهم، أما أن نثخن بطوننا ونملأها بما لذَّ وطاب من أنواع الطعام فلا.

    فهؤلاء هم الشهوانيون المضيعون، الذين لم يفهموا من رمضان إلا أنه شهر أكل وشرب، فمن أول رمضان وهو يُحَمِّل السيارة بالمقاضي، وكذلك في بقية الشهر، فتراه يأخذ من كل أصناف الطعام، وتجده لوحده أو مع امرأته وطفلين أو ثلاثة، لكنه جشع وطمع، فإذا أنزلت على السفرة تجدها عشرين صنفاً أو تزيد، ولو أكل صنفين لأشبعاه؛ لكن جشع وطمع -والعياذ بالله-، فيأكل من كل نوع جزءاً بسيطاً جداً، ثم يأخذ الباقي ويرمي به إلى القمامة؛ لماذا هذا؟ لأنه لا توجد مراعاة لنعم الله عز وجل.

    فهؤلاء مضيعون؛ لأنهم لم يعرفوا حكمة الصيام، وأنه من أجل الإكرام والإنفاق والجود على الفقراء والمساكين، يقول أحد الصحابة رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون في رمضان) فهو يجود بما هو موجود تقول عائشة : (يدخل الهلال ثم الهلال ثم الهلال -ثلاثة أهلة- ولا يوقد في بيت آل محمد نار).

    تصور -أخي الكريم- أن الغاز ينتهي فكيف سيكون حالك؟ فإذا دخلت على المرأة تقول لك: عجِّل أسرع ليس عندنا غاز، فتقول لها: سآخذ خبزاً من الفرن، فتقول: لا يصلح إلا بإدام ولحم، ولا يمكن أبداً أن نجلس ليلة بدون نار، فهل يستطيع بيت أن يجلس يوماً بدون غاز في عصرنا هذا؟ عزاء ومأتم ومصيبة، أما بيت النبوة فيمر شهران ولا يوقد فيها نار؛ فقال عبد الله بن الزبير : (يا أماه! فما طعامكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء) والله لقد ذهبوا بلذة الحياة رضي الله عنهم وأرضاهم، ونحن نشعر أن عندنا لذة الحياة؛ فليست لذة الحياة بالأكلات والملابس والمباني، بل لذة الحياة في العبادة والقربة والمناجاة لله تبارك وتعالى.

    كثير من النساء ضيعت عمرها في الطبخ، بعض النساء من أول رمضان إلى آخره لا تقرأ صفحة أو صفحتين من القرآن الكريم؛ لأنها مشغولة، بل من أذان الظهر وهي تقوم كأنها مكينة تدور في المطبخ، وهي مستنفرة كافة أفراد البيت استنفاراً عاماً؛ لكي تطبخ الفطور، وإذا دخلت المطبخ تجد النيران مشتعلة في كل اتجاه، فالموقد له عشرة عيون، وكل عين عليها قدر ينضج، والرجل يدخل يساعدها وكذلك البنات وهي تشرف عليهن.

    وهذا كله من أجل ماذا؟ من أجل بطن تملؤها سبع تمرات، وهي من الظهر إلى المغرب تطبخ، ومن المغرب إلى الساعة الحادية عشرة تأكل، ومن الساعة الحادية عشرة إلى الساعة الرابعة تتمشى في الأسواق، ومن الساعة الخامسة إلى الساعة الثانية عشرة ظهراً وهي نائمة، فمتى تعبد الله؟ ومتى تقرأ القرآن؟ فلا يوجد وقت للقراءة، والتي تأتي منهن أحياناً للصلاة، فبعض النساء تأتي إلى الصلاة في المساجد فهذه موفقة لكن بشرط:

    أن يكون عملها خالصاً لله ولا تقصد به رياءً؛ لأن بعض النساء تقول: صليت البارحة بعد الشيخ فلان، فأفضل صلاة المرأة في بيتها، لكن نقول: تصلي في المسجد؛ لكي تستطيع أن تنشط للصلاة، لكن التي تستطيع أن تصلي في بيتها وتقرأ القرآن فهذا أفضل لها من المسجد، أما التي تخاف أن تجلس في البيت فيأتيها الكسل، نقول لها: صلي في المسجد، بشروط:

    أولاً: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله.

    ثانياً: أن تأتي بثياب لا يوجد فيها زينة.

    ثالثاً: أن تكوني متحجبة من رأسك إلى قدمك مثل الغراب الأسود.

    رابعاً: أن تأتي وتجلسي في طرف المسجد، فلا تتكلمي ولا تعلم بك حتى النساء، ثم تخرجي بعد ذلك إلى سيارتك فلا يعرفك أحد، لكن بعضهن تأتي بثلاجة القهوة في يدها لكي تنبسط، وبعضهن تأتي بالمكسرات، ويأتي بها السائق الأجنبي وتمارس عبادة عن طريق معصية، فلا ينبغي هذا، ثم تأتي وتسأل عن الفطور وعن أنواع الفطور، وتقول لأختها: أنا عملت أشياء جديدة، ثم تريها طبق الطبخ، وإذا بها تعمل طبق الفطور في المسجد، فأغرت الناس وغررت على المسلمات، فأين الدين؟

    فهذا يدخل ضمن المضيعين الذين ضيعوا رمضان في بطونهم، وسينتهي رمضان واسألوا أهل البطون في آخر رمضان ماذا بقي معكم من الأكلات؟ فلن تبقى ولا حبة، فكلها ذهبت إلى المجاري.

    الصنف الرابع: من يقضي ليله بالسهر على المعاصي

    وهذا يختص بكثير من الرجال، وهو الذي يقضي ليله في كثير من اللهو الباطل، إما بالسهر على مشاهدة أفلام الفيديو، قد قال لي أحد الإخوة: إنها تنشط في رمضان؛ لأن الناس لا يحبون التلفاز في رمضان؛ لأنه يصلي التراويح، وفيه أفلام فيها دين، والناس لا يريدونها، فلا يريدون التلفاز لأنه متدين، فينشطون على الأفلام، فتجدهم وقوفاً كالذباب على النجاسة على أفلام الفيديو، يشترون أفلاماً خبيثة ومسلسلات ونساء وأشياء لا ترضي الله تبارك وتعالى، يشترونها ويقضون ليالي رمضان التي هي ليالي القنوت والتهجد والمغفرة والقرب من الله يقضونها، في هذا الأمر والعياذ بالله.

    وبعضهم يمكث في المقاهي، يخرج من بعد العشاء فيجلس إلى السحور، فكل وقت ينادي: افعل حجر يا ولد! إذا سألته، قال لك: أُعَمِّر. تظن أنه يعمر عمارة، فتراه يدمر لا يعمر، فيدمر ماله وصحته، فيعمر الشيشة، يسمونها عمارة وهي دمارة -والعياذ بالله-، وعلى الدخان والأفلام والأغاني مرتفعة في المقهى، وعلى الألعاب: الكيرم، والضومنة، والمينبول، والنرد، والشطرنج، والبلوت، فيضيعون أوقاتهم فيقومون كأنهم قاموا على جيفة حمار، وهذا حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله فيه إلا قاموا على مثل جيفة حمار) المجالس إذا اجتمعت على جيفة حمار ثم تفرقت، انظر كيف وجوهها ومخالبها، وفي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: (ما جلس قوم في مجلس لم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة وندامة يوم القيامة).

    فهل تعمر ليالي رمضان بمثل هذه التراهات والخزعبلات؟!! فأنت رجل عاقل في الأربعين أو الخمسين، رجل مرموق، رجل بمنصب عالٍ وتضيع وقتك مع زملائك بدلاً من أن تقول: آتوني بكتاب الله، آتوني بـرياض الصالحين، بـصحيح البخاري، آتوني بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، هيا نزور أخاً في الله، أو نزور عالماً من العلماء، أو نجلس مع أهلنا وننبسط معهم، وبعض الرجال لا يعرف زوجته في رمضان ولا يعلم عنها شيئاً، من أول ما يتعشى يذهب ويلعب (البلوت) إلى السحور، فاثنان يقومان واثنان يجلسان.

    هذا عمل أطفال وليس عمل رجال، ولو رأيت ولدك يلعب بالمكعبات البلاستيكية يعمل له عمارة فلا تستغرب منه؛ لأنه يلعب، ولو رأينا الكبير يبني له عمارة بالبلاستيك ما رأيكم، نضحك عليه أم لا؟ إذا قيل له: ماذا تفعل؟ قال: أعمر لي عمارة بهذا البلاستيك، نقول: والله إنك أخبل! وإذا وجدنا معه لعبة طيارة أو سيارة وهو يلعب بها، فإذا قيل له: ماذا تفعل؟ قال: أتسلى.

    فأقول: التسلية بالسيارات والألعاب أسهل من التسلية بالبلوت؛ لأن هذه الأوراق أصلاً اخترعت للأطفال من أجل تسليتهم، أما الرجل فلا يوجد عندهم وقت، ولذا يقولون: إن أعظم قاتل هو قاتل وقته وحياته، فهذا عمرك تضيعه! سبحان الله! الله خلقك للعبادة وأنت تلعب! يقول الله في الحديث القدسي: (ابن آدم! خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكفلت لك برزقك فلا تتعب).

    الله خلقك للعبادة، والعبادة: هي كل ما يحبه الله ويرضاه. ليست الصلاة والصوم فقط، فكل شيء يحبه الله عبادة، حتى جلوسك مع أهلك عبادة؛ لكن تترك أهلك لمصالحك وسهرك على المعاصي، وبعض الموظفين ينام على الطاولة؛ لأنه سهران طوال الليل؛ لكنه لو كان نائماً طوال الليل لأتى الصباح يداوم وهو مرتاح. فكثير من الناس ينام في النهار؛ لأنه لا ينام في الليل.

    فنقول لإخواننا الذين هم من الصنف المضيع: اتقوا الله في أوقاتكم، واقضوا ليالي رمضان فيما يعود عليكم بالنفع؛ إما دنيا أو آخرة.

    الصنف الخامس: من ضيعوا رمضان بالرياضة

    وهم الذين بمجرد دخول رمضان يبحثون عن ساحة فارغة، وهذه الساحة يقيمون فيها أعواداً عليها كشافات، ويشكلون فريقاً ونوادي ولعب كرة طائرة وسلة من المغرب إلى السحور، فممارسة الرياضة لا نقول فيها شيئاً، وهي أفضل من اللعب السابق؛ لأنه لعب يفيد، لكن الذي ننقم عليه أنها تمارس بشكلٍ غير منضبط، بحيث يقضي الشخص وقت الليل كله في اللعب، فلا يصلي التراويح ولا العشاء، ولا يقرأ القرآن، أما إذا اجتمع مجموعة من الشباب في مركز صيفي أو معهد علمي أو نادٍ رياضي وصلوا التراويح مع الجماعة، ثم جاءوا بعد ذلك ولعبوا ساعة أو ساعتين كرة قدم أو طائرة، ثم بعد اللعب اجتمعوا وتناولوا مشروباً، ثم أخذوا كتاباً وتناقشوا فيه، ثم تفرقوا، فهذا لا يوجد فيه شيء؛ لأنه نوع من التسلية التي فيها منفعة، أما أن نقضي أوقاتنا طوال الليل في اللعب، ويذهبون إلى الساحات آخر الليل للتفحيط؛ لأن النوم لا يأتي بعد الفجر مباشرة، فإذا ذهب إلى البيت فلا يأتيه النوم، لكنه يقول: أحسن وقت بدلاً من أن يجلس يذكر الله ويقرأ القرآن في المسجد، ويصلي ركعتين بعد شروق الشمس ويقوم بحجة وعمرة تامة تامة تامة، يذهب يفحط، فهذا نوع من الهوس والجنون، وإذا أردت أن ترى مجنوناً فانظر إلى مفحطٍ؛ لأنه يبحث عن الموت وهو في سلامة، ويمشي بسرعة قصوى والآخر يقابله بمثلها إلى أن يتقابلوا فلا يبقى بين الأول والثاني إلا شبراً، ثم يلف هذا يميناً والآخر شمالاً فتصيح كفرات الأول والثاني، والجمهور يصفق له، يصفقون للخبلان والمجانين!

    هذه -أيها الإخوة- أصناف الناس فأين نحن منهم؟ نسأل الله أن نكون من الصنف الأول .. فمن لم يكن في الصنف الأول فليلحق به، وينتقل من الأصناف الضائعة.

    1.   

    أهمية استغلال العشر الأواخر من رمضان

    العشر الأخيرة من رمضان ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخصها من العبادة والذكر بما لا يخص به غيرها من سائر أيام الشهر، وقد قالت عائشة رضي الله عنها في الصحيح : (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان أيقض أهله، وأحيا ليله، وشد مئزره) شد مئزره، أي: انعزل النساء، وأيقض أهله، أي: لا يترك أحداً ينام، وأحيا ليله بالعبادة.

    وقد أخذ العلماء من هذا مشروعية التهجد الذي يضاف إلى التراويح في العشر الأواخر من رمضان، فيصلي الناس التراويح أول الليل ثم يذهبون إلى البيت ليتناولوا شيئاً من الطعام أو يجلسوا مع أهلهم، وبعد ذلك يعودون إلى المساجد فيتهجدون ساعة ونصف أو ساعتين، وكلها عشر ليالٍ فلا نضيعها، فعلينا أن نغتنمها فإنها ستنتهي وسوف نندم إن فرطنا فيها.

    والله أعلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تصوير المحاضرات والندوات بالفيديو

    السؤال: ذكرتم في ليلة من الليالي في هذا المسجد أن الشيخ عبد العزيز بن باز أفتاكم بجواز تصوير المحاضرات بالفيديو، ويقول الأخ: إنه سأل الشيخ عبد العزيز بن باز فأخبر أنه لا يذكر أنه قال هذا الكلام فما توجيهكم؟

    الجواب: صدق الأخ، أنا قلت هذا الكلام في محاضرة الشيخ أحمد القطان، قلته حينما أتي بالجهاز لتسجيل المحاضرة، وسمعت كأن بعض الإخوة يشعر بحرج من وجود الكاميرا في المسجد وتصوير المحاضرة، فذكرت أنني قابلت سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز أنا والشيخ عائض القرني، وكانت مقابلته في فصل الصيف في الطائف، وتناقشنا معه في أمور كثيرة متعلقة بالدعوة، وكان من ضمن هذه المسائل مسألة تصوير المحاضرات ونقلها في أشرطة الفيديو؛ لتكون بديلاً للناس في أجهزة الفيديو في بيوتهم لنقل الخير لهم؛ لأنه يحضر المحاضرة عدد محدود، لكن عندما تصور وتنقل يكون هذا فيه فضل كبير للناس، ومسألة التصوير وما يحصل فيها من إثم لعلها تكون ضرورة كما أبيحت ضرورة الحفيظة، فإن ضرورة الدعوة أعظم من أي ضرورة لنشر الخير، وللقضاء على الشر المتمثل في أشرطة الفيديو، وقد أفتى سماحته في ذلك اليوم بوجود الشيخ عائض القرني ، فلما أخبروني الإخوان بأنهم كلموه فلم يتذكر هذا، اتصلت بسماحته وقلت له: يا شيخ عبد العزيز أتذكر أننا جئناك في الطائف أنا والشيخ عائض، وذكرته بالمجلس، فذكر المجلس وذكر كثيراً مما حدث فيه، لكني ذكرته بهذه القضية بالذات فقال: هذه لا أذكرها، حتى قال لي بنفس هذه الكلمات: والله يا محق لا أذكرها. فضيلة الشيخ عبد العزيز بشر يجري عليه ما يجري على البشر، أما أنا والشيخ عائض فنحن شاهدان، لكنه عندما قال لي هذا الكلام قلت: إذاً سأسحب هذه الفتوى عنك، قال: نعم.

    ولهذا من سمعها عني وأنا أنقلها عن الشيخ فهي لاغية عن الشيخ؛ لأن الشيخ لا يذكرها، أما كوني أعتقدها أنا أو غيري من العلماء فنحن نقولها بناءً على ما وصل إليه علمنا، فإن كنا مصيبين فالحمد لله، وإن كنا مخطئين فنستغفر الله عز وجل من كل ذنب وخطيئة.

    والحمد لله رب العالمين.