إسلام ويب

فضل الصبر والشكرللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر، فهما الجناحان اللذان يطير بهما المؤمن إلى الجنة، فلا إيمان لمن لا صبر له، كما أنه لا إيمان لمن لا شكر له، وقد أثنى الله عز وجل على الصابرين والشاكرين في كتابه، وبين فضلهما في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    مفهوم الصبر وفضله

    الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام، فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عهده وحكمته وهو العزيز الحكيم: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأنفال:42]، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله عز وجل وعرفنا به ودعا إليه، وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    عباد الله! أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    عباد الله! لما كان الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر، كان جديراً بمن أحب نجاة نفسه وآثر سعادتها ألا يهمل هذين الأصلين العظيمين، وأن يطير إلى الله عز وجل بهذين الجناحين الصبر والشكر، والصبر آخية المؤمن الذي يجول ثم يرجع إليها، وساق إيمانه التي لا اعتماد له إلا عليها، ولا إيمان لمن لا صبر له، وإن كان فإيمان في غاية الضعف وصاحبه ممن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ [الحج:11].

    تعريف الصبر لغة وشرعاً

    قيل في تعريف الصبر لغة: هو الحد.

    وشرعاً: هو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، ونحو ذلك.

    وقيل: الصبر: هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب.

    وقيل: الصبر تجرع المرارة من غير تعبث.

    وقيل: هو الوقوف مع البلوى بلا شكوى.

    والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر، فقد قال أيوب عليه السلام: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، وقال الله عز وجل: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]، وقال يعقوب عليه السلام: إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [يوسف:86].

    مع قوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]،فالشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر، أما الشكوى إلى المخلوق فإنها تنافي الصبر.

    رأى أحد العلماء رجلاً يشكو إلى أخيه فقال له: والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.

    وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.

    الأدلة على فضل الصبر من الكتاب

    الصبر عباد الله! جعله الله عز وجل جواداً لا يكبو، وصارماً لا ينبو، وجنداً غالباً لا يهزم، وحصناً حصيناً لا يهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، وقد مدح الله عز وجل الصابرين في كتابه، وأخبر عز وجل أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب، فقال عز وجل: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، وأخبر الله عز وجل أن معيته للصابرين، وفي ذلك أفضل ترغيب للراغبين، فقال: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال:46].

    وجعل الله عز وجل الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، فقال عز وجل: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24]، وجزم الله عز وجل بأن الصبر خير لأهله مؤكداً ذلك باليمين، فقال عز وجل: وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126]، وأخبر الله عز وجل أن مع الصبر والتقوى لا يضر كيد العدو، وإن كان ذا تسليط، فقال عز وجل: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:120].

    وعلق الله عز وجل الفلاح بالصبر والتقوى، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200].

    وبشر الله عز وجل الصابرين بثلاث، كل واحدة منها خير مما عليه أهل الدنيا يتنازعون، فقال عز وجل: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].

    وأخبر الله عز وجل أن الصابرين هم الفائزون بجنته والناجون من عذابه، فقال عز وجل: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:111].

    وقال عز وجل في أربع آيات من كتابه مشيراً إلى أن أهل الانتفاع بآياته هم أهل الصبر وأهل الشكر، فقال عز وجل: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [إبراهيم:5].

    الأدلة على فضل الصبر من السنة

    أهل الصبر وأهل الشكر هم الذين ينتفعون بآيات الله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوفى من الصبر).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال البلاء في العبد المؤمن في نفسه وماله وأهله حتى يلقى الله عز وجل وليس عليه خطيئة).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل لتكون له عند الله منزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال عز وجل يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (يوم القيامة يتمنى أهل العافية أن لو كانت جلودهم قرضت بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء).

    عن عطاء بن رباح رحمه الله قال: (أخذ ابن عباس رضي الله عنهما بيدي فقال: ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني لأصرع وأتكشف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت صبرت ولك الجنة).

    أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أن جزاء صبرها على هذا المرض هو جنة الله عز وجل، وخيرها بين أن يدعو لها فتشفى من هذا المرض أو تستمر عليه وتدخل جنة الله عز وجل، فقال: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله عز وجل لك، فقالت: أصبر يا رسول الله! ولكني أتكشف، فدعا لها النبي صلى الله عليه وسلم ألا تتكشف، فكانت بعد ذلك تصرع ولا تتكشف).

    عن أم سلمة رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم اؤجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها. قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة ، أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: ثم إني قلتها فأخلف الله عز وجل لي رسوله صلى الله عليه وآله وسلم).

    أحوال السلف مع الصبر

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة. إشارة إلى قول الله عز وجل: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157]، فالعدلان ما يوضع على جانبي سنام البعير: الصلوات والرحمة وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:157].

    لما أرادوا قطع رجل عروة بن الزبير قالوا له: لو سقيناك شيئاً كي لا تشعر قال: إنما ابتلاني ليرى صبري، أفأعارض أمره، ثم وضعوا المنشار في ساقه فوقعت ساقه دون أن يأخذ شيئاً يذهب عقله حتى لا يعرف ربه في هذا الوقت، وحتى لا يشعر بألم هذه الجراحة، فانظروا إلى صبر السلف رضي الله عنهم.

    قال سفيان رحمه الله: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رءوساً؛ إشارة إلى قول الله عز وجل: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24].

    فلابد أن يبتلي الله عز وجل العبد، قال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3].

    فالله عز وجل يبتلي العباد ويمتحنهم، فإذا أيقنوا أيقنوا بعالمية الله عز وجل وبرحمة الله عز وجل، وإذا صبروا على عذاب الله عز وجل يجعلهم الله عز وجل أئمة يهدون بأمر الله عز وجل.

    ما قيل في الصبر وأنواعه

    والصبر قيل: هو شجاعة النفس. وفي ذلك قيل: الشجاعة صبر ساعة والنفس لها قوة إقدام وقوة إحجام، فالصبر أن يجعل قوة إقدامها إلى ما يرضي الله عز وجل، وقوة إحجامها عما يسخط الله عز وجل، والعبد مطالب بالصبر عباد الله! في البلاء وفي النعمة، وفي قضاء الله عز وجل، مطالب بالصبر على بلاء الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل يبتلي الناس من أجل أن ينظر هل يصبروا أو يجزعوا، كما قال الله عز وجل حكاية عن أهل النار: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا [إبراهيم:21]، فعكس الصبر هو الجزع.

    فالله عز وجل يبتلي الناس من أجل أن يظهر فقرهم إليه سبحانه، ومن أجل أن يصبروا على قضائه ويرضوا بقدره، فهذا هو الصبر عند القضاء.

    وكذلك الصبر على طاعة الله عز وجل، كالصبر على الصيام وعلى الجهاد في سبيل الله، وعلى الصدقة والإنفاق والحج والعمرة، وكل ذلك.

    كذلك الصبر عن معصية الله عز وجل، فمن الناس من عنده صبر على طاعة الله عز وجل، ولكن لا يصبر عن بعض المحرمات، ومن الناس من يصبر عن المعاصي ولكنه لا يجتهد في طاعة الله عز وجل، فينبغي على العبد أن يوطن نفسه على الصبر وعلى الشكر لله عز وجل.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    مفهوم الشكر وفضله وطرائفه

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    النصف الثاني من الإيمان عباد الله! هو الشكر، والشكر تعريفه قيل: هو الثناء على المنعم بما أولاكه من معروف، وهو يكون على القلب واللسان والجوارح.

    فالقلب لمعرفة النعمة، تعرف أن هذه نعمة من عند الله عز وجل لا تنسبها إلى نفسك، ولا ترى أنك تستحق هذه النعمة، كما قال قارون : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص:78]، كمن ينعم الله عز وجل عليه بنعمة المال فيقول: هو باجتهادي وهو بذكائي، وما رأى أن الله عز وجل يكتب الرزق لمن يشاء ويقدر، وأن من العباد من يكون أغبى الخلق وتراه كذلك أكثر الناس مالاً، ومنهم من يكون أذكى الناس، ولكن الله عز وجل يقدر له رزقه، كما قال بعضهم:

    تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب

    فينبغي للعبد أن يعرف النعمة، وأن يعترف بأنها نعمة، وأنها من عند الله عز وجل، فالقلب لمعرفة النعمة ولمعرفة المنعم بهذه النعمة.

    واللسان لحمد الله عز وجل، والثناء عليه والتحدث بنعمه، كما قال تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11].

    قال بعضهم: تحدثوا بنعم الله عز وجل فإن التحدث بها شكر، قال عز وجل: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، فالعبد قد يكون ميسور الحال، ولكنه يظهر للناس أنه فقير ومحتاج، وكي تظهر للناس نعمة الله عز وجل عليه ينبغي أن تظهر نعمة الله عز وجل على لسانه وعلى حاله، حتى يعرف الفقراء من الأغنياء فيطلبون حقهم منهم، فاللسان عباد الله! للتحدث بالنعمة ولحمد الله عز وجل وللثناء على الله عز وجل، والجوارح لاستعمال النعمة في طاعة الله عز وجل، كما قال تعالى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13].

    قالوا: ما كانت تمر على آل داود ساعة من ليل أو نهار إلا وفيهم عبد مصل لله عز وجل أو ذاكر لله عز وجل (وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل حتى تتورم ساقاه وحتى تتفطر قدماه فيقال له: أتفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً)، بل هو بأبي وأمي سيد الشاكرين وسيد الصابرين صلى الله عليه وآله وسلم.

    فينبغي للعبد أن يستعمل النعمة في طاعة الله عز وجل، كما قال موسى عليه السلام: رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [القصص:17] أي: أن العبد الذي ينعم الله عز وجل عليه بالقوة أو بالمكانة أو بالشفاعة أو بالمال، ينبغي أن يستعمل النعمة في طاعة الله عز وجل ولا يستعملها في معصيته.

    هناك بند رابع للشكر قل من تنبه له: وهو أن تشكر من أتت النعمة على يديه، فهذا من شكر نعمة الله عز وجل عليك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله)، فالنعمة من الله عز وجل، ولكن الله تعالى يسوقها إليك عن طريق بعض خلقه، وغالباً يكون محباً أو يكون لبيباً عاقلاً مؤمناً، فينبغي أن تشكر كذلك من أتت النعمة على يديه! فهذه بنود أربعة للشكر عباد الله.

    ثناء الله عز وجل على الشاكرين وهدايته لهم

    خص الله عز وجل الشاكرين من بين عباده بهدايته، فقال عز وجل: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام:53]، فهدى الله عز وجل الفقراء والموالي والعبيد، فقال الأغنياء: لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ [الأحقاف:11]، أي: لو كان هذا الدين خيراً لكنا نحن أحق به، كما قالوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31].

    فمقياس العظمة عندهم المال والأولاد والجاه والمنصب فقالوا: لو كان هذا القرآن حقاً ولو كانت هذه الرسالة حقاً لنزلت على الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي ، ولكنها نزلت على خير البشر وخير الأولين والآخرين وسيد الأنبياء والمرسلين.

    فالله عز وجل جعل هداية الفقراء فتنةً للأغنياء، فقال الأغنياء: أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا [الأنعام:53]، فقال الله عز وجل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام:53]، فالله عز وجل يعلم من يقدر النعمة، ومن يقوم بشكرها.

    كذلك أخبر الله عز وجل عن أبي البشرية الثاني وهو نوح عليه السلام بأنه عبد شكور، وأثنى عليه بالشكر إشعاراً للعباد بأن يقتدوا بأبيهم نوح الذي هو أبو البشرية الثاني بعد آدم؛ لأن الله عز وجل جعل ذريته هم الباقين، فنحن جميعاً من ذرية نوح، كما أننا نحن جميعاً من ذرية آدم، فكل من كان معه في السفينة من المؤمنين لم يعقبوا ولم ينجبوا إلا أولاد نوح، فلم يكن لآدم عليه السلام ذرية إلا من ذرية نوح، فأثنى الله عز وجل عليه بالشكر، فقال عز وجل: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3]، كذلك أثنى على أبي الأنبياء وإمام الحنفاء إبراهيم عليه السلام بالشكر، فقال: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النحل:120-121].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفلا أكون عبداً شكوراً).

    جزم الله عز وجل بالجزاء لمن شكر

    علق الله عز وجل كثيراً من العطاء والجزاء على المشيئة، فقال: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ [التوبة:15]، وقال الله عز وجل: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ [التوبة:28]، وجزم بجزاء الشكر حيث قال عز وجل: وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ [آل عمران:145]، وقال عز وجل: وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران:144]، وجعل الله عز وجل الشكر سبباً للمزيد من نعم الله عز وجل، فقال الله عز وجل: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7].

    فعكس الشكر هو الكفر، والعباد قسمهم الله عز وجل إلى شاكر وكافر، فقال: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3]، وقال سليمان عليه السلام: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل:40]، فالله عز وجل قسم الناس إلى شاكر وكافر، وهو سبحانه يستدرج الناس فيعطيهم النعم ويمنعهم الشكر، كما قال عز وجل: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:182].

    قال بعض السلف: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة، فهم يظنون أن الله عز وجل راض عنهم، وقال بعضهم: يعطيهم الله عز وجل بنعمه ويمنعهم الشكر، وما أنعم الله عز وجل على عبد بنعمة فألهمه أن يقول: الحمد لله إلا كانت هذه النعمة -إلهام الحمد- خيراً من النعمة ذاتها.

    قيل لأحد العلماء: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أشكر: ذنوب سترها الله عز وجل علي فلا يعيرني بها أحد، ومحبة قذفها الله عز وجل في قلوب العباد.

    فينبغي على العبد أن يكون من الصابرين والشاكرين، حتى يصل إلى جنة الله عز وجل.

    فالإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر.

    اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من الصابرين الشاكرين، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا نشكر نعمتك علينا، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.

    اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! ورد كيده في نحره واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر.

    اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا وردهم إليك رداً جميلاً.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007962880

    عدد مرات الحفظ

    720567744