إسلام ويب

شهر رمضانللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من حفظ الله عز وجل في حياته حفظه الله في دنياه وآخرته، وحفظ له إيمانه؛ إذ بيده كل شيء، وبيده النفع والضر سبحانه، وهو الكاتب لمقادير الخلائق قبل أن يخلقوا، ومن ثم لا يجوز للعبد أن يسأل أحداً من البشر ما ليس في مقدوره، ولا أن يستعين به في ذلك، بل يسأل ربه ويستعين به جل جلاله في كل أمره.

    1.   

    بيان إرشادات الحديث: (احفظ الله يحفظك...)

    الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون.

    وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

    وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    عباد الله! أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    روى الترمذي وغيره عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

    وفي رواية غير الترمذي : (احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).

    هذا الحديث عباد الله! وصية النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ومن خلاله ينصح الأمة كلها.

    قال أحد العلماء: تدبرت هذا الحديث فأدهشني حتى كدت أطيش، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهم لمعناه: (احفظ الله يحفظك) فالجزاء دائماً من جنس العمل، كما قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]، وكما قال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) فمن حفظ حدود الله عز وجل وحفظ حقوقه، وحفظ أوامره ونواهيه حفظه الله عز وجل، ومن ضيع تقوى الله عز وجل ولم يحفظ حدوده فقد ضيع نفسه.

    حفظ الله للعبد يشمل دينه ودنياه وجوارحه

    قوله: (احفظ الله) أي: احفظ حدوده وحقوقه وأوامره ونواهيه، والحفظ نوعان:

    أما النوع الأول: أن يحفظ الله عز وجل على العبد دنياه، وأن يحفظ الله عز وجل على العبد جوارحه، وأن يمتعه بسمعه وبصره وقوته، ويحفظ أولاده.

    وثب أحد العلماء وثبة شديدة وكان قد تجاوز المائة فعوتب على ذلك فقال: جوارح حفظناها في الصغر، فحفظها الله عز وجل علينا في الكبر.

    وقال سعيد بن جبير لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك، متأولاً قول الله عز وجل: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82]، فصلاح الآباء يكون سبباً في حفظ الأبناء، وقد يكون حفظ الله عز وجل بشيء تكرهه النفوس لفقر أو لسجن أو لمرض، نسأل الله تعالى العافية، فيتضرر العبد بذلك وما هو إلا حفظ الله عز وجل كما ورد في بعض الآثار: (إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الصحة، وإني إن أسقمته أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا السقم وإني إن أصححته أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى وإني إن أفقرته أفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر وإني إن أغنيته أفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بما في قلوبهم إني عليم خبير).

    فالله عز وجل قد يبتلي العبد ببلاء ويكون هذا البلاء هو عين النعمة وعين الحفظ للعبد، وإن العبد ليتهيأ للإمارة ويتهيأ للأمر من أمر الدنيا فالله تعالى يقول لملائكته: (اصرفوه عنه فإني إن يسرته له أدخلته النار) ويظل العبد يتبرم وما هو إلا حفظ الله عز وجل، فهذا النوع الأول من الحفظ عباد الله، أن يحفظ الله عز وجل على العابد جوارحه، وأن يمتعه بسمعه وبصره وقوته، وأن يجعل ذلك الوارث منه.

    النوع الثاني من الحفظ عباد الله: أن يحفظ الله عز وجل للعبد إيمانه؛ كما قال الله عز وجل في حق يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف:24]، وكما قيل في قول الله عز وجل: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] قالوا: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجره إلى النار.

    فهذا حفظ الله عز وجل للعبد جوارحه، ويحفظ له قوته وأولاده، ويحفظ له دينه حتى يموت وهو متمسك بالإسلام: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) أي: تجده معك.

    معية الله عز وجل لمن حفظه

    من حفظ حدود الله عز وجل وحفظ أوامره ونواهيه كان الله عز وجل معه، وهذه هي معية التأييد والنصرة والتسديد وإجابة الدعاء، وهي المعية الخاصة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له أبو بكر : (لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما).

    قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128].

    وكما قال عز وجل لهارون وموسى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، أي: بتأييدي ونصري وبسماع دعائكما.

    وهذه المعية الخاصة عباد الله! بخلاف المعية العامة: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7]، هذه هي المعية العامة عباد الله! فالجميع تحت سمع الله عز وجل وتحت بصره، وهذه المعية العامة عباد الله! تستوجب من العبد الحذر من الله عز وجل والخوف منه ومراقبته.

    أما معية التأييد والنصرة والتسديد فتستوجب من العبد أن يستغني بالله عز وجل، وأن يتقوى ويستأنس بالله عز وجل.

    يذكر أن أحد العلماء كان يجلس وحده ويكثر من الخلوة، فقيل له: ألا تستوحش وحدك؟ قال: كيف ذلك وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟

    فهذه هي المعية الخاصة معية الأنس ومعية التأييد ومعية النصرة.

    سؤال الله والاستعانة به

    (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) فالعبد لا يجوز له أن يسأل غير الله عز وجل؛ لأنه ليس هناك أحد قادر على جلب جميع المصالح ودفع جميع المضار إلا الله عز وجل.

    قال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107]، فالله تعالى مالك خزائن السملوات والأرض، وهو وحده القادر على جلب النفع ودفع الضر، ومن دون الله عز وجل من الآلهة الباطلة لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم ضراً فضلاً عن أن يدفعوا عن غيرهم ضراً، أو يجلبوا لأنفسهم أو لغيرهم نفعاً، فهم عاجزون: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:14].

    فإذا سألت فاسأل الله، والسؤال عباد الله! إظهار نقص وفقر وذل وحاجة، والله عز وجل يريد من عبده المؤمن ألا يظهر نقصه وفقره وحاجته إلى غير الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة، ثم تلا قول الله عز وجل: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]).

    والله عز وجل غني كريم يحب من العباد أن يسألوه، وأن يطلبوا قضاء الحوائج منه سبحانه؛ لأنهم فقراء محاويج، ولأنهم مجبولون على الشح وعلى حب المال وحب الخير، فإذا سألت ابن آدم فإنه يغضب من ذلك، وإذا لم تسأل الله عز وجل يغضب، كما في الحديث: (من لم يسأل الله يغضب عليه).

    كان أحد الناس يتردد على بعض الملوك فنصحه أحد العلماء وقال: يا هذا! تذهب إلى من يسد دونك بابه ويخفي عنك غناه، ويظهر لك فقره، وتدع من يفتح لك بابه ويظهر لك غناه، ويقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

    لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب

    الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب

    قال: (وإذا استعنت فاستعن بالله)، خلق الله العبد ضعيفاً، ومن طبيعته أن يستعين بغيره؛ فإذا استعان بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق فهذا لا ينافي التوحيد، ولكن أن يستعين بمخلوق في أن يشفي له مريضه أو يرد له غائبه، أو يهدي له ضاله، فهذه استعانة شركية، فالاستعانة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل استعانة شركية.

    النفع والضر بيد الله عز وجل

    (واعلم أن الأمة لو اجتمعت أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك).

    وهذا مدار الوصية عباد الله! فلو علم العبد أن الأمر كله لله عز وجل، وأن نواصي العباد بيده سبحانه: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56]، وعلم أن خزائن السماوات والأرض بيد الله عز وجل، وعلم أن مقادير الخلائق بيد الله عز وجل؛ فعند ذلك لا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا بالله عز وجل، وعند ذلك يحفظ حدود الله عز وجل وحقوقه وأوامره ونواهيه، فإذا اقتنع العبد وأيقن أن الأمر كله بيد الله، وأن الخلق ملك لله عز وجل، وأن الله عز وجل له الأمر وله النهي وله الحكم؛ فعند ذلك لا يسأل إلا الله، ولا يستعين إلا بالله عز وجل، ولن يطلب الرزق إلا من الله عز وجل، ولا يطلب مغفرة الذنوب إلا منه سبحانه، كذلك لا يطلب الهداية إلا منه سبحانه.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رفعت الأقلام وجفت الصحف)، هذا فيه إشارة إلى أن المقادير قد كتبت منذ أزمنة متطاولة؛ ولطول هذه المدة جفت الصحف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، وكما ورد في الحديث: (إن أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما سيكون إلى يوم القيامة).

    فالله عز وجل يعلم قبل أن يخلقنا متى يولد الواحد منا ومتى يرزق ومتى يموت، وهل هو من أهل الجنة أو هو من أهل النار والعياذ بالله، وكل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله عز وجل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال صلى الله عليه وسلم: (رفعت الأقلام وجفت الصحف).

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    شهر رمضان أيام معدودات آخره أفضل من أوله

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    عباد الله! كنا بالأمس القريب ندعو ونبتهل ونقول: اللهم بلغنا رمضان! ونحن عباد الله الآن نستعد لتوديع هذا الشهر الكريم، فهو كما قال الله عز وجل: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:184]، مع أن الشهر عباد الله! تسعة وعشرون يوماً، أو ثلاثون يوماً، إلا أن الأزمنة الشريفة والأوقات الطيبة تمر سريعاً، فهذا الشهر هو شهر البركة وشهر الرحمة، ولا ندري هل نعمّر حتى ندرك موسماً آخر من مواسم المغفرة والرحمة.

    أتترك من تحب وأنت جار وتطلبهم وقد بعد المزار

    تركت سؤالهم وهمو حضور وترجو أن تخبرك الديار

    فنفسك لم ولا تلم المطايا ومت كمداً فليس لك اعتذار

    يا شهر رمضان! ترفق، دموع المحبين تدفق، قلوبهم من ألم الفراق تشقق، عسى ساعة للوداع تطفي من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام كل ما تخرق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يعتق.

    عسى وعسى من قبل وقت التفرق إلى كل ما نرجو من الخير نرتقي

    فيجبر مكسور ويقبل تائب ويعتق خطاء ويسعد من شقي

    عباد الله! كل زمان شريف فآخره أشرف من أوله، فالليل أشرف من النهار، وآخر الليل أشرف من أول الليل، فإذا كان ثلث الليل الآخر ينزل ربنا جل وعز إلى سماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله فيقول: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟).

    الحث على تحري العشر الأواخر من رمضان

    كذلك هذا الشهر الكريم عباد الله! كله بركة وخير ورحمة، ولكن آخره أشرف من أوله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخص العشر الأواخر من رمضان بأنواع من العبادات كما تقول عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله) وشد المئزر قيل: علامة على الجد والاجتهاد في العبادة.

    والصحيح: أن شد المئزر علامة على اعتزال النساء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، والمعتكف ممنوع من مباشرة النساء، كما قال الله عز وجل: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187] فالمباشرة تفسد الاعتكاف، فكان يشد المئزر، وما ذلك إلا لأن الله تعالى لما أباح مباشرة النساء في ليل رمضان وقال: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [البقرة:187]، أباح لهم أن يستمتعوا بالنساء في ليالي العشرين الأولى من رمضان، ثم ندبهم إلى الاجتهاد في تحري ليلة القدر وطلبها، وأن لا يظلوا في اللهو المباح، فيضيع عليهم ثواب هذه الليلة التي تساوي عمر الإنسان، والتي لو قامها العبد إيماناً واحتساباً لغفر الله عز وجل له ما تقدم من ذنبه.

    قال الإمام مالك رحمه الله في موطئه: (بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أري أعمار الأمم قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته) أي: خشي ألا يبلغوا من الدرجة ومن الفضل ما بلغته الأمم السابقة، قال: (فأعطاه الله عز وجل ليلة القدر خير من ألف شهر)، أي: خير من أكثر من ثمانين سنة، فمن حرم خيرها فقد حرم.

    فينبغي على العبد أن يتحرى العشر الأواخر من رمضان، فإنه قد مضى منها شطرها، فعلينا أن نجتهد فيما بقي.

    والسبع الأواخر من رمضان كذلك أشرف من أول هذه العشر، فينبغي أن يجتهد العبد في طلب ليلة القدر، فمن العبادات التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم هذه العشر اعتزال النساء، ومن ذلك أنه كان يحيي ليله، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل طوال السنة، كما أمره الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:1-5].

    فكان يقوم كل يوم في السنة ثلث الليل أو نصف الليل، يزيد قليلاً أو ينقص قليلاً، فقوله: (أحيا ليله)، قيل: أحيا معظم الليل، أي: كان يحيي معظم الليل في رمضان ويطيل قيامه.

    قوله: (وأيقظ أهله) أي: للقيام، فهذه عبادات خص بها النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان.

    مشروعية الاعتكاف وزكاة الفطر

    الاعتكاف: هو قطع العلائق عن الخلائق، والاشتغال بخدمة الملك الخالق عز وجل، أن يلزم العبد المسجد للصلاة والذكر والدعاء والبكاء، ولا يخرج إلا لحاجة، أي: للبول والغائط، واختلفوا فيما سوى ذلك، فإذا خرج لغير حاجة بطل اعتكافه بإجماع العلماء، فينبغي لمن أراد أن يعتكف وأن ينال ثواب هذه العبادة ألا يخرج من المسجد إلا لحاجة شديدة.

    كذلك في العشر الأواخر من رمضان شرعت زكاة الفطر طهرة للصائم، وهي صاع من طعام، أي: من بر، أو من قمح أو من شعير أو من أقط -وهو اللبن المجفف- أو من تمر أو من زبيب، فهذه هي المنصوص عليها، وقاس العلماء عليها غيرها مما يقتات ويدخر، كالأرز والعدس وغير ذلك.

    وجمهور العلماء على عدم جواز إخراج القيمة، فإما أن يشتري العبد لنفسه هذه الأصناف أو صنفاً من هذه الأصناف، ويوزعها على من يقبلها، أو يوكل من يشتري له ذلك، أما أن يخرجها نقوداً، فإن الناس -خاصة في هذه الأزمان المتأخرة- لا يحسنون إنفاق هذه النقود، فقد ينفقونها في معصية الله عز وجل فضلاً عن أن العبادات على التوقيف، فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (زكاة الفطر صاع من طعام أو من شعير أو من أقط أو من تمر أو من زبيب)، فتكون هذه هي الزكاة المطلوبة.

    وتخرج الزكاة في المكان الذي فيه الإنسان ببدنه، ويمر عليه عيد الفطر وهو فيه، فمن كان بمصر تخرج في مصره، ومن كان في بلد آخر يمر عليه عيد الفطر وهو فيه تخرج في هذا المكان؛ لأن زكاة الفطر وقتها قبل صلاة العيد، ولكن رخص بعض السلف توسعة على الناس أن تخرج قبل العيد بيوم أو يومين، فإذا خرج الإمام لصلاة العيد فإن وقت زكاة الفطر يكون قد انتهى بذلك.

    هذه عبادات شرعت في نهاية هذا الشهر الكريم، فيا أصحاب الذنوب العظيمة! الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة، فما منها عوض ولا لها قيمة، من يعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة والمنحة الجسيمة، يا من أعتقه مولاه من النار! إياك أن تعود بعد أن صرت حراً من رق الأوزار، أيبعدك مولاك عن النار وأنت تقترب منها؟! أينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها؟!

    اللهم أحسن خاتمتنا، واختم لنا هذا الشهر الكريم بخير يا رب العالمين! اللهم اجعل خير أيامنا في هذا الشهر خواتمه، اللهم اقبل منا ومن المسلمين الصيام والقيام وتلاوة القرآن.

    اللهم اجبر كسر المسلمين بفراق هذا الشهر، اللهم اجبر كسرنا بفراق هذا الشهر، اللهم إنا نسألك أن توفقنا لرمضان سنين عديدة وأزمنة مديدة، وأن تمتعنا بالطاعة والعافية، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا.

    اللهم من كادنا فكده يا رب العالمين! ومن مكر بنا فامكر به يا رب العالمين! اللهم إنا ندرأ بك في نحور أعدائك، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم لا ينسلخ هذا الشهر الكريم إلا وأمة الإسلام ترفل في أثواب العز والكرامة، اللهم ارفع راية الإسلام في كل مكان يا رب العالمين! فوق كل أرض وتحت كل سماء يا رب العالمين! اللهم اقبل عمرة إخواننا المعتمرين، واجبر من لم يتمكن من الخروج يا رب العالمين! وافتح عليه في الطاعة والعبادة ما يعوضه أحسن العوض.

    اللهم فك أسر إخواننا المأسورين، وسائر المأسورين في سجون العالم يا رب العالمين! من المسلمين، اللهم فك أسر إخواننا وسائر المسلمين يا رب العالمين! اللهم فك أسر المأسورين، وفرج كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم اهد شباب المسلمين، اللهم اهد شباب المسلمين، واهد أطفال المسلمين، واهد نساء المسلمين، اللهم زينهم بالعفة والحجاب والحياء يا رب العالمين! اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963490

    عدد مرات الحفظ

    720629135