إسلام ويب

حياة البرزخللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الموت حق كتبه الله على كل مخلوق، فإذا مات المرء انتقل إلى القبر أول منازل الآخرة، وفيه يلاقي أول الجزاء على عمله، فهو إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، وبهذا نطقت الأدلة، وعليه تظافرت النصوص، ولا يتم الإيمان إلا بالإيمان به.

    1.   

    الإيمان بحياة البرزخ من أركان الإيمان

    إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    ثم أما بعد:

    فنتكلم اليوم إن شاء الله تعالى عن حياة البرزخ وعن حياة القبور، ونحن في زمان كثر فيه الكلام عن عذاب القبر وعن حياة القبر، والذين من شأنهم التكذيب ويكادون ينطقون بكلمة الكفر ينتظرون فرصة من أجل أن يطعنوا في أي عقيدة من عقائد الإسلام.

    والإيمان بالبرزخ وبحياة القبر -عباد الله- يدخل في الإيمان باليوم الآخر.

    والإيمان باليوم الآخر هو الركن السادس من أركان الإيمان، كما في حديث جبريل عليه السلام عندما سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان؟ فقال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأن تؤمن بالقدر خيره وشره). واليوم الآخر يتضمن ما قبل يوم القيامة من الموت، ومن حياة البرزخ، ومن علامات قيام الساعة، وما يتضمنه اليوم الآخر - أي يوم القيامة - من البعث والنشور والموازين والجسر أو الصراط، وما سوى ذلك مما ثبت في كتاب الله عز وجل أو صحّت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يدخل في أمور الإيمان الستة التي يجب على المؤمن أن يؤمن بها، والتي لا ينجو العبد ولا يسعد في الدنيا والآخرة حتى يؤمن بها.

    1.   

    شبه المكذبين بحياة البرزخ والرد عليها

    والمكذبون بحياة البرزخ وحياة القبور يقولون -جهلاً منهم-: إن القرآن لم يشر إلى عذاب القبر ولا إلى حياة القبر. والجواب على هؤلاء -عباد الله-: إن الله عز وجل ما تعبّدنا بالكتاب وحده، بل تعبّدنا بالكتاب المنزّل وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المرسل، كما قال عز وجل: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34] فآيات الله هي: القرآن، والحكمة هي: سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

    وقال عز وجل: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34].

    وقال عز وجل: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    فالذكر في هذه الآيات يقصد به السنة. أي أنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وحيين: وحي متلو متعبّد بلفظه ومعناه، متعبّد بتلاوته، ووحي أوحى الله عز وجل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم معناه، وعبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه وبكلامه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه)، أي: السنة.

    فالله عز وجل تعبّدنا بكتابه وبسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فلو لم يرد في القرآن آية واحدة تشير إلى حياة القبر وإلى عذابه لكان الواجب على كل مسلم أن يؤمن بحياة القبور؛ لأن السنة النبوية قد تواترت بذلك كما سنرى إن شاء الله تعالى.

    الرد من القرآن على شبه المنكرين لعذاب القبر

    والجواب المفصّل على هؤلاء: إن القرآن وردت فيه آيات كريمات تشير إلى حياة القبر وعذابه، ولكنهم من جهلهم بالقرآن وبسنة النبي عليه الصلاة والسلام يطعنون في الإسلام.

    ومن هذه الآيات القرآنية التي تشير إلى حياة القبر قوله عز وجل: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100]فهذا تهديد من الله عز وجل بعذاب القبر وبحياة البرزخ.

    كما قال عز وجل: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:17]، أي: وأمامه عذاب غليظ.

    تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور! تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم، حية عند رأسه وحية عند قدميه، يقرصانه حتى يلتقيا في منتصفه، فذلك قول الله عز وجل: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].

    وهذا تهديد من الله عز وجل بعذاب البرزخ.

    ويقول الله عز وجل: وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ [الطور:47]، أي: دون عذاب الآخرة، وكثير من الظالمين يموتون في الدنيا ولا يُعذّبون، وهذه الآية تشير إلى أنهم لا بد أن يعذّبوا عذاباً دون عذاب الآخرة، فلا بد أن هذا العذاب في القبور.

    ومن ذلك: قوله عز وجل: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة:21]. استدل حبر الأمة البحر ابن عباس بهذه الآية على عذاب القبر، فقال: إن الله عز وجل قال: مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى [السجدة:21]، ولم: يقل العذاب الأدنى، فدل على أنهم قد يعذبون من العذاب الأدنى في الدنيا وتبقى لهم بقية من العذاب الأدنى يعذبون بها في القبور، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة:21].

    ويقول الله عز وجل: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]. ففرعون وأهله يُعذّبون في النار عباد الله.

    وأشارت الآية إلى أنهم يعذبون في الغدو والعشي -أي: طرفي النهار- إشارة إلى أنهم يعذّبون طوال النهار، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].

    وقال الله عز وجل في سورة الواقعة: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة:83-95].

    فقد ذكر الله عز وجل في بداية السورة القيامة الكبرى فقال: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً * فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:1-11] فقسّم الناس إلى ثلاثة أقسام، وذكر في نهاية السورة القيامة الصغرى، فمن مات فقد قامت قيامته، وقسّم الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة، فدل على أنهم ينقسمون إلى هذه الأقسام الثلاثة بعد الموت وبعد قيامتهم الصغرى، كما أنهم ينقسمون هذه الأقسام كذلك بعد القيامة الكبرى، وقدّم القيامة الكبرى على القيامة الصغرى للعناية بها، فدّلت هذه السورة على وجود حياة القبور.

    وقال الله عز وجل مخاطباً للنفس التي قد تجردت من البدن: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30]، أي: أن روح المؤمن بمجرد أن تخلص من البدن تدخل جنة الله عز وجل، وتتنعم فيها، ويكون قبر المؤمن روضة من رياض الجنة، وأما روح الكافر فتحبس في النار، وتُعرض عليها وتُعذّب فيها، وجسده في حفرة من حفر النار، فظواهر القبور تراب، وبواطنها حسرات وعذاب، ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنية، وفي باطنها الدواهي والبليات، تغلي بالحسرات كما تغلي القدور بما فيها، ويحق لها وقد حيل بينها وبين شهواتها وأمانيها.

    والله لقد وعظت فما تركت لواعظ مقالاً، ونادت: يا عمار الدنيا! لقد عمّرتم داراً موشكة بكم زوالاً، وخرّبتم داراً أنتم مسرعون إليها انتقالاً، عمّرتم داراً لغيركم منافعها وسكناها، وخرّبتم داراً ليس لكم مساكن سواها، هذه دار الاستباق ومستودع الأعمال، وهذه محل للعبر رياض من رياض الجنة أو حفر من حفر النار.

    الرد من السنة على شبه المنكرين لعذاب القبر

    وكما دلّت الآيات القرآنية الكريمة -عباد الله- على حياة القبر وعلى عذابه دلّت كذلك السنة النبوية المطهّرة، بل تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إثبات حياة القبر. ومن ذلك أحاديث تبيّن أنه لا بد أن يُفتن الناس في قبورهم، ولا بد أن يسألوا في قبورهم، وأحاديث يأمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ من عذاب القبر، وأحاديث يبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع بعض المعذّبين يُعذّبون في قبورهم، وأحاديث تبيّن صوراً من صور هذا العذاب وأسبابه.

    ومن هذه الأحاديث -عباد الله- التي تُثبت عذاب القبر: ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين فقال: إنهما يُعذّبان وما يُعذّبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول)، وفي رواية: (لا يستتر من البول) وفي رواية: (لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يسعى بالنميمة، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بجريدة فشقها نصفين وقال: لعله أن يخفف عنهما ما لم تيبسا).

    ومنها كذلك: ما ورد عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار إذ حادت به بغلته، فكادت أن تلقيه، فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة -أي: أن الدابة فزعت فزعاً شديداً عندما سمعت الصراخ أو أحسّت بعذاب من يُعذّب في هذه القبور، فكادت أن تلقي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم- فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة الكرام: أيكم يعرف أصحاب هذه القبور؟ فقال رجل: أنا، فقال النبي صلى الله عليه، وآله وسلم: متى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها، ولولا ألا تدافنوا -أي: لا يدفن بعضكم بعضاً؛ خوفاً من أن يمس الذي يدفن شيئاً من عذاب القبر- لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع، ثم قال صلى الله عليه وسلم: استعيذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، قال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: استعيذوا بالله من فتنة المسيح الدجال ، قالوا: نعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال ، قال: استعيذوا بالله من شر فتنة المحيا والممات).

    وكذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر إذا فرغ العبد من التشهد الأخير أن يستعيذ بالله عز وجل من أربع: من عذاب النار، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال).

    ووردت كذلك أحاديث نبوية شريفة تدل على السؤال في القبر، وما يسأل عنه العبد في قبره، وقد ورد في حديث البراء بن عازب أن المؤمن يأتيه ملكان فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ويسأل عن دينه فيقول: ديني الإسلام، ويسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال له: كيف عرفت رسالته؟ فيقول: قرأت كتاب الله تعالى فآمنت به وصدّقت، والكافر يقول: هاه هاه لا أدري، فقد فاته أن يعرف ربه عز وجل، كان مشغولاً بمعرفة من يلعب الكرة، وبمعرفة الممثلين والممثلات والفاسقين والفاسقات، ففاته أن يعرف ربه عز وجل، وفاته أن يتعرف على نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، وأن يدرس سيرته ومعجزاته صلى الله عليه وسلم، فيقول الكافر والمفرّط: هاه هاه لا أدري، فتقول الملائكة: لا دريت ولا تليت.

    وفي حديث قتادة عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم حين يولون عنه مدبرين، ثم يأتيه ملكان فيقولان: من ربك؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله).

    قال قتادة : وبلغنا أنه يُفتح له في قبره سبعون ذراعاً ويملأ عليه خضراً إلى يوم يُبعثون.

    ومن الأحاديث التي تثبت عذاب القبر: ما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما أحد يقف عليه ملك إلا هيل -أي: مهما كان يعرف الإجابة، ومهما كان قد درس التوحيد، ولكنه وحيد فريد في قبره ضعيف لا حيلة له ولا وسيلة، يأتيه ملكان أسودان أزرقان فيجلسانه ومعهم المطراق- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27]) فلا يثبت عند ذلك إلا المؤمنون.

    وأنت ترى الناس في الدنيا في كامل صحتهم وعافيتهم وعقلهم ومع ذلك يتمكن منهم الشيطان ويسوقهم حيث أراد، فكيف بهم إذا تخاذلت قواهم وضعفت قوتهم؟ وكيف بهم إذا بلغ الكرب منهم مبلغه وقت معاناة السكرات، وهم في غاية الضعف واليأس من الدنيا والألم، والشيطان أشد ما يكون عليهم عند خروج الروح؟ فهناك يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم:27] فلا يثبّت عند ذلك إلا المؤمنون، والمثبّت من ثبّته الله عز وجل.

    وكذلك العبد في قبره وحيداً فريداً، لا حيلة ولا وسيلة، فيأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان: من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في الرجل الذي بُعث فيكم؟ فالمؤمن يثبت عند ذلك بإيمانه، وأما من فرّط في الإيمان وتعلّق قلبه بالحطام وأضاع حياته في معصية الله الواحد الديان، فبماذا يثّبت عند خروج روحه؟ وبماذا يثبّت في قبره؟ ما أجهله بالله عز وجل وبدينه! وما أحراه بقول المفرّط النادم: لا أدري، فيندم ندماً يتقطع له قلبه، ويود لو أنه رجع إلى الدنيا فعرف ربه ودينه، واجتهد في طاعة الله عز وجل، ولكن هيهات، فبينه وبين الدنيا حجاب، ولا يمكن أن يعود إليها مرة ثانية. ولم تقتصر الأحاديث النبوية الشريفة على ذلك، بل بيّنت شيئاً من حياة القبور ومن عذاب أصحابها، كما في حديث سمرة : (كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أصبح يقول لإخوانه: أيكم رأى الليلة رؤيا؟ فإذا رأى أحد رؤيا قصها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم فيها ما شاء الله، فقال لهم يوماً: أيكم رأى الليلة رؤيا؟ فما أجاب أحد بشيء، فقال: ولكني رأيت الليلة رجلين أتياني فذهبا بي إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل مضطجع على قفاه، ورجل بيده كلوب من حديد يشرشر شدقه إلى قفاه، ثم يعود إلى الجنب الآخر فيشرشر شدقه إلى قفاه، فقلت: ما هذا؟ فقالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على رجل جالس ورجل بيده صخرة يشدخ بها رأسه، فإذا تدهده الحجر ذهب ليأتي به فالتأم رأسه، فيشدخ رأسه مرة ثانية، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق انطلق، قال: فأتينا إلى رجال ونساء عراة في ثقب مثل التنور أسفله واسع وأعلاه ضيّق تأتيهم النار من أسفل منهم، فإذا أتت النار ضوضوا -أي: ارتفعت أصواتهم بالصراخ- وارتفعوا في التنور حتى كادوا يخرجون من التنور، ثم تخمد هذه النيران فيرجعون مرة ثانية إلى قاع التنور، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق انطلق، فأتينا إلى رجل يسبح في نهر من الدم، ورجل جالس على حافة النهر فكلما أراد السابح أن يخرج ألقمه حجراً فيغوص مرة ثانية في النهر، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق انطلق، قال: فأتينا إلى روضة عظيمة فيها شجرة عظيمة وفي أصل الشجرة شيخ وأمامه صبيان، ورجل أمامه نار يحشها، فصعدا بي الشجرة فرأيت داراً لم أر قط أحسن منها، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق انطلق، فانطلقنا إلى دار أخرى هي أحسن من الدار الأولى، فقلت: ما هذا؟ فقالا: انطلق، فقلت: طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت؟ فقالا: أما الرجل الجالس والرجل يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه فهو الرجل الذي يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، يُفعل به إلى يوم القيامة). وهذا إشارة إلى أن ذلك من عذاب القبر، فهو لا يستمر يوم القيامة. وأصحاب الأقلام المأجورة الذين يروجون كذبهم على الناس، وأصحاب الكراسي الضخمة الذين يُستبعد كذبهم وهم من أكذب الناس، وعندهم من وسائل الإسلام ما يُروجون به كذبهم على الناس، وفي لحظات تنتشر الكذبة فتبلغ الآفاق، ما أجدرهم بهذا العذاب! مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ [السجدة:21] (قال: وأما الرجل الذي يُشدخ رأسه فهو الرجل الذي قد تعلّم القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة) وفي رواية: (الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة)الذين ينامون قبل صلاة العشاء يُفعل بهم هذا إلى يوم القيامة. (قال: وأما الرجال والنساء العراة في التنور فهم الزناة والزواني) وانظروا كيف كان جزاء هؤلاء من جنس عملهم، فكما هتكوا الستر بينهم وبين الله عز وجل وخلعوا جلباب الحياء فهم عراة، وكما كانوا يروجون للاختلاط في الدنيا فهم كذلك رجال ونساء، وكما كانت معصيتهم بأجزائهم السفلى فالنار تأتيهم من أسفل منهم، وكما كانت نيران الشهوات تثور عليهم بين حين وآخر فيقعون في معصية الله عز وجل كانت هذه النيران تثور عليهم بين حين وآخر، وكلما لاحت لهم التوبة فقصرت بهم هممهم، وأحاطت بهم معصيتهم فرجعوا إلى المعاصي مرة ثانية فهم كذلك في هذا التنور، كلما همّوا بالخروج عادوا إلى قاع التنور مرة ثانية؛ لأنهم في قاع المعاصي وفي وحلها مستمرون، ولو أنهم تابوا وأنابوا لخرجوا من التنور، أو لما دخلوه أصلاً، كما قال عز وجل: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان:68-70].

    فهذا العذاب في القبور من العذاب الأدنى، فكيف بعذاب النار العذاب الأكبر لأمثال هؤلاء؟ (قال: وأما الرجل الذي يسبح في نهر من الدم ويُلقمه الآخر حجراً فهو آكل الربا). ولما كان الربا في الذهب أكثر والذهب أحمر صار يسبح في نهر من الدم، والدم أحمر، ولما كان يظن أن ما يأخذه من زيادة المال يظن أنه يشبعه أو يغنيه وأن ماله يزداد بذلك والله عز وجل يمحق بركة ماله، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] صار يلقم الحجارة ولا تغني عنه شيئاً، (قال: يُفعل به إلى يوم القيامة، قال: وأما الشيخ الذي في أصل الشجرة وأمامه الصبيان فإبراهيم عليه السلام، والصبيان أولاد الناس. وأما الرجل الذي أمامه نار يحشها فهو مالك خازن النار. قال: وأما الدار الأولى في الشجرة فدار عامة المسلمين، والدار الثانية دار الشهداء) نسأل الله عز وجل شهادة في سبيله مقبلين غير مدبرين. (ثم قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: انظر، فنظر فرأى قصراً مثل السحابة -درجة عالية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم صاحب الوسيلة- فقيل له: هذا منزلك -أي: أعلى من دار الشهداء ومن الدور كلها ومن منازل أهل الجنة كلهم- فقال: دعاني أدخل منزلي، فقيل له: إنه قد بقيت لك في الدنيا بقية). وهذا الحديث في أصح كتب السنة، وهو يبين لنا -عباد الله- صوراً مما يعذب به أصحاب القبور.

    وكذلك روى البيهقي في قصة إسراء النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أناس يزرعون ويحصدون في يوم واحد فسأل عن ذلك، فقيل: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]. ومر على رجال تكسّر وتهشّم رءوسهم بالحجارة فسأل عنهم؟ فقيل: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة. ومر على أناس على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون بين الضريع والزقوم ورضف جهنم فسأل عنهم؟ فقيل: هؤلاء الذين يمنعون زكاة أموالهم. ومر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل أمامه لحم طيب فيدعه ويأكل لحماً خبيثاً، والمرأة أمامها لحم طيب تدعه وتأكل لحماً خبيثاً، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقيل: هذا الرجل تكون عنده الزوجة الحلال الطيب فيدعها ويذهب عند امرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تكون عندها الزوج الحلال الطيب فتتركه وتذهب عند رجل خبيث، فتبيت عنده حتى تصبح.

    هذه صور من صور عذاب القبر.

    وعذاب القبر مما صرّح الأئمة بأنه من الغيب الذي يمكن أن يكشفه الله عز وجل لمن يشاء من عباده، كما صرّح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن رجب والحافظ ابن القيم ، فقالوا: إن رؤية الملائكة والجن وعذاب القبر من الغيب الذي يكشفه الله عز وجل لمن شاء من عباده.

    وعندنا في ذلك قصص كثيرة ومشاهد رآها الناس يقظة ومناماً، ونقتصر منها على قصة واحدة، وهي أن بعض طلاب العلم كانوا في مسجد من المساجد ومعهم أحد الشيوخ، ففوجئوا بأناس يدخلون المسجد في حالة فزع يقولون: أين الشيخ؟ أين الشيخ؟ فجاءوا إلى الشيخ فسألهم عن حاجتهم، فقالوا: إن معنا شاباً قد توفي اليوم بسبب حادث مروري، وذهبنا من أجل أن نقبره، فوجدنا في القبر ثعباناً، فخرج معهم الشيخ وقال لهم: احفروا له قبراً آخر، فحفروا له قبراً آخر فوجدوا أن الثعبان قد ظهر في القبر الآخر ينتظر هذا الشخص، فحفروا ثالثاً على بعد مائتي متر فوجدوه فيه، فقالوا: نحاول أن نخرجه من القبر، فحاولوا إخراجه فوقف على حافة القبر والناس ينظرون إليه، ومنهم من أُصيب بالفزع حتى أتوا لهم بالإسعاف وأتت الشرطة، ومنعوا اتصال الناس بهذا القبر، ثم لم تكن حيلة إلا أنهم دفنوه في القبر وأحاط به الثعبان وسمعوا عظامه تتحطم كما تتحطم ربطة الكراث. فهذا عذاب القبر، والله عز وجل يكشفه لمن شاء من عباده.

    فنسأل الله عز وجل أن يعيذنا من عذاب النار ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال .

    1.   

    اختلاف أحوال حياة البرزخ عن حياة الدنيا

    إن الحمد نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    ثم أما بعد.

    فقد يقول قائل: إننا نكشف القبور فلا نرى نيراناً تؤجج ولا نرى حيات سود أو دهم، ولا نرى القبر يضيق على صاحبه، ولا يملأ عليه خضراً، ولا يتسع عليه قبره بل القبر كما هو، والجواب -عباد الله-: إن الله جعل الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة، وجعل الله عز وجل لكل دار أحكاماً تختص بها.

    وأول ما تختص به دار البرزخ أن ملائكة الله عز وجل تنزل على العبد عند موته ولا يشهدهم الحاضرون، كما قال الله عز وجل: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة:85] فإن كان مؤمناً أتاه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، ويجلسون منه مد البصر ويقولون: أيتها الروح الطيبة! اخرجي إلى رضاً من الله ورضوان، وإن كان كافراً أتته ملائكة العذاب وتجلس ومعها المسوح، وتأمر روحه بالخروج، ومع ذلك فالحاضرون لا يشهدون ذلك ولا يسمعون شيئاً من ذلك، والميت يشاهد ذلك ويسمع شيئاً من ذلك، كما ورد عن بعض السلف أنه كان يقول: مرحباً بهذه الوجوه، ومد أحدهم يده وقال: أهلاً صاحبي أهلاً حبيبي، وقال بعضهم: هذا يوم أسود، عندما رأى السواد أمام عينيه مد البصر.

    والميت -عباد الله- الذي يموت على الإيمان وعلى طاعة الرحمن تبدو عليه السكينة وكأنه نائم، والذي يموت على غضب الله عز وجل وعلى معصيته ويُحال بينه وبين كلمة التوحيد تبدو عليه علامات الفزع والجزع والخوف، وقد يسود وجهه ويصير مثل القرص المحترق. وهذه العلامات تظهر -عباد الله- عند خروج الروح وعند الغسل وعند الدفن وبعد الدفن.

    والحاصل: أن كل ما هو من أمر الآخرة فقد غيّبه الله عز وجل عن حسّ المكلّفين حتى يتميز المؤمن من الكافر، فالملائكة تخاطب الروح، والعباد في الدنيا لا يرون ذلك ولا يسمعون، ثم تخرج روح المؤمن ولها رائحة أطيب من رائحة المسك، ولها شعاع أضوأ من شعاع الشمس، والحاضرون لا يشهدون ذلك ولا يشمونه، ثم تأتي الروح فتشاهد تغسيل البدن، ثم تسير روح المؤمن فوق الجنازة وتقول: قدّموني قدّموني، والحاضرون لا يسمعون ذلك ولا يشاهدونه، ثم لا يمنع التراب من أن الروح تتصل بالجسد اتصالاً يعلمه الله عز وجل حتى يُسأل العبد في قبره. فكل ما كان من أمور الآخرة فقد غيّبه الله عز وجل عن حسّ المكلّفين، والمسيح الدجال يأتي قبل القيامة بماء ونار، فماؤه نار تلظى، وناره ماء بارد، وقدرة الله عز وجل عجيبة، ولكن الناس يكذّبون.

    والعبد المؤمن إذا قبر يصير قبره روضة من رياض الجنة، ولو قُبر بجواره رجل كافر أو فاجر يكون قبره حفرة من حفر النار، وليس عند الأول خبر عن الثاني ولا عند الثاني خبر عن الأول. والإنسان قد يرى في النوم أنه في جنة الله عز وجل أو يرى أنه في حج أو عمرة، أو يزور أحبابه أو ما فيه فرح النفوس وبجواره شخص نائم يرى عكس ذلك، فقد يرى أنه يُعذّب أو يرى أنه في مصيبة من المصائب وليس عند أحدهما خبر عن الآخر.

    فالله عز وجل جعل الدور ثلاثة، وجعل لكل دار أحكاماً تختص بها، وحجب ما كان من أمور الآخرة عن حس المكلّفين، ولذلك يُعذّب أصحاب القبور عذاباً تسمعه البهائم، وفي بعض القرى إذا أُصيبت البهائم بالإمساك يذهبون بها إلى القبور فتخرج ما في بطونها لما تسمع من الهلع ومن الصراخ ومن الفزع، فهذا عذاب تُحس به البهائم وتسمعه؛ لأنها غير مكلفة، أما الإنس والجن فقد حجب الله عز وجل ذلك عن حسهم.

    1.   

    عذاب القبر أو نعيمه يعم كل شخص ولو لم يدفن أو تفرقت أجزاؤه

    وقد يقول قائل: هل العبد الذي لم يقبر كأن تتفرق أجزاؤه بحريق أو غرق أو يأكله السبع أو يُعلّق في مهاب الريح ينال من عذاب القبر؟

    الجواب: إن عذاب القبر -عباد الله- يلحق كل من استحق هذا العذاب سواء قُبر أو لم يُقبر، والله عز وجل قادر على أن يوصّل روح الكافر بذرات الجسد وإن تباعدت أجزاؤه، وأن ينال الجسد ما ينال الروح من العذاب، فالله عز وجل يجعل لروح المؤمن أو لروح الكافر اتصالاً بالذرات وإن تفرقت، وكان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام بين أيديهم، وسمع الصحابة رضي الله عنهم حنين الجذع اليابس للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال عز وجل: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44] وكان حجر يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل أن يُبعث، وكلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: السلام عليك يا رسول الله! فإذا كانت الجمادات فيها إدراك وتسبح بحمد الله عز وجل وقد سمع حنين الجذع وتسبيح الطائر فكيف بالجسد الذي كان يوماً شيئاً مذكوراً حياً متحركاً مريداً؟ كيف لا يذوق في القبر نعيماً أو عذاباً؟ وكيف لا يتنعم المؤمن في قبره؟ ولا يتعذب الكافر والفاجر في قبره؟

    1.   

    أسباب عذاب القبر

    أما أسباب عذاب القبر فهي إجمالاً:

    سخط الله عز وجل على العبد، فمن أسخط الله عز وجل في الدنيا وتمرد على شرعه عز وجل وانتهك حرماته استحق عذاب الله وسخطه عز وجل، وسينال قسطه ونصيبه من عذاب القبر، كما أن من أرضى الله عز وجل وسارع في رضاه عز وجل ومحابه فإنه ينال من نعيم القبر قبل أن ينال نعيم الآخرة، ويصير قبره روضة من رياض الجنة.

    وهناك أسباب وردت بها الأحاديث، فمن ذلك:

    عدم الاستبراء أو الاستنزاه من البول، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (استنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب القبر منه).

    ومن ذلك: السعي بالنميمة، والنميمة هي: نقل الكلام على سبيل الإفساد.

    ومن ذلك: الجهل بالله عز وجل وبدينه، كما يقول المفرّط: لا أدري، فالجاهل يُعذّب على جهله؛ لأنه ما تعلم التوحيد وما عرف طاعة الحميد المجيد، فيُعذّب على جهله بدين الله عز وجل، وعلى جهله برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن ذلك ما ورد في حديث سمرة : الرجل الذي يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، والرجل الذي ينام عن الصلاة المكتوبة أو يتعلم القرآن فلا يقوم به في الليل ولا يعمل به في النهار.

    ومن ذلك: الزناة والزواني.

    ومن ذلك: آكل الربا.

    ومن ذلك: الغلول، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه في قبره ناراً)، ومن الغلول استحلال المال العام؛ لأن الغلول سرقة من الغنيمة قبل أن تقسّم، واستحلال المال العام غصباً من أموال الناس كلهم، لأن هذا المال ليس ملكاً للحكومة ولا لرئيس الجمهورية، بل هو ملك لجميع المسلمين. فسرقة المال العام والأخذ منه هو من الغلول ومن أسباب عذاب القبور.

    1.   

    الأسباب المنجية من عذاب القبر

    وأما الأسباب التي تنجي من عذاب القبر فمنها:

    أن يتوب العبد إلى الله عز وجل صباح مساء.. أن يصبح على توبة وأن يمسي على توبة، وأن يستحضر الآخرة بين عينيه، وأن يستحضر اللحظات التي تخرج فيها روحه، والتي يكون فيها على هضبة يهبط منها إلى روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وهو لا يدري أين يُسلك به، فيبتعد عن أسباب سوء الخاتمة ويأخذ بأسباب حسن الخاتمة.

    ومن ذلك: المرابطة في سبيل الله عز وجل.

    ومن ذلك: الشهادة في سبيل الله عز وجل.

    ومن ذلك: تعلم سورة تبارك، قال صلى الله عليه وسلم: (إن سورة ثلاثون آية شفعت في صاحبها حتى نجاه الله عز وجل من العذاب).

    اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم إنا نسألك أن تهدي شباب المسلمين، وأن تهدي نساء المسلمين، وأن تهدي شيوخ المسلمين، وأن تهدي أطفال المسلمين. اللهم إنا نسألك أن ترفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، ورد المسلمين إليك رداً جميلاً. اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين. اللهم اقض الدين عن المدينين، اللهم اشف مرضى المسلمين، اللهم ارحم موتى المسلمين.

    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245399

    عدد مرات الحفظ

    723915008